الذوق العام... رُقيُّ السلوك وجمال الأخلاق

الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأتقن
كل شيء صنعه، وأمر عباده بمحاسن الأخلاق، وجميل الأقوال والأفعال، نحمده سبحانه حمد
الشاكرين، ونستغفره استغفار المذنبين، ونتوب إليه توبة الصادقين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي قال تعالى في كتابه العزيز
ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه
من خلقه وحبيبه، صاحب الخلق العظيم، والقول الكريم، والسلوك القويم يقول صلوات ربي
وسلامه عليه انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه،
ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصرة
بتقوى الله عز وجل.
ثانيًا: عناصر الخطبة
1-الذوق مع الله عز وجل أدب العبودية وجمال
الطاعة
2-الذوق العام عبادة وأخلاق، وليس مجرد عادات.
3-الذوق في الكلام: الكلمة الطيبة وحفظ اللسان.
4-الذوق في الطريق: حقوق الناس واحترام المرافق
العامة.
5-الذوق في البيوت والمجالس: احترام الآخرين
ومراعاة مشاعرهم.
6-الذوق في استخدام الهاتف ومواقع التواصل
الاجتماعي.
7-الذوق في المسجد والعمل والتعامل مع أصحاب
الحاجات.
8-كيف نعيد الذوق العام إلي حياتنا
العنصر الأول: الذوق مع الله عز وجل...
أدب العبودية وجمال الطاعة
أيها المؤمنون، إذا كان الذوق مع الناس
يدل على رقي الأخلاق، فإن الذوق مع الله عز وجل يدل على صدق العبودية، وكمال التعظيم،
وحياة القلب.
وما أجمل أن يتعلم الإنسان كيف يتأدب مع
خالقه، الذي أوجده من العدم، وأسبغ عليه النعم، وستر عليه العيوب، وفتح له أبواب التوبة،
ولم يقطع عنه فضله وإحسانه!
فالذوق مع الله أن تعرف قدره، وتعظِّم أمره،
وتجتنب نهيه، وتستحيي منه حق الحياء، وأن يكون ظاهرك وباطنك شاهدين على صدق محبتك له
سبحانه.
أولًا: الذوق مع الله في عبادته
من الذوق مع الله ألا يقف العبد بين يديه
بجسد غائب وقلب شارد، وألا يجعل الصلاة حركات يؤديها ليتخلص منها، بل يقف وقوف الفقير
بين يدي الغني، والضعيف بين يدي القوي، والمذنب بين يدي الغفور الرحيم.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].
فالخشوع أدب مع الله، والطمأنينة في الصلاة
أدب مع الله، وتعظيم كلامه عند تلاوته أدب مع الله.
ومن الذوق مع الله أن تحافظ على الصلاة
في وقتها، وأن تقبل عليها بقلبك قبل جسدك، وأن تحرص على إتقان وضوئك وصلاتك، وأن تجاهد
نفسك لتكون من المحسنين.
تأملوا قول النبي ﷺ في الإحسان، لما سأله جبريل عليه السلام
عنه، فقال:
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه
فإنه يراك».
رواه مسلم في صحيحه، من حديث عمر بن الخطاب
رضي الله عنه.
فإذا استشعر العبد أن الله يراه، استحيا
أن يقف بين يديه بقلب غافل، أو أن يذكره بلسانه وقلبه متعلق بالدنيا، أو أن يسجد بجبهته
بينما قلبه أسير للشهوات.
ثانيًا: الذوق مع الله في الدعاء والرجاء
من الذوق مع الله أن تحسن الظن به، وأن
تدعوه بقلب حاضر، وأن تلجأ إليه في الشدة والرخاء، وألا تقنط من رحمته مهما عظمت ذنوبك.
قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55].
وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].
ومن الذوق مع الله ألا يستعجل الإنسان الإجابة،
وألا يظن أن تأخر ما يريد دليل على أن الله قد تخلى عنه؛ فقد يمنع الله عنك شيئًا وأنت
تراه خيرًا، ويختار لك ما لا تدرك حكمته في حينه.
فكم من إنسان بكى لأنه لم يحصل على ما أراد،
ثم مرت الأيام فاكتشف أن المنع كان عين الرحمة، وأن تأخر الإجابة كان وراءه من الخير
ما لم يكن يتوقعه!
قال النبي ﷺ:
«يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ،
يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي».
متفق عليه، واللفظ للبخاري.
فيا عبد الله، ادع ربك وأنت موقن بقدرته،
واسعَ في حياتك، وخذ بالأسباب، ولا تيأس من رحمته، فإن خزائنه لا تنفد، وفضله لا ينقطع.
ثالثًا: الذوق مع الله في التعامل مع نعمه
من الذوق مع الله أن تشكر نعمه، وألا تستعمل
نعمة من نعمه فيما يغضبه.
فالعين نعمة، ومن شكرها أن تغض بصرك عن
الحرام.
واللسان نعمة، ومن شكره أن تحفظه من الكذب
والغيبة والنميمة والسخرية من الناس.
والمال نعمة، ومن شكره أن تؤدي حق الله
فيه، وأن تنفق منه في وجوه الخير.
والصحة نعمة، ومن شكرها أن تستعمل قوتك
في طاعة الله وخدمة خلقه.
والهاتف الذي بين أيدينا نعمة، ولكن قد
يتحول إلى باب للمعصية إذا أطلق الإنسان بصره في الحرام، أو لسانه في أعراض الناس،
أو أصابعه في نشر الشائعات والإساءة إلى الآخرين.
قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
[إبراهيم: 7].
وقال سبحانه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].
فليس الشكر أن تقول بلسانك: الحمد لله فحسب،
وإنما الشكر أن تستخدم نعمة الله في مرضاته.
فمن الذوق مع الله ألا تستعين بنعمته على
معصيته، وألا تجعل ما وهبك إياه سببًا في البعد عنه.
رابعًا: الذوق مع الله في السر والعلن
من الناس من يحسن صورته أمام الخلق، ويحرص
على أن يراه الناس في أجمل هيئة، لكنه إذا خلا بنفسه انتهك حدود الله، وكأن نظر الناس
إليه أهم عنده من نظر الله إليه!
وهذا يحتاج إلى مراجعة صادقة للنفس؛ لأن
المؤمن يعلم أن الله مطلع عليه في خلوته كما يراه في جلوته.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ
اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14].
وقال سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: 108].
أيها الأحبة، الذوق الحقيقي ليس أن تحسن
صورتك أمام الناس فحسب، بل أن تكون في خلوتك عبدًا لله كما أنت في حضرتهم.
ليس الذوق أن تترك المعصية لأن الناس يراقبونك،
بل أن تتركها لأن الله يراك.
وليس الذوق أن تتظاهر بالصلاح أمام الخلق،
بل أن تسأل الله صلاح القلب والعمل.
وقد قال النبي ﷺ في حديث الإحسان: «فإن لم تكن تراه فإنه
يراك».
فاجعل مراقبة الله حارسًا لقلبك، وميزانًا
لأقوالك، ورقيبًا على تصرفاتك.
خامسًا: الذوق مع الله في التوبة والرجوع
إليه
ومن أعظم صور الأدب مع الله أن تعترف بتقصيرك،
وألا تصر على ذنبك، وأن تسارع إلى التوبة كلما زلت قدمك.
فليس من الأدب مع الله أن يبارزه العبد
بالمعاصي، ثم يغلق على نفسه باب الرجوع، ويستسلم لليأس والقنوط.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
تأملوا، عباد الله، كيف ينادي الله عباده
الذين أسرفوا على أنفسهم بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، ويفتح لهم باب الرجاء، ويدعوهم إلى
عدم القنوط من رحمته.
فإذا أذنبت فتب، وإذا أخطأت فاستغفر، وإذا
ابتعدت فارجع، وإذا ضعفت فاستعن بالله.
ولا تقل: كيف أرجع إلى الله وقد كثرت ذنوبي؟
بل قل: كيف لا أرجع إلى الله وهو رب العالمين، الغفور الرحيم، الذي يحب التوابين؟
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
وقفة مع الواقع
أيها المؤمنون، إننا في زمن اهتم فيه كثير
من الناس بمظهرهم أمام الخلق، وأهملوا حقيقة علاقتهم بالخالق؛ قد يحرص الإنسان على
ألا يراه أحد في هيئة غير لائقة، لكنه لا يبالي أن يراه الله على معصية!
وقد يتأدب في مجلس مسؤول، ويختار كلماته
بعناية أمام الناس، ثم يطلق لسانه في الغيبة والسب، ويؤذي أهله وجيرانه، وينسى أن الله
يسمعه ويراه.
وقد ينشر الإنسان آيات القرآن على صفحته،
لكنه يجرح الناس في تعليقاته، أو ينقل أخبارهم الخاصة، أو يسخر من صورهم وأخطائهم.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: أين أثر العبادة
في أخلاقنا؟ وأين أثر القرآن في ألسنتنا؟ وأين أثر مراقبة الله في معاملاتنا؟
إن الذوق مع الله لا ينفصل عن الذوق مع
خلقه؛ فمن صدق في تعظيم الله راقب حدوده، وحفظ لسانه، وصان حقوق عباده، ولم يجعل تدينه
ستارًا لإيذاء الناس أو الانتقاص منهم.
فالذوق مع الله عبادة وإخلاص، والذوق مع
الناس رحمة وإحسان، ولا يكتمل جمال السلوك إلا حين يستقيم القلب مع الله، وتستقيم الجوارح
في التعامل مع خلق الله.
«الذوق مع الله أن تستحيي أن يراك حيث نهاك
العنصر الثاني: الذوق العام عبادة وأخلاق،
وليس مجرد عادات
عباد الله، إن الذوق العام في حقيقته هو
أن يتعامل الإنسان مع من حوله بما يحفظ كرامتهم، ويصون حقوقهم، ويمنع عنهم الأذى، ويجعل
وجوده بينهم مصدر راحة لا مصدر ضيق.
والذوق في الإسلام ليس مجرد مجاملة اجتماعية،
ولا تقليدًا للآخرين، وإنما يقوم على أصول شرعية عظيمة؛ من الرحمة، والحياء، والتواضع،
واحترام الإنسان، وكف الأذى عنه.
قال الله تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه
وسلم:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:
4].
وقال سبحانه:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].
تأملوا، عباد الله، قوله تعالى: «للناس»،
فلم يقل للمسلمين وحدهم، وإنما جاء التوجيه عامًا في حسن القول مع الناس، مع مراعاة
ما تقتضيه الأحوال والأحكام الشرعية.
فالمسلم صاحب الذوق لا يتعمد إحراج أحد،
ولا يستهين بمشاعر الناس، ولا يجعل قوته وسيلة لإذلال الضعيف، ولا يظن أن احترام الآخرين
انتقاص من قدره.
إن الذوق العام هو أن تمنع أذاك قبل أن
تطالب بحقك، وأن تراعي مشاعر غيرك قبل أن تنتصر لرغبتك، وأن تتذكر أن لك حقوقًا كما
أن للناس حقوقًا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
رواه البخاري ومسلم، واللفظ مشهور في صحيح
البخاري.
هذا الحديث يجعل سلامة الناس من أذى الإنسان
علامة من علامات كمال إسلامه.
فليس المسلم الحق من اكتفى بإقامة الشعائر،
ثم أطلق لسانه في أعراض الناس، أو آذى جيرانه، أو اعتدى على حقوق الآخرين، وإنما المسلم
من امتد خيره إلى الناس، وأمنوا أذاه.
قصة من السنة: الحياء من الإيمان
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الحياء شعبة من الإيمان».
متفق عليه.
والحياء هنا ليس ضعفًا ولا عجزًا عن المطالبة
بالحقوق، وإنما هو خلق يمنع الإنسان من القبيح، ويحمله على الجميل، ويجعله يستحي أن
يؤذي الناس أو يتعدى حدودهم.
انظروا إلى بعض صور السلوك التي نراها في
حياتنا اليومية:
إنسان يترك سيارته في منتصف الطريق، فيعطل
مصالح عشرات الناس.
وآخر يرفع صوت الموسيقى أو الهاتف في مكان
يحتاج فيه الناس إلى الهدوء.
وثالث يسخر من إنسان بسبب شكله أو ملابسه
أو ضعف إمكاناته.
ورابع يقتحم دور الآخرين، ثم يظن أن هذا
دليل قوة وشطارة.
كل هذه السلوكيات ليست مجرد مخالفات للذوق،
بل قد تكون اعتداءً على حقوق الآخرين، وتأثم بحسب ما تتضمنه من أذى أو ظلم أو مخالفة
للشرع.
المسلم الراقي ليس من يعرف كيف يأخذ حقه
فحسب، بل من يعرف كيف يأخذ حقه دون أن يعتدي على حقوق غيره.
العنصر الثالث: الذوق في الكلام... الكلمة
الطيبة وحفظ اللسان
أيها المسلمون، إن اللسان مرآة القلب، ودليل
التربية، وعنوان الشخصية.
قد ينسى الناس ملابسك، وقد لا يتذكرون منصبك،
لكنهم لا ينسون بسهولة كلمة طيبة جبرت خاطرهم، ولا كلمة جارحة كسرت قلوبهم.
ولذلك اعتنى الإسلام بالكلمة عناية عظيمة.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53].
لم يأمرنا الله بمجرد القول الحسن، بل قال:
«التي هي أحسن»، أي اختاروا من الكلام أطيبه وأرفقه، فإن الكلمة السيئة قد تفسد علاقة،
وتقطع رحمًا، وتثير خصومة، وتزرع عداوة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا
أو ليصمت».
متفق عليه.
وهذا الحديث ميزان عظيم لكل كلمة ينطق بها
الإنسان.
قبل أن تتكلم، اسأل نفسك:
هل في كلامي خير؟
هل أحتاج إلى قوله؟
هل أستطيع أن أقوله بطريقة أفضل؟
هل سأجرح به إنسانًا دون حق؟
ما بال أقوام؟
كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه
ويعالج أخطاءهم، ولكنه كان يراعي مشاعرهم، ويتجنب التشهير بهم إذا لم تكن هناك مصلحة
شرعية تقتضي التصريح.
ومن هديه في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم
في بعض المواقف: «ما بال أقوام...»؛ فقد كان يبين الخطأ ويعالج السلوك دون أن يجعل
غايته فضح المخطئ وإهانته.
جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟
ولكنه يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟».
وهذا من رفقه وحكمته في التعليم والإصلاح.
وهنا نقف مع أنفسنا:
كم من أب يربي ابنه بالشتائم والإهانة،
ثم يتعجب عندما يصبح الابن فظًّا مع الناس!
وكم من معلم يجرح طالبًا أمام زملائه، فيزرع
في قلبه ألمًا قد لا ينساه سنوات!
وكم من مسؤول يملك القدرة على توجيه الموظف
برفق، لكنه يختار الصراخ والتوبيخ أمام الجميع!
وكم من إنسان إذا اختلف مع غيره نسي كل
جميل، وأطلق لسانه بالسباب والتجريح!
نسأل الله السلامة
العنصر الرابع: الذوق في الطريق... حقوق
الناس واحترام المرافق العامة
عباد الله، الطريق ليس ملكًا لفرد، والشارع
ليس ساحة خاصة لأحد، والحدائق والمستشفيات والمدارس ووسائل النقل والمصالح الحكومية
مرافق ينتفع بها الناس جميعًا.
ومن الذوق العام أن يدرك الإنسان أن حريته
تقف عند حدود حقوق الآخرين.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾
[الأعراف: 56].
وقال سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:
58].
ومن صور إيذاء الناس في واقعنا أن يضع الإنسان
القمامة في الطريق، أو يغلق ممر المشاة، أو يوقف سيارته أمام باب منزل أو مستشفى، أو
يعتدي على دور غيره، أو يترك مخلفات البناء في الطريق، أو يرفع صوته بما يؤذي المرضى
وكبار السن.
وقد يتعامل بعض الناس مع هذه الأفعال على
أنها أمور بسيطة، لكن آثارها قد تكون كبيرة.
فكيس قمامة في الطريق قد يتسبب في تلويث
المكان، وإعاقة الحركة، وإيذاء المارة.
وسيارة تقف في موضع يمنع المرور قد تعطل
مريضًا يحتاج إلى الوصول إلى المستشفى.
وإغلاق ممر المشاة قد يعرض طفلًا أو كبيرًا
في السن للخطر.
فهل هذه أفعال تليق بإنسان يعرف حق الله
وحق عباده؟
دليل عظيم من السنة: إماطة الأذى عن الطريق
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة
من الإيمان».
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شعب الإيمان، ومنها إماطة الأذى عن الطريق.
وجاء في الحديث:
«وتميط الأذى عن الطريق صدقة».
متفق عليه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه
في شعب الإيمان.
تأملوا، عباد الله، كيف جعل الإسلام إزالة
الأذى عن الطريق صدقة يتقرب بها الإنسان إلى الله!
فإذا كان رفع حجر أو شوكة عن الطريق عملًا
صالحًا، فكيف بمن يزيل ما يؤذي الناس؟ وكيف بمن يحافظ على نظافة الشارع؟ وكيف بمن يمنع
الخطر عن المارة؟ وكيف بمن يحرص على أن يكون المكان بعد مروره أفضل مما كان قبله؟
إن هذا هو الذوق الذي يريده الإسلام: أن
تكون مصدر نفع، لا سبب أذى؛ وأن تترك أثرًا جميلًا، لا مشكلة جديدة.
رجل غفر الله له بسبب إزالة الأذى
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن رجلًا رأى غصن شوك في الطريق فأخره، فشكر الله
له فغفر له.
وفي روايات الحديث أن رجلًا كان يمشي في
الطريق فوجد غصن شوك فأخره، فشكر الله له فغفر له.
انظروا إلى هذا العمل الذي قد يراه بعض
الناس صغيرًا!
رجل لم يبن مسجدًا في هذه القصة، ولم يذكر
الحديث أنه أنفق مالًا كثيرًا، ولكنه رأى أذى قد يصيب الناس، فلم يقل: ليس من شأني،
ولم يقل: ليأتِ غيري فيرفعه، بل بادر وأزاله.
فكان عمله سببًا في مغفرة الله له.
وهنا سؤال ينبغي أن نطرحه على أنفسنا:
إذا كان من أزال الأذى عن الطريق قد نال
هذا الفضل، فكيف بمن يضع الأذى في الطريق؟ وكيف بمن يضر الناس عمدًا؟ وكيف بمن يجعل
المرافق العامة ساحة لإهماله واستهتاره؟
الطريق الذي تسير فيه ليس لك وحدك؛ فاجعله
آمنًا ونظيفًا ومريحًا لمن يأتي بعدك.
العنصر الخامس: الذوق في البيوت والمجالس...
احترام الآخرين ومراعاة مشاعرهم
أيها المؤمنون، إن حسن الخلق لا يظهر فقط
في الأماكن العامة، بل يظهر بصورة أعمق في البيوت، وبين أفراد الأسرة، وفي المجالس
التي يجلس فيها الناس.
فكم من إنسان يبتسم للغرباء، ثم يعبس في
وجه زوجته وأولاده!
وكم من إنسان يتكلف الكلام الطيب مع زملائه،
ثم يجرح أباه وأمه بألفاظ قاسية!
وكم من إنسان يحترم صاحب المنصب، لكنه لا
يحترم العامل البسيط الذي يقدم له الخدمة!
إن حقيقة الذوق ليست أن تحترم من تحتاج
إليه، وإنما أن تحترم الإنسان لأنه إنسان، وأن تحفظ كرامته ما دمت لا تتعدى حدود الله.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ
قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ
عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا
بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11].
هذه الآية الكريمة تؤسس لأدب اجتماعي عظيم؛
فلا سخرية، ولا تنابز بالألقاب، ولا احتقار للآخرين بسبب أشكالهم أو أحوالهم أو مستوياتهم
المادية.
وقال تعالى في أدب الاستئذان:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا
بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾
[النور: 27].
تأملوا كيف علّمنا القرآن احترام خصوصية
الآخرين، فلم يجعل القرابة أو الصداقة مبررًا لاقتحام البيوت أو انتهاك الخصوصيات.
ومن هذا الأدب أن تستأذن قبل الدخول، وألا
تتطفل على شؤون الناس، وألا تفتش في هواتفهم أو أسرارهم، وألا تحرجهم بأسئلة شخصية
لا يرغبون في الإجابة عنها.
الأعرابي الذي بال في المسجد
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقام إليه بعض الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: «دعوه».
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُراق
على بوله ذَنوب من ماء.
فلما انتهى الموقف، علّم النبي صلى الله
عليه وسلم أصحابه أن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول أو القذر، وإنما هي لذكر الله
والصلاة وقراءة القرآن.
ما أعظم هذا الموقف في التربية!
لقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم الفعل،
وحافظ على حرمة المسجد، لكنه تعامل مع الرجل بما يحقق الإصلاح ويمنع زيادة الضرر.
فلم يتركه يفعل ما يشاء، ولم يجعل معالجة
الخطأ سببًا لإفساد أكبر.
وهنا نتعلم أن الذوق لا يعني السكوت عن
الخطأ، وإنما يعني أن نعالج الخطأ بحكمة ورحمة، مع حفظ الحقوق.
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله
سُئلت عائشة رضي الله عنها عن عمل النبي
صلى الله عليه وسلم في بيته، فقالت:
«كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة
خرج إلى الصلاة».
رواه البخاري.
هذا هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، مع
عظيم منزلته، لم يكن يرى خدمة أهله انتقاصًا من قدره، بل كان يعاونهم في شؤون البيت.
فأين هذا الخلق من رجل يرى أن مجرد مساعدته
لزوجته في بعض أعمال المنزل أمر يقلل من رجولته؟
وأين هذا الخلق من أب لا يعرف أبناءه إلا
بالصراخ والأوامر؟
وأين هذا الخلق من شخص يجرح أقرب الناس
إليه ثم يظن أن اعتذاره غير لازم لأنه صاحب البيت أو الأكبر سنًّا؟
البيت الذي يغيب عنه الذوق تتحول فيه النعمة
إلى مشقة، والبيت الذي يحضر فيه الاحترام يصبح سكنًا حقيقيًّا للنفوس.
صور عملية للذوق في البيوت والمجالس
استمع إلى محدثك ولا تقاطعه بلا حاجة.
لا تسخر من رأي غيرك لمجرد اختلافك معه.
لا تحرج ضيفك بالسؤال عن ماله أو زواجه
أو أولاده.
لا ترفع صوتك على والديك.
لا تستخدم ألفاظًا جارحة مع زوجتك أو أبنائك.
احفظ أسرار البيوت والمجالس.
لا تكثر من المزاح الذي يتحول إلى سخرية
وإهانة.
وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم
أن يراعي مشاعر الناس، ويضع الأمور في مواضعها، ويعطي كل ذي حق حقه.
العنصر السادس: الذوق في استخدام الهاتف
ومواقع التواصل الاجتماعي
عباد الله، لقد دخل الهاتف كل بيت، وصار
وسيلة للتعلم والتواصل والعمل، لكنه أصبح عند بعض الناس بابًا لإهدار الوقت، وانتهاك
الخصوصية، ونشر الشائعات، وإيذاء الآخرين.
ولم يعد الذوق العام مقتصرًا على الشارع
والمجلس، بل امتد إلى العالم الرقمي؛ فالكلمة التي تكتبها على شاشة الهاتف قد ترفع
إنسانًا، وقد تجرح قلبًا، وقد تنشر فتنة، وقد تفسد علاقة بين أسرتين.
قال الله تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ
عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع».
رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
والمقصود أن نقل كل ما يسمعه الإنسان دون
تثبت قد يوقعه في الكذب، وإن لم يتعمد اختلاق الخبر.
صور من غياب الذوق الرقمي
أولًا: أن ينشر الإنسان صورة لشخص دون إذنه،
فيحرجه أو يضر بسمعته.
ثانيًا: أن يتداول مقطعًا لشخص أخطأ، ويجعل
منه مادة للسخرية والتشهير، بدلًا من أن ينصحه أو يستر عليه حيث يكون الستر مناسبًا.
ثالثًا: أن يرسل رسائل صوتية طويلة أو يتصل
بالناس في أوقات غير مناسبة دون مراعاة لظروفهم.
رابعًا: أن يدخل في جدال على مواقع التواصل،
فيتحول النقاش إلى سباب واتهامات وشتائم.
خامسًا: أن يشارك خبرًا لم يتأكد من صحته،
فيكون سببًا في نشر الشائعات وإثارة الخوف بين الناس.
سادسًا: أن ينشغل بهاتفه أثناء الجلوس مع
والديه أو ضيوفه، فلا يعطيهم حقهم من الاهتمام.
قصة قرآنية: التثبت قبل نقل الأخبار
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ
فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ
مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
نزلت الآية في سياق خبر الوليد بن عقبة
مع بني المصطلق، كما ذكر المفسرون في أسباب نزولها.
وفيها أصل عظيم للتعامل مع الأخبار: لا
تتعجل الحكم، ولا تنقل كل ما تسمع، ولا تجعل رسالة مجهولة المصدر سببًا في اتهام إنسان
أو تخويف مجتمع.
فكم من شائعة أفسدت علاقة بين قريبين، وكم
من خبر كاذب أساء إلى سمعة إنسان، وكم من مقطع نُشر دون سياقه فظلم صاحبه!
إن الهاتف أداة، ويمكن أن يكون بابًا للأجر
أو بابًا للإثم.
قبل أن تضغط زر الإرسال، تذكر أن الرسالة
قد تصل إلى مئات أو آلاف الناس، وأن حذفها بعد انتشارها قد لا يمحو أثرها.
قواعد عملية للذوق الرقمي
لا تنشر خبرًا قبل التحقق منه.
لا تتعمد إحراج الآخرين بصورهم أو أسرارهم.
لا تسب ولا تشتم عند الاختلاف.
احترم خصوصية من تتواصل معهم.
لا تجعل الهاتف يسلبك حق أسرتك وأولادك.
لا ترفع صوت الهاتف بما يؤذي الجالسين أو
المرضى.
تذكر أن أخلاقك في التعليقات والرسائل جزء
من أخلاقك في الواقع
العنصر السابع: الذوق في المسجد والعمل
والتعامل مع أصحاب الحاجات
أيها المسلمون، من أعظم صور الذوق أن يحسن
الإنسان التعامل مع الناس في الأماكن التي يحتاجون إليها، كالمساجد والمستشفيات والمدارس
والمصالح الحكومية وأماكن العمل.
فهذه الأماكن يجتمع فيها الناس لقضاء حاجاتهم،
ومن واجبنا ألا نجعل حاجاتهم بابًا لإذلالهم أو تعطيل مصالحهم.
أولًا: الذوق في المسجد
المسجد بيت الله، ومكان الصلاة والذكر والسكينة.
قال الله تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ
مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].
ومن الذوق في المسجد:
المحافظة على النظافة.
تجنب إيذاء المصلين بالروائح الكريهة.
عدم تخطي رقاب الناس.
عدم رفع الصوت بما يشوش على المصلين والذاكرين.
احترام كبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة.
عدم ترك الأحذية أو المتعلقات في مواضع
تعوق حركة الناس.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من أكل من هذه
ثانيًا: الذوق في العمل
من الذوق في العمل أن يحترم الموظف وقت
الناس، وأن يؤدي عمله بأمانة، وأن يعامل المراجعين برفق، وألا يجعل منصبه وسيلة للتكبر
أو التعطيل.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ
إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
متفق عليه.
والمسؤولية ليست مجرد منصب أو لقب؛ بل هي
أمانة في التعامل مع الناس.
فالموظف الذي ينجز مصالح الناس دون مماطلة،
ويحترم الكبير والصغير، ولا يفرق بين الناس بغير حق، يمارس خلقًا إسلاميًّا عظيمًا.
والمسؤول الذي يسمع شكوى صاحب الحاجة، ويتحقق
منها، ويوجه الموظفين إلى حسن المعاملة، يساهم في بناء مجتمع تسوده الثقة والاحترام.
أما أن يأتي صاحب الحاجة إلى مصلحة عامة،
فيجد من يصرخ فيه، أو يستخف بسؤاله، أو يؤخر معاملته دون سبب، أو يشعره بأنه يتفضل
عليه بأداء واجبه؛ فهذا خلل في الأخلاق وفي فهم الأمانة.
ولا يعني حسن التعامل التساهل في النظام
أو تجاوز القانون، بل يعني تطبيق القواعد بعدل واحترام.
فالذوق لا يعطل النظام، والنظام لا يبرر
الإهانة.
العنصر الثامن: كيف نعيد الذوق العام إلى
حياتنا؟
أيها المسلمون، قد يتساءل إنسان: كيف نعيد
الذوق العام إلى مجتمعنا؟ وكيف نحول الحديث عن الأخلاق إلى سلوك نراه في الشوارع والبيوت
وأماكن العمل؟
والجواب يبدأ من النفس، ثم يمتد إلى الأسرة،
ثم المدرسة والمسجد والمؤسسات العامه
1. ابدأ بنفسك
لا تنتظر أن يتغير الناس جميعًا حتى تبدأ
أنت.
إذا رأيت القمامة فلا تكن ممن يزيدها، وإذا
تحدث إليك إنسان فلا تهنه، وإذا اختلفت مع شخص فلا تسبه، وإذا أخطأت فاعتذر.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
2. اجعل الاحترام عادة يومية
ابدأ من أبسط الأمور:
سلّم على من تلقاه.
ابتسم في وجه أخيك.
احترم دورك ودور غيرك.
اخفض صوتك حيث يحتاج الناس إلى الهدوء.
احفظ لسانك عند الغضب.
اعتذر إذا أخطأت.
اشكر من أحسن إليك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى
أخاك بوجه طلق».
رواه مسلم.
3. علّم الناس بالفعل قبل القول
إذا أردت أن تعلم ابنك النظافة، فكن نظيفًا.
وإذا أردت أن تعلمه احترام الكبير، فليَرَ
منك احترام والديك.
وإذا أردت أن تعلمه الصدق، فلا يراك تكذب.
وإذا أردت أن تعلمه احترام الوقت، فلا تستخف
بمواعيدك مع الناس.
4. لا تسكت عن الخطأ إذا كان إصلاحه ممكنًا
لكن أصلح الخطأ بالحكمة، وبما يتناسب مع
الموقف، دون تشهير أو اعتداء.
إذا رأيت سلوكًا يضر الناس، فانصح صاحبه
برفق إذا كان ذلك مناسبًا وآمنًا، أو استخدم الوسيلة النظامية المتاحة إذا كان الضرر
مستمرًّا.
5. تذكر أن الأخلاق عبادة
لا تحتقر عملًا صغيرًا من أعمال الخير.
فقد تكون ابتسامتك سببًا في إدخال السرور
على قلب إنسان، وقد تكون إزالتك للأذى عن الطريق سببًا في حماية طفل، وقد يكون اعتذارك
سببًا في إنهاء خصومة، وقد يكون صبرك عند الغضب سببًا في حفظ أسرة من التفكك.
المجتمع الراقي لا تصنعه المباني وحدها،
بل تصنعه النفوس التي تعرف كيف تحترم بعضها بعضًا.
عباد الله، إن الذوق العام ليس قضية هامشية،
ولا ترفًا اجتماعيًّا، ولا مظهرًا من مظاهر التمدن فحسب؛ بل هو صورة عملية من صور حسن
الخلق، ودليل على احترام الإنسان لحقوق غيره.
إننا نريد شارعًا نظيفًا، ولكننا نريد قبله
إنسانًا يحب النظافة.
ونريد حديثًا مهذبًا، ولكننا نريد قبله
قلبًا يعرف الرحمة.
ونريد مرافق عامة محترمة، ولكننا نريد قبل
ذلك مواطنًا يشعر بالمسؤولية.
ونريد أبناءً يحترمون الناس، ولكننا نريد
آباءً يكونون لهم قدوة.
ونريد موظفًا يؤدي عمله بأمانة، ومسؤولًا
يحترم أصحاب الحاجات، ومعلمًا يربي بالحكمة، وشابًّا يعرف أن القوة ليست في الاعتداء،
وإنما في ضبط النفس واحترام الآخرين.
فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب الناس، ولنبدأ
بإصلاح سلوكنا قبل أن نطالب المجتمع بالإصلاح.
واعلموا أن حسن الخلق ليس كلمة تقال، وإنما
هو سلوك يُرى، وأثر يبقى، وحقوق تُصان، وقلوب لا تُجرح بغير حق.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الأخلاق الحسنة،
وأن يزيننا بزينة الإيمان، وأن يطهر ألسنتنا من الفحش، وأيدينا من الأذى، وقلوبنا من
الكبر والغل والحسد.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا
مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده
ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى،
واعلموا أن من أعظم ما يتركه الإنسان بعده أثرًا طيبًا في قلوب الناس.
قد ينسى الناس كثيرًا مما قلت، لكنهم لن
ينسوا أنك احترمتهم، وأنك لم تجرح مشاعرهم، وأنك كنت رحيمًا بهم، وأنهم شعروا بالأمان
في التعامل معك.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا».
متفق عليه.
فاجعلوا الأخلاق عنوان بيوتكم، والرحمة
أساس علاقاتكم، والاحترام منهجكم في التعامل، والصدق زينة ألسنتكم، والأمانة سمة أعمالكم.
وإذا أردنا أن نعرف أثر الذوق العام في
المجتمع، فلنتخيل مجتمعًا يحفظ فيه كل إنسان حق غيره؛ فلا يؤذي جارًا، ولا يهين عاملًا،
ولا يزدري فقيرًا، ولا يفسد مرفقًا عامًا، ولا ينشر شائعة، ولا يعتدي على دور الآخرين.
كم ستقل الخصومات! وكم ستطمئن القلوب! وكم
ستتحسن علاقات الناس! وكم ستصبح الحياة أيسر وأجمل!
فليبدأ كل منا من نفسه، وليجعل له عهدًا
مع الله أن يكون مصدر خير لمن حوله. ايها الاحبه الكرام هيا بنا نلهج بقلوبنا ونردد
بالسنتنا
اللهم كما أحسنت خَلْقنا فأحسن أخلاقنا،
وطهر قلوبنا من الكبر والغرور، وألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة، وأيدينا من الظلم
والعدوان.
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر،
وأصلح أحوال بيوتنا وأبنائنا ومجتمعنا.
اللهم ارزقنا الأدب في القول، والرحمة في
التعامل، والأمانة في العمل، والإخلاص في السر والعلن.
اللهم احفظ مصر وأهلها، واجعلها آمنة مطمئنة
وسائر بلاد المسلمين.
أسأل الله العلى الغفار أن يغفر لنا الذنوب
والاوزار وان يجنبنا مواطن البوار وأن يجعل قلوبنا محط الانوار هذا وماكان من توفيق
فمن الله
وماكان من خطأ أو سهو اونسيان فمني ومن
الشيطان
وصل الله وسلم علي خير خلقه محمد وآله وصحبه
أجمعين