الذوق العام ورُقيُّ السلوك وجمال الأخلاق

الإسلام دين الذوق الرفيع والأخلاق الجميلة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين
أما بعد
فياعباد الله :"
إن من أعظم ما تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم أن نرتقي بأذواقنا، ونُهذِّب سلوكنا، ونُجمِّل أخلاقنا؛ لأن الأخلاق ليست كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع، وإنما هي سلوك يُرى، ومعاملة تُلمس، وأثر طيب يبقى في قلوب الناس.
إن الذوق العام ليس ترفًا اجتماعيًّا، وليس مجرد مظاهر وأناقة في الملبس، بل هو احترام الإنسان لغيره، ومراعاة مشاعر الناس، والمحافظة على حقوقهم، وعدم إيذائهم بقول أو فعل أو مظهر أو تصرف.
إن المسلم الحق هو الذي يشعر الناس معه
بالأمان والراحة والاحترام، فلا يؤذي جارًا، ولا يحرج ضعيفًا، ولا يرفع صوته على الناس،
ولا يعتدي على حق غيره، ولا يجعل من حريته سببًا في إزعاج الآخرين.
تأملوا، لم يقل الله: قولوا للمسلمين حسنًا فحسب، بل قال: ﴿لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾؛ فالكلمة الطيبة خُلُقٌ مع الناس جميعًا، والاحترام لا يتوقف على اختلاف الدين أو اللون أو النسب أو المكانة الاجتماعية.
وقال سبحانه في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم:"وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ"(القلم: 4).
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقَّ الناس قلبًا، وأحسنهم عشرة، وأعظمهم تواضعًا، لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يرد الإساءة بالإساءة، بل كان يعفو ويصفح، ويرفق بالضعيف، ويحترم الكبير، ويرحم الصغير.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق"(أحمد في المسند، وصححه عدد من أهل العلم).
فما قيمة عبادة لا تُهذِّب اللسان؟ وما
قيمة علم لا يزيد صاحبه تواضعًا؟ وما قيمة مظهر جميل وقلب يؤذي الناس، أو ثياب نظيفة
ولسان يجرح المشاعر؟
أيها الأحبة، إن من علامات رقي الإنسان أن يعرف كيف يتصرف، ومتى يتكلم، وكيف يخاطب الآخرين، وأن يدرك أن لكل مكان أدبه، ولكل موقف ما يناسبه.
ففي الطريق يكون الذوق باحترام المارة، وعدم إلقاء القمامة، وعدم تعطيل مصالح الناس، وعدم رفع أصوات مكبرات الصوت بما يؤذي المرضى والنائمين، وعدم إشغال الطريق أو الاعتداء على حق المشاة.
وفي وسائل المواصلات يكون الذوق بإفساح المكان للمحتاج، واحترام كبار السن، وعدم التدافع أو التزاحم المؤذي، وعدم تحويل الهاتف إلى مصدر إزعاج لكل من حولنا.
وفي المسجد يكون الذوق بخفض الصوت، ونظافة المكان، وعدم تخطي رقاب المصلين، وعدم إيذاء الناس بالروائح الكريهة، وإعطاء كل إنسان حقه في العبادة والسكينة.
وفي العمل يكون الذوق بالالتزام بالمواعيد، وإتقان الواجبات، واحترام الزملاء، وعدم السخرية من أحد، وعدم استغلال حاجة الناس أو ضعفهم.
وفي البيت يكون الذوق بحسن معاملة الزوجة، والرفق بالأبناء، واحترام الوالدين، والاستماع إلى الآخرين، والاعتذار عند الخطأ.
إن الإنسان الراقي لا يحتاج إلى من يراقبه
حتى يحترم الناس؛ لأن ضميره حي، وتربيته حاضرة، وإيمانه يردعه عن الأذى.
ثانيًا: جمال الأخلاق في اللسان والكلام
عباد الله، إن اللسان مرآة الأخلاق، والكلمة قد تبني إنسانًا، وقد تهدم نفسًا، وقد تصلح علاقة، وقد تقطع رحمًا.
قال الله تعالى:"وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"(الإسراء: 53).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"(متفق عليه).
فليس من الذوق أن تسخر من إنسان بسبب فقره، أو تعايره بمرضه، أو تجرحه بسبب شكله أو سنه، أو تحرجه أمام الناس، أو ترفع صوتك عليه لتثبت أنك الأقوى.
وليس من الرقي أن تنشر عيوب الآخرين، أو تتلذذ بإحراجهم، أو تتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي ساحةً للسب والشتم والتشهير.
إن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إهانة الناس، وإنما في القدرة على ضبط النفس، واختيار الكلمة الطيبة، والتعامل بحكمة عند الغضب.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"(متفق عليه).
فيا من تغضب سريعًا، تذكَّر أن كلمةً واحدة
قد تترك جرحًا في قلب إنسان سنوات طويلة، وأن الاعتذار لا ينقص من قدرك، بل يزيدك احترامًا.
ثالثًا: رُقيُّ السلوك يبدأ من احترام حقوق الآخرين
عباد الله:" من المؤسف أن يتحدث بعض الناس عن الأخلاق، ثم لا يراعون حقوق جيرانهم، أو يعتدون على الطريق، أو يلقون المخلفات في الأماكن العامة، أو يتجاوزون في الطوابير، أو يظنون أن النظام وُضع للآخرين لا لهم.
إن الطريق حق مشترك، والشارع ملك للناس جميعًا، والمرافق العامة أمانة في أعناقنا، والمحافظة عليها من حسن المواطنة وكمال المروءة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وسبعون شعبة وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"(متفق عليه بألفاظ متقاربة).
تأملوا، إن إزالة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان؛ فكيف بمن يضع الأذى في طريق الناس؟ وكيف بمن يلوث بيئتهم، أو يعطل مصالحهم، أو يعرض حياتهم للخطر؟
وقال صلى الله عليه وسلم: **«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»**، متفق عليه.
فالمسلم الحق لا يكتفي بألا يعتدي على الناس، بل يسعى إلى أن يكون مصدر خير وراحة لهم.
ومن الذوق أن تحترم وقت الناس، فلا تتأخر
عن مواعيدك بغير عذر، وأن تحفظ أسرارهم، وألا تتدخل فيما لا يعنيك، وألا تفرض رأيك
على الآخرين، وأن تعرف أن الاختلاف لا يبرر الإساءة.
رابعًا: التواضع عنوان الرقي الحقيقي
عباد الله، ليس الرقي أن ترتدي أغلى الثياب، أو تركب أفخم السيارات، أو تتحدث بعبارات متكلفة، وإنما الرقي أن تتواضع إذا قدرت، وأن ترحم إذا استطعت، وأن تنصف إذا حكمت، وأن تعترف بالخطأ إذا أخطأت.
قال الله تعالى:"وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا"(الفرقان: 63).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"( مسلم).
فلا تحتقر عاملًا، ولا تزدَرِ فقيرًا، ولا تتكبر على ضعيف، ولا تجعل منصبك أو مالك أو علمك سببًا لإذلال الناس.
قد يكون الإنسان بسيط المظهر، لكنه عظيم الأخلاق، وقد يكون صاحب جاه ومال، لكنه فقير في أدبه ومعاملته.
والميزان عند الله ليس بالمظاهر، وإنما بالتقوى والعمل الصالح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"( مسلم).
اللهم ارزقنا حسن الخلق، وجمّلنا بالأدب، وطهّر ألسنتنا من الفحش، وقلوبنا من الكبر، وأعمالنا من الرياء
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية: كيف نرتقي بأخلاقنا ونُهذِّب سلوكنا؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي أشرف الخلق أجمعين
أما بعد، فيا عباد الله:
إن بناء مجتمع راقٍ لا يكون بالقوانين وحدها، ولا بالمباني الفخمة، ولا بالتقدم المادي وحده، بل لا بد أن يصاحبه رقيٌّ في الأخلاق، وسموٌّ في السلوك، واحترامٌ متبادل بين الناس.
فما أجمل أن يصبح إلقاء السلام عادةً، والابتسامة
خُلُقًا، والاعتذار شجاعةً، واحترام الكبير أدبًا، والرحمة بالصغير سلوكًا، ومساعدة
المحتاج ثقافةً، والمحافظة على النظافة مسؤوليةً مشتركة!
أيها المسلمون، كيف نُحوِّل الذوق العام إلى واقع نعيشه؟
أولًا: أن يبدأ كل واحد منا بنفسه؛ فلا ينتظر أن يتغير الناس قبل أن يتغير هو، وليجعل من نفسه قدوة في النظافة، والهدوء، والاحترام، والصدق، والوفاء.
ثانيًا:أن نُربِّي أبناءنا على الأدب قبل أن نطالبهم بالتفوق، وعلى احترام الناس قبل أن نطالبهم باحترامنا، وأن نعلِّمهم أن قيمة الإنسان في أخلاقه وعمله، لا في ماله أو مظهره.
عباد الله، إن الأخلاق الجميلة ليست ضعفًا، والرفق ليس عجزًا، والتواضع ليس نقصًا، بل هي علامات قوة النفس، ونقاء القلب، وحسن التربية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا"(متفق عليه).
فاجعلوا أخلاقكم عنوان دينكم، واجعلوا سلوككم شاهدًا على إيمانكم، واعلموا أن الناس قد لا يتذكرون كل ما قلتموه لهم، لكنهم لن ينسوا كيف عاملتموهم.
فلنخرج من مساجدنا ونحن نحمل رسالة الأخلاق
إلى بيوتنا وشوارعنا وأعمالنا، ولنجعل من كل تصرف فرصةً لنشر الخير، ومن كل معاملة
بابًا للأجر، ومن كل موقف شاهدًا على جمال الإسلام.
الدعاء
اللهم كما حسَّنت خَلْقنا فحسِّن أخلاقنا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
وأقم الصلاة.