recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أسباب القوة والتمكين الشَّيْخُ / مُحَمَّدُ سَيِّدُ حُسَيْنٍ عَبْدُ الوَاحِدِ.

  أَسْبَابُ القوة والتَّمْكِينِ


العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ قوة .

العُنْصُرُ الثَّانِي: العُبُودِيَّةُ الكَامِلَةُ لِلَّهِ وَالإِخْلَاصُ لَهُ قوة.

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: السَّعْيُ الصَّادِقُ وَالأَخْذُ بِأَسْبَابِ النَّجَاحِ وَالتَّمَكُّنِ قوة.

العُنْصُرُ الرَّابِعُ: إِقَامَةُ العَدْلِ وَالإِصْلَاحِ وَالاعْتِصَامُ بِاللَّهِ تعالى قوة.

المَوْضُوعُ وَكَأَنَّكَ تُلْقِيهِ عَلَى المِنْبَرِ

أَمَّا بَعْدُ، فَيَقُولُ رَبُّ العَالَمِينَ سُبْحَانَهُ:﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ». قُلْتُ: زِدْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا». قُلْتُ: زِدْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».

أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤْمِنُونَ، أَحْبَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اليَوْمَ مَوْعِدُنَا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَتَحَدَّثَ عَنْ بَشَائِرَ وَمُبَشِّرَاتٍ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ..

بشائر ومبشرات سَاقَهَا إِلَيْنَا رَبُّنَا سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَمَا أَحْوَجَنَا، خَاصَّةً فِي هَذِهِ الأَيَّامِ العَصِيبَةِ، لِأَنْ نَسْمَعَ إِلَى شَيْءٍ يُخَفِّفُ عَنْ نُفُوسِنَا آلَامَهَا وَأَحْزَانَهَا.

عَهْدٌ وَوَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ المِيعَادَ، أَنْ يُصْلِحَ الأَحْوَالَ، وَأَنْ يُحَسِّنَ العَوَاقِبَ، وَأَنْ يُحَقِّقَ لِلنَّاسِ كُلَّ مَا يُرْضِيهِمْ مِنْ أَمْنٍ وَأَمَانٍ وَاسْتِقْرَارٍ وَرَخَاءٍ وَصَفَاءٍ وَنَصْرٍ وَعِزَّةٍ وَمَهَابَةٍ، وَعْدٌ مِمَّنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الأَمْرُ كُلُّهُ.

قَالَ وَهُوَ أَصْدَقُ القَائِلِينَ:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.

فِي هَذِهِ الآيَةِ مِنْ سُورَةِ النُّورِ، أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ فِي خَلْقِهِ أَنْ يَنْصُرَ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ، أَنْ يَجْعَلَ مِنْهُمْ أَقْوَى أُمَمِ الأَرْضِ، وَأَنْ يَسْتَخْلِفَهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَأَنْ يُمَكِّنَ لَهُمْ، وَأَنْ يُبَدِّلَهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا.

لَكِنْ مَتَى؟

هَذَا هُوَ السُّؤَالُ، هَذَا مَا يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَبَّهَ لَهُ.

مَتَى يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَطْمَعَ فِي أَنْ يُصْلِحَ اللَّهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ أَحْوَالَنَا؟

مَتَى يَسْتَخْلِفُنَا رَبُّنَا فِي أَرْضِهِ؟

مَتَى يُمَكِّنُ لَنَا رَبُّنَا فِي الأَرْضِ؟

مَتَى يُبَدِّلُنَا رَبُّنَا مِنْ بَعْدِ خَوْفِنَا أَمْنًا؟

هَذَا هُوَ السُّؤَالُ.

مَنْ كَانَ يَحْسَبُ أَنَّ الآمَالَ تَتَحَقَّقُ بِكَثْرَةِ الكَلَامِ وَالجِدَالِ وَقِلَّةِ العَمَلِ، مَنْ كَانَ يَحْسَبُ أَنَّ الآمَالَ تَتَحَقَّقُ بِالمَجَّانِ، فَلْيُعِدَّ نَفْسَهُ مُصِيبَةً مِنْ مَصَائِبِنَا.

مَثَلُهُ كَرَجُلٍ لَهُ بُسْتَانٌ مُثْمِرٌ مُوَرَّقٌ، هذا البستان يُجَاوِرُ نَهْرًا، بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْرِ كَفٌّ مِنْ تُرَابٍ، وَذَبُلَ البُسْتَانُ وَجَفَّتِ الثِّمَارُ، وَسَقَطَتِ الأَوْرَاقُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ العَطَشِ، فَقَامَ الرَّجُلُ صاحب البستان بَدَلًا مِنْ أَنْ يُزِيلَ الكَفَّ مِنَ التُّرَابِ لِيَصِلَ مَاءُ النَّهْرِ إِلَى البُسْتَانِ، قَامَ لِيَتَوَضَّأَ مِنَ النَّهْرِ وَيُصَلِّيَ صَلَاةَ الاسْتِسْقَاءِ، وَيَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يُغِيثَ بُسْتَانَهُ!

أَتَطْمَعُ أَنْ تَرَى غَرْسًا، وَتَهْفُوَ إِلَى ثَمَرَاتِهِ، قَبْلَ الغِرَاسِ؟! مُحَالٌ.

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ قَادِرًا أَنْ يَنْصُرَ نُوحًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ، لَكِنَّهُ تَرَكَهُ يَأْخُذُ بِالسَّبَبِ، يَدْعُو لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا، أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، ثُمَّ نَجَّاهُ اللَّهُ بِسَفِينَةٍ لَمْ تَنْزِلْ لَهُ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّمَا صَنَعَهَا نُوحٌ بِيَدَيْهِ.

سُنَّةُ اللَّهِ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.

فَمَا نَيْلُ المَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ أَلْقِ دَلْوَكَ فِي الدِّلَاءِ.

نَنَالُ كُلَّ مَا نَتَمَنَّاهُ مِنْ أَمْنٍ وَأَمَانٍ وَاسْتِقْرَارٍ وَرَخَاءٍ وَصَفَاءٍ وَنَصْرٍ وَعِزَّةٍ وَمَهَابَةٍ، لَكِنْ بِشُرُوطٍ جَاءَتْ فِي الآيَةِ وَاضِحَةً وُضُوحَ الشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ..

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.

لِتَنَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ مَا تَرْجُوهُ مِنَ الرِّفْعَةِ وَالكَرَامَةِ وَالمَهَابَةِ فِي دُنْيَا النَّاسِ، لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تُقَدِّمَ الأُمَّةُ أَوْرَاقَ اعْتِمَادِهَا إِلَى رَبِّهَا، فَإِذَا قَدَّمَتِ الأُمَّةُ أَوْرَاقَ اعْتِمَادِهَا إِلَى رَبِّهَا كَامِلَةً مُسْتَوْفِيَةً، نَالَتِ الأُمَّةُ مَا وَعَدَهَا بِهِ رَبُّهَا.

﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾.

الوَرَقَةُ الأُولَى مِنْ أَوْرَاقِ الاعْتِمَادِ هِيَ الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ.

فَاللَّهُ تَعَالَى بَدَأَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

لَيْسَ الإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ وَصَدَّقَهُ العَمَلُ، وَإِنَّ قَوْمًا غَرَّتْهُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وَلَا حَسَنَةَ لَهُمْ، وَقَالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ، وَكَذَبُوا، لَوْ أَحْسَنُوا الظَّنَّ لَأَحْسَنُوا العَمَلَ.

لَا يَكُونُ العَمَلُ صَالِحًا، وَلَا صَحِيحًا، وَلَا مَقْبُولًا، إِلَّا إِذَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ، وَمُوَافِقًا لِهَدْيِ المُصْطَفَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

العَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ أَنْ تُقِيمَ أَرْكَانَ الإِسْلَامِ؛ أَنْ تَشْهَدَ بِحَقٍّ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَنْ تُصَلِّيَ، أَنْ تَصُومَ إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ، أَنْ تُخْرِجَ زَكَاةَ مَالِكَ إِنْ كُنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الأَمْوَالِ، وَأَنْ تَحُجَّ البَيْتَ الحَرَامَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

أَنْ تَكُونَ حَسَنَ التَّعَامُلِ، حَسَنَ الأَخْلَاقِ مَعَ الوَالِدَيْنِ وَمَعَ ذَوِي الأَرْحَامِ، أَنْ تُحْسِنَ إِلَى الجِيرَانِ وَإِلَى الفُقَرَاءِ وَأَصْحَابِ الحَاجَاتِ، وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ.

الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ أَنْ يَقُومَ بِحَمْلَةِ تَطْهِيرٍ لِكُلِّ مَا لَوَّثَهُ وَدَنَّسَهُ مِنْ مَسَاوِئِ الأَخْلَاقِ وَالأَعْمَالِ.

عِنْدَ ذَلِكَ أَبْشِرْ بِوَعْدِ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَكَ بِهِ، فَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

أَمَّا الوَرَقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ أَوْرَاقِ الاعْتِمَادِ الَّتِي عَلَى الأُمَّةِ أَنْ تُقَدِّمَهَا لِرَبِّهَا لِتَنَالَ مَا تَتَمَنَّى، فَوَرَقَةُ العُبُودِيَّةِ الكَامِلَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

فَلِهَذَا خُلِقَ ابْنُ آدَمَ، وَبِهَذَا أُمِرَ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَبُّنَا فِي قَوْلِهِ:

﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.

حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَحْدَهُ، لَا عَبْدًا لِشَهَوَاتِكَ وَنَزَوَاتِكَ، وَلَا عَبْدًا لِمَالِكَ وَجَاهِكَ، وَلَا عَبْدًا لِفِكْرِكَ وَانْتِمَائِكَ.

فَالعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ شَرَفٌ، وَأَيُّ شَرَفٍ، وَالعُبُودِيَّةُ لِغَيْرِ اللَّهِ مَذَلَّةٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ».

لَيْسَ هُنَاكَ أَغْنَى مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾.

مَنْ عَمِلَ عَمَلًا يَطْلُبُ مِنْ وَرَائِهِ أَنْ يُنَعِّمَ عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ بِالمَدْحِ وَالثَّنَاءِ مِنَ النَّاسِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشِّرْكِ الأَصْغَرِ، وَهُوَ الرِّيَاءُ، الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ صَاحِبِهِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَلَا سُنَّةً وَلَا فَرْضًا، بَلْ إِنَّ المُرَائِيَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِ نَارُ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ نَزَلَ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ، وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يُدْعَى بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ.

فَيَقُولُ اللَّهُ لِلقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ المَلَائِكَةُ لَهُ: كَذَبْتَ. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ.

وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ. فَيَقُولُ اللَّهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ.

وَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ الَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ، فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ. فَيَقُولُ اللَّهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ المَلَائِكَةُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ.

ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتِي، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ».

أَمَّا الوَرَقَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ أَوْرَاقِ الاعْتِمَادِ، فَهِيَ السَّعْيُ الصَّادِقُ وَالعَمَلُ الدَّؤُوبُ المُتَوَاصِلُ، وَالأَخْذُ بِأَسْبَابِ النَّجَاحِ وَالتَّفَوُّقِ الَّتِي أَخَذَ بِهَا غَيْرُنَا وَتَفَوَّقُوا بِهَا، وَالَّتِي يَأْتِي عَلَى رَأْسِهَا الاهْتِمَامُ بِالمَوَاهِبِ، وَحُسْنُ اخْتِيَارِ الكَوَادِرِ الجَادَّةِ، وَوَضْعُ الرَّجُلِ المُنَاسِبِ فِي المَكَانِ المُنَاسِبِ.

وَالسَّعِيدُ مَنْ وَعَظَ بِغَيْرِهِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:

﴿وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ۝ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ۝ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ ۝ وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُهَيِّئَ لَنَا أَمْرَ رُشْدٍ، يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ، وَيُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِهِ، إِنَّهُ عَلَىٰ مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ، وَبِالإِجَابَةِ جَدِيرٌ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

بقي لنا في ختام الحديث عن البشارات والمبشرات بالنصر والتمكين بقي لنا أن نقول:

إِذَا قَدَّمَ النَّاسُ أَوْرَاقَ اعْتِمَادِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَآمَنُوا بِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَعَمِلُوا مِنَ الصَّالِحَاتِ مَا يُرْضِيهِ وَيُرْضِي رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، وَمَشَوْا فِي مَنَاكِبِ الأَرْضِ يُثِيرُونَهَا وَيُعَمِّرُونَهَا، وَيَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَفَّى اللَّهُ لِخَلْقِهِ بِوَعْدِهِ الَّذِي وَعَدَهُمْ بِهِ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ۝ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾.

إِذَا قَدَّمَ النَّاسُ أَوْرَاقَ اعْتِمَادِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ، فَجَعَلَ أَمْرَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ، فَوَلَّى عَلَيْهِمْ خِيَارَهُمْ، وَلَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْهِمْ مَنْ لَا يَخَافُهُ وَلَا يَرْحَمُهُمْ، وَجَعَلَ الأَمْنَ وَالأَمَانَ عَلَمًا يُرَفْرِفُ عَلَى سَمَاءِ بِلَادِهِمْ لَيْلَ نَهَارَ، وَقَذَفَ النَّقَاءَ وَالمَوَدَّةَ وَالصَّفَاءَ فِي النُّفُوسِ قَذْفًا.

إِذَا قَدَّمَ النَّاسُ أَوْرَاقَ اعْتِمَادِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، وَضَعَ اللَّهُ لَهُمُ المَهَابَةَ فِي قُلُوبِ الإِنْسِ وَالجِنِّ وَالطَّيْرِ وَالبَهَائِمِ وَالهَوَامِّ.

هَا هُوَ عُقْبَةُ بْنُ نَافِعٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ قَائِدًا مِنْ قَادَةِ المُسْلِمِينَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَلَّفَهُ مُعَاوِيَةُ: إِذَا مَرَرْتَ بِأَرْضِ تُونُسَ فَابْنِ بِأَرْضِ كَذَا مَدِينَةً تَكُونُ مَرْكَزًا لِلمُسْلِمِينَ، وَهِيَ مَا تُسَمَّى فِي الوَقْتِ الحَاضِرِ فِي تُونُسَ: «مَدِينَةُ القَيْرَوَانِ».

فَقَرَّرَ عُقْبَةُ بْنُ نَافِعٍ أَنْ يَبْنِيَ المَدِينَةَ لِتَكُونَ مَرْكَزًا لِلمُسْلِمِينَ فِي تِلْكَ البِلَادِ، فَقَالَ أَهْلُ البِلَادِ: أَيُّهَا القَائِدُ! هَذِهِ أَرْضٌ تَكْثُرُ فِيهَا الوُحُوشُ وَالسِّبَاعُ وَالهَوَامُّ، يَرْجِعُ كُلُّ الفَاتِحِينَ دُونَهَا، ابْحَثْ عَنْ مَكَانٍ مُنَاسِبٍ.

قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَبْنِيهَا إِلَّا فِي هَذَا المَكَانِ.

يَقُولُونَ: إِنَّهُ وَقَفَ حَافَّةَ الغَابَةِ يُخَاطِبُ السِّبَاعَ، وَيَقُولُ: أَيَّتُهَا الوُحُوشُ، نَحْنُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جِئْنَا هُنَا لِنَنْشُرَ دِينَ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، فَأَخْلُوا لَنَا المَكَانَ.

يَقُولُ شَاهِدُ عِيَانٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَا الوُحُوشَ تَحْمِلُ أَوْلَادَهَا عَلَى ظُهُورِهَا، وَتَخْرُجُ مِنَ الغَابَةِ لِتُخْلِيَ المَكَانَ لِجُنْدِ اللَّهِ.

كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ، أَطَاعُوا اللَّهَ فَطَوَّعَ اللَّهُ لَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ.

لِيَبْنِيَ مَدِينَةَ القَيْرَوَانِ فِي تِلْكَ الغَابَةِ، لَا لِيَرْكَنَ إِلَيْهَا وَيَجْلِسَ فِيهَا وَيَتَنَعَّمَ بِهَا، بَلْ يَنْطَلِقَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاتِحًا فِي الأَرْضِ، حَتَّى يَقِفَ بِقَوَائِمِ فَرَسِهِ فِي أَطْرَافِ المُحِيطِ الأَطْلَسِيِّ، لِيَقُولَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ:

«وَاللَّهِ، لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ وَرَاءَ هَذَا البَحْرِ أَرْضًا وَأَقْوَامًا لَخُضْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

هَذِهِ عِزَّةُ المُؤْمِنِينَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا:

﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤْمِنِينَ﴾.

أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا الخَيْرَ أَجْمَعِينَ إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير

 

 .

google-playkhamsatmostaqltradent