recent
أخبار عاجلة

لاتتمنوا لقاء العدو الشيخ عبدالناصربليح

لا تتمنوا لقاء العدو

 


الحمد لله رب العالمين، أمرنا بالصبر والثبات، ونهانا عن التهور والاعتداء، وجعل العاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله خير زاد، وأعظم عدة في مواجهة الشدائد والمحن.

أيها المسلمون، إن الإسلام دين القوة والعزة، ولكنه أيضًا دين الحكمة والرحمة، لا يدعو إلى الجبن ولا يرضى بالذل، وفي الوقت نفسه لا يدعو إلى التهور، ولا إلى سفك الدماء، ولا إلى التمني الأعمى للحروب والفتن.

لقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة عظيمة في التعامل مع الأعداء، فقال:

"لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا"( متفق عليه).


تأملوا، رحمكم الله، هذه الوصية النبوية العظيمة: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا وقع اللقاء فلا تنهزموا أمام الخوف، بل اصبروا وثبتوا.

فما معنى هذا الحديث؟ ولماذا نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو؟

أولًا: لا تتمنوا الحرب، ولكن استعدوا لها

عباد الله، إن الحرب ليست نزهة، وليست كلمات تُقال في المجالس، ولا شعارات تُرفع دون تقدير للعواقب؛ فالحرب دماء وأرواح، وأسرٌ ويتم، وخراب للبيوت، وضياع لمصالح الناس، وقد تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.

ولذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو؛ لأن الإنسان لا يعلم ما تخفيه الحروب من ابتلاءات ومصائب، ولا يدري أيعود منها سالمًا أم يفقد عزيزًا أو وطنًا أو أمنًا.

وليس معنى ذلك أن المسلم يفر من واجبه، أو يتنازل عن أرضه وكرامته، أو يترك وطنه فريسة للعدوان، وإنما المعنى ألا يتمنى البلاء، وألا يستعجل المواجهة، وأن يجعل السلام والعافية مقصدًا ما داما ممكنين، وأن يستعد لحماية الحق إذا فُرضت عليه المواجهة.

فالمؤمن العاقل لا يبحث عن الحرب، ولكنه لا يستسلم للظلم، ولا يفرط في الحقوق.

ثانيًا: اسألوا الله العافية

أيها المؤمنون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ».

والعافية نعمة عظيمة تشمل سلامة الدين والبدن، وأمن الأوطان، واستقرار المجتمعات، وحقن الدماء، ونجاة الناس من الفتن.

كم من إنسان لا يعرف قيمة الأمن إلا حين يفقده! وكم من أسرة كانت تنام مطمئنة، ثم أصبحت تبحث عن مأوى آمن! وكم من طفل حُرم أباه، وكم من أمٍّ فقدت ولدها، وكم من وطن دفع ثمن الصراعات سنوات طويلة!

قال الله تعالى:

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61].

هذه آية عظيمة تؤكد أن السلم إذا تحقق على وجه يحفظ الحقوق ويدفع العدوان، فهو باب من أبواب الحكمة، وأن قبول السلام ليس ضعفًا، بل قد يكون عين القوة وحسن التدبير.

إن الأمة التي تستطيع أن تحمي نفسها، وتحفظ حقوقها، وتمنع سفك الدماء، وتبني مستقبل أبنائها، أمة تعرف كيف تجمع بين القوة والحكمة.

ثالثًا: إذا فُرضت المواجهة فالصبر والثبات

عباد الله، إن النهي عن تمني لقاء العدو لا يعني الفرار عند المواجهة، ولا ترك الواجب، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا».

فإذا وقع العدوان، وفُرضت المواجهة، وجب الثبات وأداء الواجب المشروع، مع الالتزام بأحكام الشرع، وحفظ حقوق الأبرياء، وعدم الاعتداء على من لا يجوز الاعتداء عليه.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45].

فالثبات ليس تهورًا، والشجاعة ليست اندفاعًا بلا حساب، وإنما الشجاعة الحقيقية أن يؤدي الإنسان واجبه بحكمة، وأن يصبر عند الشدائد، وألا تستخفه العواطف أو تدفعه الشائعات إلى قرارات يندم عليها.

رابعًا: القوة الحقيقية في منع العدوان وحماية الأوطان

أيها المسلمون، إن من الخطأ أن نظن أن الاستعداد للسلام يعني إهمال القوة، كما أن من الخطأ أن نظن أن امتلاك القوة يوجب الدخول في كل مواجهة.

إن القوة الحقيقية هي التي تحمي ولا تعتدي، وتردع الظالم ولا تظلم، وتحفظ أمن البلاد ولا تعرض أبناءها للخطر بغير ضرورة.

ومن واجب الأمة أن تأخذ بأسباب القوة في العلم والصناعة والاقتصاد والتكنولوجيا، وأن تحافظ على وحدة صفها، وأن تربي أبناءها على المسؤولية والانضباط، وأن تحارب الفساد والجهل والتنازع؛ فالأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما تُحمى بالعمل والإعداد وحسن التدبير.

قال الله تعالى:"وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].

فالإعداد واجب، والحكمة مطلوبة، والسلام غاية كريمة متى حفظ الحقوق، والدفاع المشروع مسؤولية حين يقع العدوان.

خامسًا: احذروا من دعاة الفتن وإشعال الحروب

عباد الله، من أخطر ما تواجهه المجتمعات أن يظهر من يستهين بدماء الناس، أو يدعو إلى الحرب دون أن يتحمل عواقبها، أو ينشر الشائعات التي تثير الكراهية وتدفع الناس إلى الفتنة.

فلا تجعلوا عواطفكم أسيرة لكل خبر، ولا تصدقوا كل دعوة إلى الصدام، ولا ترددوا كلامًا لا تعلمون عواقبه.

قال الله تعالى:وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

إن الكلمة قد تطفئ فتنة، وقد تشعل حربًا، وقد تحفظ دمًا، وقد تكون سببًا في ضياع أمن مجتمع كامل.

فكونوا دعاة سلام عادل، وحكمة وبصيرة، ولا تكونوا وقودًا للفتن.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد، فيا عباد الله:

إن وصية النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ» ليست مجرد توجيه في ميدان الحرب، وإنما هي منهج في الحياة كلها؛ فلا تتمنَّ الشدائد، ولا تستعجل البلاء، ولا تفتح أبواب الخصومة بغير حق، ولكن كن مستعدًا للصبر والثبات إذا نزلت بك المحنة.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ"، ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ"(متفق عليه).

لا تتمنوا لقاء العدو: نهي إرشادي وتربوي عن طلب الحرب ومواجهة الأعداء تمنياً واختياراً، لأن الحرب فيها المخاطر والمهالك.

  سلوا الله العافية: طلب السلامة من الفتن والمحن والبلاء، والعافية تشمل حفظ الدين والبدن والأهل والدنيا.

  فإذا لقيتموهم فاصبروا: إذا وقعت المواجهة ولم يكن هناك مفر، فالواجب الثبات وعدم الفرار.

  الجنة تحت ظلال السيوف: إشارة إلى أن الشهادة في سبيل الله والصبر في المعركة طريق موصل إلى الجنة.

  حكمة النهي: التمني قد يورث الإعجاب بالنفس، والغرور، والاتكال على القوة الذاتية بدلاً من التوكل على الله. ويمكنكم


وما أحوجنا اليوم إلى أن نغرس في أبنائنا حب الوطن، واحترام الإنسان، وحماية الممتلكات، ورفض الظلم، والوعي بخطورة الفتن، وأن نعلمهم أن السلام ليس خنوعًا، وأن القوة ليست عدوانًا، وأن حفظ الأرواح مقصد عظيم من مقاصد الشريعة.

اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من الفتن والحروب، ما ظهر منها وما بطن.

اللهم احقن دماء المسلمين، وأصلح ذات بينهم، وألّف بين قلوبهم، واهدهم سبل السلام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لما فيه الخير والعدل وصيانة الدماء وحفظ الأوطان.

اللهم انصر المظلومين، ورد المعتدين عن عدوانهم، واحفظ الأبرياء والضعفاء، واجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.

اللهم ارزقنا الحكمة في القول والعمل، والبصيرة عند الفتن، والصبر عند الشدائد، والثبات على الحق

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

google-playkhamsatmostaqltradent