مخاطر الألعاب الإلكترونية على الفرد والأسرة والمجتمع

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلَّمه البيان، ووهبه العقل وميَّزه به على سائر الحيوان، وأمره بحفظ وقته وعمره، ونهاه عن كل ما يفسد دينه أو يضر بدنه أو يضيِّع مستقبله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا عباد الله حديثنا اليوم عن قضية خطيرة تمس كل بيت، وتدخل كل غرفة، وتستحوذ على عقول كثير من أبنائنا وبناتنا، قضية قد يظنها البعض مجرد وسيلة للترفيه والتسلية، لكنها قد تتحول عند غياب الوعي والرقابة إلى خطر يهدد الدين والعقل والصحة والأخلاق، ويؤثر في التحصيل الدراسي والعلاقات الأسرية، بل قد يسرق من الإنسان عمره ومستقبله دون أن يشعر.
إنها قضية مخاطر الألعاب الإلكترونية.
لسنا اليوم في حرب على التكنولوجيا، ولا ندعو إلى حرمان أبنائنا من كل جديد، فالتكنولوجيا نعمة من نعم الله إذا أحسن الإنسان استخدامها، ولكن الخطر أن تتحول النعمة إلى نقمة، والوسيلة إلى غاية، والترفيه إلى إدمان، واللعب إلى عبودية للشاشة، حتى يصبح الطفل أسيرًا لهاتفه، وشابًّا عاجزًا عن ترك لعبته، وأسرةً تعيش في بيت واحد، لكن كل فرد فيها يعيش في عالم منفصل عن الآخرين.
عباد الله، إن الإسلام دين التوازن والاعتدال، لا يحرم الطيبات، ولا يمنع الترويح المباح عن النفس، ولكنه يرفض الإسراف والتضييع والإضرار بالنفس والآخرين.
قال الله تعالى:"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ"(القصص: 77).
فالمؤمن لا يجعل الدنيا كلها لهوًا ولعبًا، ولا يحرم نفسه من المباح، وإنما يعرف لكل شيء قدره، ويعطي كل ذي حق حقه.
أولًا: الوقت أمانة، والألعاب الإلكترونية قد تسرق الأعمار
عباد الله:" من أخطر ما تفعله الألعاب الإلكترونية أنها تستهلك الوقت في صمت؛ يدخل الشاب إلى اللعبة قائلًا: سأمكث عشر دقائق، فإذا بساعة أو ساعتين أو أكثر قد مضت، وربما قضى الليل كله أمام الشاشة، ثم استيقظ متأخرًا، وفاته عمله أو دراسته أو صلاته أو واجباته الأسرية.
إن الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، وكل يوم يمضي من عمره لا يعود مرة أخرى.
قال الله تعالى:"وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"(العصر: 1-3).
تأملوا، عباد الله، كيف أقسم الله بالعصر، أي بالزمن، ليبين لنا عظم شأنه، وأن الإنسان خاسر إذا ضيَّع عمره بعيدًا عن الإيمان والعمل الصالح.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ"(البخاري).
كم من شاب يمتلك صحةً وعافيةً ووقتًا وفراغًا، ولكنه يستهلكها كلها في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة داخل لعبة، فلا يتعلم علمًا نافعًا، ولا يكتسب مهارة، ولا يقرأ كتابًا، ولا يساعد والديه، ولا يبني مستقبلًا!
والمشكلة ليست في دقائق الترفيه المباح، ولكن في الساعات الطويلة التي تتحول إلى عادة قهرية، وفي الوقت الذي يُنتزع من الواجبات والعبادات والعلاقات الإنسانية.
فاسأل نفسك يا عبد الله: ماذا قدمت في يومك؟ وماذا تعلمت؟ وماذا أنجزت؟ أم أن يومك كله انتهى وأنت تطارد نقاطًا افتراضية داخل عالم لا تملك منه شيئًا؟
ثانيًا: الألعاب الإلكترونية وخطرها على الصلاة والعبادة
عباد الله:" إن أعظم الخسارة أن ينشغل الإنسان بلعبة عن الصلاة، أو يؤخر الفريضة حتى يخرج وقتها، أو يسمع نداء الله فلا يستجيب؛ لأنه يريد أن يكمل جولة، أو يخشى أن يخسر مباراة، أو ينتظر مكافأة داخل اللعبة.
فأي مكسب هذا الذي يجعل الإنسان يضيِّع حق الله عليه؟ وأي فوز هذا الذي يأتي على حساب الصلاة؟
قال الله تعالى في وصف أهل الإيمان:"رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ"(النور: 37).
إذا كان الله قد مدح رجالًا لا تشغلهم التجارة والبيع عن الصلاة، فكيف بمن يشغله اللعب واللهو عن الفريضة؟
إن اللعبة التي تدفعك إلى تضييع الصلاة ليست تسلية بريئة في حقك، بل أصبحت بابًا إلى التقصير في أعظم واجباتك.
وليس من شأن المسلم أن يكون سريع الاستجابة لنداء اللعبة، بطيء الاستجابة لنداء الله؛ يهبُّ إذا ناداه أصدقاؤه للعب، ويتكاسل إذا نودي إلى الصلاة!
عباد الله، علِّموا أبناءكم أن الصلاة ليست أمرًا مؤجلًا حتى تنتهي المباراة، بل إن كل شيء في الحياة ينبغي أن يُنظَّم حول الصلاة، لا أن تُزاح الصلاة لتفسح المجال لكل شيء.
ثالثًا: التأثير في العقل والانتباه والتحصيل الدراسي
أيها الآباء والأمهات، إن عقل الطفل أمانة، ومرحلة الطفولة والشباب هي مرحلة بناء الشخصية وتكوين العادات واكتساب العلم والمهارات.
وقد صُممت ألعاب كثيرة لتجذب انتباه اللاعب باستمرار، من خلال المكافآت المتكررة، والمنافسة، والمراحل المتتابعة، والتنبيهات، والتحديات التي تجعله يرغب في الاستمرار.
ومع الإفراط في اللعب، قد يعاني بعض الأبناء من تشتت الانتباه أثناء المذاكرة، وصعوبة تنظيم الوقت، والتأخر في أداء الواجبات، وقلة النوم، وضعف التركيز في الأنشطة التي تحتاج إلى الصبر والهدوء.
وقد اعتاد بعض الأبناء على السرعة والإثارة داخل اللعبة، فإذا جلس أمام كتابه شعر بالملل، وإذا طلب منه والده قراءة صفحة أو حفظ درس ضاق صدره، وإذا دخل الفصل لم يستطع أن يصبر على الشرح كما يصبر على ساعات اللعب.
ولا يعني هذا أن كل لعبة تفسد العقل أو أن كل لاعب يفشل دراسيًّا؛ فبعض الألعاب قد تساعد على تنمية مهارات معينة إذا استُخدمت باعتدال، ولكن المشكلة في الإفراط، وفي أن تتحول اللعبة إلى النشاط الأساسي الذي يستهلك وقت الطفل وطاقته.
قال الله تعالى:"وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا"(طه: 114).
تلك دعوة نبوية إلى طلب الزيادة من العلم، فكيف نربي أبناءنا على حب العلم، ونحن نتركهم يستهلكون الساعات في اللعب، ثم نلومهم إذا قصَّروا في الدراسة؟
أيها الأب، لا تسأل ابنك فقط: كم حصلت من الدرجات؟ بل اسأله أيضًا: كيف تنظم وقتك؟ ماذا قرأت؟ ما المهارة التي تعلمتها؟ وما الهدف الذي تريد أن تحققه في حياتك؟
فالأبناء لا يحتاجون إلى أجهزة حديثة فحسب، بل يحتاجون إلى عقول واعية، وإرادة قوية، وأهداف واضحة، وقدوة صالحة.
رابعًا: خطر العنف والعدوان وتطبيع القسوة
عباد الله، من الألعاب الإلكترونية ما يقوم على البناء والتفكير وحل المشكلات، ومنها ما يقوم على القتال والتدمير والقتل والانتقام، وبعضها يعرض مشاهد عنيفة متكررة، ويجعل الفوز مرتبطًا بإيذاء الآخرين أو القضاء عليهم.
وهنا ينبغي أن نسأل: ماذا يتعلم الطفل من لعبة يقضي فيها ساعات طويلة وهو يعتاد مشاهد الدماء والقتل والسخرية من المهزوم؟ وماذا يحدث إذا تعوَّد على سماع الألفاظ البذيئة والتهديد والشتائم في أثناء اللعب؟
لا يصح أن نحكم بأن كل طفل يلعب لعبة قتالية سيصبح عدوانيًّا؛ فالتأثير يختلف باختلاف العمر والشخصية والبيئة ومدة اللعب. لكن التعرض المتكرر للمحتوى العنيف أو غير المناسب يستحق انتباه الوالدين، ولا سيما إذا ظهرت على الطفل علامات الغضب الشديد، أو التقليد، أو الاعتداء على إخوته، أو استخدام ألفاظ لم يكن يعرفها من قبل.
لقد جاء الإسلام بتربية النفس على الرحمة والرفق وضبط الغضب، لا على القسوة والاعتداء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ"(متفق عليه).
فالقوة الحقيقية ليست في أن تهزم خصمك داخل لعبة، وإنما في أن تنتصر على غضبك، وأن تحترم الناس، وأن تملك نفسك عند الاستفزاز.
وما أحوج أبناءنا إلى ألعاب تعلمهم التفكير والتعاون والصبر، بدلًا من أن تغرس فيهم الاستهانة بالآخرين، أو تجعلهم يظنون أن العدوان طريق طبيعي لحل الخلافات!
أيها الآباء، لا تكتفوا بالسؤال: هل يلعب ابنك؟ بل اسألوا: ماذا يلعب؟ ومع من يلعب؟ وماذا يشاهد ويسمع أثناء اللعب؟
خامسًا: الألعاب الإلكترونية والعزلة الأسرية والاجتماعية
أيها المسلمون، من المؤلم أن ترى أبًا جالسًا مع أبنائه، وكل واحد منهم منشغل بهاتفه، أو أمًّا تتحدث إلى ابنها فلا يرفع عينيه عن الشاشة، أو أسرة تجتمع حول مائدة الطعام، لكن لا يجمع أفرادها حديث ولا حوار.
لقد اجتمعت الأجساد، وتفرقت القلوب!
وقد يصبح الطفل أكثر تعلقًا بعالمه الافتراضي من تعلقه بأسرته، فيرى الحديث مع والديه مملًّا، والجلوس مع إخوته عبئًا، والخروج إلى الناس أمرًا لا يرغبه، بينما يجد متعته كلها في العالم الرقمي.
والإنسان بطبيعته يحتاج إلى التواصل الحقيقي، وإلى الشعور بالمحبة والانتماء، وإلى تعلم الحوار واحترام الآخرين والتعاون معهم. وهذه المعاني لا تُبنى بمجرد اللعب عبر الشاشة، بل تحتاج إلى مواقف حقيقية ومشاركة وجدانية ووقت تقضيه الأسرة معًا.
قال الله تعالى:"وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"(الإسراء: 23).
ومن الإحسان إلى الوالدين أن تستمع إليهما، وتحترمهما، وتستجيب لندائهما في المعروف، وألا تجعل انشغالك باللعب سببًا في إهمالهما أو رفع صوتك عليهما أو تجاهل حاجتهما إليك.
يا بني، إن أباك الذي يجلس بجوارك قد لا يطلب منك مالًا ولا هدية، وإنما يريد أن يسمع صوتك، وأن يعرف أخبارك، وأن يشعر بأنك قريب منه.
وأمك التي تناديك لا تنافسك في لعبة، بل تحبك وتخاف عليك، وربما كانت حاجتها إليك أعظم من كل ما يشغلك.
فلا تجعلوا الأجهزة حواجز بين القلوب، ولا تسمحوا للشاشات أن تسرق من بيوتكم دفء الأسرة، ولا من أبنائكم نعمة الصحبة الصالحة.
سادسًا: خطر التنمر الإلكتروني والصحبة المجهولة
عباد الله، ليست كل المخاطر في اللعبة نفسها، فبعض الأخطار يأتي من الأشخاص الذين يتواصل معهم الأبناء عبر الألعاب والمنصات الإلكترونية.
قد يتعرف الطفل على أشخاص لا يعرف حقيقتهم، ولا أعمارهم، ولا أهدافهم، وقد يتعرض للسب أو التهديد أو الاستدراج، أو يُطلب منه أن يكشف معلومات شخصية، أو يرسل صورًا خاصة، أو ينتقل إلى محادثات خارج اللعبة.
وقد يتعرض بعض الأبناء للتنمر والسخرية بسبب أدائهم أو شكلهم أو لهجتهم، وقد يتحول الأمر إلى ابتزاز أو ضغط نفسي.
ومن الأخطاء الخطيرة أن يظن الأب أن ابنه آمن لمجرد أنه يجلس في غرفة المنزل؛ فقد يكون جسده في البيت، لكن اتصالاته مفتوحة على أشخاص لا يعرفهم أحد من الأسرة.
قال الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا"(التحريم: 6).
إن حماية الأهل ليست بالطعام والشراب والملبس وحدها، بل بالتربية والتوجيه والمتابعة، وحماية الأبناء من كل ما يهدد دينهم وأخلاقهم وأمنهم.
وعلى الآباء والأمهات أن يعلِّموا أبناءهم قواعد السلامة الرقمية، ومنها:
ألا يشاركوا عنوان المنزل أو رقم الهاتف أو كلمات المرور أو الموقع الجغرافي مع الغرباء.
ألا يرسلوا صورًا شخصية أو معلومات خاصة لأشخاص تعرَّفوا إليهم عبر اللعبة.
أن يرفضوا أي طلب مريب، وأن يحظروا الحساب المسيء ويبلغوا عنه.
أن يخبروا والديهم فورًا إذا تعرضوا للتهديد أو الابتزاز، دون خوف من العقوبة أو الإهانة.
أن تُستخدم إعدادات الخصوصية المناسبة، وأن تُقيَّد المحادثات والتواصل مع الغرباء بحسب عمر الطفل.
يا أيها الأب، اجعل ابنك يشعر أن بإمكانه أن يحكي لك ما حدث دون خوف، فالثقة بينك وبينه خط دفاع أساسي يحميه من أخطار لا تراها بعينيك.
سابعًا: الخطر المالي واستغلال رغبات الأطفال
أيها الأحبة، لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد لعبة تُشترى مرة واحدة وتنتهي، بل أصبحت بعض الألعاب تقوم على المشتريات داخل اللعبة، والصناديق العشوائية، والمكافآت المدفوعة، والاشتراكات المتكررة، والإعلانات، والعروض التي تضغط على اللاعب ليشتري حتى لا يفوته شيء.
وقد يطلب الطفل من والديه المال باستمرار لشراء شخصية جديدة أو سلاح افتراضي أو نقاط إضافية، وقد يستخدم بطاقة الدفع دون إذن إذا لم تكن هناك ضوابط واضحة.
والأخطر أن بعض الأنظمة تجعل الطفل يربط قيمته بما يملكه داخل اللعبة، أو تشعره بأنه أقل من أصدقائه إذا لم يشترِ ما يشترونه.
وهنا تقع مسؤولية الوالدين في توعية الأبناء بقيمة المال، وتعليمهم أن ما يُشترى داخل اللعبة ليس بالضرورة حاجة حقيقية، وأن المال أمانة، وأن الترفيه ينبغي أن يكون في حدود القدرة والحاجة.
قال الله تعالى:"وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إن الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ"(الإسراء: 26-27).
ومن الحكمة أن يمنع الوالدان عمليات الشراء غير المصرح بها، وأن يضعا حدودًا واضحة للإنفاق، وألا يربطا حبَّهما لأبنائهما بشراء كل ما يطلبونه.
فالولد الذي يتعلم اليوم ضبط رغبته في شراء شيء افتراضي، قد يتعلم غدًا ضبط رغباته في أمور الحياة الكبرى.
ثامنًا: أضرار الإفراط في اللعب على الصحة والنوم
أيها المسلمون، إن الجسد أمانة، والعقل أمانة، ولا يجوز للإنسان أن يهمل صحته من أجل متعة عابرة.
وقد يؤدي الإفراط في الألعاب الإلكترونية إلى قلة الحركة والجلوس الطويل، واضطراب النوم، وإجهاد العينين، وآلام الرقبة والظهر، كما قد يزاحم النشاط البدني الذي يحتاج إليه الأطفال والمراهقون للنمو الصحي.
وتزداد المشكلة عندما يلعب الطفل في ساعات الليل المتأخرة، فينام قليلًا، ويستيقظ مرهقًا، ويذهب إلى مدرسته فاقدًا للنشاط والتركيز، ثم يعود إلى البيت ليكرر السلوك نفسه.
والإسلام يدعونا إلى حفظ النفس وعدم الإضرار بها.
قال الله تعالى:"وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"(البقرة: 195).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:"وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا"(البخاري).
فمن حق الجسد أن ينام نومًا كافيًا، وأن يتحرك، وأن يأكل غذاءً نافعًا، وأن يأخذ قسطًا من الراحة بعيدًا عن الشاشات.
ولا ينبغي أن يتحول الطفل إلى إنسان يجلس ساعات طويلة بلا حركة، ولا يرى ضوء الشمس إلا قليلًا، ولا يعرف من الرياضة إلا حركة أصابعه فوق أزرار الهاتف.
شجِّعوا أبناءكم على المشي، والرياضة، والرحلات، والأنشطة المدرسية، واللعب الجماعي في الهواء الطلق؛ فإن بناء الإنسان لا يكون أمام الشاشة وحدها.
تاسعًا: متى يصبح اللعب مشكلة تستوجب التدخل؟
أيها الآباء والأمهات، ليس كل من يلعب لعبة إلكترونية مدمنًا، وليس من الحكمة أن نطلق الأحكام على أبنائنا دون فهم أو تمييز.
لكن هناك علامات ينبغي ألا نغفل عنها، ومنها:
فقدان القدرة على التحكم في وقت اللعب، والاستمرار رغم تكرار محاولات التوقف.
تقديم اللعب على النوم والدراسة والصلاة والواجبات الأساسية.
الغضب الشديد أو التوتر الملحوظ عند منع اللعب أو تقليله.
إهمال الأصدقاء والأسرة والأنشطة التي كان الطفل يحبها.
الاستمرار في اللعب رغم ظهور مشكلات واضحة في الدراسة أو الصحة أو العلاقات.
وقد صنفت منظمة الصحة العالمية اضطراب الألعاب ضمن التصنيف الدولي للأمراض في حالات محددة تتسم بضعف السيطرة على اللعب، وإعطائه أولوية على سائر الأنشطة، والاستمرار فيه رغم العواقب السلبية، مع حدوث خلل ملحوظ في الأداء الشخصي أو الأسري أو الاجتماعي أو الدراسي أو المهني. ولا يكفي مجرد كثرة اللعب وحدها لتشخيص الاضطراب.
فإذا ظهرت هذه العلامات بصورة مستمرة وأثرت في حياة الابن، فلا نكتفي بالصراخ والتهديد، بل نضع خطة واقعية، ونستعين بمختص نفسي أو طبي عند الحاجة.
إن الهدف ليس تحطيم نفسية الابن، وإنما مساعدته على استعادة التوازن والسيطرة على وقته وسلوكه.
عاشرًا: من المسؤول عن حماية الأبناء؟ البيت أم المدرسة أم المجتمع؟
عباد الله، إن المسؤولية مشتركة، ولا يجوز أن نلقيها كلها على الأبناء، ثم نتعجب إذا ضاعت منهم البوصلة.
فالأب مسؤول عن التربية والتوجيه والقدوة، والأم مسؤولة عن الرعاية والمتابعة، والمدرسة مسؤولة عن التوعية، والإعلام مسؤول عن نشر الثقافة النافعة، والشركات المطورة للألعاب مسؤولة عن مراعاة سلامة المستخدمين، ولا سيما الأطفال.
ومن الخطأ أن نترك الطفل ساعات طويلة أمام الهاتف، ثم نغضب لأنه تعلَّق به! ومن الخطأ أن ننشغل عنه طوال اليوم، ثم نطالبه بأن يكون قوي الإرادة وحده أمام وسائل صُممت لتجذب الانتباه وتطيل مدة الاستخدام.
إن الطفل يحتاج إلى بديل، لا إلى المنع وحده؛ يحتاج إلى أب يحاوره، وأم تسمعه، ورفقة صالحة، ونشاط رياضي، وكتاب ممتع، وهدف يشعره بالإنجاز.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي أحوال الناس، ويعلمهم الرفق والتوازن، فقال:
«إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».
رواه مسلم.
فلا نعالج الإفراط في اللعب بإهانة الأبناء أو تحقيرهم، ولا نحول البيت إلى ساحة صراع دائمة، وإنما نربي بالحكمة، ونضع الحدود بحزم، ونشرح الأسباب بمحبة.
أيها الآباء، تذكروا أن أبناءكم لا يحتاجون إلى من يراقب أخطاءهم فحسب، بل يحتاجون إلى من يبني فيهم القدرة على الاختيار الصحيح حين يغيب الرقيب.
عباد الله، إننا لا نريد جيلًا معاديًا للتكنولوجيا، وإنما نريد جيلًا يملك التكنولوجيا ولا تملكه، وينتفع بها ولا يقع أسيرًا لها، ويستخدمها في التعلم والعمل والإبداع، ولا يجعلها حائلًا بينه وبين ربه وأسرته ومستقبله.
إن الهاتف قد يكون بابًا إلى العلم، وقد يكون بابًا إلى الضياع؛ والفرق في طريقة الاستخدام، وفي الوعي، وفي التربية، وفي قدرة الإنسان على ضبط نفسه.
فاحفظوا أبناءكم، واحفظوا أوقاتهم، وازرعوا في قلوبهم الإيمان، وفي عقولهم العلم، وفي نفوسهم الاعتدال.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد، فيا عباد الله،
الحادي عشر: كيف نحمي أبناءنا عمليًّا من مخاطر الألعاب الإلكترونية؟
يا عباد الله، إن الكلام عن الخطر لا يكفي ما لم نتبعه بخطوات عملية، وإليكم بعض الوسائل التي تعين الأسرة على حماية أبنائها:
أولًا: تنظيم الوقت. نتفق مع الأبناء على وقت محدد للعب يتناسب مع أعمارهم واحتياجاتهم، ونمنع اللعب من أن يزاحم الصلاة أو النوم أو الدراسة أو الواجبات الأسرية. ولا توجد مدة واحدة تصلح لجميع الأعمار والظروف، بل ينبغي مراعاة احتياجات الطفل اليومية.
ثانيًا: اختيار المحتوى المناسب. لا نسمح لكل لعبة أن تدخل بيوتنا لمجرد أن أصدقاء الابن يلعبونها، بل نراجع تصنيفها العمري، ومحتواها، وإمكانات التواصل فيها، وعمليات الشراء، والإعلانات.
ثالثًا: جعل الأجهزة خارج غرفة النوم وقت النوم. هذه خطوة مهمة تساعد على تقليل السهر، وتحد من الاستخدام الخفي ليلًا، وتساعد الأبناء على الانتظام في مواعيد نومهم.
رابعًا: تخصيص وقت يومي للأسرة. نجلس مع أبنائنا، ونتناول الطعام معهم، ونستمع إلى أحاديثهم، ونشاركهم أنشطة نافعة، حتى لا تصبح الشاشة مصدرهم الوحيد للمتعة والاهتمام.
خامسًا: تشجيع البدائل. نفتح أمام الأبناء أبواب الرياضة والقراءة والرحلات وحفظ القرآن وتعلم المهارات والأعمال التطوعية، ونساعد كل طفل على اكتشاف ما يحبه ويبدع فيه.
سادسًا: القدوة الحسنة. لا يصح أن نطالب أبناءنا بترك الهاتف بينما لا نرفع نحن أعيننا عنه! فالطفل يتعلم من سلوك والديه أكثر مما يتعلم من نصائحهما.
سابعًا: الحوار المستمر. نسأل أبناءنا عن الألعاب التي يحبونها، ونفهم أسباب تعلقهم بها، ونتحدث معهم عن مخاطرها، ونشجعهم على إخبارنا بأي موقف مريب يتعرضون له.
ثامنًا: القدوة الإيمانية. نربط أبناءنا بالصلاة والقرآن والمسجد والصحبة الصالحة، ونغرس فيهم مراقبة الله، وأن المؤمن يحاسب نفسه على وقته وأعماله، سواء رآه الناس أم لم يروه.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
[الحشر: 18].
فليحاسب كل منا نفسه: ماذا قدمنا لأبنائنا؟ وهل أعطيناهم من أوقاتنا ما يكفي؟ وهل علمناهم كيف يستخدمون التكنولوجيا، أم تركناها تربيهم بدلًا منا؟
عباد الله:" اتقوا الله تعالى، واعلموا أن أبناءنا أمانة في أعناقنا، وأن التربية ليست طعامًا وشرابًا وملابس وأجهزة حديثة فحسب، وإنما التربية بناء للعقل، وتهذيب للأخلاق، وغرس للإيمان، وإعداد لجيل يستطيع أن يحمل مسؤولية نفسه وأسرته ووطنه.
أيها المسلمون، إن من أعظم الأخطاء أن نترك أبناءنا نهبًا لكل ما تعرضه الشاشات، ثم ننتظر منهم أن يصبحوا علماء وناجحين وأصحاب أخلاق دون جهد أو متابعة.
إننا نريد ابنًا يحسن استخدام الهاتف، لكنه لا ينسى كتابه، وشابًّا يعرف التكنولوجيا، لكنه لا يفرط في صلاته، وطفلًا يستمتع باللعب، لكنه يعرف متى يتوقف، وإنسانًا يدخل العالم الرقمي، لكنه لا ينسى العالم الحقيقي الذي يعيش فيه.
يا شباب الإسلام، إن مستقبلكم أكبر من لعبة، وأحلامكم أغلى من نقاط افتراضية، وأعماركم أثمن من أن تضيع في ساعات لا تتركون وراءها علمًا ولا عملًا ولا أثرًا نافعًا.
اجعلوا لأنفسكم أهدافًا، وتعلموا مهارات جديدة، واقرؤوا، ومارسوا الرياضة، وصاحبوا الأخيار، وأحسنوا إلى والديكم، وحافظوا على صلاتكم، ولا تجعلوا أنفسكم أسرى لعادات تملكون القدرة على تغييرها.
وتذكروا أن النجاح الحقيقي ليس في أن تتصدر قائمة اللاعبين، وإنما في أن تتصدر ميادين العلم والعمل والأخلاق، وأن تكون نافعًا لنفسك وأهلك ومجتمعك.
دعاء الخطبة
اللهم أصلح أبناءنا وبناتنا، واحفظهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم ارزقهم العلم النافع، والعمل الصالح، والقلب الخاشع، واللسان الذاكر، والصحبة الصالحة.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبهم، ونور صدورهم، وجلاء أحزانهم، وذهاب همومهم.
اللهم أعن أبناءنا على حفظ أوقاتهم، وحسن استخدام ما أنعمت به عليهم، واجعل التكنولوجيا عونًا لهم على الخير، ولا تجعلها سببًا في غفلتهم أو ضياعهم.
اللهم ردَّ شباب المسلمين إليك ردًّا جميلًا، واحفظهم من الانحراف والإدمان والتنمر والاستغلال، ومن كل ما يضر دينهم وأخلاقهم وعقولهم وأبدانهم.
اللهم أعن الآباء والأمهات على حسن التربية، وارزقهم الحكمة والصبر والرفق، واجعل بيوتنا عامرة بالإيمان والمودة والرحمة.
اللهم احفظ مصر وأهلها، واحفظ بلاد المسلمين من الفتن والمحن، وأدم علينا نعمة الأمن والأمان، وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.