recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة مخاطر الألعاب الإلكترونية الشيخ علاءالشال

 مخاطر الألعاب الإلكترونية 




الهدف المراد توصيله:

 تعزيز الوعي بمخاطر الألعاب الإلكترونية والإدمان الرقمي 


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فقد قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

أيها المسلمون، نبدأ لقاءنا اليوم بقصة عطرة من قصص الصحابة الكرام، تُنير لنا الطريق، وتُعلّمنا كيف يكون التعامل مع اللهو واللعب.

فقد بلغنا أن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، مرَّ ذات يوم بمجلسٍ من مجالس اللهو واللعب، فلم يقف عندها، بل مضى معرضًا عنها، غير ملتفتٍ إليها. فلما بلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قال قولته العظيمة: «إِنْ أَصْبَحَ ابنُ مَسْعُودٍ - أو: أَمْسَى ابْنُ مَسْعُودٍ - لَكَرِيمًا». هذا ثناءٌ من النبي صلى الله عليه وسلم على ابن مسعود لإعراضه عن اللهو، فما أعظمه من خلق! وما أحوجنا اليوم إلى التأسي به في زمنٍ كثرت فيه المشغلات، وتنوعت فيه وسائل اللهو، حتى صارت تُهدد أوقاتنا وعقولنا وأخلاقنا.

عباد الله، إن الحديث عن مخاطر الألعاب الإلكترونية ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة إيمانية وتربوية، لما لها من أثر بالغ على الفرد والمجتمع. ولذلك، سنقف في هذه الخطبة عند العناصر التالية:

أولًا: بيان ضابط اللهو واللعب في ميزان الشريعة.

ثانيًا: حكم الألعاب الإلكترونية وأقسامها.

ثالثًا: المخاطر العقدية والسلوكية للألعاب الإلكترونية.

رابعًا: أثر الألعاب الإلكترونية على الصحة والوقت والواجبات.

خامسًا: سبل الوقاية والعلاج.

أما العنصر الأول: بيان ضابط اللهو واللعب في ميزان الشريعة:

فاعلموا رحمكم الله أن الإسلام ليس دينًا جامدًا، ولا يمنع الترفيه المباح الذي تستجم به النفوس، وتستعين به على طاعة الله. بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاعب أصحابه ويمازحهم، وكانت عائشة رضي الله عنها تنظر إلى الحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم يسترها بثوبه. فهذا يدل على أن أصل اللعب والترفيه جائز إذا كان مباحًا.

لكن الشريعة وضعت ضابطًا مهمًا لكل لهوٍ ولعب، ألا وهو ألا يكون باطلًا، وألا يشغل عن ذكر الله وعن الواجبات. وقد ورد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، فإنهن من الحق». قال العلماء: "الباطل ضد الحق، فكل ما لم يكن حقًا أو وسيلة إليه، ولم يكن نافعًا فإنه باطل مشغل للوقت، مفوت على الإنسان ما ينفعه في دينه ودنياه". فالميزان إذن هو: هل هذا اللهو يعينك على طاعة الله ومسؤولياتك؟ أم أنه يصدك عنها ويضيع وقتك؟.

وأما العنصر الثاني: حكم الألعاب الإلكترونية وأقسامها:

الأصل في الألعاب الإلكترونية أنها من وسائل الترفيه المباحة، ما دامت خالية من المحاذير الشرعية. وقد سُئلت لجنة الإفتاء عن حكمها فقالت: "الأصل في الألعاب الإلكترونية أنها من وسائل الترفيه المباحة، فالشريعة الإسلامية لا تحرم اللعب ولا المرح".

غير أن كثيرًا من هذه الألعاب في زماننا اقترن بها محاذير شرعية تخرجها عن دائرة الإباحة، فتنقسم إلى قسمين:

قسم مباح: وهو ما خلا من المحظورات، وكان وقت اللعب فيه معتدلًا لا يطغى على الواجبات. فهذا جائز، بل قد يكون وسيلة للترويح عن النفس.

وقسم محرم: وهو ما اشتمل على محظور شرعي، كالألعاب التي تتضمن قمارًا أو ميسرًا، أو تصويرًا للعورات، أو معازف محرمة، أو إفسادًا للعقيدة، أو تشجيعًا على العنف والقتل، أو إضاعةً للصلاة والواجبات. فإذا كان اللعب يشغلك عن الصلاة حتى تفوتك، أو يجعلك تؤذي غيرك، أو يغرس في قلبك العنف، فهو حرام لا شك فيه.

وأما العنصر الثالث: المخاطر العقدية والسلوكية للألعاب الإلكترونية:

أيها المسلمون، إن أخطر ما في هذه الألعاب ليس مجرد إضاعة الوقت، بل ما تزرعه في القلوب والعقول من فساد عريض. ومن هذه المخاطر:

1. إفساد العقيدة: فبعض الألعاب تُصوّر الخالق جل وعلا بصورة مشوهة، أو تُدنس كتاب الله، أو تُظهر النبي صلى الله عليه وسلم بأشنع الصور، أو تنشر الأصنام والصلبان حتى تصبح مألوفة مستساغة عند اللاعبين. وهذا خطر عظيم على إيمان الناشئة.

2. غرس العنف والعدوان: فكثير من الألعاب تُربّي الطفل على استسهال القتل، وتقطيع الأجساد، وإطلاق النار على المسلمين في المساجد، ويُسمّى القاتل بـ"البطل"!. وقد استغل أصحاب الفرق الضالة هذه الألعاب أسوأ استغلال.

3. إشاعة الفاحشة: فبعض الألعاب تعرض صورًا عارية وشبه عارية، وتُربّي على استسهال المحرمات، وتُنمّي الغرائز بشكل منحرف.

4. تنمية العزلة والانطواء: فالطفل يستغني بهذه الألعاب عن أهله وأصدقائه، ويعيش في عالم افتراضي، فيفقد مهارات التواصل الاجتماعي الحقيقية.

وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من كل ما يفسد القلب ويُلهيه عن الله، فقال: «كل شيء من لهو الدنيا باطل، إلا ثلاثة: انتضالك بقوسك، وتأديبك فرسك، وملاعبتك أهلك، فإنهن من الحق». فإذا كان اللهو المباح مقيّدًا، فكيف باللهو الذي يُفسد الدين والأخلاق؟!.

وأما العنصر الرابع: أثر الألعاب الإلكترونية على الصحة والوقت والواجبات:

عباد الله، إن من أعظم ما يخسره مدمن الألعاب الإلكترونية: وقته وعمره. فالساعات الطويلة التي يقضيها أمام الشاشة هي من عمره الذي هو رأس ماله، وسيُسأل عنه يوم القيامة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه». فكيف يُفني المسلم عمره في لهو باطل لا ينفعه في دينه ولا دنياه؟!

كما أن لهذه الألعاب أضرارًا صحية جسيمة: من إجهاد ذهني، وإرهاق نفسي، وضعف في البصر، وآلام في الظهر والرقبة، وتكاسل عن الصلاة والواجبات. وقد ذكر العلماء أن "تلك الألعاب الملهية الباطلة لا يستفيد الإنسان منها شيئًا، بل يتضرر لإضاعة وقته الثمين الذي يسأل عنه ويحاسب عليه".

أيها المسلمون، لقد ذم الله تعالى اللهو الباطل في كتابه، فقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقد فسّرها ابن مسعود رضي الله عنه بالغناء وأشباهه من الملاهي. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "هو الملاهي". فكيف بمن يشتري بماله لعبةً تُلهيه عن ذكر الله وعن الصلاة؟!.

وأما العنصر الخامس: سبل الوقاية والعلاج:

عباد الله، إننا لا نكتفي بالتحذير، بل نضع بين أيديكم خطوات عملية للوقاية:

1. غرس الإيمان في القلوب: فالقلب الذي يمتلئ بحب الله ومراقبته، لا يجد متسعًا للهو الباطل.

2. شغل أوقات الفراغ بما ينفع: من حفظ القرآن، والمسابقات الشرعية، والرياضة المباحة، والقراءة النافعة. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالحرص على ما ينفع، فقال: «احرص على ما ينفعك».

3. الرقابة الأبوية: على الآباء مراقبة ما يلعبه أبناؤهم، ومعرفة محتوى الألعاب، ووضع حدود زمنية واضحة.

4. التربية على المسؤولية: وتعليم الأبناء أن الوقت أمانة، وأن كل ساعة تمر لا تعود.

5. الدعاء والاستعانة بالله: فالله وحده هو الذي يعصم من الفتن.

في الختام، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحفظنا وأبناءنا وبناتنا من كل فتنة، ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعل أوقاتنا عامرة بذكره وطاعته، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. 

google-playkhamsatmostaqltradent