وَأَعِدُّوا

وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ. "
أ- القوة الحربية.
ب- القوة العلمية
.
ج- القوة الإقتصادية.
د- قوة الإتحاد بين فصائل المجتمع .
٢- قوة العقيدة و الإيمان .
٣- الوطن من أجل النعم، وحبه غريزة فطرية .
الحمد لله رب الأرباب، مُنزِل الكتاب، مُجري
السحاب، هازم الأحزاب ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له وَعَدَ عبادَهُ
بالنصر والتمكين, وهو العزيزُ الوهاب, وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله الصادقُ الوعد
الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد ، أيها المسلمون :
(١)- يقول الله تعالي في محكم آياته وهو أصدق
القائلين : ﴿ وَأَعِدُّو اْلَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ
اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ (الأنفال : 60) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-،
عَنِ النِّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ
خَيْرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ،
وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ
كَانَ كَذَا وَكَذَا–يَعْنِي: لَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا-وَلَكِنْ قُلْ:
قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ،فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ "
.أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ((الْمُسْنَدِ))،
وَالْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي ((الصَّحِيحِ)) .
جَمْهَور من العلماء أَخَذُوا بِالْإِطْلَاقِ
فقالوا : ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ)): قَوِيٌّ فِي بَدَنِهِ، قَوِيٌّ فِي إِيمَانِهِ،
قَوِيٌّ فِي صِحَّتِهِ، قَوِيٌّ فِي يَقِينِهِ.
فالقوة التي أمر الله تعالى بإعدادها قوة شاملة فإن لفظ القوة الذي جاء نكرة يدل على أن
القوة تشمل القوة القتالية البدنية ،وقوة العدة والتسليح ، والقوة العلمية والفكرية ، والقوة الإيمانية ، والقوة الاقتصادية ، فهي عامة
وشاملة ،بل جاء كدليل على أن نطور قوتنا كلما تطور الزمن وتقدم ونأخذ بأسباب النصر .
فيجب على المسلمين أن يتنبهوا إلى الأخذ
بأسباب القوة المادية والمعنوية التي شرع الله تعالي ، ولا يكونوا في ذيل الأمم .
ولقد طبق الرسول - ﷺ - هذا الأمر الرباني ،بالأخذ بأسباب القوة
،فلم يفتح - ﷺ - مكة بمجرد وصوله إلى المدينة ، إلا بعد
سنوات ، وبعد أن أخذ العدة اللازمة لفتح مكة ،وهي عشرة الاف مقاتل مجهزين بعدة القتال
اللازمة لهذا الأمر العظيم..
مِنْ معاني القوة التي أمر الله تعالي بإعدادها :
* الْقُوَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ ..
إن العالم اليوم لا يعرف إلا لغة القوة
ولا مكان فيه للضعفاء ، والوطن القوي هو الذي يملك جيشاً قوياً يحميه ويدافع عنه .
جاء في سنن ابن ماجة بإسناد صحيح من حديث
عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله - ﷺ -وهو على المنبر، يقول: "وأعدوا لهم
ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي".
وكان السلف الصالح يعتنون بتربية أبنائهم
على القوة، والهمم العالية.
قال علي بن الحسين: كنا نعلم مغازي النبي
- ﷺ - وسراياه؛ كما نعلم السورة من القرآن.
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح:
أن علموا غلمانكم العوم –السباحة- ومقاتلتكم الرمي.
يَا أَهْلَ مِصْرَ قَضَى الرَّحْمَنُ بِلُطْفِهِ ***
وَأَرَادَ أَمْرًا بِالْبِلَادِ فَكَانَـا
إِنَّ الَّذِي أَمْرُ الْمَمَالِكِ كُلِّهَا
بِيَدَيْهِ
***
أَحْدَثَ فِي الْكِنَانَةِ شَانَــــا
أَبْقَى عَلَيْهَا أَمْنَهَا فِي بُرْهَةٍ ***
تَرْمِي الْعُرُوشَ وَتَنْثُرُ التِّيجَانَـا
وَكَسَا الْبِلَادَ سَكِينَةً مِنْ أَهْلِهَا ***
وَوَقَى مِنَ الْفِتَنِ الْعِبَادِ وَصَانَا
أَوَ مَا تَرَوْنَ الْأَرْضَ خُرِّبَ نِصْفُهَا ***
وَدِيَارُ مْصْرٍ لَا تَزَالُ جِنَانًـــا؟!
يَرْعَى كَرَامَتَهَا وَيَمْنَعُ حَوْضَهَا ***
جَيْشٌ يَعَافُ البَغْيَ وَالعُدْوَانَـــــا!
كَجُنُودِ عَمْروٍ أَيْنَمَا رَكَزُوا القَنَا ***
عَفُّوا يَدًا وَمُهَنًّدا وَسِنَانًــــــــــــا
إِنَّ الشُّجَاعَ هُوَ الْجَبَانُ عَن الْأَذَى ***
وَأَرَى الْجَرِيءَ عَلَى الشُّرُورِ جَبَانَــا
*القوة العلمية ..
فلا تنهض أمه ولا تتقدم إلا بالعلم ، وقد دعا ديننا الي السعي في طلب العلم سواء كانت
علوم الدين أو علوم الدنيا فكان أول ما نزل على رسول الله - ﷺ - من القران الكريم آيات تدعو الى العلم
والتعلم قال الله تعالى : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * ﴾ ( العلق
: ١-٥ )
ولأهميه العلم جعل النبي - ﷺ - السعي في طلبه بمنزلة الجهاد في سبيل
الله عز وجل ، اخرج ابن ماجه بسند صحيح , عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ان رسول الله
- ﷺ - قال : " مَن جاءَ مَسجِدي هذا لم
يَأتِهِ إلَّا لِخيرٍ يتعلَّمُهُ أو يعلِّمُهُ فَهوَ بمنزلةِ المجاهِدِ في سبيلِ اللَّهِ
ومن جاءَ لغيرِ ذلِكَ فَهوَ بمنزلةِ الرَّجُلِ ينظرُ إلى متاعِ غيرِهِ "
وقال الحسن رحمه الله" يوزن مداد العلماء
بدماء الشهداء"
وقال سفيان بن عيينه رحمه الله "ارفع
الناس منزله عند الله من كان بين الله وبين عباده و هم الانبياء والعلماء "
ما الفخر الا لاهل العلم انهم **
على الهدى لمن استهدي ادلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه**
والجاهلون لاهل العلم اعداء
ففز بعلم تعش حيا به ابدا **
الناس موتى واهل العلم احياء
وحتى ننهض بالتعليم في بلادنا لابد أن يقوم كل مسؤول بدوره باخلاص
وامانه بداية من الدولة ووزاره التربية والتعليم
والمدرسة والمعلم والأسرة والطالب .
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي - ﷺ - قال: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ
مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ،
وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ،
وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ
رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه) .
* القوة الإقتصادية ..
الأخذ بالأسباب والعمل بالسنن الكونية والسعي إلى العمل الجاد والمتقن
للنهوض بالإقتصاد ، فالأمة القوية هي الأمة المنتجة لطعامها وسلاحها المتوكلة علي خالقها الآخذة بالأسباب ، وليست الأمة
المتواكلة المستهلكة .
وقد دعا ديننا الحنيف الى السعي وعدم التواكل ، قال الله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا
فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [ سورة
الملك: ١٥
]
عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،
أن رسول الله - ﷺ - قال : " لو أنكم تتوكلون على الله
حقَّ توكُّله ؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ : تغدوا خماصًا وتروح بطانًا ". (أخرجه
الترمذي، وابن ماجه ، وأحمد واللفظ له) .
وعن السيدة عائشة رضي الله عنه , أن رسول
الله - ﷺ - قال : " إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ
إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ" .
وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه ، أن رسول الله - ﷺ - قال : " أفضلُ الصَّدقةِ ما كان
عن ظهرِ غنًى ، واليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلَى ، وابدأْ مَنَ تعولُ
" . (أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي
واللفظ له
).
وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه ، أن
رسول الله - ﷺ - قال : " لأنْ يأخذَ أحدُكم حبلَهُ
على ظهْرِهِ فيأتي بحزمةٍ منَ الحطبِ فيبيعُها فيكُفَّ اللهُ بها وجهَهُ خيرٌ مِنْ
أنْ يسألَ الناسَ أعطوْهُ أوْ منعوهُ" . ( أخرجه البخاري )
* قوة الإعتصام بالله عز وجل والوحدة بين
فئات الوطن ،
قال الله تعالى :﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا
وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
[ آل عمران: ١٠٣ ]
ونهي الله تعالى عن الفرقة التي هي من أعظم
أسباب الفشل ، فقال تعالى. ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [ الأنفال:
٤٦
]
وروي مسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه ان
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنَّ
اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، ويَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أنْ
تَعْبُدُوهُ، ولا تُشْرِكُوا به شيئًا، وأَنْ تَعْتَصِمُوا بحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا
ولا تَفَرَّقُوا، ويَكْرَهُ لَكُمْ: قيلَ وقالَ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ، وإضاعَةِ المالِ.
وفي رواية: مِثْلَهُ، غيرَ أنَّه قالَ: ويَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، ولَمْ يَذْكُرْ:
ولا تَفَرَّقُوا
).
ومن حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن
رسول الله -ﷺ - قال: (عليكم بالجماعة وإياكم والفُرقة،
فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة)
[رواه الترمذي وغيره]
.
فكونوا جميعًا إذا اعترى
خطبٌ ولا تتفرّقوا آحادًا
تأبى الرّماح إذا اجتمعن تكسّرًا
وإذا تفرّقت تكسّرت أفرادًا.
(٢)- ومِنْ معاني القوة التي أمر الله تعالي
بإعدادها ؛ قوة الْعَقِيدَةِ والتوحيد الخالص
لله عز وجل ، وقد وعد الله تعالي من حققها بالنصر والتمكين في الأرض .
قال الله تعالي : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي
ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي
لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
﴾ (النور : ٥١
).
وقال الله تعالى : ﴿ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ
فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ
وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة الحج: ٤١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ
اللهُ-: «هَذَا مِنْ وُعُودِهِ الصَّادِقَةِ، الَّتِي شُوهِدَ تَأْوِيلُهَا وَعُرِفَ
مَخْبَرُهَا، فَإِنَّهُ وَعَدَ مَنْ قَامَ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ
هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَنْ يَسْتَخْلِفَهُمْ فِي الْأَرْضِ، يَكُونُونَ هُمُ الْخُلَفَاءَ
فِي الْأَرْضِ، وَيَكُونُونَ الْمُتَصَرِّفِينَ فِي تَدْبِيرِهَا ، وَأَنَّهُ يُمَكِّنُ
لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، الَّذِي فَاقَ
الْأَدْيَانَ كُلَّهَا، ارْتَضَاهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، لِفَضْلِهَا وَشَرَفِهَا وَنِعْمَتِهِ
عَلَيْهَا، بِأَنْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ إِقَامَتِهِ، وَإِقَامَةِ شَرَائِعِهِ الظَّاهِرَةِ
وَالْبَاطِنَةِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ .
وَأَنَّهُ يُبَدِّلُهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمُ
الَّذِي كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ، وَمَا
هُوَ عَلَيْهِ إِلَّا بِأَذًى كَثِيرٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَكَوْنِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ
قَلِيلِينَ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَقَدْ رَمَاهُمْ أَهْلُ الْأَرْضِ
عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، فَوَعَدَهُمْ اللهُ هَذِهِ الْأُمُورَ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ،
وَهِيَ الِاسْتِخْلَافَ فِي الْأَرْضِ، وَالتَّمْكِينَ فِيهَا، وَالتَّمْكِينَ مِنْ
إِقَامَةِ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ، وَالْأَمْنَ التَّامَّ، بِحَيْثُ يَعْبُدُونَ
اللهَ وَلَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَخَافُونَ إِلَّا اللهَ.
فَقَامَ صَدْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، مِنَ
الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ بِمَا يَفُوقُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَمَكَّنَهُمْ
مِنَ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَفُتِحَتْ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، وَحَصَلَ
الْأَمْنُ التَّامُّ وَالتَّمْكِينُ التَّامُّ».
فالتَّوْحِيدُ فِيهِ الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ}:
أَيْ بِشِرْكٍ {أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: ٨٢ ].
بِالتَّوْحِيدِ تَكُونُ الْعِزَّةُ، وَيَتَحَقَّقُ
النَّصْرُ فِي الدُّنْيَا، وَتَكُونُ عِزَّةُ الْمَرْءِ فِي الْآخِرَةِ، كُلُّ ذَلِكَ
لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ.
قال الله تعالى : {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:
٥١].
وقال تعالى : {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا
وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عِمْرَان: ١٣٩].
أقول قولي هذا ، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
♦️♦️♦️ . ♦️♦️♦️. ♦️♦️♦️
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله علي إحسانه، والشكر له توفيقه وامتنانه
، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه ، و اشهد ان سيدنا محمدا
عبده ورسوله الداعي الى رضوانه ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى اله واصحابه ومن تبعهم
باحسان الى يوم الدين
.
وبعد. ....
(٣)- إن من أعظم وأجل نعم الله تعالي على الإنسان
أن يكون له وطن يأمن فيه على نفسه واهله وعرضه وماله .
أخرج الترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن
محصن أن رسول الله - ﷺ - قال : " مَن أصبحَ منكم آمنًا في
سربِهِ ، مُعافًى في جسده عندَهُ قوتُ يومِهِ ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا
" حديث حسن.
وذكر الله تعالي هذه النعمة ممتنا بها علي
قريش فقال تعالي: ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ . إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ
. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم
مِّنْ خَوْفٍ ﴾ (سورة قريش : ١-٤
)
ولبيان أهمية تلك النعمة حاجة كل إنسان
لها قرن الله تعالي بين خروج روح الإنسان من جسده وبين خروجه من وطنه فقال تعالي
:﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن
دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا
يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ ( سورة النساء : 66 ).
- وحب الوطن إخوة الإيمان غريزة فطرية جبل
عليها كل إنسان عاش على ترابه وأكل من خيره وقد ضرب رسول الله - ﷺ - المثل والقدوة الحسنه في حب الوطن والشوق
إليه لما أخرج منه وهاجر إلي المدينة المنورة ، فعن عبد الله بن عدي - رضي الله عنه
- قال : " رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - واقفًا على الحزوَرةِ فقالَ: واللَّهِ
إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ، وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، ولولا أنِّي أُخرِجتُ
منكِ ما خرجتُ " أخرجه الترمذي .
وعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما
- قال : قال رسول الله - ﷺ -: "ما أطيبَكِ من بلَدٍ وأحبَّكِ
إلَيَّ ، ولولا أنَّ قومِي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَكِ " )أخرجه الترمذي )
وظل النبي - ﷺ - مدة مكثه في المدينه يحن للرجوع الى
بلده مكة المكرمة حتى من الله عليه بالفتح المبين ، أتي اليه أصيل بن عبد الله الغفاري
من مكة فسأله شوقاً إليها قال :" كيف تركت مكة يا أصيل؟ فجعل يصفها له حتى قال
رسول الله - ﷺ - دع القلوب تقر يا أصيل ولا تحزنا "
- من الواجب علينا تجاه هذه النعمة ومن تمام
شكر الله عليها , إن نعمل علي أمنه واستقراره ورفعته ، وأن ندافع عنه ، ونضحي من أجله فوطنك هو بيتك و أهلك ومالك .
قال الله تعالي : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
﴾ (سورة آل عمران: ١٦٩
)
وعن سعيد بن زيد - رضي الله عنه - أحد العشرة
المبشرين بالجنة قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - : " مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ .
ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ . ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ ،
ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ "رواه الترمذي حديث صحيح .
- وأن ندعو له بالأمن والأمان والرخاء والاستقرار فقد دعا الانبياء
عليهم السلام لأوطانهم مع ما لاقوه من أقوالهم من الأذي قال الله تعالي : ﴿ وَإِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ
مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ
قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِير ﴾(سوره البقرة
:١٢٦)
وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه
- قال : "كانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤُوا به إلى النبيِّ
صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه
وَسَلَّمَ، قالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا في مَدِينَتِنَا،
وَبَارِكْ لَنَا في صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا في مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ
عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وإنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وإنَّه دَعَاكَ لِمَكَّةَ،
وإنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بمِثْلِ ما دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ معهُ، قالَ:
ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ له فيُعْطِيهِ ذلكَ الثَّمَرَ. " أخرجه مسلم (1373) .
اللهم احفظ مصر واهلها من كل مكروه وسوء اللهم أجعل بلدنا مصر أمنا أمانا سخاء رخاء ، وسائر
بلاد المسلمين .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلَكُ عِلْمًا نَافِعًا،
ورزقا طيباً ، وَعَمَلًا صَالِحًا متقبلا ،
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنا دِينَنَا الَّذِي
هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا، وَأَصْلِحْ لَنا دُنْيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ
لَنا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنا فِي
كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنا مِنْ كُلِّ شَرٍّ .
اللَّهُمَّ صَلِّ وسلم وبارك عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين