الذَّوْقُ وَجَمَالُ السُّلُوكِ.. صِبْغَةُ اللَّهِ فِي حَيَاتِنَا

إِنَّ الْحَمْدَ
لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ
أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ
لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ الْجَمِيلُ الَّذِي مَلَأَ الْكَوْنَ بِجَمَالِهِ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ،
أَجْمَلُ النَّاسِ خَلْقاً وَخُلُقاً , يَقُولُ الشَّاعِرُ فِي مَدْحِ جَمَالِ الْمُصْطَفَى
ﷺ وَأَثَرِهِ:
خُلِقْتَ مُبَرَّأً
مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ... كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ
وَأَجْمَلُ مِنْكَ
لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنٌ ... وَأَكْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ،
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: تَخَيَّلُوا بَيْتاً بَنَاهُ صَاحِبُهُ بِأَفْخَمِ الْأَحْجَارِ،
وَرَفَعَ أَعْمِدَتَهُ بِأَقْوَى الْحَدِيدِ، لَكِنَّهُ تَرَكَ نَوَافِذَهُ مُحَطَّمَةً،
وَأَبْوَابَهُ مُشَوَّهَةً، وَجُدْرَانَهُ تَنْبَعِثُ مِنْهَا رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ!
هَلْ يَطِيبُ فِيهِ الْعَيْشُ؟ وَهَلْ يَقْبَلُهُ عَقْلٌ؟ كَذَلِكَ هُوَ حَالُ مَنْ
يَظُنُّ أَنَّ الدِّينَ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَطْ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى النَّاسِ
بِخُلُقٍ جَافٍّ، وَلِسَانٍ حَادٍّ، وَسُلُوكٍ خَالٍ مِنَ الذَّوْقِ وَالْأَدَبِ!
إِنَّ الْقُرْآنَ
الْعَظِيمَ يَخْتَصِرُ لَنَا حَقِيقَةَ هَذَا الدِّينِ فِي كَلِمَاتٍ تَأْخُذُ بِالْأَلْبَابِ،
حَيْثُ يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ عَنْ أَهْلِ الْفَضْلِ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ
مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ الحج: 24.
أَيُّهَا النَّاسُ:
تَعَالَوْا نَرْجِعْ بِهَذَا الْجَمَالِ إِلَى مَصْدَرِهِ الْأَصِيلِ؛ فَإِنَّ جَمَالَ
السُّلُوكِ لَيْسَ صِنَاعَةً بَشَرِيَّةً جَافَّةً، بَلْ هُوَ نَفْحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ.
اسْمَعُوا إِلَى حَبِيبِكُمْ ﷺ وَهُوَ يُؤَصِّلُ
لِهَذَا الْمَعْنَى الْعَظِيمِ فَيَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»
رواه مسلم.
اللَّهُ جَمِيلٌ
فِي ذَاتِهِ، وَأَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَكُلُّ حُسْنٍ فِي هَذَا
الْكَوْنِ الْفَسِيحِ هُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ جَمَالِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَكُلُّ جَمَالٍ
تَرَاهُ عَيْنُكَ فِي الْكَوْنِ فَإِنَّمَا هُوَ صُنْعُ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ
شَيْءٍ خَلَقَهُ. عِنْدَمَا يَتَفَكَّرُ الْمُؤْمِنُ فِي هَذَا الْجَمَالِ الْإِلَهِيِّ،
يَفِيضُ النُّورُ فِي قَلْبِهِ، فَيَمْتَلِئُ النَّبْضُ تَعْظِيماً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،
وَتَوْقِيراً لَهُ، وَخَشْيَةً مِنْهُ، وَاسْتِقَامَةً لِأَمْرِهِ. وَمِنْ هُنَا يَا
عِبَادَ اللَّهِ يَنْصَبِغُ الْقَلْبُ بِتِلْكَ الصِّبْغَةِ الرَّبَّانِيَّةِ الْفَرِيدَةِ
الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ
مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ البقرة: 138.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ
الْأَحْبَابُ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هِيَ "صِبْغَةُ اللَّهِ؟
إِنَّ الصِّبْغَةَ
فِي لُغَةِ الْعَرَبِ هِيَ اللَّوْنُ الَّذِي يُحِيطُ بِالثَّوْبِ كُلِّهِ فَيُغَيِّرُ
حَقِيقَتَهُ, وَصِبْغَةُ اللَّهِ هِيَ هَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ الْفِطْرَةُ
النَّقِيَّةُ الَّتِي إِذَا دَخَلَتْ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ صَبَغَتْهُ كُلَّهُ! فَلَا
يَكُونُ إِيمَانُهُ مُجَرَّدَ قِشْرَةٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ يَتَغَلْغَلُ فِي دَمِهِ،
وَيَنْصَبِغُ بِهِ عَقْلُهُ وَتَفْكِيرُهُ، وَتَتَلَوَّنُ بِهِ جَوَارِحُهُ.
إِنَّهَا الصِّبْغَةُ
الَّتِي تُحَوِّلُ الْجَفَاءَ إِلَى رَحْمَةٍ، وَالْغِلْظَةَ إِلَى رِفْقٍ، وَالْقُبْحَ
إِلَى جَمَالٍ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}؟
لَا أَحَدَ!
فَكُلُّ صِبْغَةٍ
بَشَرِيَّةٍ تَزُولُ وَتَبْهَتُ، إِلَّا صِبْغَةَ اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا تَزْدَادُ مَعَ
الْأَيَّامِ بَرَاءً وَنَقَاءً، وَتَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ يَسْتَقِيمُ لِأَمْرِ رَبِّهِ،
وَيَنْفِرُ تِلْقَائِيّاً مِنَ الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ, لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ قُبْحٌ
وَظُلْمَةٌ، وَالْقَلْبَ الَّذِي انْصَبَغَ بِجَمَالِ اللَّهِ لَا يَقْبَلُ إِلَّا
الطَّهَارَةَ وَالْجَمَالَ.
أَيُّهَا النَّاسُ:
تَدَبَّرُوا مَعِي مَوْطِناً عَمَلِيّاً يَتَجَلَّى فِيهِ هَذَا الِارْتِبَاطُ, فَقَدْ
كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ إِذَا وَقَفَ أَمَامَ الْمِرْآةِ فَنَظَرَ إِلَى
حُسْنِ وَجْهِهِ وَجَمَالِ خِلْقَتِهِ، لَا يَنْسَى أَنْ يَرْبِطَ هَذَا الْجَمَالَ
الظَّاهِرَ بِالْجَمَالِ الْبَاطِنِ، فَيَقُولُ دَاعِياً رَبَّهُ كما جاء في السُّنَّةِ
الصَّحِيحِ: «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي» رواه أحمد والْبَيْهَقِيُّ.
فتأمّل هُنَا يَا
عِبَادَ اللَّهِ: واعلم أنَّ لِكُلِّ جَمَالٍ
أَمْرَاضاً وَمُشَوِّهَاتٍ، وَإِنَّ تَقْبِيحَ الْأَخْلَاقِ هُوَ الَّذِي يُشَوِّهُ
جَمَالَ الصُّورَةِ.
و لِكَيْ يَدُومَ
هَذَا الْجَمَالُ الرَّبَّانِيُّ عَلَيْكَ، فَلَا بُدَّ أَنْ تُؤَدِّيَ شُكْراً لِهَذِهِ
النِّعْمَةِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ
النِّعْمَةِ نَفْسِهَا! فَمَا دَامَ اللَّهُ قَدْ أَعْطَاكَ وَجْهاً حَسَناً وَبَدَناً
سَوِيّاً، فَشُكْرُهُ أَنْ تُكْرِمَ وُجُوهَ النَّاسِ؛ فَلَا تُقَبِّحَهَا بِالْكَلامِ
الْجَارِحِ، وَلَا تَمْتَدَّ يَدُكَ لِتَضْرِبَ أَحَداً عَلَى وَجْهِهِ! لَقَدْ نَهَانَا
النَّبِيُّ ﷺ نَهْياً مُغَلَّظاً فَقَالَ: «إِذَا قَاتَلَ
أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ» متفق عليه .
إِنَّ تَجَنُّبَ
ضَرْبِ الوَجْهِ تَمَامًا —سَوَاءً فِي لَحَظَاتِ الغَضَبِ، أَوِ التَّأْدِيبِ، أَوِ
الخِلَافَاتِ الأُسَرِيَّةِ— هُوَ قِمَّةُ الوَعْيِ وَالذَّوْقِ. فَالوَجْهُ هُوَ أَشْرَفُ
مَا فِي الإِنْسَانِ، وَإِهَانَتُهُ كَسْرٌ لِلنَّفْسِ لَا يَنْجَبِرُ.
وَمِنْ هُنَا جَاءَ
التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ الصَّارِمُ فِي قَوْلِهِ ﷺ: "لَا تَضْرِبِ
الوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ"؛ لِيَكُونَ سِيَاجًا حَامِيًا لِكَرَامَةِ الإِنْسَانِ.
وَفِي هَذَا النَّهْيِ أَعْظَمُ تَعْقِيبٍ عَلَى مَكَانَةِ الآدَمِيِّ؛ إِذْ يَجْمَعُ
بَيْنَ حِمَايَةِ الجَسَدِ مِنْ التَّشْوِيهِ، وَحِمَايَةِ النَّفْسِ مِنَ المَهَانَةِ
وَالتَّقْلِيلِ.
إِنَّ التِزَامَنَا
بِعَدَمِ مَسَاسِ الوَجْهِ بِأَيِّ أَذًى لَفْظِيٍّ أَوْ بَدَنِيٍّ هُوَ تَجْسِيدٌ
حَيٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، وَتَحْوِيلٌ لِلسُّنَّةِ
النَّبَوِيَّةِ إِلَى سُلُوكٍ حَضَارِيٍّ يَوْمِيٍّ يَضْمَنُ مُجْتَمَعًا آمِنًا وَمُحْتَرَمًا.
وإن مِنْ كُفْرَانِ
نِعْمَةِ الْجَمَالِ أَنْ تَسْتَخْدِمَ كَمَالَ خِلْقَتِكَ فِي لَطْمِ وُجُوهٍ كَرَّمَهَا
اللَّهُ، أَوْ أَنْ تَقُولَ لِإِنْسَانٍ "قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ"!
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ
الْأَحْبَابُ: إِذَا شَكَرَ الْمَرْءُ نِعْمَةَ الْجَمَالِ مِنْ جِنْسِهَا، انْعَكَسَ
ذَلِكَ فِي كُلِّ شُؤُونِهِ الَّتِي تَتَعَمَّقُ فِي الْحَيَاةِ؛ فَيَظْهَرُ الْجَمَالُ
جَلِيّاً فِي تَوْقِيرِ الْوَالِدَيْنِ وَبِرِّهِمَا، وَالِاسْتِئْذَانِ عَلَيْهِمَا
أَدَبًا وَحَشْمَةً وَإِجْلَالاً، وَيَظْهَرُ هَذَا الْجَمَالُ فِي أَدَبِ الِاسْتِئْذَانِ
بِكُلِّ صُوَرِهِ فِي الْبُيُوتِ وَالْمَجَالِسِ، فَلَا تَقْتَحِمُ عَيْناً بَيْتاً،
وَلَا تَدْخُلُ قَدَمٌ دَاراً إِلَّا بِإِذْنٍ وَأَنَسٍ وَيَظْهَرُ الْجَمَالُ رَاقِياً
فِي عَدَمِ جَرْحِ مَشَاعِرِ النَّاسِ، فَلَا نَبْزَ، وَلَا لَمْزَ، وَلَا كَلِمَةَ
سُوءٍ تُكْسَرُ بِهَا الْقُلُوبُ.
وَيَظْهَرُ الْجَمَالُ
أَخِيراً بِبُعْدِنَا عَنْ أَذِيَّةِ الْجَارِ، فَالْمُؤْمِنُ صَبَغَتْهُ الْأَخْلَاقُ
فَيَكُونُ حَسَنَ الْعِشْرَةِ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ، رَفِيقاً بِجِيرَانِهِ، سَمْحاً
مَعَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وَلَقَدْ تَرَبَّى
الصَّحَابَةُ عَلَى جَمَالِ اللَّفْظِ وَجَمَالِ السُّلُوكِ، فَهَذَا الفَارُوقُ عُمَرُ
بْنُ الخَطَّابِ يَمُرُّ بِقَوْمٍ قَدْ أَشْعَلُوا نَاراً، فَيَقُولُ -بَدَلَ أَنْ
يَقُولَ لَهُمْ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَوْ يَا أَصْحَابَ النَّارِ- نَادَاهُمْ بِذَوْقٍ
رَفِيعٍ قَائِلاً: يَا أَهْلَ الضَّوْءِ. وَسَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ كَانَ
يَتَكَلَّمُ عَنْ فُحْشِ القَوْلِ، وَيُمْسِكُ بِلِسَانِهِ فَيَقُولُ: هَذَا الَّذِي
أَوْرَدَنِي المَوَارِدَ؛ فهَذَا من الذَّوْقِ العَامِّ.
وَلَكِنْ هل تأملنا
واقعنا اليوم؟ وَآهٍ مِنْ وَاقِعٍ نَعِيشُهُ الْيَوْمَ! انْظُرُوا إِلَى مَجَالِسِنَا
وَشَاشَاتِ هَوَاتِفِنَا فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، كَيْفَ أَصْبَحَ
السَّبُّ، وَالتَّهَكُّمُ، وَسُخْرِيَةُ التَّعْلِيقَاتِ خَلْفَ أَسْمَاءَ مُسْتَعَارَةٍ
أَمْراً مُعْتَاداً؟
أَيْنَ نَحْنُ
مِنْ طِيبِ الْقَوْلِ الَّذِي أَثْمَرَهُ تَعْظِيمُ اللَّهِ؟
إِنَّ انْتِقَاءَ
الْكَلِمَاتِ يُرَمِّمُ الْعَلَاقَاتِ، وَإِذَا لَمْ تُطَهِّرْ حُرُوفَكَ الرَّقْمِيَّةَ،
فَأَنْتَ لَمْ تَذُقْ كَمَالَ الْهِدَايَةِ بَعْدُ.
وَمِنْ ذَوْقِ
الكَلِمَةِ إِلَى جَمَالِ الِاسْتِمَاعِ؛ فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَداً يَتَحَدَّثُ أَنْصَتَ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ
مِنْ قَبْلُ، وَقَدْ سَمِعَهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الـمُتَكَلِّمُ! يَا لَهُ مِنْ ذَوْقٍ
رَفِيعٍ."
"مُتَعَلِّماً هَذَا الـمَنْهَجَ مِنْ سَيِّدِنَا
رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ
مَعَ أَحَدٍ —حَتَّى خُصُومِهِ— أَنْصَتَ إِلَيْهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: أَفَرَغْتَ؟
ثُمَّ يَتَحَدَّثُ مَعَهُ. وَإِذَا وَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ فِي يَدِهِ، لَا يَنْزِعُ
رَسُولُ اللهِ يَدَهُ حَتَّى يَنْزِعَ الطَّرَفُ الآخَرُ يَدَهُ. ما أعظمه من جمال!
وهَذَا عَطَاءُ
بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِ فَأُنْصِتُ
لَهُ كَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ قَطُّ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ"!
يَا لَهُ مِنْ ذَوْقٍ فِي الْمَجَالِسِ فَقَدْنَا كَثِيرًا مِنْهُ الْيَوْمَ!
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الدِّينَ
الإِسْلَامِيَّ لَيْسَ جَفَافًا فِي الْمَشَاعِرِ وَلَا غِلْظَةً فِي التَّعَامُلِ،
بَلْ هُوَ نَبْعٌ مِنَ الْجَمَالِ وَالذَّوقِ الرَّفِيعِ. وَالذَّوقُ فِي الإِسْلَامِ
لَيْسَ كَمَالِيًّا، بَلْ هُوَ جُزْءٌ عَمِيقٌ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ الَّذِي قَالَ
عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ
لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» رواه أبو داود , زعيم أي ضامن.
وَمِنْ أَبْهَى
صُوَرِ هَذَا الذَّوقِ التَّرْبَوِيِّ الرَّاقِي: أَدَبُ الِاسْتِئْذَانِ دَاخِلَ الْبَيْتِ
الْوَاحِدِ، وَتَحْدِيدًا عَلَى الْوَالِدَيْنِ, فَالْبَعْضُ يَظُنُّ خَطَأً أَنَّ
الْقُرْبَ وَالْمَحَبَّةَ تُسْقِطُ الْحُشْمَةَ وَالرَّسْمِيَّاتِ، وَهَذَا خَلَلٌ
تَرْبَوِيٌّ جَسِيمٌ؛ فَالْأَبَوَانِ لَهُمَا خُصُوصِيَّةٌ تَامَّةٌ، وَلَا يَجُوزُ
لِلْأَبْنَاءِ -كِبَارًا كَانُوا أَوْ صِغَارًا- أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِمَا فِي غُرْفَةِ
نَوْمِهِمَا إِلَّا بَعْدَ طَرْقٍ وَإِعْلَامٍ.
لَقَدْ أَدَّبَنَا
القُرْآنُ الْكَرِيمُ بِذَلِكَ حَتَّى فِي أَوْقَاتِ الرَّاحَةِ، فَقَالَ تَعَالَى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ
الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ
الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} النور58, ثُمَّ يَقُولُ سُبْحَانَهُ فِي الآيَةِ
الَّتِي تَلِيهَا مُؤَكِّدًا: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا
كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} النور 59.
فَهَذَا تَوْجِيهٌ
رَبَّانِيٌّ لِحِفْظِ هَيْبَةِ الْأَبَوَيْنِ وَمَشَاعِرِهِمَا، كَيْ لَا يُفَاجَأَ
عَلَى حَالٍ لَا يُحِبَّانِ أَنْ يَرَاهُمَا أَحَدٌ عَلَيْهَا, سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أأَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَلَيْسَ
لَهَا خَادِمٌ غَيْرِي، أَفَأَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا كُلَّمَا دَخَلْتُ؟ قَالَ: «أَتُحِبُّ
أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟» قَالَ: لَا، قَالَ: (فَاسْتَأْذِنْ)
وَقَدْ صَاغَ الشَّاعِرُ
هَذَا الأَدَبَ بِقَوْلِهِ:
يَا دَاخِلَ الْبَيْتِ
خَفِّضْ مِنْ تَطَلُّعِهِ ... إِنَّ الْبُيُوتَ لَهَا سِتْرٌ وَأَسْرَارُ
وَاسْتَأْذِنِ
النَّاسَ فِي لُطْفٍ وَفِي أَدَبٍ ... فَالذَّوْقُ طَبْعٌ لَهُ فِي الدِّينِ مِقْدَارُ
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
إِذَا كَانَ هَذَا
الِاحْتِرَامُ لِلْخُصُوصِيَّةِ وَاجِبًا مَعَ الْوَالِدَيْنِ، فَهُوَ كَذَلِكَ بَيْنَ
الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ دَاخِلَ الْمَنْزِلِ, فَمِنْ غِيَابِ الذَّوقِ التَّرْبَوِيِّ
أَنْ يَقْتَحِمَ الأَخُ غُرْفَةَ أُخْتِهِ أَوْ أَخِيهِ دُونَ طَرْقٍ، أَوْ أَنْ يَتَسَلَّلَ
لِيُفَتِّشَ فِي أَدْرَاجِهِمْ، أَوْ يَقْرَأَ مُذَكَّرَاتِهِمْ وَرَسَائِلَهِمْ بِحُجَّةِ
" :نَحْنُ إِخْوَةٌ وَلَا أَسْرَارَ بَيْنَنَا !" لَا يَا عِبَادَ اللهِ،
فَالْتَعاليم الْإسلاميَةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ فِي الْبَيْتِ حُرْمَتَهُ
وَمُمْتَلَكَاتِهِ، وَالتَّعَدِّي عَلَيْهَا يُورِثُ الشَّحْنَاءَ وَيَنْزَعُ الْبَرَكَةَ
وَالأَمَانَ.
إِنَّ جَمَالَ
الذَّوقِ الإِسْلَامِيِّ يَقُومُ عَلَى مَبْدَأٍ حَاسِمٍ: عَدَمُ اخْتِرَاقِ خُصُوصِيَّاتِ
الآخَرِينَ. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ
الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» متفق عليه.
وَلِعِظَمِ هَذَا
الأَمْرِ، وَشَنَاعَةِ التَّطَفُّلِ، جَاءَ التَّشْدِيدُ النَّبَوِيُّ الزَّاجِرُ؛
فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ
أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ
عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ» وفي روايةٍ أُخْرَى: «فَلَا دِيَةَ لَهُ
وَلَا قِصَاصَ».
وَهُنَا نَقِفُ
وَقْفَةً تَرْبَوِيَّةً بَلِيغَةً نَرْبِطُهَا بِوَاقِعِنَا:لِمَاذَا أَهْدَرَ الشَّرْعُ
عَيْنَ هَذَا النَّاظِرِ؟ لِأَنَّهُ حِينَمَا نَظَرَ مِنْ ثَقْبِ الْبَابِ، فَقَدْ
سَرَقَ أَمَانَ الْبَيْتِ وَهَتَكَ سِتْرَهُ. وَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ!
فَمَا نَرَاهُ الْيَوْمَ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ مِنَ التَّطَفُّلِ الرَّقْمِيِّ
هُوَ عَيْنُ ذَلِكَ الْجُرْمِ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ:
• إِنَّ الَّذِي يَجْلِسُ بِجَانِبِ أَخِيهِ أَوْ
صَدِيقِهِ فَيَمُدُّ عَيْنَيْهِ لِيَقْرَأَ مَا يَكْتُبُهُ عَلَى شَاشَةِ هَاتِفِهِ،
هُوَ كَمَنْ يَنْظُرُ فِي ثَقْبِ الْبَابِ تَمَامًا!
• وَإِنَّ الَّذِي يَتَسَلَّلُ فِي غِيَابِ صَاحِبِهِ
لِيَفْتَحَ هَاتِفَهُ وَيَقْرَأَ رَسَائِلَهُ الخَاصَّةَ، فَقَدْ هَدَمَ جَمَالَ الذَّوقِ
وَاقْتَرَفَ إِثْمًا. فَالْهَاتِفُ الْيَوْمَ هُوَ بَيْتُ الإِنْسَانِ الْمَعْنَوِيُّ
وَصُنْدُوقُ أَسْرَارِهِ، وَلَا يَجُوزُ دُخُولُهُ إِلَّا بِإِذْنٍ طَيِّبٍ.
فَاتَّقُوا اللهَ
وَاحْفَظُوا عُيُونَكُمْ، وَتَأَدَّبُوا بِأَدَبِ الْقُرْآنِ؛ {وَإِن قِيلَ لَكُمُ
ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}
النور 28.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ
الْأَحْبَابُ: وَمِنْ طِيبِ الْقَوْلِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ يَنْسَابُ صِرَاطُ الْجَمَالِ
سَلِساً لِيَصِلَ إِلَى عَتَبَةِ جَارِكَ، فَكَيْفَ يَعِيشُ الْمُؤْمِنُ صِبْغَةَ اللَّهِ
وَجَارُهُ يَشْتَكِي مِنْ أَذَاهُ بِإِلْقَاءِ النِّفَايَاتِ أَوْ إِغْلَاقِ الْمَوَاقِفِ؟
حَذَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَشَدِّ الْعِبَارَاتِ فَقَالَ: «وَاللَّهِ
لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ»، قِيلَ: وَمَنْ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» رواه البخاري.
بَوَائِقَهُ: أي غشمه وظلمه.
وَتَأَمَّلُوا
كَيْفَ أَثَّرَ هَذَا الْجَمَالُ فِي النُّفُوسِ؛ كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ
جَارٌ يَهُودِيٌّ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ، فَقِيلَ لَهُ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِأَلْفَيْنِ!
قَالُوا: دَارُكَ لَا تُسَاوِي إِلَّا أَلْفاً. قَالَ: صَدَقْتُمْ، أَلْفٌ لِلدَّارِ،
وَأَلْفٌ لِجِوَارِ ابْنِ الْمُبَارَكِ! فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الْمُبَارَكِ
أَعْطَاهُ الْمَالَ وَقَالَ: لَا تَبِعْ دَارَكَ. فَأَيْنَ هَذَا الْجَمَالُ الرَّبَّانِيُّ
مِمَّنْ يُؤْذِي جَارَهُ أَوْ يَجْرَحُ مَشَاعِرَ النَّاسِ الْيَوْمَ؟!
عِبَادَ اللَّهِ:
انْصِتُوا مَعِي إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي تَهْتَزُّ لَهَا النُّفُوسُ
شَوْقاً لِجَمَالِ الْإِسْلَامِ؛ لَقَدْ كَانَ لِلْإِمَامِ ال الْمُبَارَكِ أيضا جَارٌ
شَابٌّ إِسْكَافِيٌّ، كَانَ هَذَا الشَّابُّ يَعْمَلُ طَوَالَ النَّهَارِ، فَإِذَا
جَاءَ اللَّيْلُ اشْتَرَى لَحْماً وَخَمْراً، فَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، ثُمَّ يُغَنِّي
بِأَعْلَى صَوْتِهِ مُزْعِجاً ابْنَ الْمُبَارَكِ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، وَكَانَ
دَائِماً يُرَدِّدُ بَيْتَ شِعْرٍ وَاحِدٍ يَبْكِي بِهِ عَلَى حَالِهِ قَائِلاً : أَضَاعُونِي
وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ
وَابْنُ الْمُبَارَكِ
الْجَارُ الصَّابِرُ يَسْمَعُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَلَا يَفْضَحُهُ وَلَا يَطْرُدُهُ،
بَلْ يَعْذِرُهُ وَيَسْتُرُهُ. وَفِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، سَادَ الْهُدُوءُ،
وَلَمْ يَسْمَعِ ابْنُ الْمُبَارَكِ صَوْتَ جَارِهِ الشَّابِّ! فَلَمَّا أَصْبَحَ،
سَأَلَ عَنْهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: لَقَدْ أَخَذَتْهُ الشُّرْطَةُ لَيْلَةَ أَمْسِ وَهُوَ
مَحْبُوسٌ فِي السِّجْنِ. فَمَاذَا فَعَلَ هَذَا الْإِمَامُ؟ هَلْ شَمِتَ فِيهِ؟
هَلْ قَالَ لَقَدْ
أَرَاحَنِي اللَّهُ مِنْ أَذَاهُ وَمِنْ صَوْتِ خَمْرِهِ وَغِنَائِهِ؟ لَا وَاللَّهِ!
بَلْ رَكِبَ دَابَّتَهُ وَذَهَبَ فَوْراً إِلَى الْأَمِيرِ، وَشَفَعَ لَهُ عِنْدَهُ،
وَدَفَعَ فِدْيَةً عَنْهُ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ حَتَّى أُطْلِقَ سَرَاحُ الشَّابِّ.
فَلَمَّا خَرَجَ
الشَّابُّ وَرَأَى ابْنَ الْمُبَارَكِ يَنْتَظِرُهُ، رَكِبَ مَعَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ
ابْنُ الْمُبَارَكِ بِتَبَسُّمٍ عَمِيقٍ وَذَوْقٍ رَفِيعٍ، وَقَالَ لَهُ كَلِمَةً زَلْزَلَتْ
كِيَانَهُ: «يَا فَتَى.. هَلْ أَضَعْنَاكَ؟!
فَبَكَى الشَّابُّ
كَثِيرًا وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، بَلْ حَفِظْتَ وَأَكْرَمْتَ، وَتَابَ مِنْ لَيْلَتِهِ
وَلَمْ يَعُدْ لِمَا كَانَ فِيهِ!
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ
الْأَحْبَابُ: إِنَّ هَذَا الْمَسلك الْعَظِيمَ يَفْتَحُ أَعْيُنَنَا عَلَى حَقِيقَةِ
الْذَّوْقِ الْإِسْلَامِيِّ؛ فَالذَّوْقُ وَحُسْنُ الْجِوَارِ لَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ
الصَّالِحِينَ فَحَسْبُ، وَلَا مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ كَذَلِكَ
أَيْضاً مَعَ الْعُصَاةِ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْآخَرِينَ!
إِنَّ الذَّوْقَ
الْحَقِيقِيَّ فِي دِينِنَا لَيْسَ فَقَطْ فِي أَنْ تَكُفَّ أَذَاكَ عَنِ الْجَارِ،
بَلِ الْجَمَالُ كُلُّ الْجَمَالِ فِي أَنْ تَصْبِرَ عَلَى أَذَاهُ، وَأَنْ تَتَحَمَّلَ
جَفَاءَهُ، وَتَحْتَوِيَهُ بِالرَّحْمَةِ بَدَلَ الْفَضِيحَةِ, وَإِنَّ الْقُرْآنَ
الْعَظِيمَ يَخْتَصِرُ لَنَا هَذَا الصِّرَاطَ حِينَمَا يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ
عَنْ أَهْلِ الْفَضْلِ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى
صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾
أَيُّهَا النَّاسُ:
ارْبِطُوا مَوْقِفَ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِوَاقِعِنَا الْيَوْمَ رَبْطاً دَقِيقاً تَرَوْا
حَجْمَ الْفَجْوَةِ!
كَيْفَ نَتَعَامَلُ
الْيَوْمَ مَعَ الْجَارِ الْمُخْطِئِ أَوِ الشَّابِّ الْمُقَصِّرِ؟ إِنَّ السَّاعَاتِ
الْأُولَى مِنَ الْخِلَافِ تَشْهَدُ الْفَضَائِحَ، وَقَطْعَ حِبَالِ الْجِوَارِ، وَالتَّشْهِيرَ
عَبْرَ الْمَجَالِسِ أَوْ شَاشَاتِ الْهَوَاتِفِ!
أَيْنَ نَحْنُ
مِنْ صِبْغَةِ اللَّهِ؟
إِنَّنا نَرَى
الْيَوْمَ فِي زَمَانِنَا مَنْ يَفْجُرُ فِي الْخُصُومَةِ مَعَ جَارِهِ أَوْ أَخِيهِ؛
فَمَا إِنْ يَخْتَلِفَا لِأَجْلِ مَوْقِفٍ وَاحِدٍ تِلْقَائِيٍّ، إِلَّا وَتَرَى الْعَجَبَ
الْعُجَابَ! تُفْشَى الْأَسْرَارُ، وَتُخَانُ الْأَمَانَاتُ، وَتَدُومُ الْقَطِيعَةُ
لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ تَمْتَدُّ لِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ سَنَةً! فَيُنْسَى كُلُّ
مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ عِدَّةَ سَنَوَاتٍ، وَيَجْعَلُ
ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ فَقَطْ كَأَنَّ هَذَا الْإِحْسَانَ لَمْ يَكُنْ
قَطُّ!
وَالْأَدْهَى مِنْ
ذَلِكَ أَنَّ مَظَاهِرَ هَذَا الْفُجُورِ تَجَاوَتْ كُلَّ الْحُدُودِ فِي شَوَارِعِنَا
وَأَحْيَائِنَا الْيَوْمَ؛ فَتَرَى الْخَصْمَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِأَقْبَحِ الْأَلْفَاظِ
وَأَرْذَلِهَا، وَيَخُوضُ فِي الْأَعْرَاضِ وَيَجْرَحُ فِي كَرَامَتِهِ، بَلْ وَيَصِلُ
الْأَمْرُ بِهِ إِلَى سَبِّ الدِّينِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهَ! وَهَذَا مُنَافٍ تَمَامًا
لِتَعَالِيمِ الْقُرْآنِ. إِنَّ مُجَرَّدَ رَفْعِ الصَّوْتِ الْعَالِي بِالْجَفَاءِ
نَهَى عَنْهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:
19].
فَإِذَا كَانَ
مُجَرَّدُ النَّبْرَةِ الْعَالِيَةِ مَذْمُومًا، فَكَيْفَ بِمَنْ يَخُوضُ فِي أَعْرَاضِ
الْمُحْصَنَاتِ وَيَسْتَخْدِمُ كُلَّ طُرُقِ الْأَذَى؟! وَكَيْفَ بِمَنْ يَجْرُؤُ عَلَى
سَبِّ دِينِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟! إِنَّ سَبَّ الدِّينِ كَلِمَةٌ تُوبِقُ الصَّاحِبَ
وَقَدْ تَصِلُ بِهِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ! إِنَّ الْفُجُورَ فِي
الْخُصُومَةِ يُوصِلُ الْمَرْءَ إِلَى خُسْرَانِ دِينِهِ تَمَامًا، وَخُسْرَانِ آخِرَتِهِ،
فَيَبِيعُ جَنَّتَهُ الْعَالِيَةَ بِسَاعَةِ غَضَبٍ لِيَهْوِيَ فِي ظُلُمَاتِ الْجَحِيمِ.
وَهَذَا هُوَ النِّفَاقُ الْخُلُقِيُّ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قَالَ:
«إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» متفق عليه. فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَنْهَى عَنْ هَذَا تَمَامًا
وَنَتَبَرَّأَ مِنْهُ.
أَيُّهَا النَّاسُ:
وَمِنْ بَيْتِ الْجَارِ يَمْتَدُّ صِرَاطُ الْحَمِيدِ لِيَشْمَلَ خُطُوَاتِنَا فِي
الشَّوَارِعِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ. فَالْإِيمَانُ لَهُ شُعَبٌ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ
ﷺ: «الْإِيمَانُ
بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً... وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى
عَنِ الطَّرِيقِ» متفق عليه.وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
"تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ
صَدَقَةٌ". وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِذَا رَأَى قَذًى فِي مَسْجِدٍ أَوْ
طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَخَذَهُ بِكُمِّهِ وَأَلْقَاهُ بَعِيداً طَهَارَةً وَأَدَباً.
فَالَّذِي يَقْطَعُ
الْإِشَارَةَ، أَوْ يُزَاحِمُ النَّاسَ بِسَيَّارَتِهِ، فَقَدْ حَرَمَ نَفْسَهُ مِنْ
فَيْضِ الْجَمَالِ الْإِلَهِيِّ وَنَقَضَ صِبْغَةَ اللَّهِ فِي سُلُوكِهِ. تَذَكَّرُوا
دَائِماً أَنَّ سُلُوكَكُمْ فِي الشَّارِعِ وَخَلْفَ الشَّاشَاتِ هُوَ الْمِرْآةُ الْحَقِيقِيَّةُ
لِصَلَاتِكُمْ فِي الْمَسَاجِدِ.
يَقُولُ الشَّاعِرُ
تَرْسِيخاً لِهَذَا الْأَدَبِ الْجَمِيلِ:
هِيَ الْأَخْلَاقُ
تَنْبُتُ كَالنَّبَاتِ ... إِذَا سُقِيَتْ بِمَاءِ الْمَكْرُمَاتِ
صَوِّنْ لِسَانَكَ
عَنْ لَغْوٍ وَعَنْ رَفَثٍ ... وَاجْعَلْ حَدِيثَكَ بِالْآدَابِ مَوْصُولَا
وَاحْفَظْ حُقُوقَ
جِوَارٍ نِلْتَ حُرْمَتَهُ ... كُنْ فِي الْخَلَائِقِ سَمْحاً بَرَّ مَجْبُولَا
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ
الْأَحْبَابُ:
ارْعَوْا لِي قُلُوبَكُمْ
وَأَسْمَاعَكُمْ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ، وَإِنَّمَا هِيَ حَيَاةٌ نَعِيشُهَا لِنَسْلُكَ
بَعْدَهَا طَرِيقَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إِمَّا طَرِيقُ الْجَنَّةِ وَإِمَّا طَرِيقُ
النَّارِ.
إِنَّ الْبَعْضَ
يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الذَّوْقَ هُوَ مِنْ بَابِ التَّرَفِ الْأَخْلَاقِيِّ، وَكَلَّا
وَاللَّهِ! إِنَّمَا هُوَ سِلْعَةُ اللَّهِ الْغَالِيَةُ، إِنَّمَا هُوَ سَعْيٌ دَؤُوبٌ
نَحْوَ الْجَنَّةِ. وَأَنَّى لَنَا بِالْجَنَّةِ؟! فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَتْ سَهْلَةَ
الْمَنَالِ، بَلْ هِيَ مَقَامٌ عَالٍ، مَهْرُهَا غَالٍ ثَمِينٌ، لَا يَنَالُهُ إِلَّا
مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ، وَرَاقَبَ رَبَّهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا إِنَّ
سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ» رواه الترمذي.
، تَدَبَّرُوا
عباد الله:
هَلْ يَلِيقُ بِأَحَدِنَا
أَنْ يَحْرِقَ هَذَا الْجَمَالَ الرَّبَّانِيَّ الَّذِي أَبْدَعَهُ اللَّهُ فِيكَ؟
لَقَدْ صَوَّرَكَ اللَّهُ فَأَحْسَنَ صُورَتَكَ، وَجَمَّلَ هَذِهِ الْخِلْقَةَ الْبَشَرِيَّةَ
وَرَفَعَ قَدْرَهَا، فَهَلْ يَكُونُ كِفَاءُ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ أَنْ
تُكْرِهَ هَذَا الْجَسَدَ، وَتَدْفَعَ بِهَذِهِ النَّفْسِ إِلَى النَّارِ بِسَبَبِ
سُوءِ خُلُقِكَ، أَوْ فُجُورِ خُصُومَتِكَ، أَوْ خَوْضِكَ فِي عِرْضِ أَخِيكَ؟!
وَاعْلَمُوا أَنَّ
شُكْرَ هَذِهِ النِّعَمِ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، بَلْ لَا يَكُونُ إِلَّا
بِاسْتِخْدَامِهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرِعَايَةِ عِبَادِهِ. فَلَا
يَصِحُّ أَنْ يُغَصَّ بِهَذِهِ النِّعَمِ الْمُجَمَّلَةِ فِي مَسَالِكِ الْمَعَاصِي
وَالْفُجُورِ! تَذَكَّرُوا أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَأَنَّ الِاخْتِيَارَ
الْيَوْمَ بَيْنَ يَدَيْكُمْ؛ فَمَنْ سَارَ فِي طَرِيقِ الْمَعَاصِي وَالْجَفَاءِ جَعَلَ
هَذِهِ الْأَبْدَانَ الَّتِي أَحْسَنَ اللَّهُ خَلْقَهَا تُشْوَى بِنَارِ جَهَنَّمَ،
حَيْثُ يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ
جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ النساء 56.
أَمَّا مَنْ سَارَ
فِي دَرْبِ الطَّاعَةِ، وَجَمَّلَ أَخْلَاقَهُ مَعَ الْجِيرَانِ وَالْخُصُومِ، فَمَآلُهُ
إِلَى نَعِيمٍ لَا يَنْفَدُ، حَيْثُ التَّكْرِيمُ وَالْجَمَالُ الْأَبَدِيُّ: ﴿وُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ القيامة 22-23.
يَا لَهُ مِنْ
جَمَالٍ أَبَدِيٍّ جَنَاهُ مَنْ حَفِظَ جَمَالَ الْخُلُقِ وَالذَّوْقِ مَعَ خَلْقِ
اللَّهِ!
فَيَا عِبَادَ
اللَّهِ، فَتَخَيَّرُوا أَيَّ الطَّرِيقَيْنِ تُرِيدُونَ؟! وَأَيَّ الْمَصِيرَيْنِ
تَطْلُبُونَ؟! إِنَّ الْوَاجِبَ الْإِيمَانِيَّ يَقْتَضِي مِنْكُمْ أَنْ تُكْرِمُوا
هَذِهِ الْخِلْقَةَ النَّقِيَّةَ، وَتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهَا بِطَاعَتِهِ،
فَلَا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ لِأَجْلِ نَزْوَةِ غَضَبٍ
أَوْ كَلِمَةِ جَفَاءٍ عَابِرَةٍ. أَجْمِلُوا فِي أَخْلَاقِكُمْ، تُرْحَمُوا فِي آخِرَتِكُمْ.
إِنَّ هَذَا الْجَمَالَ
السُّلُوكِيَّ الَّذِي تَحَدَّثْنَا عَنْهُ لَيْسَ نَافِلَةً نَخْتَارُهَا، بَلْ هُوَ
مِعْيَارٌ مَصِيرِيٌّ يَفْصِلُ بَيْنَ أَهْلِ النَّعِيمِ وَأَهْلِ الْجَحِيمِ. اسْمَعُوا
إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَقُصُّ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مَصِيرَ امْرَأَتَيْنِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
إِنَّ فُلَانَةَ تُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ
أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ ﷺ: «هِيَ فِي النَّارِ»!
لَقَدْ صَامَتْ وَصَلَّتْ، لَكِنَّهَا ضَيَّعَتْ هَذَا الْجَمَالَ، وَهَدَمَتْ صِبْغَةَ
اللَّهِ بِقُبْحِ سُلُوكِهَا وَأَذَاهَا مَعَ الْخَلْقِ.
ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ تُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا
وَصَلَاتِهَا -أَيْ تُؤَدِّي الْفَرِيضَةَ فَقَطْ- وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ
مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ ﷺ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ»
رواه أحمد.
وَفِي الْمُقَابِلِ
كما بينت الآيات أن مَنْ ضَيَّعُوا هَذَا الْجَمَالَ فِي الدُّنْيَا، فَعَصَوُا اللَّهَ
عَزَّ وَجَلَّ، وَانْتَهَكُوا حُرُمَاتِهِ، وَأَسَاءُوا إِلَى الْخَلِيقَةِ بِالْجَفَاءِ
وَالْقُبْحِ وَالْأَذَى؛ فَقَدْ حَوَّلَ اللَّهُ جَمَالَ خِلْقَتِهِمْ إِلَى عَذَابٍ
فِي الدُّنْيَا، وَإِلَى قُبْحٍ وَظُلْمَةٍ وَاحْتِرَاقٍ فِي الْآخِرَةِ!
فَهُمْ يَحْتَرِقُونَ
فِي جَهَنَّمَ، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ أُعِيدَتْ لِيَذُوقُوا مَرَارَةَ انْحِرَافِهِمْ،
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا
لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ النساء 56 فَتَخَيَّلْ
نَفْسَكَ الْآنَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، وَأَنْتَ تَسْمَعُ هَذَا الْكَلَامَ فِي بَيْتِ
اللَّهِ.. أَيَّ الطَّرِيقَيْنِ تُرِيدُ؟ وَأَيَّ الْمَصِيرَيْنِ تَخْتَارُ لِنَفْسِكَ؟
طَرِيقُ الْجَمَالِ وَالنَّضَارَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، أَمْ طَرِيقُ الْقُبْحِ وَالِاحْتِرَاقِ؟
يَقُولُ الشَّاعِرُ
مُذَكِّراً بِالْمَصِيرِ وَالْخِتَامِ:
فَإِمَّا رَوْضَةٌ
فِي خُلْدِ عَدْنٍ ... وَأَنْوَارٌ تُفَاضُ عَلَى النَّقِيِّ
وَإِمَّا جَذْوَةٌ
فِي نَارِ كَرْبٍ ... لِكُلِّ مُخَرِّبٍ قَاسٍ شَقِيِّ
لِنَعُدْ إِلَى
بُيُوتِنَا الْيَوْمَ وَلْنَسْلُكْ صِرَاطَ الْجَمَالِ عَمَلِيّاً؛ بِتَوْقِيرِ الْوَالِدَيْنِ،
وَأَدَبِ الِاسْتِئْذَانِ، وَإِكْرَامِ وُجُوهِ النَّاسِ فَلَا نَضْرِبُهَا وَلَا نُقَبِّحُهَا
شُكْراً لِلنِّعْمَةِ مِنْ جِنْسِهَا، وَكَفِّ الْأَذَى عَنِ الْجِيرَانِ فِي الشَّوَارِعِ
وَعَبْرَ الشَّاشَاتِ، لِنَكُونَ حَقّاً مِمَّنْ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ.
بَارَكَ اللَّهُ
لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ
الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ
عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ , وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ.
أَيُّهَا النَّاسُ:
ولا جمال أجمل من الستر
اتَّقُوا اللَّهَ
تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي نَتَقَلَّبُ فِيهَا صَبَاحَ
مَسَاءَ هُوَ "سِتْرُ اللَّهِ عَلَيْنَا". لَوْ كُشِفَتِ الْخَطَايَا لَبَادَ
الْحَيَاءُ، وَلَوْ فُضِحَتِ السَّرَائِرُ لَتَصَارَمَ الْخِلَّانُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ
سِتِّيرٌ يُحِبُّ السَّتْرَ.
عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَحَوَّلَتْ فِيهِ الْهَوَاتِفُ إِلَى مَنَصَّاتٍ لِلْقَضَاءِ،
وَأَصْبَحَ بَعْضُ النَّاسِ يَتَسَابَقُونَ فِي نَشْرِ الْعَثَرَاتِ وَتَصْوِيرِ الزَّلَّاتِ.
وَإِنَّ مِنْ جَمَالِ الذَّوْقِ الْإِسْلَامِيِّ، وَرُقِيِّ الْأَخْلَاقِ الْإِيمَانِيَّةِ،
أَنْ يَرَى الْمُسْلِمُ أَخَاهُ أَوْ يَرَى امْرَأَةً عَلَى مَعْصِيَةٍ، فَيُسَارِعَ
إِلَى سِتْرِهَا لَا إِلَى فَضْحِهَا، وَيَسْعَى فِي تَرْمِيمِ كَسْرِهَا لَا فِي هَدْمِ
بَيْتِهَا.
إِنَّ الشَّرِيعَةَ
الْإِسْلَامِيَّةَ مَا جَاءَتْ لِتَتَسَوَّفَ الْفَضَائِحَ، بَلْ جَاءَتْ لِتَطْهِيرِ
النُّفُوسِ وَحِفْظِ الْمُجْتَمَعَاتِ.
اسْمَعُوا إِلَى
قَوْلِ الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ يُرَبِّي فِينَا هَذَا الذَّوْقَ الْعَظِيمَ،
وَيَزْجُرُ مَنْ يُحِبُّونَ خَدْشَ حَيَاءِ الْمُجْتَمَعِ بِنَشْرِ الرَّذِيلَةِ
:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
النور 19.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
إِنَّ نَبِيَّكُمُ الْكَرِيمَ ﷺ قَدْ وَضَعَ لَنَا
قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً تَحْمِي الْقُلُوبَ وَالْبُيُوتَ مِنَ الْخَرَابِ، فَقَالَ فِي
الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمَا أَجْمَلَ
اللَّفْتَةَ النَّبَوِيَّةَ حِينَ جَاءَهُ هَزَّالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِرَجُلٍ
لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَمَاذَا قَالَ لَهُ الْمُرَبِّي الْأَعْظَمُ ﷺ؟ قَالَ لَهُ:
{يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ}.
وَتَأَمَّلُوا
فِي سَعَةِ أُفُقِ السَّتْرِ عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
الْعَالِمِ الْعَابِدِ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ فَقَالَ لَهُ: "رَأَيْتُ فُلَانًا
يَرْتَكِبُ أَمْرًا قَبِيحًا!"، فَقَالَ لَهُ ذُو النُّونِ بِذَكَاءِ الْمُرَبِّي
وَسَعَةِ أُفُقِ السَّتْرِ: «لَوْ غَطَّيْتَهُ بِثَوْبِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ، إِنَّ
السَّتْرَ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ سِتْرِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ أَحَاطَ الْأَعْرَاضَ بِسِيَاجٍ مَنِيعٍ مِنَ الْحُرْمَةِ
وَالْمَهَابَةِ، وَوَضَعَ تَشْرِيعًا حَازِمًا يَقْطَعُ دَابِرَ الْفَضِيحَةِ وَيَحْمِي
الْبُيُوتَ مِنَ التَّدْمِيرِ وَالْخَرَابِ؛ فَفِي عَظِيمِ فِقْهِ الشَّرِيعَةِ: إِذَا
رَأَى الْإِنْسَانُ رَجُلًا وَامْرَأَةً عَلَى مَعْصِيَةٍ، أَوْ ظَنَّ وُقُوعَ جَرِيمَةِ
الزِّنا، فَمَا دَامَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ عُدُولٍ يَشْهَدُونَ
بِالرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي لَا لَبْسَ فِيهَا؛
فَلَا يَجُوزُ أَبَدًا لِهَذَا الْإِنْسَانِ
أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَلَا أَنْ يَنْشُرَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ شَرْعًا أَنْ يَسْتُرَ
وَيَسْكُتَ.
بَلْ إِنَّ التَّشْرِيعَ
الْإِسْلَامِيَّ يَقْلِبُ الطَّاوِلَةَ عَلَى الْفَاضِحِ؛ فَإِذَا ذَهَبَ شَخْصٌ لِيَتَّهِمَ
امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا بِالْفَاحِشَةِ، وَلَمْ يَأْتِ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ شُهَدَاءَ
آخَرِينَ لِيَكُونُوا أَرْبَعَةً، تَحَوَّلَ هَذَا الْفَاضِحُ فِي نَظَرِ الشَّرِيعَةِ
مِنْ مُدَّعٍ لِلْحَقِّ إِلَى مُجْرِمٍ مَأْثُومٍ، وَيُقَامُ عَلَيْهِ "حَدُّ
الْقَذْفِ" فَيُجْلَدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَتُسْقَطُ عَدَالَتُهُ، وَتُرْفَضُ
شَهَادَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ أَبَدًا!
اسْتَمِعُوا إِلَى
قَوْلِ رَبِّكُمْ جَلَّ جَلَالُهُ وَهُوَ يُفَصِّلُ هَذَا الْحُكْمَ بِبَيَانٍ بَلِيغٍ:
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءِ
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ
هُمُ الْفَاسِقُونَ} النور 4.
فَافْهَمُوا يَا
رِعَاكُمُ اللَّهُ هَذَا الْفِقْهَ الْعَمِيقَ: طَالَمَا أَنَّ الْعَدَدَ قَلَّ عَنْ
أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، وَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً؛ فَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ أَبَدًا،
لِأَنَّ هَذَا الْعَاصِيَ مَا زَالَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى رَصِيدٌ مِنَ الْسَّتْرِ
لَمْ يَنْفَدْ بَعْدُ، وَمَا زَالَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ مَفْتُوحَةً
أَمَامَهُ لِيَرْجِعَ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ أَحَدٌ.
لَكِنْ.. مَتَى
تُرْفَعُ الْحِمَايَةُ؟ وَمَتَى يَنْقَلِبُ السَّتْرُ إِلَى وُجُوبِ الْبَلَاغِ؟
إِذَا اكْتَمَلَتِ
الْجَرِيمَةُ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ عُدُولٍ رَأَوْهَا رَأْيَ
الْعَيْنِ.. فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ نَحْنُ لَسْنَا أَمَامَ إِنْسَانٍ زَلَّتْ قَدَمُهُ
فِي خَفَاءٍ وَاسْتَتَرَ بِذَنْبِهِ، بَلْ نَحْنُ أَمَامَ "مُجَاهِرٍ بِالْمَعْصِيَةِ"،
مُسْتَهِينٍ بِحُرُمَاتِ اللَّهِ، تَعَمَّدَ الْفُجُورَ حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ
سِتْرَهُ، فَفَضَحَهُ اللَّهُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ لِاسْتِخْفَافِهِ بِعَظَمَةِ
الْخَالِقِ!
هُنَا -يَا عِبَادَ
اللَّهِ- يَنْقَلِبُ الْحُكْمُ، فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ وَالْوَاجِبُ هُوَ الْإِبْلَاغُ
عَنْهُ لِتُقَامَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُجَاهِرَ قَدْ تَحَوَّلَ
إِلَى عُضْوٍ فَاسِدٍ يُفْسِدُ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَيَجُرُّ النَّاسَ وَيُجَرِّئُهُمْ
عَلَى هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ الْعَظِيمَةِ. هُنَا يَجِبُ أَنْ يَنْتَقِمَ الْمُجْتَمَعُ
لِقِيَمِهِ وَأَعْرَاضِهِ بِسُلْطَانِ الشَّرْعِ وَالْقَانُونِ، لِأَنَّ تَرْكَ هَذَا
الْمُجَاهِرِ هَدْمٌ لِلْفَضِيلَةِ، كَمَا أَنَّ فَضْحَ الْمَسْتُورِ هَدْمٌ لِلْبُيُوتِ!
فَانْظُرُوا إِلَى عَدَالَةِ الْإِسْلَامِ وَتَوَازُنِهِ الْعَجِيبِ!
فَيَا أَيُّهَا
الْمُتَسَرِّعُ فِي النَّشْرِ، وَيَا مَنْ طَارَ لِسَانُهُ بِإِفْشَاءِ سِرِّ امْرَأَةٍ
لَمْ تَكْتَمِلْ جَرِيمَةُ الزِّنَا عِنْدَهَا بِمَا اشْتَرَطَهُ اللَّهُ؛ تَوَقَّفْ
قَلِيلًا وَاسْأَلْ نَفْسَكَ هَذَا السُّؤَالَ الْقَاسِيَ: هَلْ تَتَحَمَّلُ أَمَامَ
اللَّهِ تَعَالَى ذَنْبَ خَرَابِ هَذِهِ الْأُسْرَةِ؟ هَلْ تَتَحَمَّلُ تَشْرِيدَ أَطْفَالِهَا
وَانْفِصَالَ زَوْجِهَا؟
بَلْ أَكْثَرُ
مِنْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ.. لَوْ دَفَعَتِ الْفَضِيحَةُ الطَّائِشَةُ الَّتِي أَشَعْتَهَا
أَحَدًا مِنْ أَهْلِهَا إِلَى أَنْ يَفْقِدَ عَقْلَهُ تَحْتَ وَطْأَةِ "الْعَارِ
الْمَزْعُومِ" فَيَقْتُلَهَا كَمَا يَحْدُثُ فِي جَهَالَاتِ بَعْضِ النَّاسِ؛
فَمَنْ يَكُونُ الْقَاتِلُ الْحَقِيقِيُّ حِينَئِذٍ؟!
إِنَّهُ أَنْتَ
بِقِيلِكَ وَقَالِكَ! أَنْتَ بِلِسَانِكَ الَّذِي ذَبَحَ، وَبِهَاتِفِكَ الَّذِي جَرَحَ!
هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي رَقَبَتِكَ
دَمٌ مَسْفُوكٌ، وَأُسْرَةٌ مَهْدُومَةٌ، وَعِرْضٌ مَهْتُوكٌ، كُلُّ ذَلِكَ لِأَنَّكَ
لَمْ تَمْلِكْ مِنَ الذَّوْقِ وَالدِّينِ مَا يَجْعَلُكَ تَسْتُرُ مَنْ مَا زَالَ لَهُ
رَصِيدٌ فِي سِتْرِ اللَّهِ؟! يَا لَهُ مِنْ ذَنْبٍ عِظَامٍ، وَجُرْمٍ تَهْتَزُّ لَهُ
السَّمَاوَاتُ!
وَقَدِيمًا قَالَ
الشَّاعِرُ فِي الْحَثِّ عَلَى التَّغَاضِي وَسِتْرِ عُيُوبِ النَّاسِ:
إِذَا رُمْتَ أَنْ
تَحْيَا سَلِيمًا مِنَ الرَّدَى ... وَدِينُكَ مَوْفُورٌ وَعِرْضُكَ صَائِنُ
فَلَا يَنْطِقَنْ
مِنْكَ اللِّسَانُ بِعَوْرَةٍ ... فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ
وَعَيْنُكَ إِنْ
أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَائِبًا ... فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ
الْأَفَاضِلُ، دَعُونَا نُسْقِطْ هَذَا الْأَدَبَ النَّبَوِيَّ وَالْفِقْهَ الْحَازِمَ
عَلَى وَاقِعِنَا الْيَوْمَ. كَمْ مِنْ بَيْتٍ تَخَرَّبَ، وَكَمْ مِنْ امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ،
وَكَمْ مِنْ أَوْلَادٍ شُرِّدُوا، لَا لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ كَانَتْ مُسْتَمِرَّةً،
بَلْ لِأَنَّ "مُتَطَفِّلًا" أَوْ "جَاهِلًا" رأى هَفْوَةً أَوْ
زَلَّةً لَمْ تَكْتَمِلْ تَفَاصِيلُهَا وَلَا شُهُودُهَا، فَطَارَ بِهَا فِي الْآفَاقِ،
وَأَذَاعَهَا بَيْنَ الْأَقَارِبِ، أَوْ صَوَّرَهَا وَنَشَرَهَا عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ!
تَنْبِيهٌ خَاصٌّ
وَحَازِمٌ : عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ رَفْعَ الْهَاتِفِ لِتَصْوِيرِ عَوْرَاتِ النَّاسِ
وَزَلَّاتِهِمْ هُوَ جَرِيمَةٌ ثُلَاثِيَّةُ الْأَبْعَادِ: شَرْعًا، وَقَانُونًا، وَذَوْقًا!
• فَمِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ: هِيَ خِيَانَةٌ
لِلْأَمَانَةِ، وَتَتَبُّعٌ لِلْعَوْرَاتِ، وَقَدْ تَوَعَّدَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَتَّبِعُ
عَوْرَةَ أَخِيهِ بِأَنْ يَفْضَحَهُ اللَّهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ.
• وَمِنَ النَّاحِيَةِ الْقَانُونِيَّةِ: إِنَّ الْقَوَانِينَ الْحَدِيثَةَ تُعَاقِبُ بِالْعُقُوبَاتِ السَّالِبَةِ لِلْحُرِّيَّةِ (كَالسِّجْنِ وَالْغَرَامَاتِ الْمَالِيَّةِ الضَّخْمَةِ) كُلَّ مَنْ يَعْتَدِي عَلَى حُرْمَةِ الْحَيَاةِ الخَاصَّةِ لِلْمُوَاطِنِينَ عَبْرَ تَقْن