recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة وأعدوا الشيخ عبدالناصربليح

وَأَعِـدُّوا

 مفهوم ومشمول كلمة وأعدوا

الإعداد ينقسم إلي قسمين إعداد دنيوي واعداد أخروي

الإعداد الدنيوي ينقسم إلي قسمين عسكري واقتصادي 

الإعداد الإيماني والأخروي"وهوالاستعداد للموت

الحمد لله الذي أمر بالتجهيز والإعداد، وجعل الأخذ بالأسباب طريقاً للفلاح والتمكين في الدنيا والمعاد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل لكل شيء قدراً، ورسم للمؤمنين طريقاً يجمع بين التوكل والعمل. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، كان أعظم الناس تخطيطاً، وأصدقهم توكلاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا عباد الله:

يقول الله تعالي:"وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ"(الأنفال: 60).

مفهوم ومشمول كلمة وَأَعِدُّوا

عباد الله:"حديثنا إليكم اليوم عن " وَأَعِدُّوا "

    ونجد الكثير فينا ومنا يقف عند قوله تعالى في سورة الأنفال:"وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ"، فيظن البعض أن "الإعداد" محصور في السلاح والعتاد العسكري وفقط.

ولكن لو تأملنا عمق لغة القرآن العظيم، لوجدنا أن كلمة "وأعدّوا" جاءت مطلقة، وحُذف مفعولها لتتسع وتستوعب كل مجالات الحياة. إنها أمر إلهي مستمر، ومنهج رباني يطالب الأمة والأفراد بالجاهزية الدائمة.

فهي كلمة مطلقة تسع لمجالات عديدة وواسعة، وعميقة في اللغة العربية، لا تقف عند حدود فكرة أو مجال واحد، بل تمتد لتكون منهجية حياة متكاملة تُبنى عليها النهضات وتُدار بها الأزمات.

 كلمة "وَأَعِدُّوا" هي الفارق الجوهري بين الارتجال والعشوائية، وبين التخطيط والاستدامة. إنها دعوة دائمة للحركة، ورفض للاتكالية، والبدء فوراً بما هو متاح من إمكانيات مهما كانت بسيطة  "ما استطعتم" .

إن القوة التي يأمرنا الله بإعدادها اليوم، تتعدد بتعدد ثغور الحياة:

  فهناك إعداد علمي ومعرفي: فالأمة الجاهلة لا يمكن أن تقود، وإعداد شبابنا بالعلوم الحديثة، والذكاء، والتكنولوجيا هو قوة هذا العصر.

  وهناك إعداد اقتصادي ومالي: الأمة التي تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع، لا تملك حرية قرارها. وإعداد الفرد لماله، وتأمينه لقوت عياله، وحماية مجتمعه من الفقر هو امتثال مباشر للأمر الرباني.

  وهناك إعداد نفسي وتربوي: وهو بناء الإنسان الصلب الذي لا تكسره الأزمات، ولا تزلزله الفتن، يربّي بيته وأولاده على القيم والأخلاق ليكونوا لبنات قوية في جدار المجتمع.ويعد نفسه وأهله للأخرة :"ياايها الذين أمنوا قوا انفسكم وأهليكم ناراً"

عباد الله:" إن الإسلام يحارب العشوائية والارتجال، ويرفض العجز والكسل تحت مسمى التوكل. فأشار إلي الاعتماد على القوة والتوعية في قوله صلي الله عليه وسلم :" الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احرصْ على ما ينفعُكَ واستعنْ باللهِ ولا تعجزْ، وإن أصابكَ شيءٌ فلا تقلْ: لو أني فعلتُ كذا وكذا، ولكن قلْ: قَدَرُ اللهِ وما شاءَ فعلَ، فإنَّ "لو" تفتحُ عملَ الشيطانِ"( مسلم).

فالحرص على النافع، والاستعانة بالله، ونبذ العجز.. هذا هو جوهر الإعداد

الإعداد ينقسم إلي قسمين إعداد دنيوي واعداد أخروي

عباد الله :" والاعداد ينقسم إلي قسمين إعداد دنيوي واعداد أخروي والتوجيهات  القرآنية تيشير إلى شمولية مفهوم الاستعداد والعمل في حياة الإنسان؛ فالإعداد لا يقتصر على جانب واحد، بل ينقسم إلى مسارين متكاملين: إعداد دنيوي لعمارة الأرض والنجاح فيها، وإعداد أخروي للفوز بالآخرة ونيل رضا الله.

 الإعداد الدنيوي (عمارة الأرض والتمكين)

عباد الله والإعداد الدنيوي ينقسم إلي قسمين إعداد أمني عسكري  وإعداد اقتصادي

فالقوة العسكرية لحفظ الوجود، والقوة الاقتصادية لتحقيق العيش الكريم والتبعية المرفوضة.

عباد الله:

 أولاً:"  الإعداد للعدو (الإعداد العسكري والأمني)

عباد الله:" والاعداد العسكري  والأمني هو الامتثال المباشر للأمر الإلهي في سورة الأنفال:"وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ".

من امتلاك السلاح والعتاد الحديث لحماية الأوطان والمقدسات.

:"وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُومْ"(الأنفال: 60)

 وجاءت كلمة "قوة" نكرة لتشمل كل أنواع القوة المتجددة في كل زمان ومكان.

   إلي القوة العلمية والتكنولوجية و تطوير المنظومات الدفاعية، والأمن السيبراني، والمعلوماتي والمخابراتي  والإعداد البدني للأفراد والضباط .

  القوة الاقتصادية: تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء لضمان استقلال القرار.

  ردع الأعداء، ومنع الاعتداء، وحفظ السلام والأمن.

  مع  الأخذ بالحذر والحيطة واليقظة: قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا"(النساء: 71).،

 فالاستعداد يتطلب اليقظة الدائمة وعدم الغفلة لتنظيم  الصف الواحد قال تعالى:"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ"(الصف: 4)، والتنظيم والتدريب جزء أساسي من إعداد الصفوف.

 وعززت السنة النبوية هذا المفهوم، وفسر النبي صلي الله عليه وسلم  "القوة" بأساليب عملية تناسب العصر، وحث على مهارات الدفاع:

  تفسير القوة بالرمي (التسديد): خطب رسول الله  صلي الله عليه وسلم  على المنبر فقال:"وأَعِدُّوا لهمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ"( مسلم). 

والرمي في عصرنا يشمل كل المقذوفات والصواريخ والسلاح الحديث.

ومن منطلق" وَأَعِدُّوا " أِشار إلي فضل الرباط وحراسة الثغور بقوله صلي الله عليه وسلم " رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ"( مسلم).

وحث على الفروسية والتدريب فكُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ"( الترمذي).

ومن منطلق " وَأَعِدُّوا " نهي عن إهمال المهارات العسكرية وشدد صلي الله عليه وسلم  على أهمية الحفاظ على الجاهزية فقال:"مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، أَوْ قَدْ عَصَى"( مسلم).

ثانياً :"الإعداد الاقتصادي والتنموي (الاستخلاف والإنتاج)

عباد الله :" الجانب الثاني من وأعدوا الإعداد  الاقتصادي للمصلحة

 أو إن شئت فقل :"الإعداد التنموي والمجتمعي"

مستنداًإلى قوله تعالى:"هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا "(هود: 61).

  أي طلب منكم عمارة الأرض، والعمارة لا تتحقق إلا باقتصاد قوي في الزراعة لتحقيق الأمن الغذائي، والصناعة للتقليل من الاعتماد على الخارج، وتطوير البنية التحتية.

  والمال عصب القوة و لا يمكن بناء قوة عسكرية أو أمنية دون اقتصاد متين يمولها ويدعم استقلال القرار السياسي.

فلا وجود لأمن حقيقي يحمي الدولة دون اقتصاد قوي يمول هذا الأمن، ولا ازدهار للاقتصاد أو استمرار لعمارة الأرض دون قوة عسكرية تحمي المكتسبات والثروات من الطامعين.

    عباد الله:" وإتقان التخطيط وبناء المشاريع تجده في قصة يوسف عليه السلام: حين وضع  خطة اقتصادية وزراعية لإنقاذ البلاد من القحط، قال تعالى:"قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ"(يوسف: 47]، وهذا يمثل أوج الإعداد للمصلحة العامة وإدارة الأزمات.

  ومن منطلق " وَأَعِدُّوا " نهي عن الإفساد وتعطيل التنمية: قال تعالى:"وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا"(الأعراف: 56)، والإفساد يشمل تدمير البيئة، وتعطيل التنمية، وهدم مصالح الناس.

  ومن منطلق " وَأَعِدُّوا "حث علي التعاون على النفع العام قال تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"(المائدة: 2)، والبر كلمة جامعة لكل خير ومصلحة ونفع للمجتمع.

ومن منطلق " وَأَعِدُّوا " حث علي الاستمرار في العطاء حتى آخر لحظة: فقال صلي الله عليه وسلم :"إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسِيلةٌ، فإنِ استَطاعَ أنْ لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرِسْها"(البخاري).

وهو أعظم دليل على حث الإسلام على الإنتاج وعمارة الأرض حتى وإن شارف الكون على النهاية.

ومن منطلق الإعداد " وَأَعِدُّوا "حث علي فضل الغرس والزرع فقال صلي الله عليه سولم :"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ"(متفق عليه).

كما أمر بإتقان الأعمال والمهن "إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عَمِلَ أحَدُكم عَمَلاً أنْ يُتْقِنَهُ"( الطبراني). وإتقان الطب، الهندسة، التعليم، والإدارة هو أساس جلب المصالح.

   كما أشار إلي أن منفعة الناس هي مقياس الأفضلية: قال صلي الله عليه وسلم:" أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ"( الطبراني)، فالإعداد للمصلحة العامة هو الطريق لنيل محبة الله.

 ومن منطلق" وَأَعِدُّوا "حث الإسلام علي  الصدقة الجارية وأثرها التنموي: قال صلي الله عليه وسلم :"إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له"( مسلم). والصدقة الجارية تشمل بناء المدارس والمستشفيات وشق الطرق وحفرالآبار. وهوإعداد جيد لخلق بيئة صالحة نافعة"

عباد الله :"أقول ماتسمعون وأسنغفر الله العظيم لي ولكم 

الخطبة الثانية

  "الإعداد الإيماني والأخروي"وهوالاستعداد للموت

الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد فياعباد الله لازلنا نواصل الحديث حول "وأعدوا" وهي كلمة شاملة تشمل الإعداد العسكري والأمني والإعداد الإقتصادي والتنموي المجتمعي

أما الأمر الثاني هو الإعداد الإيماني الأخروي الاستعداد للموت

وهو الغاية الأسمى لكل مسلم، وهو العمل بوعي وتخطيط لما بعد هذه الحياة الفانية.

الإعداد الأخروي هو الزاد الحقيقي ..

ففي صحيح البخاري روي  أن رجلاً سأل النبي صلي الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال:"وماذا أعددْتَ لها؟" قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله صلي الله عليه وسلم  فقال: "أنت مع من أحببت"(البخاري).

هنا يظهر المفهوم الحقيقي لـ " وَأَعِدُّوا ".. ماذا أعددنا لرحيلنا؟ ماذا أعددنا للقاء الله؟

  هل أعددنا توبة صادقة تمحو ما سلف من الذنوب؟

  هل أعددنا صلاة خاشعة، وصياماً خالصاً، وبرّاً بالوالدين، وإحساناً للخلق؟

 هل أعددنا ردّ المظالم إلى أهلها، وطهارة القلوب من الغل والحقد والحسد؟ 

هل أعددنا  المسارعة والمنافسة في الخيرات: قال تعالى"وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"(آل عمران: 133).

إن المسلم الحق يعيش في هذه الدنيا كالمسافر الذي يجمع زاده بعناية، يعدّ لأزمات دنياه بالتخطيط والعمل، ويعدّ لآخرته بالتقوى والعمل الصالح، متدبراً قول الله تعالى:"وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ".(البقرة: 197).

 عباد الله:" ومن منطلق " وَأَعِدُّوا "الأخذ بالأسباب والحيطة "إعداد الأمان المالي والأسري:" قال  صلي الله عليه وسلم  لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:"إنَّكَ أنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِن أنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً  يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ في أيدِيهِمْ"(متفق عليه)

وهو توجيه نبوي صريح للإعداد المالي وتأمين مستقبل الأبناء.

 ومن منطلق " وَأَعِدُّوا " حث علي الجمع بين قوة الإعداد والتوكل:  قال صلي الله عليه وسلم: "المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِصْ على ما ينفعُكَ، واستعِنْ باللهِ ولا تعجِزْ"( مسلم).

 ومن منطلق " وَأَعِدُّوا "حث عليمحاسبة النفس والنظر في العواقب: قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"(الحشر: 18).

 ومن منطلق " وَأَعِدُّوا " ذكر بحتمية الموت: قال تعالى:"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ"(آل عمران: 185).

  ومن منطلق " وَأَعِدُّوا " حذر من الغفلة والتأجيل: قال تعالى: "حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ"(المؤمنون: 99-100).

عباد الله:" وهذا المؤمن الذي يعد ويستعد عده الرسول صلي الله عليه وسلم  ذكي بل هو الذكاء الحقيقي (الكيّس): قال صلي الله عليه وسلم :"الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ"( الترمذي).

وفي رواية :" لما سئل صلي الله عليه وسلم :"من أكيَسُ النَّاسِ وأكرمُ النَّاسِ يا رسولَ اللهِ ؟ فقال : أكثرُهم ذِكرًا للموتِ وأشدُّهم استعدادًا له أولئك هم الأكياسُ ذهبوا بشرفِ الدُّنيا وكرامةِ الآخرةِ"(ابن ماجه) .

ومن منطلق " وَأَعِدُّوا " دعي النبي لا غتنام فرص الحياة والصحة و أعداد العدة لهم : قال صلي الله عليه وسلم :" لرجل وهو يعظه:"اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ"(الحاكم).

  العيش في الدنيا عيش المسافر: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم آخذاً بمنكب عبد الله بن عمر:"كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)، وكان ابن عمر يقول: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ"(البخاري).

  ومن منطلق " وَأَعِدُّوا "حث علي أنه ما يتبع الميت إلى قبره بقوله صلي الله عليه وسلم  :"يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ"(متفق عليه).

عباد الله :"بذلك تكتمل الأقسام الثلاثة : الإعداد للعدو، والإعداد للمصلحة، والاستعداد للموت، لتشكل معاً توازناً دقيقاً في حياة المسلم بين واجبات الاستخلاف في الأرض والتطلع لرضوان الله في الآخرة.

اللهم اجعلنا ممن يأخذون بالأسباب ويتوكلون عليك حق التوكل، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. اللهم أعنا على الاستعداد للقائك، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.. فاذكروا الله العظيم يذكركم، وأقم الصلاة

google-playkhamsatmostaqltradent