وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، وَأَظْهَرَ الْحَقَّ
بِالْحَقِّ، وَأَخَذَ الْأَحْزَابَ، وَأَتَمَّ نُورَهُ، وَجَعَلَ كَيْدَ الْكَافِرِينَ
فِي تَبَابٍ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ
بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، وَأَجْرَى بِفَضْلِهِ السَّحَابَ، وَأَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً، فَأَنْبَتَ بِهِ الزَّرْعَ وَالثِّمَارَ، وَجَعَلَ مِنْهُ شَرَابًا
وَحَيَاةً لِلْأَنْهَامِ وَالْأَنَامِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ
أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
فَيَا أَيُّهَا الْأَخْيَارُ، أَكْثِرُوا
مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَأُوصِيكُمْ وَأُوصِي
نَفْسِي بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ.
قَالَ جَلَّ وَعَلَا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ
مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ
شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾
[الْأَنْفَالِ: ٦٠].
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ
تَحْمِلُ مَعَانِيَ عَظِيمَةً فِي الْإِعْدَادِ، وَالْقُوَّةِ، وَحِفْظِ الْمُجْتَمَعِ،
وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْقُوَّةِ
أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُعْتَدِيًا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا أَنْ يَحْمِلَ السِّلَاحَ
لِظُلْمِ النَّاسِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ قَوِيَّةً فِي
دِينِهَا، وَعِلْمِهَا، وَأَخْلَاقِهَا، وَاقْتِصَادِهَا، وَدِفَاعِهَا عَنْ نَفْسِهَا،
وَقُدْرَتِهَا عَلَى حِفْظِ أَمْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا.
فَالْإِسْلَامُ لَا يَدْعُو إِلَى الضَّعْفِ،
وَلَا يُرَبِّي أَبْنَاءَهُ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ، بَلْ يُرَبِّيهِمْ عَلَى الْقُوَّةِ
مَعَ الْعَدْلِ، وَالْقُدْرَةِ مَعَ الرَّحْمَةِ، وَالِاسْتِعْدَادِ مَعَ التَّقْوَى.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ
إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْبَغِي أَنْ نُدْرِكَهُ
أَنَّ الْقُوَّةَ فِي مَنْظُورِ الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ قُوَّةَ السِّلَاحِ وَالْعَتَادِ
فَقَطْ، وَلَا قُوَّةَ الْجُيُوشِ وَالْمَعَارِكِ فَقَطْ، بَلْ إِنَّ الْقُوَّةَ تَبْدَأُ
مِنْ دَاخِلِ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ مِنَ الْفَرْدِ إِلَى الْأُسْرَةِ، وَمِنَ
الْأُسْرَةِ إِلَى الْمُجْتَمَعِ، وَمِنَ الْمُجْتَمَعِ إِلَى الْوَطَنِ.
فَالْقُوَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ قُوَّةً
مَحْمُودَةً، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قُوَّةً مَذْمُومَةً.
فَالْقُوَّةُ الْمَحْمُودَةُ هِيَ الَّتِي
تُسْتَخْدَمُ فِي الْحَقِّ، وَفِي نُصْرَةِ الْمَظْلُومِ، وَحِفْظِ الْأَمْنِ، وَدَفْعِ
الظُّلْمِ، وَحِمَايَةِ الْأَوْطَانِ، وَخِدْمَةِ النَّاسِ، وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ،
وَهِيَ قُوَّةٌ تَضْبِطُهَا الْأَخْلَاقُ وَيَهْدِيهَا الشَّرْعُ، فَلَا تَتَحَوَّلُ
إِلَى ظُلْمٍ أَوْ عدوان
ومن صورها:
أَوَّلًا: الْقُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ
أَعْظَمُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ
أَنْ يُعِدَّهُ هُوَ قَلْبُهُ.
فَإِذَا قَوِيَ إِيمَانُ الْإِنْسَانِ،
وَصَلُحَتْ عَقِيدَتُهُ، وَعَمُرَ قَلْبُهُ بِالتَّقْوَى، لَمْ تَسْتَطِعِ الشَّهَوَاتُ
أَنْ تَسْتَعْبِدَهُ، وَلَا الشُّبُهَاتُ أَنْ تُضِلَّهُ، وَلَا الْفِتَنُ أَنْ تَسْتَأْصِلَ
ثَبَاتَهُ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا
اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
[مُحَمَّدٍ: ٧].
فَالْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَبْدَأُ
مِنْ دَاخِلِ الْإِنْسَانِ.
أن يكون الإنسان ثابتًا على الحق، لا تزعزعه
الفتن ولا تخيفه التهديدات.
أنظروا أيها الأحباب إلى قوة وثبات النَّبِيِّ ﷺ وهو فِي الْغَارِ:
فِي الْهِجْرَةِ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ
يَطْلُبُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حَتَّى
بَلَغُوا الْغَارَ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
«لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ
لَأَبْصَرَنَا».
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ
اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟» متفق عليه.
وَفِي الْقُرْآنِ:
﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:
40].
هُنَا تَظْهَرُ قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ: قُوَّةُ
الْيَقِينِ بِاللهِ.
أنظروا أيها الأحباب إلى قوة الإيمان ماذا
يصنع مع أصحابه
.
كَانَ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ يَرْجُونَ الْمَالَ
وَالْجَاهَ، فَلَمَّا رَأَوْا آيَةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَرَفُوا أَنَّ مَا
جَاءَ بِهِ حَقٌّ، آمَنُوا.
فَهَدَّدَهُمْ فِرْعَوْنُ بِأَقْسَى أَلْوَانِ
الْعَذَابِ، وَقَالَ:
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ
أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: 71].
فَمَاذَا قَالُوا؟
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا
مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي
هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72].
هَذِهِ هِيَ الْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ:
أَنْ يَقِفَ الْإِنْسَانُ أَمَامَ الْبَاطِلِ، وَقَلْبُهُ ثَابِتٌ، لَا تَزِلُّهُ التَّهْدِيدَاتُ
وَلَا تُغْرِيهِ الْمَكَاسِبُ.
ها هو بِلَالٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنظروا إلى قوة إيمانه «أَحَدٌ أَحَدٌ»
كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَبْدًا
مُسْتَضْعَفًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ عَذَابًا شَدِيدًا، وَكَانُوا
يُخْرِجُونَهُ إِلَى رَمْضَاءِ مَكَّةَ، وَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى
صَدْرِهِ، وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ.
فَمَاذَا كَانَ يَقُولُ؟
«أَحَدٌ أَحَدٌ».
لَمْ تَكُنْ قُوَّةُ بِلَالٍ فِي جَسَدِهِ،
بَلْ كَانَتْ فِي قَلْبِهِ.
وَهُنَا نَقُولُ:
قَدْ يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ جَسَدًا ضَعِيفًا،
وَلَكِنَّهُ يَمْلِكُ قَلْبًا أَقْوَى مِنَ الْجِبَالِ.
ها هم الأتقياء الأنقياء الذين عرفوا الله
فعرفهم الله. أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ: الثَّبَاتُ
حَتَّى الْمَوْتِ مدحهم مولانا جل وعلا فى القرآن الكريم
قال تَعَالَى:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ
الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ
شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
[البروج: 4-8].
هَذِهِ الْقُلُوبُ الْإِيمَانِيَّةُ هِيَ
قُلُوبٌ شَفَّتْ، فَلَمَّا شَفَّتْ نظفت، فلما نظفت رَقَّتْ، فَلَمَّا رَقَّتْ اسْتَنَارَتْ،
فَلَمَّا اسْتَنَارَتْ اسْتَضَاءَتْ، فَلَمَّا اسْتَضَاءَتْ شَعَّتْ نُورًا مِنْ نُورِ
اللهِ، فَلَمَّا شَعَّتْ نُورًا مِنْ نُورِ اللهِ أَصْبَحَتْ لَا تَرَى إِلَّا بِنُورِ
اللهِ، وبِنُورِ الْإِيمَانِ.
إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَقْوِيَاءَ فِي
الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَقْوِيَاءَ فِي الْإِيمَانِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَعَانِي الْقِصَّةِ:
أَنَّ الْبَاطِلَ قَدْ يَمْلِكُ السُّلْطَانَ،
وَلَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْقُلُوبَ الَّتِي ثَبَّتَهَا اللهُ.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
ثَانِيًا: الْقُوَّةُ الْعِلْمِيَّةُ
أُمَّةٌ لَا تَمْلِكُ الْعِلْمَ، وَلَا
تُحْسِنُ التَّعَلُّمَ، وَلَا تُرَبِّي أَبْنَاءَهَا عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْإِبْدَاعِ،
تَبْقَى عُرْضَةً لِلتَّبَعِيَّةِ وَالِاحْتِيَاجِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ
الْقُرْآنِ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
فَالْعِلْمُ قُوَّةٌ، وَالْمَعْرِفَةُ قُوَّةٌ،
وَالْإِبْدَاعُ قُوَّةٌ، وَإِتْقَانُ الْعَمَلِ قُوَّةٌ.
فالعلم يجعل الإنسان قادرًا على التمييز
بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، ويمنع الجهل من أن يقوده إلى الهلاك.
ثالثا:القُوَّةُ الأَخْلَاقِيَّةُ
هي قُوَّةُ النَّفْسِ الَّتِي تَجْعَلُ
الإِنْسَانَ ثَابِتًا عَلَى الحَقِّ، مُتَحَلِّيًا بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالْعَفْوِ
وَالصَّبْرِ وَالْعَدْلِ، قَادِرًا عَلَى ضَبْطِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالشَّهَوَاتِ
وَالْمَغْرِيَاتِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الْقُوَّةِ: الْقُوَّةُ
الْأَخْلَاقِيَّةُ؛ فَقَدْ يَمْلِكُ الإِنْسَانُ قُوَّةَ الْجَسَدِ، وَلَكِنَّهُ يَضْعُفُ
أَمَامَ غَضَبِهِ، وَقَدْ يَمْلِكُ قُوَّةَ الْمَالِ، وَلَكِنَّهُ يَضْعُفُ أَمَامَ
طَمَعِهِ، وَقَدْ يَمْلِكُ قُوَّةَ السُّلْطَانِ، وَلَكِنَّهُ يَضْعُفُ أَمَامَ هَوَاهُ.
أَمَّا الْقَوِيُّ الَّذِي أَرَادَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَيَضْبِطُ
غَضَبَهُ، وَيَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيَقُولُ الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ.
قال النبي ﷺ:
«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا
الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».
متفقٌ عليه: رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث أصلٌ عظيم في القوة الأخلاقية؛
لأن النبي ﷺ نقل مفهوم القوة من القوة الجسدية إلى
قوة الإرادة وضبط النفس.
فالقوي حقًّا ليس من يغلب الناس بجسده،
وإنما من يستطيع أن يغلب غضبه وهواه ونفسه.
كقوة الصبر، وضبط النفس، والعفو عند المقدرة،
والوفاء بالعهد، والصدق والأمانة.
وقد قال النبي ﷺ:
«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا
الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» متفق عليه.
رابعا: الْقُوَّةُ الْبَدَنِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ
لَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ
قَوِيَّ الْجَسَدِ فَقَطْ، بَلِ الْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ قَوِيَّ الْبَدَنِ، قَوِيَّ
الْإِيمَانِ، قَوِيَّ الْأَخْلَاقِ، قَوِيَّ الْعَزِيمَةِ؛ لِيَجْعَلَ قُوَّتَهُ فِي
طَاعَةِ اللهِ وَنَفْعِ خَلْقِ اللهِ.
فالقوة البدنية وسيلة وليست غاية، والقوة
الحقيقية أن يمتلك الإنسان جسدًا قويًّا، وقلبًا مؤمنًا، ونفسًا عفيفة، وخلقًا كريمًا،
وعزيمةً لا تنكسر.
الْقُوَّةُ الْبَدَنِيَّةُ مِنْ أَنْوَاعِ
الْقُوَّةِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي حَثَّ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، فَالْمُؤْمِنُ لَا
يَكُونُ قَوِيًّا بِإِيمَانِهِ وَعِلْمِهِ وَأَخْلَاقِهِ فَقَطْ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ
يَكُونَ قَوِيًّا فِي بَدَنِهِ؛ لِيَقْدِرَ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالْعَمَلِ، وَخِدْمَةِ
أَهْلِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، وَالْقِيَامِ بِمَسْؤُولِيَّاتِهِ.
وقد قال النبي ﷺ:
«الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ
إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ»
رواه مسلم.
والقوة هنا أعمُّ من القوة البدنية، فهي
تشمل قوة الإيمان والعزيمة والنفس والعلم وغير ذلك، لكن القوة البدنية داخلة فيها دخولًا
ظاهرًا؛ لأن سلامة البدن وقوته تعين الإنسان على الطاعات والأعمال النافعة.
أنواع القوة البدنية
أَوَّلًا: الْإِسْلَامُ يَهْتَمُّ بِبِنَاءِ الْجَسَدِ
لم ينظر الإسلام إلى الجسد على أنه شيء
مهمل، بل جعل للإنسان مسؤولية تجاه بدنه، قال النبي ﷺ:
«وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»
رواه البخاري.
ومن حق الجسد: أن يُغذَّى تغذيةً سليمة،
وأن يُعطى قسطه من الراحة، وأن يُحفظ من أسباب الضعف والمرض، وأن يُدرَّب ويُقوَّى
بما ينفع.
ثَانِيًا: الْقُوَّةُ الْبَدَنِيَّةُ وَالْعِبَادَةُ
البدن القوي يعين صاحبه على العبادة؛ فالصلاة
تحتاج إلى حركة وقيام، والصيام يحتاج إلى قدرة وتحمل، والحج يحتاج إلى جهد ومشي وتنقل،
وطلب العلم والعمل وخدمة الناس كلها تحتاج إلى صحة وقوة.
ولهذا ينبغي للمسلم أن ينظر إلى المحافظة
على صحته وقوته على أنها وسيلة إلى طاعة الله، لا مجرد مظهر دنيوي.
ثَالِثًا: الْقُوَّةُ الْبَدَنِيَّةُ وَالْعَمَلُ
قال الله تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
والعمل يحتاج إلى بدن قادر، ولذلك كان من
صفات بعض الصالحين والأنبياء القوة في الأبدان.
قال الله تعالى عن موسى عليه السلام:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ
الْأَمِينُ﴾.
فجمعَت الآية بين القوة والأمانة؛ لأن القوة
وحدها لا تكفي، وإنما القوة إذا اقترنت بالأمانة أصبحت وسيلة للبناء والإصلاح.
رَابِعًا: كَيْفَ نُحَقِّقُ الْقُوَّةَ
الْبَدَنِيَّةَ؟
ومن أهم أسبابها:
الطعام المتوازن والابتعاد عن الإفراط في
الطعام والشراب.
ممارسة الرياضة النافعة بصورة منتظمة.
النوم والراحة الكافيان.
المحافظة على النظافة والصحة العامة.
الابتعاد عن التدخين والمخدرات وكل ما يضر
البدن.
استثمار الشباب والصحة قبل زوالهما.
قال النبي ﷺ:
«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ
مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»
رواه البخاري.
إذا استُعملت في النافع والمباح، وحفظ الإنسان
نفسه، والقيام بواجباته، والدفاع عن المظلوم.
خامسا: الْقُوَّةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ
الْقُوَّةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ هِيَ قُدْرَةُ
الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ وَالدَّوْلَةِ عَلَى إِنْتَاجِ الْخَيْرَاتِ، وَتَوْفِيرِ
احْتِيَاجَاتِ النَّاسِ، وَحِمَايَةِ الْمَوَارِدِ، وَتَحْقِيقِ الِاسْتِقْلَالِ، وَمُوَاجَهَةِ
الْأَزَمَاتِ، مَعَ حُسْنِ إِدَارَةِ الْمَالِ وَالثَّرَوَاتِ.
وَالْإِسْلَامُ لَا يَنْظُرُ إِلَى الْمَالِ
عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ مَذْمُومٌ، بَلْ يَجْعَلُهُ وَسِيلَةً لِلْعِمَارَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ
عَنِ النَّاسِ وَإِقَامَةِ الْمَصَالِحِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي
جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥].
أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ الْأَمْوَالَ سَبَبًا
لِقِيَامِ مَعَاشِ النَّاسِ وَاسْتِقْرَارِ حَيَاتِهِمْ.
أَوَّلًا: الْقُوَّةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ
تَبْدَأُ مِنَ الْعَمَلِ
لَا يُبْنَى اقْتِصَادٌ قَوِيٌّ بِالْكَسَلِ
وَالِاتِّكَالِ، وَإِنَّمَا يُبْنَى بِالْعَمَلِ وَالْإِنْتَاجِ وَالْإِتْقَانِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٥].
فَالْعَامِلُ الَّذِي يُنْتِجُ، وَالْمُزَارِعُ
الَّذِي يَزْرَعُ، وَالصَّانِعُ الَّذِي يُتْقِنُ، وَالتَّاجِرُ الَّذِي يَصْدُقُ،
وَالْمُهَنْدِسُ وَالطَّبِيبُ وَالْمُعَلِّمُ وَكُلُّ مَنْ يُقَدِّمُ نَفْعًا لِلنَّاسِ؛
كُلُّ هَؤُلَاءِ يُسَاهِمُونَ فِي بِنَاءِ الْقُوَّةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ.
ثَانِيًا: الْإِنْتَاجُ مَصْدَرُ الْقُوَّةِ
الْمُجْتَمَعُ الَّذِي يُنْتِجُ غِذَاءَهُ،
وَيَصْنَعُ دَوَاءَهُ، وَيُطَوِّرُ تِقْنِيَاتِهِ، وَيَسْتَثْمِرُ ثَرَوَاتِهِ، وَيُحْسِنُ
اسْتِخْدَامَ مَوَارِدِهِ؛ هُوَ مُجْتَمَعٌ أَقْدَرُ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْأَزَمَاتِ.
وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ دَعْمَ الصِّنَاعَةِ
وَالزِّرَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالْمَشْرُوعَاتِ وَالْمِهَنِ وَالِابْتِكَارِ لَيْسَ
أَمْرًا دُنْيَوِيًّا مَحْضًا، بَلْ هُوَ مِنْ عِمَارَةِ الْأَرْضِ الَّتِي أَمَرَ
اللَّهُ بِهَا.
قَالَ تَعَالَى:
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ
فِيهَا﴾ [هُودٍ: ٦١].
ثَالِثًا: الْقُوَّةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ
تَحْتَاجُ إِلَى الْأَمَانَةِ
لَا يَكْفِي أَنْ نَمْلِكَ الْمَالَ؛ بَلْ
لَا بُدَّ أَنْ نُحْسِنَ إِدَارَتَهُ.
فَالْغِشُّ، وَالرِّبَا، وَالرَّشْوَةُ،
وَالِاحْتِكَارُ، وَأَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَإِهْدَارُ الْمَالِ
الْعَامِّ؛ كُلُّهَا تَهْدِمُ الِاقْتِصَادَ وَلَوْ بَدَا لِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّهَا
تُحَقِّقُ رِبْحًا سَرِيعًا.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» رواه مسلم.
رَابِعًا: الِاقْتِصَادُ الْقَوِيُّ يَحْفَظُ
كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ
إِذَا قَوِيَ اقْتِصَادُ الْمُجْتَمَعِ،
وَتَوَفَّرَتْ فِيهِ فُرَصُ الْعَمَلِ، وَحُفِظَتْ فِيهِ أَمْوَالُ النَّاسِ، وَقَامَتْ
فِيهِ الْمَشَارِيعُ النَّافِعَةُ؛ قَلَّتِ الْحَاجَةُ، وَزَادَ الْإِنْتَاجُ، وَاسْتَطَاعَ
النَّاسُ أَنْ يَعِيشُوا بِكَرَامَةٍ.
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ
السُّفْلَى» متفق عليه.
فَالْمُؤْمِنُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ
عَالَةً عَلَى غَيْرِهِ مَا اسْتَطَاعَ إِلَى الْعَمَلِ سَبِيلًا، بَلْ يَسْعَى لِيَكُونَ
مُنْتِجًا نَافِعًا، وَيَدُهُ الْعُلْيَا بِالْعَطَاءِ وَالْإِنْفَاقِ وَخِدْمَةِ النَّاسِ.
خَامِسًا: الْقُوَّةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ
لَا تَعْنِي الْجَشَعَ
الْإِسْلَامُ يُرِيدُ ثَرَاءً مَعَ عَدْلٍ،
وَإِنْتَاجًا مَعَ أَمَانَةٍ، وَتِجَارَةً مَعَ صِدْقٍ، وَاسْتِثْمَارًا مَعَ مَسْؤُولِيَّةٍ.
فَالْمَالُ فِي يَدِ الصَّالِحِ قُوَّةٌ
لِلْخَيْرِ، وَفِي يَدِ الظَّالِمِ قَدْ يَكُونُ أَدَاةً لِلْفَسَادِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ
وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الْقَصَصِ: ٧٧].
وَهُنَا نَقُولُ:
إِنَّ الْقُوَّةَ الِاقْتِصَادِيَّةَ جُزْءٌ
مِنْ مَنْظُومَةِ الْقُوَّةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْإِسْلَامُ، وَلَكِنَّهَا لَا
تَنْفَصِلُ عَنْ قُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَقُوَّةِ الْعِلْمِ، وَقُوَّةِ الْأَخْلَاقِ،
وَقُوَّةِ الْعَمَلِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْقُوَى، أَصْبَحَ
الْمُجْتَمَعُ قَوِيًّا، مُنْتِجًا، مُسْتَقِلًّا، قَادِرًا عَلَى حِمَايَةِ نَفْسِهِ
وَخِدْمَةِ أَبْنَائِهِ وَنَفْعِ غَيْرِهِ.
امتلاك المال والقدرة الإنتاجية التي تجعل
الإنسان والمجتمع مستقلين وقادرين على القيام بمصالحهم.
سادسا:. القوة العسكرية والدفاعية
أَوَّلًا: مَفْهُومُ الْقُوَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ
إِنَّ الْقُوَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ فِي
مَنْظُورِ الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ قُوَّةَ بَطْشٍ وَعُدْوَانٍ، بَلْ قُوَّةُ رَدْعٍ
وَحِمَايَةٍ وَدِفَاعٍ وَحِفْظٍ لِلْأَمْنِ وَالْوَطَنِ، وَكُلَّمَا اقْتَرَنَتِ الْقُوَّةُ
بِالْعَدْلِ وَالْأَخْلَاقِ كَانَتْ قُوَّةً مَحْمُودَةً، وَإِذَا انْفَصَلَتْ عَنِ
الْعَدْلِ تَحَوَّلَتْ إِلَى ظُلْمٍ وَفَسَادٍ.
الْقُوَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ هِيَ قُدْرَةُ
الدَّوْلَةِ عَلَى حِمَايَةِ أَرْضِهَا، وَصَوْنِ سِيَادَتِهَا، وَالدِّفَاعِ عَنْ
شَعْبِهَا، وَرَدْعِ مَنْ يُفَكِّرُ فِي الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا، مَعَ الِالْتِزَامِ
بِالْعَدْلِ وَالْقَانُونِ وَالْقِيَمِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
وَالْقُوَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ لَا تَعْنِي
كَثْرَةَ السِّلَاحِ فَقَطْ، بَلْ تَشْمَلُ الْجَيْشَ الْمُدَرَّبَ، وَالْعِلْمَ وَالتِّقْنِيَةَ،
وَالتَّخْطِيطَ، وَالِاسْتِعْدَادَ، وَالِانْضِبَاطَ، وَالْمَعْنَوِيَّاتِ، وَالْقُدْرَةَ
عَلَى حِمَايَةِ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ.
ثَانِيًا: الْقُوَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ
مِنْ مَقَاصِدِ الِاسْتِعْدَادِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
[الْأَنْفَالِ: ٦٠].
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي مَبْدَإِ
الِاسْتِعْدَادِ وَالِاحْتِرَازِ وَالرَّدْعِ؛ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَطْلُبُ الْحَرْبَ
لِذَاتِهَا، وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ ضَعِيفًا أَمَامَ مَنْ يُرِيدُ الِاعْتِدَاءَ
عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ إِلَى أَهَمِّيَّةِ
الِاسْتِعْدَادِ وَإِتْقَانِ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَمِنْهَا فِي
زَمَانِنَا: التَّدْرِيبُ، وَالْمَعْرِفَةُ، وَالتَّقْنِيَةُ، وَحُسْنُ التَّخْطِيطِ.
ثَالِثًا: الْقُوَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ
لَيْسَتْ لِلْعُدْوَانِ
الْإِسْلَامُ لَا يَدْعُو إِلَى ظُلْمِ
النَّاسِ، وَلَا إِلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْأَبْرِيَاءِ، بَلْ قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[الْبَقَرَةِ: ١٩٠].
فَالْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الَّتِي
تَمْنَعُ الظُّلْمَ، وَتَحْمِي الْحُقُوقَ، وَتَحْفَظُ الْأَوْطَانَ، وَلَا تَتَحَوَّلُ
إِلَى أَدَاةٍ لِلْبَغْيِ وَالطُّغْيَانِ.
رَابِعًا: أَهَمُّ عَنَاصِرِ الْقُوَّةِ
الْعَسْكَرِيَّةِ
١. قُوَّةُ الْجَيْشِ وَالِانْضِبَاطُ: فَالْجُنْدِيُّ
الْمُدَرَّبُ الْمُنْضَبِطُ أَسَاسٌ مِنْ أُسُسِ الْقُوَّةِ.
٢. الْعِلْمُ وَالتَّقْنِيَةُ: فَجَيْشُ الْعَصْرِ
لَا يَقُومُ عَلَى الْعَدَدِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَالتَّقْدُّمِ التِّقْنِيِّ.
٣. الِاسْتِخْبَارَاتُ وَحُسْنُ التَّخْطِيطِ:
فَالْمَعْلُومَةُ الدَّقِيقَةُ وَالتَّخْطِيطُ الْجَيِّدُ قَدْ يَكُونَانِ أَهَمَّ
مِنْ كَثْرَةِ الْعَتَادِ.
٤. الْقُوَّةُ الْمَعْنَوِيَّةُ: وَهِيَ الثَّبَاتُ
وَالِانْضِبَاطُ وَالثِّقَةُ وَالشُّعُورُ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ.
٥. قُوَّةُ الِاقْتِصَادِ: فَالْقُوَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ
تَحْتَاجُ إِلَى اقْتِصَادٍ قَوِيٍّ يَدْعَمُ التَّدْرِيبَ وَالتَّجْهِيزَ وَالتَّطْوِيرَ.
٦. وَحْدَةُ الشَّعْبِ: فَإِذَا كَانَ الْمُجْتَمَعُ
مُتَمَاسِكًا، كَانَ أَقْدَرَ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْأَزَمَاتِ وَحِمَايَةِ وَطَنِهِ.
خَامِسًا: الْقُوَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ
وَالْقُوَّةُ الشَّامِلَةُ
وَمِنَ الْخَطَإِ أَنْ نَظُنَّ أَنَّ قُوَّةَ
الْأُمَمِ تُقَاسُ بِالْجَيْشِ وَالسِّلَاحِ فَقَطْ؛ فَالدَّوْلَةُ الْقَوِيَّةُ تَجْمَعُ
بَيْنَ:
قُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَقُوَّةِ الْعِلْمِ،
وَقُوَّةِ الْأَخْلَاقِ، وَقُوَّةِ الِاقْتِصَادِ، وَقُوَّةِ الْعَمَلِ، وَقُوَّةِ
الْجَيْشِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْقُوَى، أَصْبَحَتِ
الْأُمَّةُ أَقْدَرَ عَلَى حِفْظِ أَمْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا وَاسْتِقْلَالِهَا.
التي تحفظ أمن البلاد وتردع المعتدي، لا
التي تُستخدم للعدوان والظلم.
سابعا: قوة العمل والإنتاج
أن يكون الإنسان منتجًا نافعًا، متقنًا
لعمله، لا عالةً على غيره.
وهذا كله يدخل في قول الله تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
[الأنفال: 60].
وقد فسَّر النبي ﷺ القوة في هذا الموضع بقوله:
«أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» رواه
مسلم، أي إن الرمي من أبرز صور القوة والاستعداد في سياق الجهاد والدفاع، وليس معنى
الحديث حصر القوة في الجانب العسكري.
ثانيًا: القوة المذمومة
هي القوة التي تُستخدم في غير الحق، أو
تُستعمل للظلم والعدوان والتكبر وإفساد الحياة.
ومن صورها:
قوة البطش والظلم: أن يستعمل القوي قوته
في الاعتداء على الضعيف.
قوة الاستكبار: أن يرى الإنسان نفسه فوق
الناس بسبب ماله أو منصبه أو نفوذه.
قوة المال إذا استُعملت في الحرام: كالرشوة
والربا وأكل أموال الناس بالباطل.
قوة المنصب والنفوذ: إذا استُعملت لتحقيق
المصالح الشخصية وإهدار حقوق الناس.
القوة الإعلامية: إذا استُعملت في نشر الكذب
والشائعات والفتن.
القوة العسكرية العدوانية: إذا تحولت من
حماية الناس إلى الاعتداء عليهم وسفك الدماء بغير حق.
القوة البدنية في الاعتداء: كضرب الناس
وإيذائهم وإرهابهم.
قوة اللسان: إذا استُعملت في السب والقذف
والتشهير وإشعال الفتن.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ،
وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
«الْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ الْعَدُوِّ»
الْمَحْوَرُ الْأَوَّلُ: عَدُوٌّ يُوَسْوِسُ
— الشَّيْطَانُ
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ
عَدُوًّا﴾ [فَاطِر: ٦].
يُزَيِّنُ الْمَعْصِيَةَ، وَيُثَبِّطُ عَنِ
الطَّاعَةِ، وَيُخَوِّفُ مِنَ الْحَقِّ، وَيَدْعُو إِلَى الْبَاطِلِ.
الْمَحْوَرُ الثَّانِي: عَدُوٌّ يُضِلُّ
— أَهْلُ الْبَاطِلِ وَقُرَنَاءُ السُّوءِ
قَدْ يَدْخُلُ الْعَدُوُّ إِلَى الْإِنْسَانِ
مِنْ بَابِ الصَّدَاقَةِ وَالنُّصْحِ وَالْمَحَبَّةِ، فَيُزَيِّنُ لَهُ الْبَاطِلَ
حَتَّى يَرَاهُ حَقًّا.
﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا
خَلِيلًا﴾ [الْفُرْقَان: ٢٨].
الْمَحْوَرُ الثَّالِثُ: عَدُوٌّ يُفْسِدُ
— أَهْلُ الْفِتَنِ وَالْفَسَادِ
يَنْشُرُونَ الْفَاحِشَةَ، وَيُشِيعُونَ
الْبَغْضَاءَ، وَيُفَرِّقُونَ الْكَلِمَةَ، وَيُفْسِدُونَ الْأَخْلَاقَ وَالْمُجْتَمَعَ.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [الْبَقَرَة:
٢٠٥].
الْمَحْوَرُ الرَّابِعُ: عَدُوٌّ يَطْمَعُ
فِي حَقِّكَ — الْمُعْتَدُونَ وَالظَّالِمُونَ
وَهُنَا نَنْتَقِلُ إِلَى مَعْنَى الْقُوَّةِ
وَالِاسْتِعْدَادِ:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
[الْأَنْفَال: ٦٠].
فَالْمُؤْمِنُ لَا يَظْلِمُ، وَلَا يَعْتَدِي،
وَلَا يَسْتَسْلِمُ لِلظُّلْمِ؛ بَلْ يَأْخُذُ بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَالْحِمَايَةِ
وَالدِّفَاعِ.
الْمَحْوَرُ الْخَامِسُ: عَدُوٌّ يَخْتَبِئُ
فِي نَفْسِكَ
وَهُوَ الْهَوَى، وَالشَّهَوَاتُ، وَالْكِبْرُ،
وَالْحَسَدُ، وَالطَّمَعُ، وَالْغَضَبُ، وَالْجَهْلُ، وَالْغَفْلَةُ.
قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا
مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يُوسُف: ٥٣].
وَهُنَا تَكُونُ الْخَاتِمَةُ الْمُؤَثِّرَةُ:
رُبَّ عَدُوٍّ تَرَاهُ أَمَامَكَ فَتَحْذَرُهُ،
وَرُبَّ عَدُوٍّ لَا تَرَاهُ فَتَغْفُلُ عَنْهُ، وَرُبَّ عَدُوٍّ يَتَكَلَّمُ مَعَكَ،
وَرُبَّ عَدُوٍّ يَتَكَلَّمُ فِي دَاخِلِكَ.
فَاعْرِفْ عَدُوَّكَ، وَاحْذَرْهُ، وَلَا
تَغْتَرَّ بِمَظْهَرِهِ، وَلَا بِكَلَامِهِ، وَلَا بِقُرْبِهِ؛ فَإِنَّ الْعَدُوَّ
قَدْ يَكُونُ شَيْطَانًا يُوَسْوِسُ، أَوْ إِنْسَانًا يُضِلُّ، أَوْ فِتْنَةً تُفْسِدُ،
أَوْ ظَالِمًا يَطْمَعُ فِي حَقِّكَ، أَوْ هَوًى يَسْكُنُ فِي نَفْسِكَ.
فَإِذَا عَرَفْنَا الْعَدُوَّ، وَجَبَ أَنْ
نَعْرِفَ كَيْفَ نُوَاجِهُهُ؛ فَالشَّيْطَانُ نُوَاجِهُ بِالْإِيمَانِ وَالذِّكْرِ،
وَالْهَوَى نُوَاجِهُ بِالتَّقْوَى وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، وَالْجَهْلَ نُوَاجِهُ
بِالْعِلْمِ، وَالْفِتَنَ نُوَاجِهُ بِالْبَصِيرَةِ وَالْوَحْدَةِ، وَالْعُدْوَانَ
نُوَاجِهُ بِالْقُوَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ وَأَخْذِ الْأَسْبَابِ؛ وَهُنَا نَفْهَمُ
قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
الدعاء
.اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ،
الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ مِصْرَنَا أَمْنًا أَمَانًا،
سَخَاءً رَخَاءً، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنَا بِلَادَنَا،
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَأَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ،
وَارْفَعْ رَايَةَ الْإِسْلَامِ خَفَّاقَةً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَعْلِ بِكَلِمَتِكَ
كَلِمَةَ الْحَقِّ وَالدِّينِ.
عِبَادَ اللَّهِ، اذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ،
وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ،
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ.