وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة

١- وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ
قُوَّةٍ
٢- نحن في زمان لا يُتكلم فيه إلا بلغة القوة
٣- علمنا النبي إظهار القوة أمام الأعداء
٤ ـ
السلف كانوا يعتنون بتربية أبنائهم على القوة
٥ - الحث على تجهيز الجيش
٦- نماذج من معارك المسلمين الفاصلة
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ
قُوَّةٍ
قال اللهُ تَعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60]، فأمَرَ اللهُ تعالَى أنْ يَستَعِدَّ المُسلِمونَ لِمُواجَهةِ أعداءِ اللهِ وأعدائِهم بكُلِّ قُوَّةٍ مُتاحةٍ لَدَيْهم، ولَمَّا كان الرَّميُ مِن أهَمِّ أسبابِ القُوَّةِ، كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَحُثُّ عليه، ويُشجِّعُ المُسلِمينَ على تَعلُّمِه وإتقانِه.
️فقد ورد أنَّ النَّبيَّ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ مَرَّ على نَفَرٍ -والنَّفَرُ: مِنَ الثَّلاثةِ إلى العَشَرةِ مِنَ
الرِّجالِ- مِن قَبيلةِ أسْلَمَ يَنتَضِلُونَ، أي: يَتسابَقونَ في الرَّمْيِ بالسِّهامِ
والنَّبْلِ، قال لهمُ: «ارْمُوا بَنِي إسماعيلَ؛ فإنَّ أباكم كان رامِيًا»، يَعني:
ارْمُوا يا أبناءَ إسماعيلَ عليه السَّلامُ؛ وذلك لِأنَّ إسماعيلَ هو أبو العَرَبِ،
وكان رامِيًا مُتقِنًا لِلرَّميِ عليه السَّلامُ، «وأنا مع بَني فُلانٍ» أحَدِ الفَريقَيْنِ
المُتسابِقَيْنِ، وفي رِوايةٍ عِندَ ابنِ حِبَّانَ مِن حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ
عنه قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «وارْمُوا وأنا مع ابْنِ الأدْرَعِ» واسمُه مِحجَنُ
بنُ الأدرَعِ ، فلَمَّا رَأوْا ذلك أمسَكَ الفَريقُ الآخَرُ ولم يَرْمِ، فسَألَهمُ
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن سَبَبِ إمساكِهم وتَوقُّفِهم، قالوا: كيف نَرمِي
وأنتَ معهم؟! وهذا مِن تأدُّبِهم رَضيَ اللهُ عنهم؛ لِأنَّهم خافوا أنْ يُكمِلُوا فيَسبِقوا،
فيَكونَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ الفَريقِ الخاسِرِ، أو أنَّهم قالوا: كيف نُسابِقُ
فَريقًا أنتَ معه تُؤَيِّدُه؟! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ارْمُوا؛
فأنا معكم كُلِّكم»، يَعني: أُؤَيِّدُكم جَميعًا، وهذا حَثٌّ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ لهم لِأنْ يَستَمِرُّوا في تَعلُّمِ الرَّميِ والتَّباري فيه، وكَونُه
صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معهم فيه تَوجيهٌ لهم إلى تَصحيحِ القَصدِ وإصلاح النِّيَّةِ.
وفي الحَديثِ: ما كان عليه المُسلِمونَ
مِن تَوقيرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واحتِرامِه.
وورد في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقرأ الآية {﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
﴾} ثم يقول: «« أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ
أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ
»»
✍️وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلّم (القوة) في هذه الآية ب(الرمي) لأن
(الرمي) أَشَدّ نِكَايَة فِي الْعَدُوِّ وَأَسْرع في هزيمتهم ولذلك ورد عن خالد بن
زيد قال : كنت راميا أرامي عقبة بن عامر فمر بي ذات يوم فقال : يا خالد اخرج بنا نرمي
فأبطأت عليه فقال : يا خالد تعال أحدثك ما حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وأقول لك كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن الله يدخل بالسهم
الواحد ثلاثة نفر الجنة ، صانعه الذي احتسب في صنعته الخير ومتنبله ( الذي يناول النبل
إلى الرامي)، والرامي ارموا واركبوا ، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ، وليس من اللهو
إلا ثلاثة ، تأديب الرجل فرسه ، وملاعبته زوجته ، ورميه بنبله عن قومه ، ومن علم الرمي
ثم تركه ، فهي نعمة كفرها
" .
أيها الإخوة الكرام: وردت كلمة ( قوة) في الآية بدون (ألف) وبدون (لام) ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ
مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ لأن اللفظ إذا جاء مُنكراً دل على العموم والشمول
والعظمة..
وكأن الحكيم سبحانه وتعالى يقول للمسلمين أعدوا لعدوكم من القوة ما استطعتم وكل ما استطعتم وأوسع ما استطعتم، وأعظم ما استطعتم.."وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ"
أُتى كلمة ( قوة ) منكرة بلا (ألف ولام)
لتشمل القوة الجسدية والقوة السياسية والقوة الصناعية والقوة الإعلامية والقوة العسكرية
﴿وَأَعِدُّوا
لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
إن أدق ما في الآية كلمة (من)
، هذه (من) أيها الأخوة تفيد استغراق أفراد النوع ، ولنضرب مثلاً ، لو أنّ رجلاً سأل
شخصًا آخر : أعندك مالٌ لإنشاء مشروعٍ تجاري يكلف مليونين؟ يقول المسؤول منهما : ما
عندي مالٌ ، قد يقصد بهذا الجواب : ما عندي مالٌ كافٍ لهذا المشروع ، فهو معه مئة ألف
مثلاً والمشروع يحتاج إلى مليونين ، أما إذا قال لك المسؤول : ما عندي من مالٍ ، أضاف
" من" ، فالمعنى الدقيق أي ما عندي ولا جنيه مصري واحد ، إذًا "من
" تفيد استغراق أفراد النوع . فربنا عز وجل قال :
️﴿وَأَعِدُّوا
لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
بمعنى أيَّ شيءٍ ؛ العلم قوة ، التفوق في
العلم قوة ، استطلاع المعلومات قوة
إنّ هذه القوى ، المال قوة ، السلاح قوة ، التدريب قوة ، القيادة الحكيمة قوة هذه القوى يجب أن تستغرق كل أنواع القوى ، فكلمة
" من"
﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
يمكن أنْ تكون القوة الآن طائرة ، فعلى
عهد النبي لم توجد طائرات ، فلكي يفهم أصحابه الكرام ما معنى قوة ، قال علماء الأصول
: أحياناً نعطف بعض الشيء على ذاته ، وهذا ما قاله الله عز وجل :
️﴿وَأَعِدُّوا
لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾
أي من القوة رباط الخيل قوة ، لكنْ هذه
القوة مألوفة في عهد النبي ، فحتى يفهم أصحاب النبي ما القوة
﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾
من باب عطف الشيء على ذاته ، لكن هذه الآية
تصلح بعد ألف سنة ، بعد ألفين ، بعد خمسة آلاف سنة، فأيّة قوة يستخدمها المجتمع البشري
لتكون سلاحاً ضد أعدائه فهذه قوة
.
نحن في زمان لا يُتكلم فيه إلا بلغة القوة
نحن في زمان لا يُرى فيه، ولا يُسمع فيه، ولا يُتكلم فيه إلا بلغة القوة، زمان تُقطع فيه ألسنة الضعفاء، وتؤكل فيه حقوق الفقراء،
ولا يستطيع في هذا الزمان صاحب حق أن يتحصل على حقه إلا أن يكون قوياً.. من هنا جاءت
دعوة الإسلام تأمر المسلم أمراً وتُلزمه إلزاماً وتفرض عليه فرضاً أن يأخذ بكل أسباب
القوة.. قوة إيمان بالله تعالى ، قوة يقين
في وعد الله عز وجل، وقوة على الأرض تردع العدو ..
وانظروا كيف تحدث القرآن الكريم
عن المسلمين فذكر أنهم أشداء على عدوهم
فقال جل جلاله: ﴿ { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ
عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ } ﴾ والقرآن الكريم يتكلم عن المسلمين وأخبر
بأنهم أعزة فيقول الله عز وجل: ﴿ { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَٰكِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ﴾
القرآن الكريم يتكلم عن ثبات المسلمين وقوتهم وعدم ضعفهم فيقول: ﴿ { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَٰتَلَ مَعَهُۥ
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا
ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ} ﴾
علمنا النبي إظهار القوة أمام الأعداء
️عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أَنَّ قُرَيْشًا،
قَالَتْ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ! فَلَمَّا
قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِعَامِهِ الَّذِي اعْتَمَرَ
فِيهِ –عمرة القضاء-، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "ارْمُلُوا بِالْبَيْتِ ثلاثا –أي
في الثلاثة أشواط الأولى- لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوَّتَكُمْ" فَلَمَّا رَمَلُوا،
قَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا وَهَنَتْهُمْ –يعني حمى يثرب- "
رمل إذا أسرع في مشيته، وهز منكبيه، وهو
في ذلك لا يجري، الرمل: المشي السريع.
✍️وفي رواية لأحمد: "فقال المشركون: أهؤلاء الذين نتحدث أن بهم هزلا!
ما رضي هؤلاء بالمشي حتى سعوا سعيا!".
️وفي روية: فقال المشركون: "كأنهم الغزلان"
أيها الإخوة: إن من السياسة الشرعية الحكيمة
التي يعلمنا إياها نبينا -صلى الله عليه وسلم- في هذا المشهد إظهار القوة أمام الأعداء،
ولئن كانت القوة هي عنصر الحسم الأول في زمان مضى، فإنها اليوم بلا شك أظهر.
بل إن القوة صفة يحبها الله -تعالى- في
الأمة أفراداً وجماعات؛ ففي صحيح مسلم وفي السنن بإسناد صحيح عن أبي هريرة -رضي الله
عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من
المؤمن الضعيف، وفي كل الخير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك
شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدرُ الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح
عمل الشيطان".
السلف كانوا يعتنون بتربية أبنائهم على
القوة
فقد كان السلف الصالح يعتنون بتربية أبنائهم
على القوة، والهمم العالية.
️إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص يقول: كان أبي يعلمنا مآثر رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- ويعدها علينا وثرياه، ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم، يا بني
هذه مآثر آبائكم، فلا تضيعوا ذكرها.
️وقال علي بن الحسين: كنا نعلم مغازي النبي -صلى الله عليه وسلم- وسراياه؛
كما نعلم السورة من القرآن.
️وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح: أن علموا غلمانكم العوم السباحة- ومقاتلتكم الرمي.
️إن المآلات مرهونة بالبدايات، فمن تربى على معاني القوة، ومضامين القوة؛
سيجد أثر ذلك في تكوينه، فلنسع لهذا النوع من التربية.
️القوة المادية للأمة أفراداً وجماعات مهمة جداً، بل ضرورية، فلا مناص
للعز بعد الإيمان إلا بقوة ترفع رأس الأمة، وتعيد كرامتها.
️ونعود، ونذكر بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- للصحابة لما كانوا يطوفون
بالبيت أمام المشركين: "ارْمُلُوا بِالْبَيْتِ ثلاثا لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوَّتَكُمْ"
ذلك أن القوة حاسمة في إظهار الهيبة لدين الله، وللمسلمين.
دعـا المصطفى دهراً بمكة لم يجـب *** وقد
لان منـه جانب وخطاب
فلما دعا والسيف صلت بكــفه *** له أسلموا
واستسلموا وأنابوا
على النصر خيل الله سير رعيلها *** وجهز
جنود الحق حيث تساب
وسير ذوي الرايات أعلام حاشدا *** فهيهات
أن ينسد دون سباب
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على
تجهيز الجيش ويبشر من يساهم تجهيز الجيش بالحنة
الحث على تجهيز الجيش:
لما كانت هذه الغزوة( غزوة تبوك ) في زمان
عُسْرَةٍ من الناس، وجدْبٍ في البلاد، حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على البذل والإنفاق
فيها فقال: (من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزه عثمان بن عفان رضي الله عنه) رواه
البخاري.
وقد استجاب الصحابة رضوان الله عليهم لنداء
النبي صلى الله عليه وسلم، وتسابقوا كعادتهم في البذل، وضربوا أروع الأمثلة في العطاء،
فجاء أبو بكر رضي الله عنه بماله كله وكان أربعة آلاف درهم، وجاء عمر رضي الله عنه
بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بنصف ماله، وجاءالعباس رضي الله عنه
بمالٍ كثير
..
وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء بثلاثمائة
بعير بأحلاسها وأقتابها وبألف دينار استجابة لنداء النبي صلى الله عليه وسلم: (من جهز
جيش العسرة فله الجنة)، حتى أكْبر النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل عثمان رضي الله
عنه فقال: (ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم) رواه الترمذي وصححه الألباني. قال ابن
حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري: "باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي
رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يحفر بئر رومة فله الجنة) فحفرها عثمان،
وقال: (من جهز جيش العسرة فله الجنة) فجهزه عثمان".
لمَّا سارع الصحابة رضوان الله عليهم بصدقاتهم
ونفقاتهم لتجهيز جيش العسرة، ورأى فقراء المسلمين ما بذل إخوانهم، اشتاقوا ـ رغم فقرهم
ـ إلى أن يبذلوا وينفقوا، ولم يتعللوا ويعتذروا بفقرهم، بل شاركوا الأغنياء بما يستطيعون،
حتى أن أبا عقيل رضي الله عنه جاء بنصف صاع من تمر، مشاركاً به في هذه الغزوة، وملبياً
لنداء النبي صلى الله عليه وسلم في تجهيز جيش العسرة، قال ابن حجر: "عن أبي مسعود
قال: لما أُمِرْنا بالصدقة (في تبوك) كنا نتحامل (يحمل بعضنا لبعض)، فجاء أبو عقيل
بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه"..
حتى الذي بلغ منهم الفقر غايته ولا يملك
شيئاً يتصدق به ـ وهو عُلبة بن زيد بن حارثة رضي الله عنه ـ يقول: (اللهم إنه ليس عندي
ما أتصدق به، اللهم إني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو
عِرْض، ثم أصبح مع الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين المتصدق بعرضه البارحة؟
فقام عُلبة رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبشر فوالذي نفسي بيده لقد
كُتبت في الزكاة المتقبلة) رواه البيهقي في شعب الإيمان وصححه الألباني، وقال أبو نعيم
في "معرفة الصحابة" في حديثه عن علبة بن زيد رضي الله عنه: "عُلبة بن
زَيْدٍ الأنصاريّ الحارثيّ أبو مُحمد، لَهُ صُحْبَة، الْمُتَصَدِّقُ بِعِرْضه على الناس".
شارك وسارع الصحابة رضوان الله عليهم في
تجهيز جيش العسرة، حتى النساء جاءت بما قدرن عليه من صدقات وحليّ، ووضعنه بين يدي النبي
صلى الله عليه وسلم، طمعاً في موعوده بقوله: (من جهز جيش العسرة فله الجنة)، وكل هذا
استجابة لنداء ربهم في قوله سبحانه: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}(التوبة:41)،
قال السعدي: "أي: ابذلوا جهدكم في ذلك، واستفرغوا وسعكم في المال والنفس، وفي
هذا دليل على أنه - كما يجب الجهاد في النفس - يجب الجهاد في المال، حيث اقتضت الحاجة
ودعت لذلك".
ومع ما فعله الصحابة ـ الأغنياء منهم والفقراء
ـ من الصور العظيمة في البذل والعطاء في غزوة تبوك (العسرة)، إلا أن المنافقين كعادتهم
مع المؤمنين ـ من الاستهزاء والتثبيط ـ، أخذوا يسخرون ويلمزون الصحابة في صدقاتهم ونفقاتهم،
ويتضاحكون ويقولون: إن الله لغني عن صاع هذا، وما يفعل صاع تمر في قتال الروم، وفي
ذلك نزل قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ
فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(التوبة:79)، قال ابن كثير:
"وهذا أيضا من مخازي المنافقين، فكانوا ـ قبَّحَهُم الله ـ لا يَدَعُون شيئاً
من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالاً إلا قالوا وطعنوا بغياً وعدوانا، فلما حثَّ
الله ورسوله على الصدقة، بادر المسلمون إلى ذلك، وبذلوا من أموالهم كل على حسب حاله،
منهم المكثر، ومنهم المقل، فيلمزون المُكْثِر منهم، بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة،
وقالوا للمقل الفقير: إن الله غني عن صدقة هذا، فأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ}
أي: يعيبون ويطعنون {الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} فيقولون:
مراءون، قصدهم الفخر والرياء. {و} يلمزون {الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ}
فيخرجون ما استطاعوا ويقولون: الله غني عن صدقاتهم {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ}، فقابلهم
الله على صنيعهم بأن {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .. وقولهم
لصاحب الصدقة القليلة: "الله غني عن صدقة هذا" كلام مقصوده باطل، فإن الله
غني عن صدقة المتصدق بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه تعالى
أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فالله - وإن كان غنياً عنهم - فهم فقراء إليه {فَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}(الزَّلزلة:7)".
✍️في قصة غزوة تبوك أو العُسْرة وتفاعل الصحابة رضوان الله عليهم مع قول
النبي صلى الله عليه وسلم: (من جهز جيش العسرة فله الجنة) دلالة على حرصهم على البذل
والعطاء، ومسارعتهم إلى الصدقة والإنفاق في سبيل الله، كما أن في هذه الغزوة المباركة
برهان على أن الإيمان بالله تعالى يفوق كل قوة وزاد، فرغم قلة المال والسلاح، والطعام
والشراب، وبُعْد المسافة وشدة الحر إلا أن الصحابة رضوان الله عليهم استطاعوا الوصول
إلى تبوك، وحاصروا عدوهم المُقيم على أرضه والمدجج بالأسلحة، وقد انتهت هذه الغزوة
بانتصار المسلمين، بلا صدام أو قتال، لأن جيش الروم تشتت وتبدد في البلاد خوفاً من
مواجهة المسلمين، مما كان له الأثر الكبير في حدوث تغيرات عسكرية في المنطقة، والتمهيد
لفتح الشام، وإسقاط هيبة الدولة العظمى (الروم) في ذلك الوقت.
نماذج من معارك المسلمين الفاصلة
1. غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة
:ـ
ففي رمضان من السنة الثانية للهجرة خرج
المسلمون بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعترضوا قافلة لقريش يقودها أبو سفيان،
ولكن أبا سفيان غَيّرَ طريقه إلى الساحل واستنفر أهل مكة، فخرجوا لمحاربة المسلمين
والتقى الجمعان في بدر في السابع عشر من رمضان سنة اثنتين للهجرة . ونصر الله رسوله
والمؤمنين رغم قلة عددهم وعدتهم فقد كانوا ثلاثمائة وسبعة عشر وكان المشركون أكثر من
ألف وأثمرت نتائج النصر ثماراً كثيرة، فقد ارتفعت معنويات المسلمين وعلت مكانتهم عند
القبائل التي لم تسلم بعد، واهتزت قريش في أعماقها وخسرت كبار صناديدها وأعمدة الكفر
فيها، وأخذت تعد للثأر والانتقام. وخلال سنة تحققت للمسلمين في المدينة عوامل أمن خارجية
وداخلية فقبائل غطفان وسليم التي كانت تعد لمهاجمة المسلمين بلغها انتصار المسلمين
في بدر وتحركهم بعد ذلك لضربها، فخافت وتركت ديارها وخلفت غنائم كثيرة للمسلمين، كما
أجلي بنو قينقاع إحدى قبائل اليهود لكيدهم بالمسلمين وعدوانيتهم.
كانت تلك الغزوة فرقانا بين الحق والباطل،
تلك الغزوة التي جعلت للمسلمين كيانا مهابا وجانبا مصونا ، فكانت تلك الحادثة عرسا
حقيقيا في رمضان وفرحا صادقا للمسلمين في شهر الفرقان .
2- عين جالوت في فلسطين سنة 658 هجرية :ــ
"عين جالوت" بلدة من أعمال فلسطين المغتصبة
- ردها الله إلى المسلمين قريبًا - وهي بلدة بين بيسان ونابلس.
وبطل هذه المعركة الجليلة هو السلطان المظفر
سيف الدين قُطز بن عبد الله المعزي، الذي تولَّى الحكم في مصر .
استمر المغول في زحفهم المدمر حتى دخلوا
بغداد عاصمة الخلافة العباسية، واستطاع "هولاكو" -حفيد جنكيز خان- إسقاط
الخلافة العباسية، وقتْل الخليفة العباسي سنة 1258م، وتدمير بغداد عاصمة الخلافة.
وواصل هولاكو تقدمه، فاستولى على حلب ودمشق،
وكان بغي التتار قد امتد وزاد حتى احتلوا بلدة "الخليل" وبلدة "غزة"
من أرض فلسطين، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء والصبيان، واستاقوا من الأسرى عدداً كبيراً
، ولم يبق أمامه إلا مصر، حصن الإسلام المنيع، وكنانة الله في أرضه، فأرسل هولاكو رسالة
تهديد لحاكم مصر آنذاك السلطان "سيف الدين قطز"، ويطلب منه الاستسلام، فأبى
السلطان قطز، وأخذ يعد جيوشه وأرسل قوة استطلاعية بقياد "بيبرس" الذي استطاع
أن يهزم إحدى الفرق المغولية
.
ورحل السلطان قطز بعساكره ونزل الغور بعين
جالوت في فلسطين، وكانت جموع التتار هناك، وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان
قامت معركة عنيفة بين الفريقين، وتقاتلوا قتالاً شديدًا لم ير الناس مثله، واشتد الأمر
في بدء المعركة على المسلمين، فاقتحم قطز ميدان المعركة، وباشر القتال بنفسه، وأبلى
في ذلك اليوم بلاء حسنًا. وحقق المسلمون نصرًا ساحقًا على جيش المغول، وأسروا قائدهم،
وأمر "قطز" بقتله.
وانتهت بانتهاء معركة عين جالوت أسطورة
الجيش المغولي الذي لا يقهر، واستطاع المسلمون إنقاذ العالم كله من همجية المغول وخطرهم .
3- العاشر من رمضان (نصر أكتوبر):
إن أعظم حدث في العصر الحديث إنما هو نصر
أكتوبر المجيد الذي وقع في العاشر من رمضان عام (١٣٩٣هـ) = السادس من أكتوبر ١٩٧٣م،
حيث التقى المصريون مع عدوهم الغاشم على أرض سيناء الحبيبة، فهَزم الجيش المصري العظيم
هذا المحتل، وأبطل مقولته التي طالما تغنى بها "الجيش الذي لا يقهر"، واستردوا
أرضهم، وحموا عرضهم، ورفعوا راية بلادهم عالية خفاقة.
الصيام والتكبير من أهم عوامل النصر:
عبر جنودنا وهم صائمون، رغم أن الشرع الحنيف
رخص لهم الفِطر لكن أبت أخلاق هؤلاء العظام، ومحبتهم للشهادة في سبيل تحرير وطنهم،
إلا أن يكونوا صائمين: "لا نريد أن نفطر إلا في الجنة"، وعلت أصواتهم بكلمة
«الله أكبر»، وكان عنصر المفاجأة أذهل الجميع، وخرج العدو من وكره مذعوراً خائفاً من
هؤلاء الأبطال البواسل الذي جاءوا من كل حدب وصوب، وتدفَّقوا كالسيل العرم، وكانت الروح
المعنوية التي قام بها مولانا العارف بالله الإمام الأكبر أ.د/ عبد الحليم محمود لجنودنا
لها عظيم الأثر في تخفيف حرارة الجو، ووطأة الموقف حيث بشرهم أنه رأى النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام، وهو يرفع راية «الله أكبر».
خير أجناد الأرض:
وما زال الجيش المصري على العهد باقيًا،
وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها رغم كيد الكائدين، وأبواق المفسدين، مصداقًا
لقول سيد المرسلين؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا
فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض»، فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول
الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» [رواه ابن عبد الحكم في
"فتوح مصر"]
.
لقد استطاع فيها الجيش المصري أن يدحر عدوه،
وأن يسترد أرضه، ويحمي عرضه، ويفرض إرادته العادلة على الأرض المباركة، أرض سيناء الحبيبة،
وانتصرت مصر في هذه المعركة انتصارا خُلِّد ذكراه في تاريخ الحروب المشروعة، ورغم قوة
العدو وتفوقه في بعض المجالات إلا أن جيش مصر أعطى درسا في الشجاعة والقدرة على التخطيط
والبسالة، صار بعد ذلك ضمن الدروس المنهجية في العلوم القتالية التي تدرس في أعرق الكليات
العسكرية.
أيها الأحبة
الإعداد ليس إعدادَ فردٍ فحسب؛ وإنما إعداد
أمة بأكملها، كلٌّ يسعى ويجتهد، ولا يدَّخر جهدًا ولا طاقة، فالإعداد كلُّه واجب لتحقيق
هدف إيقاع "الرهبة" في نفوس أعدائكم؛ حتى لا يُعتدى عليكم ويكفَّ عنكم، وحتى
تتحقق الغاية، وهي رضا الله عز وجل عند اتباع أوامره، ونفوز بالجنة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين