recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة مخاطر الألعاب الإلكترونية ️ محمد أبوالنصر

 مخاطر الألعاب الإلكترونية



️الحمدُ للهِ الذي خلقَ الخلقَ لعبادتِهِ، وشرعَ الأحكامَ بحكمتِهِ، وأزهقَ الباطلَ بعزتِهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، تعظيمًا لشأنِهِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

إنَّ النفوسَ البشريةَ جُبلتْ على حبِّ الترويحِ والاستجمامِ، لا تعيشُ على وتيرةٍ واحدةٍ من الجدِّ والكدِّ، غيرَ أنَّ هذا الترويحَ له ضوابطُ وحدودٌ، فإن تجاوزَها انقلبَ إلى ضدِّهِ، وصارَ وبالًا على صاحبهِ. وإنَّ من أعظمِ ما غزَا بيوتَ المسلمينَ في هذا العصرِ: الألعابُ الإلكترونيةُ التي استحالتْ في يدِ كثيرٍ من الشبابِ والناشئةِ إلى إدمانٍ قاتلٍ، يستنزفُ الأعمارَ، ويُضيعُ الواجباتِ، ويُفسدُ العقائدَ والأخلاقَ. فإلى كلِّ أبٍ وأمٍّ، وإلى كلِّ شابٍّ وفتاةٍ، وإلى كلِّ من رفعتْ يدَهُ بالدعاءِ أن يحفظَ اللهُ ذريتَهُ، نقفُ هذه الوقفاتِ العلميةَ الهادفةَ؛ لنبيّنَ حقيقةَ الخطرِ، ونضعَ الحلولَ الناجعةَ، في ضوءِ الكتابِ والسنةِ، وفهمِ سلفِ الأمةِ، من خلالِ العناصرِ التاليةِ.

 العنصر الأول: التأسيس العقدي والمقصدي — الشريعة والترويح والفطرة

 حاجة النفس البشرية إلى الترويح والاستجمام

خلقَ اللهُ النفسَ البشريةَ مفطورةً على الحاجةِ إلى الترويحِ وإجمامِ القلوبِ؛ لتجديدِ نشاطِها واستعادةِ قدرتها على القيامِ بوظائفِ الاستخلافِ في الأرضِ وعمارةِ الكونِ، ولذلك أقرتِ الشريعةُ الإسلاميةُ الغراءُ الترويحَ المباحَ ولم تصادرْ يومًا ما على احتياجاتِ الفطرةِ الإنسانيةِ السويةِ.

يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة، رقم: ١٤٣]. فالأمةُ الوسطُ هي التي لا تغلو ولا تقصر، تأخذُ من الدنيا ما يُعينُ على الآخرة، ولا تُضيعُ نصيبها من المتع المباحة. فمن ظنَّ أن الإسلامَ دينُ رهبانيةٍ وانقطاعٍ فقد جهلَ حقيقته.

وقال سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص، رقم: ٧٧]. فهذه الآيةُ تُؤسِّسُ لمنهجِ التوازنِ: لا إهمالَ للآخرةِ، ولا إهمالَ للدنيا. فالترويحُ المباحُ مطلوبٌ، ولكن بشرطِ ألا يطغى على الواجبات.

 إقرار الشريعة للترويح المباح

ثم إنَّ الهديَ النبويَّ قد تجلَّى في مواقفَ متعددةٍ في إقرارِ اللعبِ المباحِ، فقد ثبتَ إقرارُ سيدنا رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم للعبِ الحبشةِ في المسجدِ النبويِّ الشريفِ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحِرَابِهِمْ، إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ بِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُمْ يَا عُمَرُ» <رواه مسلم>. فانظر كيف أقرَّ النبيُّ ﷺ اللعبَ في المسجدِ، ومنعَ عمرَ من الإنكارِ؛ لأنَّ المقامَ مقامُ ترويحٍ مباحٍ لا يُخِلُّ بالدين.

وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ؟ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ» <رواه البخاري>. فالنبيُّ ﷺ لم يُنكرْ مجردَ اللهو، بل سألَ عنه إقرارًا وتوجيهًا، وهذا يُؤصلُ أنَّ الترويحَ مطلبٌ فطريٌّ لا يُنكرُ لذاته.

وعن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ كان يلاعبُ الصغيرَ أبا عميرٍ ويقول: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» <متفق عليه>. والنغيرُ طائرٌ صغيرٌ كان يلعبُ به الغلامُ، فالنبيُّ ﷺ يلاطفُ الطفلَ ويسألُهُ عن لعبتِهِ؛ ليدخلَ السرورَ على قلبه، ويربيه على المحبة. فما أرحمَ هذا الدينَ وأسمحَهُ!

وها هو النبيُّ ﷺ كان في سفرٍ مع أصحابِهِ ومعه عائشةُ رضي اللهُ عنهم أجمعين، فقال لِأَصْحَابِهِ: «تَقَدَّمُوا!» فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لعائشة: «تَعَالَيْ أُسَابِقْكِ»، قالت عائشة: فَسَابَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ فَسَبَقْتُهُ، ثم بعد مدة، وفي سفرة أخرى، قال لأصحابه أيضًا: «تَقَدَّمُوا!» ثُمَّ قَالَ لعائشة: «تَعَالَيْ أُسَابِقْكِ»، قالت: فَسَابَقَنِي فَسَبَقَنِي، فَضَرَبَ بِيَدِهِ كَتِفِي وَقَالَ: «هَذِهِ بِتِلْكَ» < >. فانظر إلى هذا الترويحِ النبويِّ الراقي مع الأهلِ، كيف يجمعُ بين البهجةِ وحسنِ العشرةِ.

وها هوَ ﷺ يعْلمُ أنَّ عائشة لا تزال حديثة السن، وتحبُ اللعبَ مع صُوَيْحِباتها، فتحكي عائشة رضي الله عنها فتقول: «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ (أي تلك الدُّمى التي تلعب بها الصبايا)، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ (أي يستترن منه)، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ، فَيَلْعَبْنَ مَعِي» <)>. أي يرسلهن لها لتلعب معهن. هكذا سماحةُ الإسلامِ في إقرارِ اللعبِ المباح.

 ضوابط اللعب المباح في الشريعة

 ألا يكونَ فيه ضررٌ على الدين أو الدنيا.

 ألا يُشغلَ عن واجبٍ شرعيٍّ أو دنيويٍّ معتبرٍ.

 ألا يُفضيَ إلى محرمٍ قولًا أو فعلًا.

 ألا يستغرقَ الوقتَ كلهُ، فيصيرَ لهوًا مذمومًا.

فهذه الضوابطُ مستفادةٌ من نصوصِ الشريعةِ وقواعدِها، فإنَّ "الوسائلَ لها أحكامُ المقاصد"، فما أُفضى إلى محرمٍ فهو محرمٌ، وما أُفضى إلى تضييعِ واجبٍ فهو ممنوعٌ بقدرِ ما فيه من تفريطٍ.

  كلام حجة الإسلام الغزالي في الترويح

وقد لخَّصَ حجةُ الإسلامِ الغزاليُّ هذا المعنى فقال: "وينبغي أن يؤذن له - أي الطفل - بعد الانصراف من الكتَّاب أن يلعب لعبًا جميلًا يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب، فإنَّ منع الصَّبيِّ من اللَّعب، وإرهاقه إلى التَّعلُّم دائمًا، يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغِّص عليه العيش حتَّى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسًا" <إحياء علوم الدين: الغزالي>. فهذا كلامُ إمامٍ  يُبيّنُ أنَّ اللعبَ حاجةٌ تربويةٌ، ولكن بشرطِ ألا يكونَ هو الغايةَ، ولا يستغرقَ الوقتَ كلَّهُ.

  قاعدة "الضرر يزال" و"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"

وقد اعتنى الفقهاءُ بقاعدة «الضرر يزال»، وهي من القواعد الفقهية الكبرى المستندة إلى نصوص الشريعة ومقاصدها، وقرروا بها وجوب دفع الضرر بحسب الإمكان، ومنع الممارسات التي يثبت ضررها على النفس أو الغير.

وقد بيَّن الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" أن الشريعة قائمة على تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وأن الأحكام الشرعية تدور مع ما يترتب على الأفعال من مصالح ومضار معتبرة، ويقتضي هذا النظر ألا تُقدَّم متعة عابرة على سلامة البدن متى ثبت أن الإفراط فيها يلحق به ضررًا معتبرًا. <ينظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام: العز بن عبد السلام>.

كما تناول الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله قاعدة «الضرر يزال» في كتابه "الأشباه والنظائر"، وبيَّن مكانتها واتساع تطبيقاتها في أبواب الفقه، وهي قاعدة تصلح أصلًا في معالجة الإفراط في الألعاب الإلكترونية، حين يؤدي إلى أضرار صحية يمكن تجنبها، أو يفضي إلى الإخلال بحقوق الإنسان الأساسية. <ينظر: الأشباه والنظائر: السيوطي>.

  العنصر الثاني: حقيقة الألعاب الإلكترونية وواقعها المعاصر

 أنواع الألعاب الإلكترونية

إنَّ الألعابَ الإلكترونيةَ لم تعدْ مجردَ ترفيهٍ محدودٍ بالزمانِ والمكانِ، بل أصبحتْ فضاءاتٍ افتراضيةً عابرةً للحدودِ، تحتوي على ألعابِ القتالِ والحروبِ والخيالِ العلميِّ والرياضةِ والإثارةِ وغيرِها، صُمِّمتْ خوارزمياتُها بعنايةٍ فائقةٍ لاستثارةِ مراكزِ المكافأةِ في الدماغِ، وإبقاءِ المستخدمِ مشدودًا إلى الشاشةِ لساعاتٍ طوالٍ.

  حجم صناعة الألعاب عالميًا

إنَّ هذه الألعابَ تقومُ على إنتاجِها شركاتٌ عملاقةٌ، برؤوسِ أموالٍ كبيرةٍ، لها بالأساسِ هدفان: الغزوُ الثقافيُّ والربحُ الماديُّ. وقد بلغتْ أرباحُ هذه الشركاتِ أكثرَ من مئةٍ وخمسينَ (١٥٠) مليارَ دولارٍ، ينفقُها المدمنونَ لهذه الألعابِ في شرائِها وتحديثِها.

  الإيجابيات المحدودة

وحتى نكون منصفين فإن للألعاب الإلكترونية آثاراً إيجابية؛ فهي تسهم أحياناً في تحسين بعض المهارات الاجتماعية والأكاديمية، كمهارة البحث عن المعلومات، ومهارة الطباعة، ومهارة الكتابة، ومهارة اكتساب اللغات الأجنبية، ومهارات التفكير الناقد، ومهارات حل المشكلات. لكن الذي يعنينا ويهمنا: أن نتواصى به هو التحذير من الأضرار والشرور التي تحتويها تلك الألعاب، وقد تمت دراسات عديدة من خبراء ومختصين، وصنفت تلك الأضرار إلى ست فئات: أضرار دينية، وأضرار سلوكية، وأضرار أمنية، وأضرار صحية، وأضرار اجتماعية، وأضرار أكاديمية، وأضرار عامة، ويندرج تحت كل فئة عدد من الآثار السلبية.

  واقع الإقبال عليها في البيوت المسلمة

إننا في هذا العالم نلهث وراء كل جديد في عالم التقنية، نبحث عنه في كل مكان، وندفع لأجله أغلى الأثمان، وقليل منا من يحتاط ويتروى، ويتأمل في المصالح والمفاسد. إن من أخطر ما قذفت به التقنية الحديثة اليوم: تلك الألعاب الإلكترونية التلفزيونية، ألعاب أشغلت الصغار بل ربما الكبار، وزاد استخدامه بمعدلات ضخمة .

 تحولها من وسيلة ترفيه إلى غاية

وحين ينقلب المباح من وسيلة للاستجمام الموزون إلى غاية تستهلك العمر، وتستلب الإرادة، وتُقحم المكلف في محاذير عقدية وأخلاقية وصحية ومالية، فإنه يخرج عن أصله المباح ليدخل في دائرة الحظر والتحريم؛ إذ إن الأحكام الشرعية تدور مع عللها ومآلاتها.

يقول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء، رقم: ١-٢]. فانظر كيف قرنَ اللهُ بينَ الغفلةِ واللعبِ؛ لأنَّ اللعبَ الذي يُلهي عن الحقِّ هو من صفاتِ الغافلينَ المعرضينَ.

وقال سبحانه في وصفِ أهلِ الإيمانِ: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور، رقم: ٣٧]. فإذا كانت التجارةُ - على ما فيها من نفعٍ - لا تُلهي المؤمنَ عن الصلاةِ والذكرِ، فما بالُ اللهوِ الخالي من كلِّ نفعٍ يستولي على قلوبِ كثيرٍ من شبابنا؟

 العنصر الثالث: المخاطر العقدية والدينية

  تكييف صورة الخالق جل وعلا

فلا تكادُ تخلو لعبةٌ من مخالفاتٍ شرعيةٍ؛ فتجدُ في بعضِ الألعابِ تكييفًا لصورةِ الخالقِ - جلَّ وعلا - ومع شدةِ حرمةِ تكييفِ الربِّ - جلَّ وعلا - إلا أنهم مع ذلك يُصوِّرونه - عزَّ وجلَّ - بصورةٍ مشوهةٍ - تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا - فهو الجميلُ الذي حوى صفاتِ الحسنِ والجمالِ، منزَّهٌ عن الندِّ والمثيلِ، والتعطيلِ والتكييفِ.

  تدنيس المصاحف وامتهان مقام النبي ﷺ

كذلك تحتوي هذه الألعابُ على تدنيسٍ لكتابِ اللهِ، وامتهانٍ لمقامِ نبيِّ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم - حيث يُظهرونه بأشنعِ صورةٍ؛ لإنقاصِ قدرِهِ، كما يُسيئون لصحابتِهِ الكرامِ - رضوانُ اللهِ عليهم -.

  انتشار الأصنام والصلبان

كذلك انتشارُ الأصنامِ والصلبانِ في كثيرٍ من هذه الألعابِ؛ فأصبحَ منظرُ الصنمِ والصليبِ مألوفًا مستساغًا، ومقبولًا عند اللاعبينَ، لا يمتنعُ الطفلُ عن لبسِهِ، ولا يأْنَفُ غالبًا من ذلك.

  صور النساء العاريات

ولا تخلو لعبةٌ - في الغالبِ - من صورِ النساءِ العارياتِ، وشبهِ العارياتِ؛ فمن أدمنَ مشاهدةَ هذه الألعابِ استسهلَ اللبسَ الفاضحَ، والنظرَ إلى العارياتِ.

  تعليم الأطفال اختيار الكفر

بل في بعض الألعاب يضطر الطفل لاختيارات كفرية، حين يعرض عليه سؤال: هل أنت مسلم أو كافر؟ فيختار: كافر؛ لمواصلة اللعب.

 ألعاب إنكار وجود الله وعبادة الشيطان

بل والأدهى والأمرُّ، أنْ صنعوا ألعابًا تُخالفُ عقيدةَ الإسلامِ، فترى في بعضِها ألعابًا تقومُ على إنكارِ وجودِ ربِّ العالمينَ، واصطناعِ آلهةٍ تبعثُ الريحَ، وتُنزلُ المطرَ، وتُحيي الموتى، وتَتحكمُ في البشرِ. وألعابٌ أخرى أبطالُها السَّحرةُ والكُهَّانُ، بل ويُعبَدُ فيها الشيطانُ، وألعابٌ تُداسُ فيها المصاحفُ بالأقدامِ، وأخرى يُسجدُ فيها لبوذا والأوثانِ.

  ألعاب تُظهر المسلمين بصورة الإرهابيين

وسلاسلُ أخرى من الألعابِ تُظهرُ المسلمينَ على أنَّهم إرهابيون همجيّونَ، وتؤكدُ على فكرةِ الجنديِّ الغربي الذي يأتي إلى بلادِ العالمِ الثالثِ للقيامِ بمهمةٍ نبيلةٍ - في زعمهم - تحتَ رايةِ بلدِهِ الكافرِ، جنديٌّ لا يُهزَمُ، أسلحتُهُ فتّاكةٌ لا تنتهي، قد يدخلُ بلادًا إسلاميةً، ترى فيها صورَ المآذنِ المتهدِّمةِ، وبعضَ آياتِ القرآنِ على الجُدرانِ، ويبدأُ الجنديُّ الغربيُّ الذي تقمَّصَ اللاعبُ شخصيتَهُ بقتلِ كلِّ من يُقابلهُ من العربِ المسلمينَ وحَرْقِهِ؛ ليُكملَ مُهِمَّتَهُ بنجاحٍ.

ويقول الله تعالى محذرًا من هذا كله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم، رقم: ٦]. فالمسؤوليةُ عن الأهلِ والأبناءِ ليست اختياريةً، بل هي أمانةٌ سيسألُ عنها العبدُ بين يدي الله. فمن ترك ولدَهُ نهبًا لهذه الألعابِ فقد فرَّطَ في أعظمِ أمانةٍ.

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور، رقم: ١٩]. فمن أعانَ على نشرِ الفاحشةِ أو سهَّلَ الوصولَ إليها، فهو داخلٌ في هذا الوعيدِ. وكثيرٌ من الألعابِ تُروِّجُ للصورِ العاريةِ، وتُطبِّعُ النفوسَ مع المنكراتِ.

وقال النبيُّ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» <متفق عليه>. فالأبُ مسؤولٌ عن ولدِهِ، والأمُّ مسؤولةٌ عن ابنها، والمعلمُ مسؤولٌ عن تلاميذِهِ. فلا يجوزُ تركُ الأبناءِ فريسةً لهذه الألعابِ التي تُفسدُ عقائدَهم وأخلاقَهم.

وقال ﷺ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» <متفق عليه>. فإذا كان الشرعُ يمنعُ من ترويعِ المسلمِ بالسلاحِ الحقيقيِّ، فكيف بالألعابِ التي تُعلِّمُ القتلَ والذبحَ وتفجيرَ المساجدِ؟

  العنصر الرابع: المخاطر الصحية والنفسية والعقلية

  حفظ العقل مقصد شرعي

يُعدُّ حفظُ العقلِ من المقاصدِ الأساسيةِ للشريعةِ الإسلاميةِ؛ إذ به يفهمُ الإنسانُ الخطابَ، ويميزُ بين النافعِ والضارِّ، ويدركُ عواقبَ أفعالِهِ، ويؤدي ما كُلِّفَ به من مسؤولياتٍ، وإذا كانت الشريعةُ قد حرمتِ المسكراتِ لما تحدثُهُ من تغييبِ العقلِ وإفسادِ الإدراكِ، فإنها كذلك تدعو إلى صيانةِ القدراتِ الذهنيةِ والنفسيةِ من كلِّ ما يلحقُ بها ضررًا معتبرًا، أو يعطلُ الإنسانَ عن أداءِ واجباتِهِ وممارسةِ حياتِهِ على وجهٍ متوازنٍ.

يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة، رقم: ١٩٥]. فإلقاءُ النفسِ في أسبابِ الضررِ محرمٌ، والإدمانُ الرقميُّ من أعظمِ أسبابِ الضررِ على الصحةِ النفسيةِ والعقليةِ.

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف، رقم: ١٧٩]. فمن استحوذتْ عليه الألعابُ حتى عطَّلتْ مداركَهُ عن الفهمِ والاعتبارِ، فهو من الغافلينَ الذين ذمَّهمُ اللهُ.

 الإدمان الرقمي وتعريف منظمة الصحة العالمية

وفي البيئةِ الرقميةِ، قد تتجاوزُ بعضُ الألعابِ الإلكترونيةِ حدودَ الترفيهِ المعتدلِ، فتستحوذُ على انتباهِ اللاعبِ، وتدفعُهُ إلى مواصلةِ اللعبِ رغمَ التعبِ أو الضررِ، وتجعلُهُ يجدُ صعوبةً في التوقفِ أو التحكمِ في الوقتِ الذي يقضيهِ أمامَ الشاشةِ، وتستعينُ بعضُ الألعابِ بآلياتٍ تحفيزيةٍ، مثلِ المكافآتِ المتتابعةِ والتعزيزِ غيرِ المنتظمِ والمنافسةِ المستمرةِ، لتشجيعِ المستخدمِ على العودةِ إليها مرارًا، ولا يعني ذلك أنَّ جميعَ الألعابِ تسببُ الإدمانَ، أو أنَّ آثارَها تماثلُ بالضرورةِ آثارَ الإدمانِ على الموادِ المخدرةِ؛ وإنما تكمنُ الخطورةُ في تحوُّلِ اللعبِ لدى بعضِ الأشخاصِ إلى سلوكٍ قهريٍّ يضرُّ بصحتهم النفسيةِ، ويضعفُ قدرتهم على إدارةِ حياتهم.

وقد صنفت منظمة الصحة العالمية هذا النمط بأنه مرض اضطراب الألعاب وعرَّفته بأنه نمط من سلوك الألعاب "الألعاب الرقمية" يتميز بضعف السيطرة على الألعاب، وزيادة الأولوية المعطاة للألعاب على الأنشطة الأخرى إلى الحد الذي تصبح فيه الألعاب لها الأولوية على الاهتمامات الأخرى والأنشطة اليومية، واستمرار الألعاب أو تصعيدها على الرغم من حدوث عواقب سلبية. <ينظر: اضطراب الألعاب: منظمة الصحة العالمية>.

ومن هنا، فإن حماية العقل في العصر الرقمي لا تقتصر على تجنب ما يغيّبه، بل تشمل أيضًا صيانة الانتباه، وضبط الرغبات، والمحافظة على التوازن النفسي، وعدم الاستسلام للعادات التي تنتقص من حرية الاختيار والقدرة على التحكم في السلوك.

  تأثير الإدمان على الدماغ والوظائف المعرفية

وقد أشار أحد مراكز معلومات التكنولوجيا الحيوية في دراسة حول تأثير إدمان الألعاب على الصحة النفسية والاجتماعية، إلى تأثير إدمان الألعاب على الدماغ والوظائف المعرفية، بحيث يتسبب في انخفاض عمليات التعلم ومهاراته، وضعف الذاكرة العاملة، خاصة لدى محترفي ألعاب إطلاق النار وألعاب تقمص الأدوار (وخاصة البصرية المكانية)، فضلا عن النشاط الدماغي المفرط، الذي يظهر خلال اللعب وهو ما يستنزف القوى العقلية، حيث يُظهر دماغ المدمن نشاطًا زائدًا في مناطق مسؤولة عن اتخاذ القرار، معالجة المكافآت، الانتباه، والتنظيم العاطفي والحركي. <ينظر: تأثير إدمان الألعاب الإلكترونية على الصحة النفسية والاجتماعية: المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية بالولايات المتحدة>.

  الأضرار النفسية

  الإصابة بالتوتُّرِ والقلقِ، وربَّما وصلَ الأمرُ إلى حصولِ التشنّجاتِ والصَّرعِ.

  سرعةُ الغضبِ والانفعالِ، والإصابةُ بالكآبةِ والضيقِ والحُزنِ عند تركِها.

  الإصابةُ بنوباتِ الصرعِ المتكررِ بعدَ فترةٍ قد تطولُ من الإدمانِ عليها، وهذا ما جاءَ في تقريرٍ يقولُ بأنَّ اليابانَ بدأتْ تشتكي من آثارِ تلك الألعابِ لكونِها تنشطُ كهرباءَ المخِّ مما ينتجُ عنه التعرضُ لحالاتِ الصرعِ المتكررِ.

 الإصابةُ بالأمراضِ النفسيةِ، ومن ذلك قصةُ هذا  الفتى أبوه  كان  يجلبُ له  كلَّ حديثٍ في عالم الألعاب ليسعده

 كان يأتي إليه بكل جديد في هذا المجال ، وإذا بالأبِ يفاجأُ بإصابةِ ابنِهِ بحالةٍ غريبةٍ لطولِ الأوقاتِ التي يمضيها أمامَ تلك الألعابِ أصبحَ يستيقظُ من النومِ فزعًا يصرخُ بلا سببٍ، ثم أصبحتْ حركتُهُ بطيئةً جدًّا وكذلك حديثُهُ وكأنهُ آلةٌ تتحركُ ويفزعُ ويرتجفُ من أدنى صوتٍ إلى جوارِهِ، فشلَ في دراستِهِ! فها هو الأبُ أرادَ إسعادَ ابنِهِ فجنى عليهِ.

  الأضرار الجسدية

جعلت الشريعة الإسلامية حفظ النفس وصيانة البدن من مقاصدها الكبرى، فالإنسان ليس مأذونًا له في إهمال جسده أو تعريضه للضرر، بل هو مسؤول عن رعايته والقيام بحقوقه، ومن ثمَّ، فإن الإفراط في ممارسة الألعاب الإلكترونية، وما يصاحبه من جلوس طويل أمام الشاشات، وسهر متكرر، وقلة في الحركة، قد يفضي إلى اضطراب النوم، وإجهاد العينين، وآلام الرقبة والظهر، فضلًا عن تقليل النشاط البدني اللازم لصحة الإنسان، وتزداد الخطورة حين تتحول هذه الممارسات إلى نمط يومي مستمر يؤثر في سلامة البدن وجودة الحياة.

يقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان، رقم: ٤٧]. فجعلَ اللهُ الليلَ للسكنِ والراحةِ، والنهارَ للعملِ والسعيِ. فمن سهرَ الليلَ في لهوٍ، ونامَ النهارَ عن واجبٍ، فقد خالفَ فطرةَ اللهِ التي فطرَ الناسَ عليها.

وقال النبيُّ ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» <رواه ابن ماجه>. وهذا الحديثُ أصلٌ من أصولِ الشريعةِ في دفعِ الضررِ ومنعِ الإضرارِ. فكلُّ ما يُضرُّ بالبدنِ أو يعرِّضُهُ للهلاكِ فهو ممنوعٌ شرعًا.

وقال ﷺ لعبدِ اللهِ بنِ عمرو رضي الله عنهما: «إنَّ لجسدك عليك حقًّا، وإنَّ لعينيك عليك حقًّا، وإنَّ لزوجك عليك حقًّا» <رواه البخاري>. فإذا كان الشرعُ قد منعَ من إرهاقِ البدنِ في العبادةِ النافلةِ، فكيف يُسمحُ بإرهاقِهِ في لهوٍ لا نفعَ فيهِ؟

• الجلوسُ الطويلُ أمامَ الشاشاتِ يُسبِّبُ آلامَ الظهرِ والرقبةِ، وإجهادَ العينِ الرقميَّ (Computer Vision Syndrome)، ومتلازمةَ النفقِ الرسغيِّ (Carpal Tunnel Syndrome) جراءَ الاستخدامِ المتكررِ لوحداتِ التحكمِ ولوحاتِ المفاتيحِ.

  السهرُ المتكررُ يُفسدُ جودةَ النومِ، ويُضطربُ الساعةَ البيولوجيةَ.

  قلةُ الحركةِ تُؤدِّي إلى ضعفِ النشاطِ البدنيِّ، وخمولِ الجسدِ، وضمرِ العضلاتِ.

  الدراسات العلمية

وقد رصدت الأبحاث الطبية طيفًا واسعًا من الإصابات البدنية والاضطرابات الفسيولوجية الناتجة عن الإدمان الرقمي؛ منها: تدمير جودة النوم واضطراب الساعة البيولوجية، فقد أظهرت دراسة ميدانية منشورة عام ٢٠٢٤ في مجلة (PMC) أُجريت على طلاب الطب لقياس علاقة إدمان ألعاب الفيديو بجودة النوم أن ٩٢% من المفرطين في الألعاب الإلكترونية يعانون من سوء جودة النوم (مقارنة بغير المدمنين)، مع ارتفاع ذلك إحصائيًا في زمن كمون النوم (صعوبة الدخول في النوم)، وزيادة الاعتماد على الأدوية المنومة، والخلل الوظيفي النهاري، كما أثبتت مراجعة منهجية "وتحليل تلوي" [وهو أسلوب إحصائي يُستخدم لجمع نتائج عدة دراسات علمية تناولت سؤالًا بحثيًا واحدًا أو موضوعًا متشابهًا، ثم تحليلها معًا للوصول إلى نتيجة أكثر دقة وشمولًا من نتائج كل دراسة على حدة] حول اللعب الإشكالي والنوم أن التعرض المستمر للضوء الأزرق والاستثارة العصبية قبل النوم يقللان من مدة النوم وكفاءته ويرفعان معدلات الأرق المزمن. <ينظر: إدمان ألعاب الفيديو وعلاقته بجودة النوم بين طلاب الطب: المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية بالولايات المتحدة>.

وقد وثّقت الأبحاث الطبية المنشورة في PMC عام ٢٠٢٦ ارتباط إدمان الألعاب بانخفاض النشاط البدني، وإهمال النظافة الشخصية، والإصابة بآلام الظهر والرقبة المزمنة، وإجهاد العين الرقمي (Computer Vision Syndrome)، ومتلازمة النفق الرسغي (Carpal Tunnel Syndrome) جراء الاستخدام المتكرر لوحدات التحكم ولوحات المفاتيح. <ينظر: تأثير إدمان الألعاب الإلكترونية على الصحة النفسية والاجتماعية: المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية بالولايات المتحدة>.

ولا يعني ذلك أن كل جلوس طويل أمام الشاشة يوجب التحريم، أو أن جميع الألعاب الإلكترونية تضر بالبدن؛ وإنما يتحدد الحكم بحسب مقدار الاستخدام، وطبيعة الضرر، ودرجة ثبوته، وما يترتب عليه من آثار، فإذا غلب على الظن وقوع ضرر معتبر، وجب اتخاذ الأسباب اللازمة لدفعه، وكان الاستمرار في السلوك المؤذي مخالفًا لمقصد الشريعة في حفظ النفس وصيانة البدن.

  العنصر الخامس: المخاطر المالية والاقتصادية

  حفظ المال مقصد شرعي

يُعدُّ حفظُ المالِ من المقاصدِ الأساسيةِ للشريعةِ الإسلاميةِ؛ إذ اعتنتْ بصيانتهِ من الضياعِ والتبذيرِ، وحرَّمتْ اكتسابَهُ أو استهلاكهُ بطرقٍ تقومُ على الباطلِ أو الظلمِ أو المخاطرةِ المحرمةِ، وفي ظلِّ التطورِ المتسارعِ لصناعةِ الألعابِ الإلكترونيةِ، لم تعدِ المخاطرُ الماليةُ مقتصرةً على شراءِ الأجهزةِ والبرامجِ، بل ظهرتْ أنماطٌ متعددةٌ للإنفاقِ داخلَ الألعابِ، من أبرزِها المشترياتُ الدقيقةُ، وصناديقُ الغنائمِ أو الحظِّ (Loot Boxes)، التي يدفعُ اللاعبُ - من خلالها - مالًا حقيقيًّا للحصولِ على مكافأةٍ عشوائيةٍ لا يعرفُ حقيقتَها أو قيمتَها قبلَ فتحِ الصندوقِ.

وتكمنُ الخطورةُ في أنَّ هذه الآلياتِ قد تدفعُ اللاعبَ إلى تكرارِ الدفعِ أملًا في الحصولِ على عنصرٍ نادرٍ أو مكافأةٍ مرغوبةٍ، فينفقُ مبالغَ متزايدةً دونَ أن يدركَ حجمَ ما أنفقَهُ، أو يواصلُ الشراءَ لتعويضِ ما دفعَهُ من قبلُ، وقد يتجاوزُ إنفاقَهُ قدرتِهِ الماليةَ، ولا سيما لدى الأطفالِ والناشئةِ الذين لم تكتملْ لديهم مهاراتُ ضبطِ الرغباتِ وإدارةِ المالِ.

 تحريم الميسر

وقد حرَّمَ اللهُ تعالى الميسرَ تحريمًا قاطعًا، وجعلَهُ قرينًا للخمرِ والأنصابِ والأزلامِ، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة، رقم: ٩٠-٩١]. وتدلُّ الآيتانِ على حرمةِ الميسرِ وما يترتبُ عليه من مفاسدَ، منها إفسادُ العلاقاتِ، وإشغالُ الإنسانِ عن واجباتِهِ، وتعريضُ المالِ للذهابِ بغيرِ طريقٍ مشروعٍ، ومن ثمَّ، فإنَّ كلَّ معاملةٍ رقميةٍ تتحققُ فيها حقيقةُ القمارِ والميسرِ تدخلُ في عمومِ هذا التحريمِ، وإن اختلفتْ صورتُها الحديثةُ عن صورِ الميسرِ المعروفةِ قديمًا.

  النهي عن أكل المال بالباطل

كما نهى اللهُ تعالى عن أكلِ الأموالِ بالباطلِ، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء، رقم: ٢٩]. فالتراضي وحدَهُ لا يجعلُ كلَّ معاملةٍ جائزةً، بل لا بدَّ من مشروعيتِها وانتفاءِ المحظوراتِ عنها، كما أنَّ الإنفاقَ على الترفيهِ ينبغي أن يظلَّ في حدودِ الاعتدالِ، وألا يتحولَ إلى تبديدٍ للمالِ أو إضرارٍ بحاجاتِ الإنسانِ الأساسيةِ.

  النهي عن التبذير

وقال في التحذيرِ من التبذيرِ: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء، رقم: ٢٦-٢٧]. وقد قررَ العلماءُ أنَّ الإنفاقَ المذمومَ هو صرفُ المالِ في غيرِ وجهِهِ المشروعِ، أو تجاوزُ حدِّ الاعتدالِ بما يفضي إلى تضييعِ الحقوقِ والمصالحِ، ومن هذا المنطلقِ، فإنَّ الإفراطَ في المشترياتِ الرقميةِ، ولو لم تبلغِ المعاملةُ في ذاتِها حدَّ القمارِ، قد يكونُ مذمومًا أو محرمًا بحسبِ ما يترتبُ عليه من تضييعِ المالِ الواجبِ إنفاقُهُ على حاجاتِ الإنسانِ أو حقوقِ من تلزمُهُ نفقتُهم.

 حديث بيع الغرر

وفي السنةِ النبويةِ، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم «نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر» <رواه مسلم>. قال الإمامُ النوويُّ: "أما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة" <المنهاج: النووي>. ويدخلُ في دلالةِ هذا الحديثِ النهيُ عن المعاملاتِ التي تتضمنُ جهالةً مؤثرةً في المعقودِ عليه أو مخاطرةً غيرَ مشروعةٍ، وفقَ ضوابطِها الفقهيةِ.

  النهي عن إضاعة المال

كما ثبتَ في الصحيحينِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن إضاعةِ المالِ، وهو أصلٌ في وجوبِ صيانتهِ وتوجيهِهِ إلى ما فيه نفعٌ معتبرٌ، وعدمِ التفريطِ فيه فيما لا يحققُ مصلحةً مشروعةً. وبناءً على هذه الأصولِ، فإنَّ دفعَ المالِ مقابلَ مكافأةٍ مجهولةِ المحتوى والقيمةِ يستدعي النظرَ في حقيقةِ المعاملةِ؛ فقد يشتملُ على غررٍ مؤثرٍ، وقد يتحققُ فيه معنى الميسرِ إذا قامتِ المعاملةُ على المخاطرةِ بالمالِ في سبيلِ الحصولِ على مكسبٍ احتماليٍّ، بحسبِ تفاصيلِها، أما شراءُ سلعةٍ رقميةٍ محددةٍ معلومةِ الثمنِ والمحتوى، فلا يُلحقُ بهذه الصورةِ لمجردِ وقوعِهِ داخلَ لعبةٍ إلكترونيةٍ.

  حكم جني الأموال من المسابقات الإلكترونية

ومن سَوْآتِ تلك الألعابِ عقدُ الجوائزِ عليها ودفعُ الأموالِ الكثيرةِ للمتسابقينَ فيها، حتى صارتْ صنعةً وسبيلًا للربحِ وجَنْي الأموالِ. وليس كلُّ ما جازَ فعلُهُ جازَ تخصيصُ العِوَضِ والمالِ عليه، فهناك فرقٌ بين المسابقةِ على لُعبةٍ مباحةٍ لا محظورَ فيها، وبين تخصيصِ مالٍ وجائزةٍ على التسابقِ في اللَّعبِ.

قال النبيُّ ﷺ: «لاَ سَبَقَ إِلّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» <(٤)>. وذلك لتُدَّخرَ جوائزُ الأمةِ لقوتِها وجهادِ أعدائِها. وألحقَ به بعضُ أهلِ العلمِ ما كان نافعًا في تحقيقِ المصالحِ الشرعيةِ، كالمسابقاتِ على حفظِ القرآنِ والمسابقاتِ العلميةِ النافعةِ. إنها الشريعةُ الحكيمةُ، التي لو أباحتْ أخذَ المالِ على اللَّعِبِ مطلقًا لاتخذتْهُ النفوسُ صِناعةً وكَسْبًا، وانشغلتْ به عن مصالحِ دينِها ودنياها، أما إذا كان لعبًا محضًا لا مكسَبَ فيه فسيظَلُّ ترويحًا عن النفسِ لا يبلغُ تلك الدرجةَ المحذورةَ.

وقال ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ، فَهُوَ لَهْوٌ وَسَهْوٌ، إِلَّا أَرْبَعَ خِصَالٍ: مَشْيُ الرَّجُلِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ (يعني بين هدفين في مرمى السهام)، وَتَأدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَتَعَلُّمَ السِّبَاحَةِ» < >. فهذا الحديثُ يُبيّنُ أنَّ الأصلَ في اللهوِ أنه لا نفعَ فيه، إلا ما استُثنيَ لنفعٍ معتبرٍ.

وقال ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَمْيَةَ الرَّجُلِ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ» < )>. فالباطلُ هنا هو ما لا نفعَ فيه، والإسلامُ يربي أتباعَهُ على معالي الأمورِ لا سفاسفِها.

وفي المسألةِ اتجاهاتٌ بين الفقهاءِ:

  الاتجاهُ الأولُ: عدمُ جوازِ أخذِ المالِ على المسابقاتِ الإلكترونيةِ مطلقًا؛ لعدمِ دخولِها في المسابقاتِ الثلاثِ المنصوصةِ، ولما فيها من اللهوِ.

  الاتجاهُ الثاني: جوازُ أخذِ المالِ إذا كانت المسابقةُ نافعةً نفعًا شرعيًّا، كمسابقاتِ حفظِ القرآنِ والعلومِ النافعةِ، قياسًا على المستثنى في الحديثِ.

 والراجحُ: أنَّ الأصلَ عدمُ الجوازِ إلا فيما دلَّ الدليلُ على جوازِهِ، أو ما كان نفعُهُ ظاهرًا معتبرًا شرعًا، أما الألعابُ الإلكترونيةُ فالأصلُ فيها اللهوُ، فلا يجوزُ تخصيصُ مالٍ عليها.

  النهي عن تضييع من يقوت

وقال النبيُّ ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت» <رواه أبو داود>. وفي الحديثِ تحذيرٌ من التفريطِ في حقوقِ من تقعُ رعايتُهم على الإنسانِ، وهو ما يقتضي ألا ينشغلَ المرءُ باللعبِ حتى يهملَ أسرتَهُ أو يقصرَ في واجباتِهِ تجاهَ من يعولُهم. وقال ﷺ: «كفى بالمرءِ إثمًا أن يُضيِّعَ مَن يقوتُ» <رواه أبو داود (1692)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1692)>.

 العنصر السادس: المخاطر الاجتماعية والأسرية

  العزلة الاجتماعية وتفكك الأواصر

تقوم الحياة الإنسانية على التواصل والتراحم وتبادل الحقوق والمسؤوليات، وقد أولت الشريعة الإسلامية عناية عظيمة ببناء الأسرة، وصلة الأرحام، وتعزيز الروابط التي تحفظ تماسك المجتمع واستقراره، فالأسرة ليست مجرد اجتماع للأفراد تحت سقف واحد، وإنما هي بيئة للمودة والتربية والرعاية، تتشكل فيها شخصية الإنسان، ويتعلم من خلالها الحوار والتعاون وتحمل المسؤولية.

غير أن الإفراط في الألعاب الإلكترونية قد يجعل العالم الافتراضي يستحوذ على اهتمام الإنسان ووقته، حتى يزاحم علاقاته الواقعية، ويقلل مشاركته في شؤون أسرته، ويضعف تواصله مع والديه وإخوته وأصدقائه، وقد تظهر آثار ذلك في الانفعال عند مقاطعة اللعب، أو الانسحاب من المجالس الأسرية، أو إهمال الواجبات الاجتماعية، أو تفضيل العزلة الطويلة على المشاركة في الحياة اليومية.

 الأمر بالإحسان إلى الوالدين والأقارب

وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين والأقارب، ورعاية الحقوق الاجتماعية، فقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ [النساء، رقم: ٣٦]. وتدل الآية على أن الإحسان لا يقتصر على علاقة الإنسان بربه، بل يمتد إلى محيطه الأسري والاجتماعي، فيشمل البر بالوالدين، وصلة الأقارب، والإحسان إلى الجيران والأصحاب، ومن مقتضى ذلك ألا تستولي الألعاب الإلكترونية على وقت الإنسان حتى تحرمه من القيام بهذه الحقوق، أو تجعله حاضرًا بجسده غائبًا عن أسرته ومحيطه.

  الأمر بصلة الأرحام

كما أكد القرآن الكريم أهمية صلة الأرحام، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء، رقم: ١]. وصلة الرحم ليست مجرد لقاء عابر، بل تشمل السؤال والزيارة والمواساة وتفقد الأحوال، وبذل ما يستطاع من رعاية ومساعدة، وهذه المعاني لا تتحقق بمجرد التواجد في المنزل، وإنما تحتاج إلى اهتمام حقيقي ومشاركة وجدانية وعملية.

 حديث فضل مخالطة الناس

وفي السنة النبوية، بيَّنَ سيّدُنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فضلَ مخالطةِ الناسِ والصبرِ على ما قد يصاحبُ العلاقاتِ الإنسانيةِ من مشقةٍ، فقال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» <رواه الترمذي>. ويبرز الحديث فضل المشاركة الاجتماعية التي تتيح للإنسان نفع غيره، والصبر على التعامل معهم، والقيام بحقوقهم، وهي معانٍ ينبغي أن تبقى حاضرة في حياة مستخدم الألعاب الإلكترونية، فلا يحرم نفسه من خبرات التواصل الواقعي ومنافعه بسبب الانشغال الدائم بالعالم الافتراضي.

  حديث كفى بالمرء إثمًا

وقال النبيُّ ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت» <رواه أبو داود>. ومن هذا المنطلق، فإن الانكباب على الألعاب الإلكترونية إذا أفضى إلى إهمال حقوق الزوج أو الزوجة، أو تضييع حق الأولاد في التربية والرعاية، أو التقصير في بر الوالدين وصلة الأرحام، لم يعد مجرد اختيار شخصي يتعلق بطريقة قضاء وقت الفراغ، بل أصبح سلوكًا تترتب عليه مسؤولية شرعية وأخلاقية بقدر ما أحدثه من تفريط وضرر.

  حديث المسؤولية عن الرعية

وقال ﷺ: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" <رواه مسلم>. فمن أهملَ أهلَهُ وأولادَهُ وانشغلَ عنهم باللعبِ، فهو غاشٌّ لرعيتِهِ، وقد توعَّدَهُ النبيُّ ﷺ بحرمانِ الجنةِ.

  الدراسات النفسية والاجتماعية

وقد أولت الدراسات النفسية والاجتماعية اهتمامًا بالعلاقة بين اضطراب الألعاب الإلكترونية وجودة العلاقات الأسرية، ولا سيما العلاقة بين الوالدين والأبناء، لما لها من أثر في التكيف النفسي والسلوكي خلال مراحل النمو، فإن ارتفاع جودة العلاقة الأسرية داعم قوي في الوقاية من الاستخدام المفرط للألعاب في الأغلب. كما استعرضت الآثار النفسية والاجتماعية المرتبطة باضطراب الألعاب الإلكترونية، وأشارت إلى ارتباطه لدى بعض المصابين بانخفاض الدعم الاجتماعي، والانسحاب من العلاقات الواقعية، وإهمال الالتزامات الأسرية والتعليمية والمهنية، وتؤكد هذه النتائج ضرورة التمييز بين ممارسة الألعاب باعتدال وبين اضطراب اللعب الذي يؤثر فعليًّا في حياة الفرد وعلاقاته.

وبناءً على ذلك، فإن الوقاية لا ينبغي أن تقتصر على تقليل ساعات اللعب، بل يجب أن تشمل تحسين جودة التواصل الأسري، وإتاحة أنشطة مشتركة، ومعالجة أسباب العزلة، وتقديم الدعم للطفل أو المراهق الذي يجد في العالم الافتراضي تعويضًا عن احتياجات عاطفية أو اجتماعية غير مشبعة.

  العنصر السابع: المخاطر الأمنية والفكرية (الاستقطاب الرقمي)

  الألعاب الإلكترونية والاستقطاب الرقمي

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت فضاءً رقميًّا واسعًا تتداخل فيه المتعة مع الرسائل الثقافية والتصورات العقدية والقيم الأخلاقية، وتكمن الخطورة في أن بعض الألعاب لا تكتفي بعرض مضامين مخالفة، بل تجعل اللاعب طرفًا في أحداثها، يتفاعل مع شخصياتها، وينفذ مهامها، وقد يُطلب منه ممارسة أفعال تتضمن رموزًا دينية منافية لعقيدته، أو المشاركة في سلوكيات محرمة، أو التعامل مع العنف والإيذاء بوصفهما وسيلة مقبولة لتحقيق الأهداف.

ويزداد الأمر خطورة حين تتجاوز هذه المضامين حدود اللعبة إلى غرف المحادثة والمجتمعات الرقمية التي قد تُستغل في بث الأفكار المتطرفة، أو نشر الكراهية، أو استدراج الأطفال والشباب إلى علاقات غير آمنة.

  استغلال التنظيمات الإرهابية للألعاب

أما ضررها الأمني، فيكفي أن نعرف أن بعض تلك الألعاب يصدرها للعام بعدة إصدارات تنظيمات مشبوهة كتنظيم: "داعش"، وهي بعد دراسة لبعض الخبراء والمختصين تبين أنها موجهة للأطفال وللفئة العمرية من الثانية عشرة حتى الثامنة عشرة، وتتم على عدة مراحل تبدأ بالقتال، ثم التفجير إلى تحرير المناطق، يتقمص خلالها اللاعب دور أحد أفراد التنظيم المتطرف الذي يقوم بعمليات قنص، واشتباكات، وسرقة السيارات، وفك القنابل، والذبح، وتفجير المساجد والمنازل، وخلال ذلك ينفذ عناصر التنظيم عمليات إرهابية ضد قوات عسكرية، ومنشآت بمختلف أنواع الأسلحة، ويظهر في الخلفية الموسيقية النشيد الرسمي للتنظيم الذي يدعو للقتل. يكفي أن نعرف أن واحدة من هذه الألعاب وفي جزئها الأول فقط تجاوز تحميلها في أيام قليلة أكثر من أربعين ألف مرة، وتهدف هذه اللعبة إلى استقطاب الأطفال للتجنيد في تنظيم "داعش" عبر استغلال ميول الأطفال والمراهقين للألعاب الإلكترونية لتستخدمها كسلاح جديد للتغرير بهم، والحديث معهم؛ لبث أفكارها الإرهابية في عقولهم، عن طريق المحادثات الصوتية أو الكتابية، ويستعملون علم النفس للإقناع، وبذلك ينضم الأطفال لهم.

 مسؤولية الآباء في الحماية من الاستقطاب

وقد أوجب الله تعالى على المؤمنين رعاية أنفسهم وأهليهم، وحمايتهم مما يفسد دينهم وأخلاقهم، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم، رقم: ٦]. وتقتضي هذه المسؤولية أن يعتني الوالدان بما يتلقاه الأبناء من أفكار ورسائل عبر الوسائط الرقمية، وأن يوجهوهم إلى ما يحفظ عقيدتهم، ويصون أخلاقهم، وينمي قدرتهم على التمييز بين النافع والضار.

  إجراءات عملية لحماية الأبناء من الاستقطاب الرقمي

  فحص محتوى الألعاب: بالاطلاع على تصنيف اللعبة ومضمونها، والتحقق من الرموز والرسائل والسلوكيات التي تروج لها، وعدم السماح بالألعاب التي تشتمل على محظورات شرعية أو أخلاقية واضحة.

 تعزيز الوعي العقدي والأخلاقي: بمناقشة ما يراه الأبناء داخل الألعاب، وتوضيح الفرق بين الخيال والحقيقة، وبين الترفيه المباح والمحتوى الذي يستخف بالعقيدة أو يروج للانحراف الأخلاقي.

  تأمين التواصل الرقمي: تقييد المحادثات مع الغرباء بحسب العمر، وتعليم الأبناء عدم مشاركة بياناتهم الشخصية أو صورهم أو مواقعهم، وعدم الانتقال إلى محادثات خاصة بناءً على طلب أشخاص مجهولين.

 التوعية بمخاطر الاستقطاب: بتدريب الأبناء على اكتشاف خطاب الكراهية والتجنيد الفكري والتلاعب العاطفي، وإفهامهم أن طلب السرية المطلقة أو تبرير العنف أو عزلهم عن الأسرة علامات تستدعي الحذر.

  تعزيز الحوار والثقة الأسرية: بالاستماع إلى الأبناء، واحترام أسئلتهم، ومناقشة ما يواجهونه من أفكار ومواقف بدل الاكتفاء بالمنع والعقاب؛ فالحوار الواعي أقدر على بناء الحصانة الفكرية من الرقابة المجردة.

  العنصر الثامن: استنزاف العمر وتضييع الواجبات

  الوقت رأس مال الإنسان

يمثل الوقت رأس مال الإنسان في هذه الحياة، ووعاء أعماله ومسؤوليته، ومن أخطر آثار الإفراط في الألعاب الإلكترونية أن تستنزف الساعات الطويلة من أعمار الشباب والناشئة دون نفع معتبر، حتى ينساق اللاعب وراء جولات متتابعة لا يشعر معها بانقضاء الوقت، فيؤخر الصلاة، أو يهمل دراسته، أو يقصر في حقوق والديه وأسرته ومجتمعه، أو يعطل مصالحه وأعماله، وهنا تتحول وسيلة الترويح من نشاط مباح إلى سلوك مذموم، وقد تبلغ الحرمة إذا أفضت إلى تضييع واجب شرعي أو حق متعين.

  حديث نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس

وقال النبيُّ ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» <رواه البخاري>. فالصحةُ والفراغُ رأسُ مالِ الإنسانِ، فإذا ذهبا لم يُستدركا. فمن أنفقَ فراغَهُ في لهوٍ لا ينفعُ، فهو من المغبونينَ الخاسرينَ.

  حديث المساءلة عن العمر

وقال ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه...» <رواه الترمذي>. فالعمرُ أمانةٌ، وكلُّ لحظةٍ تمرُّ ستُسألُ عنها. فكيف بمن أفنى ساعاتِهِ الطوالَ أمامَ شاشةٍ لا تُعلِّمُهُ ولا تُربِّيهِ؟

  حديث المساءلة الكامل

وقد جاء بلفظه الكامل: ((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ)) <سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، حديث 2341، قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ>. فانظر كيف يُسألُ العبدُ عن عمرِهِ وعلمِهِ ومالِهِ وجسمِهِ، فكيف بمن أفنى عمرَهُ في لهوٍ لا نفعَ فيهِ؟

  حديث حنظلة الأسيدي كاملًا

وقال ﷺ في الحديثِ الذي يرويه حنظلةُ الأسيديُّ رضي الله عنه: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟! قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَتَيْتُ أَهْلِي وَوَلَدِي فَضَحِكْتُ وَلَعِبْتُ، وعَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» <()>. فهذا الحديثُ يُقرِّرُ مبدأَ التوازنِ: ساعةٌ للجدِّ والعبادةِ، وساعةٌ للترويحِ المباحِ. غيرَ أنَّ الإشكالَ حين تختلُّ هذه الموازنةُ، فتصيرُ ساعاتُ اللهوِ أضعافَ ساعاتِ الجدِّ.

  الغاية من الخلق

يقول الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون، رقم: ١١٥]. فاللهُ لم يخلقْنا عبثًا، بل خلقَنا لغايةٍ ساميةٍ. فمن أنفقَ عمرَهُ في لهوٍ فقد نسيَ الغايةَ التي خُلقَ من أجلِها.

وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات، رقم: ٥٦]. فالعبادةُ هي الغايةُ، وكلُّ ما يُعينُ عليها فهو مطلوبٌ، وكلُّ ما يُلهي عنها فهو مذمومٌ.

  العنصر التاسع: مسؤولية الآباء والأمهات (الرعاية والحماية)

 الأولاد أمانة

إنَّ أولادَنا أمانةٌ في أعناقِنا، وهم ثمرةُ فؤادِنا وكنزُ أمتِنا، وأغلى ما نملكُ في هذه الدنيا، وإن لمْ نستدْركهم بعنايتِنا ورعايتِنا ومتابعتِنا ضاعُوا مثلَ ما ضاعَ غيرُهم.

● حديث المسؤولية

قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «كفى بالمرءِ إثمًا أن يُضيِّعَ مَن يقوتُ» <رواه أبو داود (1692)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1692)>. فيا ويلَ من ضيَّعَ تلكَ الأمانةَ، وَتَركَ أولادَه نهبًا لتلكَ الألعابِ تذهبُ بهم إلى طريقِ الخسارةِ والضياعِ.

  حديث الراعي والرعية

وقال ﷺ: «أَلا كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ..» <رواه البخاري (7138) ومسلم (1829)>. فكلُّ أبٍّ وأمٍّ مسؤولٌ عن رعيتِهِ، وسيسألُهُ اللهُ عن تلكَ الأمانةِ.

 حديث الغش في الرعية

وقال ﷺ: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" <رواه مسلم>. فمن غشَّ رعيتَهُ بعدمِ رعايتِها وحمايتِها من هذه الألعابِ، فقد استحقَّ هذا الوعيدَ الشديدَ.

  أسباب ولع الأطفال بالألعاب

إنَّ من أسبابِ ولَعِ الأطفالِ بهذه الألعابِ الغفلةَ من الآباءِ عن أطفالِهم، أو عدمَ معرفةِ بعضِهم بخطرِها. لذا؛ نجدُ بعضَ الآباءِ يطمئنُّ عندَ وجودِ ابنِهِ يُمارسُها؛ بظنِّهِ أنَّها تُثقِّفُهُ، وتُنَمِّي قدراتِهِ، وتَحميهِ من الاختلاطِ برفقةِ السوءِ، وما عَلِمَ أنَّهُ قد أسلمَهُ لأشرِّ رفقةٍ، وأضرِّها على دينِهِ، وخُلُقِهِ، وصحَّتِهِ.

  ضرورة الرقابة اللطيفة

ولا بدَّ من رقابةٍ للآباءِ على أولادِهم بلطفٍ ورحمةٍ، بعيدًا عن الرخاوةِ والضعفِ، والحِجَجِ الواهيةِ الباردةِ؛ كمن يقولُ: أخشى أن أُحطِّمَهُ إذا راقبتُهُ. سبحانَ اللهِ! أما عَلِمتَ أنَّكَ إذا لم تُراقبْهُ؛ فأنتَ للشيطانِ تُسلمُهُ؟ فتُدمِّرَهُ وتُهلكَهُ، فهل حقًّا تخشى أن تُحطِّمَهُ، فتُهمِلَهُ؟ أم أنَّكَ تتعَلَّلُ؛ لانشغالِكَ عنهُ بعللٍ تُقنعُ بها نفسَكَ فقط؟ ألا فاتَّقوا اللهَ في أنفسِكم وأولادِكم، واعلموا أنَّكم مسؤولونَ أمامَ اللهِ عمَّا استَرعاكُم من الأمانةِ.

  وصية للشباب

كما عليكم معاشرَ الشبابِ أن تتَّقوا اللهَ في أنفسِكم ووالدِيكم، وأن تُراقبوهُ في السِّرِّ والعلَنِ، فإنْ غفَلَ الآباءُ عن مراقبتِكم؛ فإنَّ اللهَ عليكم رقيبٌ، فغُضُّوا أبصارَكم، وامتنعوا عمَّا حرَّمَ اللهُ عليكم.

  العنصر العاشر: الحلول العملية والوقاية (بناء ثقافة الاستخدام الرشيد)

  ليس المطلوب رفض التقنية

ليس المقصودُ من معالجةِ مخاطرِ الألعابِ الإلكترونيةِ أن نُربّيَ جيلًا يرفضُ التقنيةَ أو يخشى التعاملَ معها، وإنما أن نُنشئَ جيلًا واعيًا يُحسنُ الانتفاعَ بها، ويُحسنُ الاختيارَ من بينِ وسائلِها، ويميّزُ بينَ الترفيهِ النافعِ والاستغراقِ الضارِّ، فالتقنيةُ في ذاتِها وسيلةٌ، تتحددُ قيمتُها بحسبِ طريقةِ استخدامِها، وما تحققُهُ من مصالحَ، وما قد يترتبُ عليها من أضرارٍ.

  منهج الاعتدال

وقد أرشد القرآن الكريم إلى منهج الاعتدال والتوازن في الحياة، فقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة، رقم: ١٤٣]. وقال سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص، رقم: ٧٧]. وتؤسس هذه التوجيهات لمنهج متوازن لا يُهمل حاجات النفس إلى الترويح، ولا يسمح للمتعة أن تطغى على الواجبات والمسؤوليات، بل يضع كل أمر في موضعه، ويمنح كل جانب من جوانب الحياة حقه.

  حسن الاختيار

بانتقاء الألعاب المناسبة للعمر والقيم والاحتياجات، ومراعاة محتواها وأهدافها وآثارها المحتملة.

  تحقيق التوازن

بجعل اللعب جزءًا محدودًا من برنامج يومي متكامل يراعي العبادة والتعلم والعمل والنوم والرياضة والحقوق الأسرية.

 تنمية الوعي الذاتي

بتدريب الأبناء على إدارة الوقت، وضبط الرغبات، واتخاذ القرارات الواعية، والقدرة على التوقف عن اللعب عند انتهاء الوقت المحدد.

 تعزيز الثقافة الرقمية

بتوعية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والتربوية بأساليب الاستخدام الآمن والمسؤول للتقنية، ومخاطر الاستغلال والإدمان الرقمي.

  تقديم القدوة والبدائل

بأن يلتزم الكبار بالاستخدام المتوازن للأجهزة، وأن يهيئوا للأبناء أنشطة واقعية تُنمّي مهاراتهم وتُشبع حاجاتهم وتدفعهم إلى الإنجاز والتواصل والانتماء.

  إجراءات عملية لحماية الروابط الأسرية والاجتماعية

 تخصيص وقت يومي للتواصل الأسري، والاتفاق على أوقات مشتركة تخلو من الهواتف والألعاب، كوجبات الطعام والمجالس العائلية، بما يتيح الحوار وتبادل المشاعر والاهتمام بالأحوال.

• تحقيق التوازن بين العلاقات الافتراضية والواقعية، وتشجيع الأبناء على المشاركة في الزيارات الأسرية والأنشطة الرياضية والاجتماعية، والمحافظة على الصداقات الواقعية، وعدم جعل اللعب النشاط الوحيد الذي يجدون فيه المتعة والانتماء.

  إشراك الأبناء في أنشطة مشتركة، كالرحلات العائلية والأعمال التطوعية والأنشطة الثقافية والرياضية؛ حتى تصبح الحياة الواقعية مجالًا غنيًّا للتجربة والإنجاز والتعاون.

 مراعاة الاحتياجات النفسية للأبناء، فقد يكون الانغماس في الألعاب أحيانًا استجابة للوحدة أو الضغوط أو صعوبات التواصل، ومن ثمَّ ينبغي الاستماع إلى الأبناء وفهم دوافعهم، بدل الاكتفاء باللوم أو العقاب.

  وضع قواعد أسرية واضحة تشمل: تحديد أوقات اللعب بما يتناسب مع العمر والواجبات، وعدم السماح له بالتداخل مع حقوق الوالدين أو متطلبات الحياة الأسرية، مع التزام الوالدين أنفسهم بالقدوة في الاستخدام المتوازن للتقنية.

 تعزيز صلة الرحم، بالمحافظة على الزيارات والسؤال عن الأقارب ومشاركتهم مناسباتهم، وعدم الاستعاضة عن جميع صور التواصل الإنساني برسائل مقتضبة أو تفاعل افتراضي لا يؤدي الحقوق المطلوبة.

  التدخل عند ظهور العزلة أو الاضطراب، خاصة إذا اقترن اللعب بانسحاب اجتماعي مستمر، أو تدهور ملحوظ في العلاقة بالأسرة، أو اضطراب في الأداء اليومي، فمن المناسب بحث الأسباب والاستعانة بمختص عند الحاجة.

  ملء الفراغ بالأنشطة النافعة

• ملءُ الفراغِ عِنْدَ الأولادِ بأمورٍ مفيدةٍ بحيثُ يُدخلُ السرورَ عليهم ويَجْعلهم مُستجيبينَ لوالديْهم، كالخروجِ للبرِّ والحدائقِ العامةِ والمتنزهاتِ، وزيارةِ الأقاربِ مع إيجادِ بدائلَ ترفيهيةٍ في البيتِ لملأ فراغِهم وإسعادِهم.

  تحديدُ وقتٍ معينٍ للأولادِ لممارسةِ تلك الألعابِ، وعدمُ تركِهم أمامَها لساعاتٍ طويلةٍ.

  الجلوسُ مع الأولادِ عندَ لعبِهم ومشاركتُهم إيَّاها قَدْرَ المستطاعِ، بحيثُ لا يُحرمُ الطفلُ من الَّلعبِ، ويَجِدَ مَنْ يشاركُهُ فيهَا ويحذِّرُهُ ممَّا يَظْهرُ فيها من تلكَ المخالفاتِ.

 تعليمُهم القرآنَ الكريمَ في حلقاتِ المساجدِ، أو إلحاقُهم بالمراكزِ الاجتماعيةِ التي تشرفُ عليها الوزاراتُ المعنيةُ.

  تنميةُ الرقابةِ الذاتيةِ والحصانةِ الذاتيةِ في الأولادِ، بحيثُ يعرفونَ من أنفسِهم الضارَّ والمحرمَ، حتى يكونَ اختيارُهم عن حبٍّ وقناعةٍ.

  الدعاء للأبناء

وختامًا: أوصِيكُم ونفسِي بكثرةِ الدعاءِ للأبناءِ والبناتِ، فاللهُ تعَالى هُوَ الذي يملكُ قلوبَهم وجوارحَهم، وهوَ القادرُ على حفظِهم وهدايتِهم، وهوَ سبحانَه أرحمُ بهم منَّا، فاستعينوا باللهِ تعَالى على حفظِهم وتربيتِهم وتعليمِهم.

  الخاتمة

فيا أيها المسلمون، إنَّ الألعابَ الإلكترونيةَ سلاحٌ ذو حدينِ، فمن استخدمَها في حدودِ المباحِ نفعَتْهُ، ومن تجاوزَ بها الحدَّ أضرَّتْهُ. فاحفظوا أوقاتَكم، وراقبوا أبناءَكم، وربُّوهم على كتابِ اللهِ وسنةِ نبيِّهِ ﷺ، فإنَّ في ذلكمُ العزَّ والفلاحَ.

  الدعاء  

اللهمَّ إنا نعوذُ بك من الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطن، اللهمَّ احفظْ أبناءَنا وبناتِنا من كلِّ شرٍّ وسوءٍ، اللهمَّ طهِّرْ قلوبَهم من حبِّ الدنيا واللهوِ المحرَّمِ، واملأْها بحبِّكَ وحبِّ كتابِكَ وحبِّ نبيِّكَ محمدٍ ﷺ. اللهمَّ أصلحْ لنا ذرياتِنا، واجعلْهم قرةَ عينٍ لنا، وهداةً مهديِّينَ. اللهمَّ قِنا شرَّ الألعابِ الإلكترونيةِ وما فيها من مهالكَ، واحفظْ علينا دينَنا وعقولَنا وأموالَنا وأوقاتَنا. اللهمَّ وفِّقْ آباءَنا وأمَّهاتِنا لتربيةِ أبنائِهم على طاعتِكَ، وأعنْهم على ما حمَّلتَهم من أمانةٍ. اللهمَّ اجعلْ بيوتَنا عامرةً بذكرِكَ، مطمئنةً بشرعِكَ. اللهمَّ انصرِ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذلَّ الشركَ والمشركينَ. اللهمَّ أصلحْ لنا أزواجَنا وذرياتِنا، واجعلْهم لنا قرةَ عينٍ. اللهمَّ احفظْ شبابَ المسلمينَ من كلِّ مكروهٍ، اللهمَّ من أرادَ بأهلِ الإسلامِ سوءًا وشرًّا ومكرًا فاشغلهُ بنفسِهِ. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ. سبحانَ ربِّكَ ربِّ العزةِ عمَّا يصفونَ، وسلامٌ على المرسلينَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

 

google-playkhamsatmostaqltradent