recent
أخبار عاجلة

أحيانًا نتحمّل ما لا نحب حتى لا نقع فيما هو أشد ضررًا! الشيخ عبدالناصربليح

 أحيانًا نتحمّل ما لا نحب حتى لا نقع فيما هو أشد ضررًا!




أحيانًا نتحمّل ما لا نحب حتى لا نقع فيما هو أشد ضررًا!
ليس كل ما نتحمّله نريده
أحيانًا يكون الصبر أقل الضررين
لكن احذر أن يتحول الصبر إلى استنزاف
لاتحكم على من يتحمل قبل أن تعرف أسبابه

ليس كل ما نتحمّله نحبه، وليس كل ما نسكت عنه نرضى به، فهناك مواقف في الحياة تفرض علينا الصبر، لا لأننا عاجزون عن المواجهة، ولكن لأننا ندرك أن بعض المواجهات قد تكون تكلفتها أكبر من قدرتنا على الاحتمال.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:"وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"[النحل: 8].

لقد ذكر الله تعالى في هذه الآية بعض الدواب التي ينتفع بها الإنسان في الركوب والتنقل، ومنها الحمير، التي عُرفت عبر العصور بقدرتها على تحمّل المشقة والسير في الطرق الوعرة وحمل الأثقال.

ومن هنا يمكن أن نستخلص معنى اجتماعيًّا نتأمله في حياتنا: أن التحمل ليس دائمًا علامة ضعف، وأن الصبر في بعض المواقف قد يكون عين الحكمة، ما دام لا يؤدي إلى ضياع الحقوق أو استمرار الظلم.

ليس كل ما نتحمّله نريده

في حياتنا اليومية، قد نضطر إلى التعامل مع أشخاص لا نتفق معهم، أو نتحمل تصرفات لا تعجبنا، أو نصبر على ظروف لم نخترها، أو نواصل طريقًا شاقًّا لأن البديل قد يكون أشد صعوبة.

قد يتحمل الأب أخطاء ابنه حتى لا يخسره، وقد تصبر الأم على مشقة الحياة من أجل استقرار أبنائها، وقد يتغاضى الإنسان عن هفوات صديقه حفاظًا على عشرة السنين، وقد يصبر الموظف على بعض المتاعب حتى لا يفقد مصدر رزقه.

وهناك من يتحمل مسؤوليات ثقيلة لا يراها أحد، ويبتسم أمام الناس بينما يحمل في داخله من الهموم ما لا يعلمه إلا الله.

هؤلاء ليسوا بالضرورة ضعفاء، بل قد يكونون أكثر الناس إدراكًا للعواقب، وأكثرهم قدرة على الموازنة بين ما يريدون وما يستطيعون تحمّله.

أحيانًا يكون الصبر أقل الضررين

ليست كل مشكلة تُحل بالصدام، ولا كل خلاف يستحق أن نخسر من أجله إنسانًا أو بيتًا أو علاقة أو مصلحة عامة.

فالإنسان العاقل لا يسأل نفسه فقط: كيف أتخلص من هذا الموقف؟ بل يسأل أيضًا: ما ثمن التخلص منه؟ وما الضرر الذي قد ينتج عن المواجهة؟ وهل هناك طريق آخر أقل خسارة؟

قد تسكت اليوم عن كلمة جارحة حتى لا تتحول إلى خصومة طويلة، وقد تؤجل المواجهة حتى تهدأ النفوس، وقد تتحمل بعض المشقة في سبيل هدف أكبر، وقد تتنازل عن أمر يسير حفاظًا على مصلحة عظيمة.

وهذا هو الفرق بين الصبر الحكيم والاستسلام؛ فالصبر الحكيم له غاية وحدود، أما الاستسلام فيجعل الإنسان أسيرًا للأذى دون محاولة للتغيير.

لكن احذر أن يتحول الصبر إلى استنزاف

ومع ذلك، ليس معنى التحمل أن يقبل الإنسان الإهانة إلى الأبد، أو أن يترك حقوقه تضيع، أو أن يسمح للآخرين باستغلال طيبته.

هناك فرق كبير بين أن تتحمل إنسانًا لأنه يمر بظرف صعب، وبين أن تسمح له بإيذائك باستمرار. وهناك فرق بين أن تتغاضى عن خطأ عابر، وبين أن تجعل الخطأ عادة لا تجد من يردعها.

لقد أمرنا الله تعالى بالعدل، فقال:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].

فلا ينبغي أن يتحول الإحسان إلى باب للاستغلال، ولا أن يصبح الصبر وسيلة لتكريس الظلم. ومن الحكمة أن نعرف متى نصبر، ومتى نتكلم، ومتى نضع حدودًا واضحة، ومتى نبتعد حفاظًا على كرامتنا وسلامنا النفسي.

لا تحكم على من يتحمل قبل أن تعرف أسبابه

قد ترى إنسانًا صامتًا فتظنه ضعيفًا، وقد ترى آخر يتغاضى عن الإساءة فتظنه عاجزًا، وقد ترى شخصًا يواصل التعامل مع من يختلف معه فتظنه متناقضًا.

لكن الحقيقة أنك لا تعرف دائمًا ما الذي يوازن بينه وبين نفسه، ولا ما الذي يخشى خسارته، ولا ما المسؤوليات التي يحملها، ولا ما البدائل المتاحة أمامه.

فلا تتعجل الحكم على الناس؛ فقد يكون صمت أحدهم حكمة، وقد يكون صبره تضحية، وقد يكون تحمله من أجل أولاده أو أسرته أو مصلحة أكبر من خلاف عابر.

وفي المقابل، لا تجعل فهمك لظروف الآخرين مبررًا لإيذائهم؛ فكما نلتمس الأعذار لأنفسنا، ينبغي أن نحترم حقوق غيرنا ومشاعرهم.

الخلاصة

الحياة ليست معركة يجب أن ننتصر فيها كل يوم، وليست كل كلمة تحتاج إلى رد، ولا كل خلاف يستحق المواجهة، ولا كل إنسان نختلف معه يجب أن يصبح عدوًّا لنا.

أحيانًا يكون الانتصار الحقيقي أن تضبط غضبك، وأن تتجاوز عن هفوة، وأن تتحمل مشقة مؤقتة حتى تصل إلى غاية أكبر. وأحيانًا يكون الانتصار في أن تقول: كفى، وأن ترفض الظلم، وأن تحمي نفسك ممن لا يعرف للمعروف قدرًا.

تحمّل ما تستطيع تحمّله من أجل غاية تستحق، لكن لا تتحول إلى ضحية دائمة من أجل أشخاص لا يريدون التغيير. اصبر حين يكون الصبر حكمة، وواجه حين تكون المواجهة ضرورة، وانسحب حين يصبح البقاء استنزافًا لكرامتك وراحتك.

وتذكّر دائمًا: ليس القوي من يواجه في كل مرة، ولا الحكيم من يصمت في كل مرة؛ إنما الحكيم من يعرف متى يصبر، ومتى يتكلم، ومتى يغيّر الطريق.

فبعض ما نتحمله اليوم قد يحمينا من ضرر أكبر غدًا، لكن بعض ما نتحمله طويلًا قد يصبح هو الضرر الذي ينبغي أن نتخلص منه.

صحّح الربط بين الآية والفكرةأضف ضوابط شرعية للتحمّلخفّف تكرار معنى الصبر والتحمّل
google-playkhamsatmostaqltradent