الذوق العام.. رُقِيُّ السلوك وجمالُ الأخلاق

الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأمر
عباده بمحاسن الأخلاق وجميل السلوك، وجعل طيب المعاملة من دلائل الإيمان، ورفعة الأدب
من علامات الإحسان، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله ربه ليتمم مكارم الأخلاق،
ويهدي الناس إلى أحسن الأقوال والأعمال، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه،
ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى
الله، فإن تقوى الله خير زاد، وأعظم عون على صلاح العباد والبلاد.
أيها المسلمون، حديثنا اليوم عن خُلُقٍ
قد يراه بعض الناس أمرًا بسيطًا، وهو عند الله عظيم، وسلوكٍ قد يظنه البعض من العادات
الاجتماعية، وهو في ميزان الإسلام من محاسن الإيمان؛ حديثنا عن الذوق العام، ورقي السلوك،
وجمال الأخلاق.
فالذوق العام ليس مظهرًا نتجمل به أمام
الناس، ولا كلمات منمقة نقولها في المناسبات، ولا ابتسامة نرسمها على وجوهنا ثم ننسى
حقوق الآخرين؛ إنما الذوق العام هو أن يشعر الناس بالأمان والراحة في وجودنا، وأن يسلموا
من ألسنتنا وأيدينا، وأن يجدوا في تعاملنا احترامًا ورحمة، وفي حضورنا أدبًا وطمأنينة.
إن المسلم الحق لا يكتفي بأن يؤدي عبادته،
ثم يؤذي الناس في طرقاتهم، أو يرفع صوته في بيوتهم، أو يضيّق عليهم في مصالحهم، أو
يجرح مشاعرهم بكلماته؛ لأن العبادة التي لا تهذب السلوك تحتاج إلى مراجعة، والعلم الذي
لا يثمر أدبًا يحتاج إلى عمل، والدين الذي يظهر في المظهر ولا يظهر في المعاملة لم
يُؤتَ صاحبه حقه من الفهم والتطبيق.
يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ
حُسْنًا﴾، ويقول جل وعلا مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ
عَظِيمٍ﴾.
فحُسن الخلق ليس نافلةً لا قيمة لها، بل
هو من صميم هذا الدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا»،
وقال صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
تأملوا هذا الميزان النبوي العظيم: لم يجعل
المسلم الحق هو من يكثر الكلام عن نفسه، ولا من يتعالى على الناس بمظهره، وإنما جعل
من علامات إسلامه أن يأمن الناس أذاه، ويسلموا من شره، ويطمئنوا إلى معاملته.
فاسأل نفسك، أخي المسلم: هل يرتاح الناس
إذا جلست بينهم؟ هل يأمن جارك صوتك وأذاك؟ هل يشعر الضعيف بالاحترام عندما يتعامل معك؟
هل تحافظ على نظافة المكان الذي تجلس فيه؟ هل تراعي حق الكبير، ورحمة الصغير، وخصوصية
البيوت، وراحة المارة؟ هنا يظهر أثر الإيمان في الحياة اليومية.
عباد الله، إن الإسلام دين النظافة والجمال،
ودين النظام ومراعاة الحقوق، وليس من هدي المسلم أن يجعل الأماكن العامة موضعًا للفوضى،
أو أن يترك القمامة خلفه، أو يؤذي الناس ببصاق أو مخلفات، أو يعطل طريقًا يحتاج إليه
الناس، أو يحتكر مكانًا عامًا كأنه ملك خاص له.
لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم إزالة
الأذى عن الطريق صدقة، فقال: «وتميط الأذى عن الطريق صدقة»، وثبت في صحيح مسلم أنه
صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل رأى غصن شجرة في الطريق يؤذي الناس، فأزاله، فشكر الله
له وأدخله الجنة.
الله أكبر! غصن يؤذي المارة، يراه رجل فيرفعه
عن طريقهم، فيكون ذلك سببًا في مغفرة الله له ودخوله الجنة. لم يكن الغصن جبلًا، ولم
يكن العمل مشروعًا ضخمًا، لكنه كان قلبًا رحيمًا لم يرضَ أن يتأذى الناس.
فإذا كان رفع غصن عن الطريق بابًا إلى الجنة،
فكيف بمن يرفع عن الناس همومهم؟ وكيف بمن يفسح لهم الطريق؟ وكيف بمن ينظف مكانًا عامًا،
أو يعين مسنًا على عبور الطريق، أو يساعد إنسانًا تعثر، أو يزيل خطرًا قد يصيب طفلًا
أو كبيرًا؟
إن الخير لا يُقاس دائمًا بحجمه في أعين
الناس، بل بما يحمله من إخلاص ورحمة ونفع. وقد يكون عمل صغير في نظر صاحبه عظيمًا عند
الله، وقد يكون عمل كبير في أعين الناس قليلًا إذا خلا من الإخلاص وحسن القصد.
أيها المسلمون، ومن الذوق العام أن نحفظ
للناس خصوصياتهم، فلا نتجسس على أسرارهم، ولا نقتحم بيوتهم دون استئذان، ولا نطيل الوقوف
على أبوابهم بما يحرجهم، ولا نتصيد عثراتهم، ولا ننشر صورهم وأخبارهم دون إذنهم.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا
عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾.
إن البيت له حرمته، والإنسان له خصوصيته،
وليس من الأدب أن تفتح بابًا مغلقًا دون إذن، أو تنظر من نافذة إلى ما لا يعنيك، أو
تلح في السؤال عن أمر لا يحب صاحبه الحديث عنه، أو تحول حياة الآخرين إلى مادة للتعليقات
والتداول.
ومن جمال الشريعة أنها تعلمنا الأدب حتى
في طريقة الوقوف على الأبواب؛ فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى باب
قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن يقف عن يمينه أو عن يساره، فإن أُذن له دخل،
وإلا رجع. وهذا من كمال الأدب وصيانة خصوصيات الناس.
فيا من تقف على أبواب الناس، ويا من تزور
أقاربك وأصدقاءك، ويا من تدخل البيوت بحكم القرابة أو الصداقة، تذكر أن المحبة لا تسقط
حق الاستئذان، وأن الألفة لا تبيح انتهاك الخصوصية، وأن حسن النية لا يغني عن حسن التصرف.
ومن الذوق العام كذلك أن نراعي آداب التعامل
بين الرجال والنساء، فنحفظ الأبصار، ونصون الحياء، ونبتعد عن الخلوة المحرمة، والكلام
المريب، والتصرفات التي تفتح أبواب الفتنة، مع الالتزام بالاحترام والجدية عند الحاجة
إلى التعامل.
ولنتأمل في قصة موسى عليه السلام حين ورد
ماء مدين، فوجد الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان، فسألهما عن شأنهما، فقالتا
كما حكى القرآن الكريم: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ
كَبِيرٌ﴾.
فأعانهما موسى عليه السلام، فسقى لهما،
ثم انصرف إلى الظل، كما قال تعالى: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ﴾.
تأملوا هذا المشهد الكريم: حاجة تستدعي
المساعدة، وأدب يحكم التعامل، وإحسان لا يتبعه استغلال، ومروءة لا تنتظر مقابلًا. لم
يجعل موسى عليه السلام حاجتهما بابًا للتقرب المريب، وإنما قدم المعروف ثم انصرف.
وهذا هو الأدب الذي يحتاجه مجتمعنا: أن
نتعاون عند الحاجة، وأن نحفظ الحدود، وأن يكون التعامل واضحًا محترمًا، بعيدًا عن الأذى
والريبة. فالإسلام لا يدعونا إلى سوء الظن بالناس، ولا إلى منع المعروف عن المحتاج،
وإنما يربينا على الطهر والعفة وحسن التصرف.
ومن الذوق العام أن نراعي مشاعر الآخرين،
وألا نحرج إنسانًا أمام الناس، وألا نسخر من هيئته أو كلامه أو فقره أو ضعفه، وألا
نجعل المزاح وسيلة للإهانة. فكم من كلمة قيلت على سبيل الضحك، فاستقرت في قلب صاحبها
جرحًا طويلًا! وكم من تعليق ظنه قائله بسيطًا، وكان عند غيره سببًا في الحزن والانكسار!
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾،
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.
فلا تسخر من فقير، فقد يكون عند الله أكرم
منك. ولا تعاير مريضًا، فقد يعافيه الله ويبتليك. ولا تحتقر عاملًا أو صاحب مهنة بسيطة،
فرب عمل متواضع صاحبه عند الله عظيم، ورب صاحب جاه لا وزن له عند ربه.
ومن الذوق العام أيضًا آداب الطعام والشراب؛
فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم للصغير آدابًا عظيمة في كلمات قليلة، فقال لعمر بن
أبي سلمة رضي الله عنه: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، متفق عليه.
ثلاث وصايا تعلم الإنسان التسمية، واحترام
النعمة، ومراعاة من يشاركونه الطعام. فلا تمد يدك إلى ما أمام غيرك، ولا تذم طعامًا
أعده غيرك، ولا تتكبر على نعمة رزقك الله بها، ولا تهدر الطعام بينما غيرك يبحث عن
لقمة.
وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه
لا يعيب طعامًا قط؛ إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. وهذا من كمال خلقه؛ فلم يكن يجرح
مشاعر من أعد الطعام، ولم يجعل اختلاف ذوقه سببًا في إهانة غيره.
فكم نحتاج إلى هذا الأدب في بيوتنا! كلمة
شكر لمن أعد الطعام، ورفق بمن خدم، وعدم تبذير للنعمة، وعدم تعالٍ على الفقراء، وعدم
احتقار لطعام بسيط. إن شكر النعمة ليس باللسان وحده، بل بحسن استعمالها، وعدم إهدارها،
وتذكر من حُرم منها.
عباد الله، ومن الذوق العام أن نخفض أصواتنا
حيث يحتاج الناس إلى الهدوء، وأن نحترم المريض والطالب والعامل والنائم، وألا نحول
الشوارع إلى ساحات ضوضاء، أو نزعج الجيران بأصوات مرتفعة في أوقات راحتهم، أو نستخدم
الهاتف في الأماكن التي تتطلب السكينة، أو نتحدث بصوت عالٍ في المسجد.
فليس من حق الإنسان أن يستمتع براحة نفسه
على حساب راحة الآخرين. والحرية في الإسلام ليست أن تفعل كل ما تريد، وإنما أن تتصرف
دون أن تظلم أو تؤذي أو تعتدي على حقوق الناس.
ومن الذوق العام أن نحترم الدور والنظام؛
فلا نتجاوز من ينتظر قبلنا، ولا نقتحم الصفوف، ولا نعتدي على حق الضعيف، ولا نرفع أصواتنا
على الموظف أو العامل لمجرد أننا غاضبون. فإن كان لك حق فاطلبه بأدب، وإن أخطأ غيرك
فانصحه برفق، وإن لم تحصل على ما تريد فلا تجعل غضبك مبررًا لإهانة الناس.
إن الأخلاق تظهر عند الاختلاف، لا عند الاتفاق
فقط؛ وتظهر عند الغضب، لا عند الرضا فقط؛ وتظهر حين تستطيع أن تؤذي ولا تفعل، وأن تنتقم
ولا تنتقم، وأن تجرح ولا تجرح.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس
الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، متفق عليه.
فالقوي ليس من يصرخ في وجه الناس، ولا من
يخيف الضعفاء، ولا من يفرض رأيه بالصوت المرتفع، وإنما القوي من يملك نفسه حين يغضب،
ويزن كلماته حين يتكلم، ويعرف أن كرامة الناس ليست مجالًا للتجربة أو الانتقام.
أيها المؤمنون، إن الذوق العام لا يقف عند
الطريق والبيت والطعام، بل يمتد إلى المظهر والنظافة الشخصية؛ فالنظافة من محاسن الإسلام،
وقد جاءت الشريعة بخصال الفطرة، ومنها تقليم الأظفار، وقص الشارب، وإزالة شعر الإبط
والعانة، وغير ذلك مما يحفظ نظافة الإنسان وحسن هيئته.
وليس المقصود أن يتكلف الإنسان ما لا يطيق،
ولا أن يقيس الناس بعضهم بعضًا بمظاهرهم، وإنما المقصود أن يعتني المرء بنظافته، ويحترم
من يجالسهم، ويتجنب الروائح المؤذية، ويحضر إلى المساجد والمجالس بهيئة طيبة قدر استطاعته.
وما أجمل أن يكون المسلم نظيف البدن، طيب
الرائحة، حسن الكلمة، هادئ التصرف، لا يؤذي الناس بيده ولا لسانه ولا رائحته ولا فوضاه!
فهذا هو الجمال الذي يجمع بين حسن الظاهر وجمال الباطن.
ومن أعظم ميادين الذوق العام وسائل التواصل
الاجتماعي؛ فقد أصبحت الكلمة تنتقل في لحظات إلى آلاف الناس، وصارت الصورة والتعليق
والرسالة مسؤولية لا تقل عن الكلام المباشر. فلا تنشر شائعة دون تثبت، ولا تفضح إنسانًا
بخطأ وقع فيه، ولا تسخر من صورة أحد، ولا تنقل محادثة خاصة بغير إذن، ولا تجعل الخلاف
سببًا في التشهير والسب.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ
إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
فإذا كانت الكلمة مكتوبة، فهي أيضًا مما
يسجله الله؛ وإذا كانت الصورة منشورة، فهي أيضًا أمانة؛ وإذا كان التعليق ساخرًا، فإن
أثره قد يبقى طويلًا بعد أن ينسى صاحبه أنه كتبه.
فليتق الله كل إنسان فيما ينشر، وليجعل
من هاتفه بابًا للخير، لا نافذة للأذى؛ ومن كلماته وسيلة للإصلاح، لا أداة للخصام؛
ومن حضوره بين الناس مصدرًا للطمأنينة، لا سببًا في إشعال الفتن.
عباد الله، إن الذوق العام يبدأ من داخل
البيت؛ يبدأ من احترام الأب لأبنائه، ورحمة الأم بأولادها، وأدب الأبناء مع آبائهم،
وحسن الجوار، والتعاون بين أفراد الأسرة. فلا يليق بالإنسان أن يكون لطيفًا مع الغرباء،
قاسيًا على أهل بيته، ولا أن يبتسم أمام الناس ثم يجرح أقرب الناس إليه.
إن حسن الخلق ليس ثوبًا نرتديه في المناسبات،
ثم نخلعه عند العودة إلى المنزل؛ وإنما هو طبع يتجلى في كل مكان، ومع كل إنسان، وفي
كل موقف.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم
خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
فابدأ بنفسك، ثم بأهل بيتك، ثم بجيرانك،
ثم بمن تلقاهم في الطريق والعمل والمسجد. علّم أبناءك أن النظافة مسؤولية، وأن احترام
الدور واجب من الأدب، وأن الاعتذار شجاعة، وأن كلمة «من فضلك» لا تنقص من قدر صاحبها،
وأن كلمة «شكرًا» تحفظ الود، وأن كلمة «آسف» قد تصلح ما أفسدته كلمات كثيرة.
أيها المسلمون، إن الأمم لا ترتقي بالمباني
وحدها، ولا بالمظاهر وحدها، وإنما ترتقي بأخلاق أبنائها، واحترامهم للنظام، وحفاظهم
على الحقوق، ورحمة القوي بالضعيف، وحرص كل إنسان على ألا يكون مصدر أذى لمن حوله.
وما أجمل أن يرى الناس في المسلم صورة صادقة
لدينه: نظافة في المكان، وأمانة في المعاملة، ورحمة في القلب، وحياء في السلوك، وصدقًا
في الكلام، وعدلًا عند الخصومة، وتواضعًا عند القدرة.
فلنراجع أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتغيير،
ولنبدأ بإصلاح ما نستطيع إصلاحه: طريق ننظفه، وأذى نزيله، وصوت نخفضه، ودور نحترمه،
وخصوصية نصونها، وكلمة طيبة نقولها، وإنسان نرفق به.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الإيمان والإحسان،
وأن يرزقنا حسن الخلق وجمال السلوك، وأن يطهر ألسنتنا من الفحش، وقلوبنا من الكبر،
وأعمالنا من الرياء، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه،
كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا
عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى،
واعلموا أن حسن الخلق عبادة تتكرر في كل يوم، وأن الذوق العام ليس أمرًا ثانويًا في
حياة المسلم، بل هو شاهد على فهمه لدينه، وحرصه على حقوق الناس.
لقد علمنا الإسلام أن الطريق حق مشترك،
والبيت حرمة مصونة، والمجلس أمانة، والكلمة مسؤولية، والنعمة تستحق الشكر، والإنسان
يستحق الاحترام ما لم يعتدِ على غيره.
وإن من أعظم ما نحتاج إليه في زماننا أن
نربي أنفسنا وأبناءنا على الأدب قبل أن نطالبهم بالإنجاز، وعلى احترام الناس قبل أن
نطالبهم بالمكانة، وعلى تحمل المسؤولية قبل أن نطالبهم بالحقوق.
فلا يكفي أن نقول لأبنائنا: كونوا مؤدبين،
ونحن نسيء إلى الناس أمامهم؛ ولا يكفي أن نطالبهم بالنظام، ونحن نتجاوز حقوق الآخرين؛
ولا يكفي أن نحدثهم عن النظافة، ونحن نلقي المخلفات في الطرقات. التربية الحقيقية قدوة
قبل أن تكون كلمات، وسلوك قبل أن تكون نصائح.
أيها المسلمون، تذكروا أن النبي صلى الله
عليه وسلم جعل حسن الخلق من أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة، وأن الكلمة الطيبة
صدقة، وأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأن تبسمك في وجه أخيك صدقة.
فلا تحقرن من المعروف شيئًا؛ ابتسامة صادقة،
أو سلام طيب، أو مساعدة لمحتاج، أو كلمة ترفع معنويات إنسان، أو اعتذار عند الخطأ،
أو صمت عن كلمة جارحة، أو ترك لجدال لا فائدة منه؛ كلها أبواب للخير إذا ابتغى بها
العبد وجه الله.
ولنتذكر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاجعلوا هذه الآية ميزانًا لسلوككم: عدلًا
لا ظلم فيه، وإحسانًا لا منّ فيه، وصلةً لا قطيعة فيها، ولسانًا لا فحش فيه، وتعاملًا
لا اعتداء فيه.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها
إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
اللهم كما حسنت خَلقنا فحسن أخلاقنا، وزيننا
بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
اللهم طهر ألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة،
وطهر قلوبنا من الحقد والحسد والكبر، وأصلح أعمالنا ونياتنا، واجعل ظاهرنا وباطننا
صالحين.
اللهم ارزقنا الأدب في القول، والحكمة في
التصرف، والرحمة في المعاملة، والحياء في السر والعلن، واجعلنا ممن يألفون ويؤلفون،
وينفعون الناس ولا يؤذونهم.
اللهم أصلح بيوتنا، وألف بين قلوبنا، وأصلح
أبناءنا وبناتنا، واهد شباب المسلمين، واحفظ مجتمعنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم من كان مريضًا فاشفه، ومن كان مهمومًا
فنفس همه، ومن كان مكروبًا ففرج كربه، ومن كان محتاجًا فارزقه من واسع فضلك، ومن كان
مديونًا فاقض دينه، وارحم موتانا وموتى المسلمين.
اللهم احفظ مصر وأهلها، وسائر بلاد المسلمين،
واجعلها آمنة مطمئنة سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأدم علينا نعمة الأمن والإيمان،
والسلامة والإسلام، ووفق ولاة أمورنا لما فيه الخير والصلاح.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى
آله وصحبه أجمعين.
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.