recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة احترام الذوق العام.. رُقِيُّ السلوك وجمالُ الأخلاق مسعد الشايب

 احترام الذوق العام.. رُقِيُّ السلوك وجمالُ الأخلاق 





1.
مقدمة، وبيان ماهية الذوق العام.

2. كيف أصلت الشريعة الإسلامية لاحترام الذوق بالنماذج.

3. الخطبة الثانية: (أنت حر ما لم تضر).

 

ثانيا: الموضوع:

الحمد لله رب العالمين، يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، جلّ وجهك، وعزّ جاهك، ولا يخلف وعدك، ولا يهزم جندك، وأَشهدُ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأَشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عَبدُه ورسولُهُ، صلاة وسلاما عليه دائمين متلازمين إلى يوم الدين وعلى آله وصحبه...الخ، إلى يوم الدين، وبعد:

 

(1) ((مقدمة، وبيان ماهية الذوق العام))

 

أيها الأحبة الكرام: الدين الإسلامي هو دين القيم، والفضائل، والمبادئ والأخلاق، التي تقوم عليها البشرية، وتعزز الانسجام، والترابط، والتآلف، والتراحم...الخ بينهم، فما أرسل نبينا (صلى الله عليه وسلم) إلا ليتمم صالح الأخلاق، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)(رواه أحمد).

والأخلاق الإسلامية تشمل حياة الانسان، وتدخل في جميع علاقاته بغيره مع الزوجة والأولاد والأهل والأقارب والجيران، حتى في الغزوات والحروب لم تنس الشريعة الإسلامية التحلي بالأخلاق، وهو ما يعرف بالذوق العام في الشريعة الإسلامية الغراء، فتعالوا بنا أحبتي في الله بإذن من الحق تبارك وتعالى في لقاء الجمعة الطيب المبارك؛ لنتعرف على معنى: الذوق العام، وكيف أصلت الشريعة الإسلامية لاحترامه، ضاربًا عدة نماذج وأمثلة له في شريعتنا الإسلامية الغراء، فأعيروني يا عباد الله القلوب واصغوا إليّ بالآذان والأسماع فأقول وبالله التوفيق:

 

الذوق العام: هو مجموعة القيم، والعادات، والآداب الاجتماعية، والسلوكيات الحضارية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، موجهةً تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض في الأماكن العامة بما يحفظ الاحترام المتبادل والمظهر الحضاري.

 

وقد أصّلت الشريعة الإسلامية لمفهوم احترام الذوق العام وجعلته جزءًا لا يتجزأ من منظومتها الأخلاقية والتشريعية، حيث لم تقتصر الشريعة الإسلامية على تنظيم العبادات والطاعات فحسب، بل وضعت ضوابطَ دقيقةَ للسلوك الاجتماعي، تُعرف في الفقه الإسلامي بـ "الآداب الشرعية" أو "المروءة"، والمروءة: جملةٌ من الآداب النفسيّة، تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات.

وقد اهتمت شريعتنا الإسلامية الغراء باحترام الذوق العام، وأصلت له بطرق متعددة ومتنوعة، فمن تأصيل الشريعة الإسلامية لاحترام الذوق العام:

 

(2) ((كيف أصلت الشريعة الإسلامية لاحترام الذوق العام بالنماذج))

 

1ـ ما كان من القواعد الفقهية الكبرى المستنبطة من أقوال نبينا صلى الله عليه وسلم، والتي تمنع إيذاء الآخرين ماديًا أو معنويًا، ومنها:

 

أـ لا ضرر وضرار، وهي نص حديث، وقضاء لنبينا صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)(رواه ابن ماجه، رقم:2341)، أي: لا ضرر للنفس، ولا ضرر للغير، أو لضرر بدون سبب ولا بسبب، ومنها:

 

ب ـ درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهي مستنبطة من قول الله (عزّ وجلّ): {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}[الأنعام: من الآية 108]، فأمر سبحانه وتعالى بترك سب آلهة المشركين حتى لا يؤدي ذلك إلى سبّ المشركين للحق تبارك وتعالى، كما أنها مستنبطة أيضًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة (رضي الله عنها): (لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ ‌عَهْدٍ ‌بِجَاهِلِيَّةٍ، لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ)(اللفظ للبخاري، رقم:4334)، ومن تأصيل الشريعة الإسلامية لاحترام الذوق العام:

 

2ـ ما كان من حق الطريق وآدابه، فعن سيدنا أبي سعيد الخدري(رضي الله عنه)، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ). قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ). قالوا: وما حقه؟. قال: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ)(صحيح البخاري، رقم:6229. صحيح مسلم،  

وآداب الطريق وحقه علينا لا تنحصر في تلك الخمسة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث النبوي الشريف، وإنما هي من قبيل ضرب المثال، أو ذكر الأهم الأشهر، أو ذكر ذي الفائدة الأعظم، فحق الطريق وآدابه في السنة النبوية المطهر تصل إلى أربعة عشر أدبًا.

فقد قال الحافظ ابن حجر المصري في شرحه الماتع لصحيح الإمام البخاري (فتح الباري): ومجموع ما في هذه الأحاديث أربعة عشر أدبا وقد نظمتها في ثلاثة أبيات وهي:

جَمَعْت آدَاب مَنْ رَامَ الْجُلُوس عَلَى ***** الطَّرِيق مِنْ قَوْل خَيْر الْخَلْق إِنْسَانَا

اُفْشُ السَّلام وَأَحْسِنْ فِي الْكَلام ***** وَشَمِّتْ عَاطِسًا وَسَلامًا رُدَّ إِحْسَانَا

فِي الْحَمْل عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِث ***** لَهْفَان اِهْدِ سَبِيلاً وَاهْدِ حَيْرَانَا

بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكُر وَكُفَّ أَذَى ***** وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْر مَوْلانَا

 

قلت (ابن الشايب): والتسعة الباقية هي: إحسان الكلام، تشميت العاطس إذا حمد، الإعانة على الحمل، نصرة المظلوم، إغاثة اللهفان، هداية السبيل، إرشاد الضال، هداية الحيران، ذكر الله.

 

قلت (ابن الشايب): قد يتداخل بعضها في بعض، كذكر الله في حسن الكلام، وإرشاد الضال في هداية السبيل، وكلاهما يدخل في إغاثة اللهفان، ومن تأصيل الشريعة الإسلامية لاحترام أيضًا الذوق العام:

 

3ـ ما كان من تشريعات العناية بالمظهر، والنظافة الشخصية، فالحق تبارك وتعالى يقول: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأعراف:31]، وعن سيدنا جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما): أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا شعثا قد تفرق شعره، فقال: (أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا ‌يُسَكِّنُ ‌بِهِ ‌شَعْرَهُ). ورأى رجلا آخر وعليه ثياب وسخة، فقال: (أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ)(سنن أبي داود، رقم:4062).

 

وعن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلَا سَرَفٍ حَتَّى تُرَى ‌نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ , فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى نِعْمَتَهُ ‌عَلَى ‌عَبْدِهِ)(مسند الحارث، رقم:571).

 

وعن سيدنا عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)، أنَ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ). فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ ‌جَمِيلٌ ‌يُحِبُّ ‌الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)(صحيح مسلم، رقم:91)، ومن تأصيل الشريعة الإسلامية أيضًا لاحترام الذوق العام:

 

4ـ ما كان من تشريعات ما يعرف ويسمى بذوقيات العبادة المشتركة، كنهي مَنْ أكل ثومًا أو بصلا، أو تناول ذي رائحة كريهة، أو يرتدي ثيابًا وجوارب متسخة عن إتيان المساجد، فعن سيدنا جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما): أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (‌مَنْ ‌أَكَلَ ‌ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ)(صحيح البخاري، رقم:7359. صحيح مسلم، رقم:564).

 

وكالأمر بتخفيف الصلاة لمن وقف بالناس مراعاة لظروفهم، فعن سيدنا أبي هريرة (رضي الله عنه): أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ، ‌فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ)(اللفظ لمسلم، رقم:467).

 

وكالنهي عن التشويش على المصلين والعباد في المساجد وأماكن الطاعة والعبادة، ولو بقراءة القرآن الكريم، فعن سيدنا أبي سعيد الخدري(رضي الله عنه)، قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال: (‌أَلَا ‌إِنَّ ‌كُلَّكُمْ ‌مُنَاجٍ ‌رَبَّهُ، ‌فَلَا ‌يُؤْذِيَنَّ ‌بَعْضُكُمْ ‌بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ). أو قال: (فِي الصَّلَاةِ)(سنن أبي داود، رقم:1332)، ومن تأصيل الشريعة الإسلامية لاحترام الذوق العام:

 

5ـ ما كان من أدب الحديث، والمجالس، كالنهي عن الصخب ورفع الصوت، فقال الحق تبارك وتعالى على لسان لقمان عليه السلام) موصيًا ولده: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}[لقمان:19].

 

وكالنهي عن التناجي المؤذي للآخرين، كأن يتناجى اثنان دون الثالث، فعن سيدنا عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً، فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ)(صحيح البخاري، رقم:6288)، وفي رواية: (فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْزُنُهُ)(سنن ابن ماجه، رقم:3775).

 

وكالنهي عن الاستماع لحديث الغير بدون إذن منه، فعن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَسَمَّعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، ‌صُبَّ ‌فِي ‌أُذُنِهِ ‌الْآنُكُ (النحاس)...)(مسند أحمد، رقم:2213)، وعن سعيد المقبري قال: مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث، فقمت إليهما، فلطم في صدري، فقال: (‌إِذَا ‌وَجَدْتَ ‌اثْنَيْنِ ‌يَتَحَدَّثَانِ ‌فَلَا تَقُمُّ مَعَهُمَا، وَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمَا، حَتَّى تَسْتَأْذِنَهُمَا). فقلت: أصلحك الله يا أبا عبد الرحمن! إنما رجوت أن أسمع منكما خيرًا. (الأدب المفرد للبخاري، رقم:1166).

 

وكالنهي عن التجشؤ بحضرة الآخرين، فعن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ القِيَامَةِ)(سنن الترمذي، رقم:2478)، ومن تأصيل الشريعة الإسلامية أيضًا لاحترام الذوق العام:

 

6ـ ما كان من آداب الاستئذان، واحترام الخصوصية، ومنها: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ*وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ*وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[النور:58 ـ 60]، ومن تأصيل الشريعة الإسلامية أيضًا لاحترام الذوق العام:

 

7ـ ما كان من آداب تناول الطعام، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم لسيدنا عمر بن أبي سلمة: (يَا غُلَامُ، ‌سَمِّ ‌اللهَ، ‌وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ)(صحيح البخاري، رقم:5376. صحيح مسلم، رقم:2022)، وفي هذا دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصبية الصغار احترام الذوق العام، حتى يشبوا محترمين إياه، ومن تأصيل الشريعة الإسلامية لاحترام الذوق العام:

 

8ـ ما كان من آداب احترام المرافق، والأماكن العامة، ومن أهمها: الترشيد في استهلاكها، وعدم الإسراف في استخدامها، فنحن مأمورون بترشيد الاستخدام، والحدّ من الاستهلاك، وعدم الإسراف أو التبذير وخصوصا في المصالح والهيئات الحكومية، قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا*إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}[الإسراء:27،26]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ)(صحيح البخاري، رقم:1477. صحيح مسلم، رقم:593).

 

عباد الله وأحباب رسوله الكريم: لشدة اهتمام الشريعة باحترام ومراعاة الذوق العام، كثرة المؤلفات في هذا الجانب، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: كتاب: (الآداب) للإمام البيهقي، المتوفى: (458هـ)، وكتاب: (فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة) لأبي الوفاء العقيلي الحنبلي، المتوفى: (513هـ)، وكتاب: (الآداب الشرعية والمنح المرعية) للمقدسي الحنبلي، المتوفى: (763هـ)، وكتاب: (غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب) للسفاريني الحنبلي، المتوفى: (1188هـ)

عباد الله: البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والدّيّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فالتائب من الذنب.....

 

(الخطبة الثانية)

((أنت حر ما لم تضر))

 

الحمد لله رب العالمين، أعدّ لمَنْ أطاعه جنات النعيم، وسعرّ لمَنْ عصاه نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

أيها الأحبة الكرام: ما زال الحديث بنا موصولا مع الذوق العام ومراعاته، وكيفية تأصيل الشريعة الإسلامية لاحترامه، وحتى لا يدعي أحدٌ أن مراعاة الذوق العام واحترامه تنافي الحرية الشخصية، كمَنْ يسيرون في الشوارع بالبناطيل الممزقة والمبلولة، وكمن لا يراعون للكبار حرمة في وسائل المواصلات، وكمن ينشرون العهر والفحش في جنبات المجتمع...إلخ، أقول:

 

الحرية: تعني الانطلاق والخروج عن الذّل والخضوع للكائنات، وهي: رفع اليد عن الشيء من كل وجه، والقدرة على التصرف بملء الارادة والاختيار بدون اعتداء على حقوق الآخرين، والإضرار بهم، ضد الكبت.

 

والحرية في الشريعة الإسلامية حقٌ لكل البشر بغض النظر عن الدين والمعتقد، ولها صورٌ شتى ووجوهٌ متعددة، منها:

 

الحرية الذاتية: أو الحرية من العبودية لغير الله، فالأصل في جميع البشر الحرية الذاتية وعدم العبودية إلا لله، وما أرسل الرسل إلا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ولا أدل على ذلك من قول عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص (رضي الله عنهما) مستنكرًا: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟)(كنز العمال)، فقد ناهضت الشريعة الإسلامية الاسترقاق والاستعباد للمسلم وغيره بطرق شتى، ومنها:

 

الحرية الدينية: فمن محاسن الإسلام أنه لا يجبر أحدًا على اعتناقه والدخول فيه، فلكل إنسان أن يختار دينه ومعتقده كيفما شاء، وإنما يخاطب الإسلام العقل والوجدان بالحجة والبرهان حتى يكون الداخل فيه عن طواعية واختيار، قال تعالي: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}[البقرة:256]، وقال سبحانه وتعالى مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}[يونس:99]، وقال مخاطبًا إياه أيضًا: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}[الكهف:29]، فدعوى الحانقين: (الإسلام انتشر بحدّ السيف) هي مجرد زعم بل هي وهمٌ لا دليل عليه، ومنها:

 

حرية الرأي والتفكير: فالشريعة الإسلامية تدعو إلى استخدام العقل وإلى إعمال النظر والتفكر والتدبر حتى يتوصل الإنسان إلى خالق هذا الكون، وإلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ}[الأنعام:50]، وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[الجاثية:13]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}[سبأ:46]، ومنها:

 

الحريات الشخصية بأنواعها: كحرية التنقل، وحرية السكن، وحرية العمل، وحرية التملك، وحرية التعلم، حرية العمل السياسي...إلخ، وهذا كله مترتبٌ على الحرية الذاتية (حرية الجسد والروح).

 

((ضوابط الحرية في الشريعة الإسلامية))

 

هذه الحرية التي ذكرناها بصورها ليست حرية مطلقة، وإنما مقيدة بضوابط عديدة دينية واجتماعية وثقافية، تتلخص في عدم المخالفة للدين الإسلامي عقيدة وشريعة وأخلاقًا، وتفصيلها كالتالي:

 

1ـ ألا يترتب على تلك الحرية ضررٌ أو إيذاء لحريات الأخرين مسلمين وغير مسلمين، فعلى سبيل المثال: ألزم الإسلام أتباعه بعدم السبّ أو التعرض لآلهة أصحاب الديانات الأخرى، فقال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأنعام:108]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)(سنن ابن ماجه، رقم:2341).

 

2ـ ألا يترتب على تلك الحرية هلكة المجتمع ودماره أو حتى إضراره، كالقول بحرية تناول المخدرات والمسكرات...الخ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا)(رواه البخاري).

 

3ـ أن تتوافق تلك الحرية مع الذوق العام، فضلًا عن ثقافة المجتمع والعادات والتقاليد الاجتماعية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لَا تَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا تَحْتَبِ فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ، وَلَا تَأْكُلْ بِشِمَالِكَ، وَلَا تَشْتَمِلِ الصَّمَّاءَ، وَلَا تَضَعْ إِحْدَى رِجْلَيْكَ عَلَى الْأُخْرَى إِذَا اسْتَلْقَيْتَ)(رواه مسلم).

 

4ـ ألا يترتب على تلك الحرية استباحة ما حرم الله (عزّ وجلّ) عمومًا، كالزنا، والتبرج، والمخادنة...الخ، فقد قال الحق تبارك وتعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ*قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ*فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}[الأعراف:28ـ30].

 

5ـ ألا يترتب على تلك الحرية عوارٌ وجهلٌ فكري وثقافي، كالتهجم على الفتيا في دين الله (عزّ وجلّ)، والتهجم على تفسير الآيات القرآنية، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من غير المتخصصين الذين لا يملكون أدوات الخوض في ذلك.

فالحق تبارك وتعالى يعلمنا رد الأمر إلى أهله، فيقول: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}[النساء:83]، ويقول سبحانه وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[النحل:43. الأنبياء:7].

 

فاللهمّ أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، اللهمّ علمنا من لدنك علما نصير به خاشعين، وشفّع فينا سيّد الأنبياء والمرسلين، واكتبنا من الذاكرين، ولا تجعلنا من الغافلين ولا من المحرومين، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النّعيم.

اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء، وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.

 

google-playkhamsatmostaqltradent