الإسراف في الأفراح .. الأسباب والعلاج

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،
وبعد:
فإن الزواج في الإسلام ميثاق غليظ، ونعمة
عظيمة تُبنى بها الأسرة وتُعف بها النفوس، وقد شرع الله فيه الفرح وإعلان النكاح.
غير أن الناظر في واقعنا المعاصر يرى تحول كثير من الأفراح إلى (مهرجانات) صاخبة، يُهدر فيها المال بغير حساب، وتُلقى فيها الأطعمة الفاخرة في النفايات، وتُنصب فيها مكبرات الصوت المزعجة، في مشهد يبتعد تماماً عن مقاصد الشريعة، ويمحق بركة الزواج.
أولاً: أفراح المسلمين في العهد النبوي
(البركة في التيسير)
لم تكن أفراح النبي صلى الله عليه وسلم
وصحابته الكرام قائمة على البذخ والخيلاء، بل كانت تتسم بالبساطة واليسر، وإطعام الطعام
بلا إسراف.
ففي صحيح البخاري (برقم 5072) أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صُفْرَةٍ (طيب العرس)، فَقَالَ: مَهْيَمْ؟ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: (بَارِكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ). هكذا بكل بساطة يتزوج غني من أغنياء الصحابة، دون مهرجانات أو تكلف.
أما النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت
وليمته في زواجه من أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها في غاية التواضع، ففي صحيح
البخاري (برقم 5085) عن أنس رضي الله عنه قال: (فَمَا كَانَ فِيهَا لَحْمٌ وَلَا دَمٌ،
جَاءَ بِهِ بِقَطِيعٍ، فَبَسَطَ النِّطَعَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ التَّمْرُ وَالْأَقِطُ
وَالسَّمْنُ، فَشَبِعَ النَّاسُ).
لذلك قرر النبي صلى الله عليه وسلم القاعدة الذهبية للزواج في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد: (أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً).
ثانياً: أسباب هذه الظاهرة في واقعنا المعاصر
انتشار ظاهرة المهرجانات والإسراف لا يأتي
من فراغ، بل يعود إلى أسباب مجتمعية ونفسية، أبرزها:
١.المباهاة وحب الظهور: حيث أصبح الهدف من
الفرح هو التفاخر وتصدر الأحاديث بين الناس.
٢.التقليد الأعمى: رضوخ الأسر لضغط العادات
والتقاليد، وتقليد الغير حتى لا يُرموا بالبخل.
٣.الجهل بمقاصد الشريعة: وغياب الوعي بأن الإسراف في المباحات يقلبها إلى محرمات، ويمحق بركة الزواج.
ثالثاً: الميزان الشرعي في التحذير من التبذير
لقد حذر القرآن الكريم من الإسراف، وجعل
المبذرين في مقام ذميم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.
وبين فقهاء الأمة أن إنفاق الأموال الطائلة
في هذه المهرجانات على الإضاءة الزائدة والأطعمة المهدرة، يدخل في باب السفه وإضاعة
المال.
قال الإمام القرطبي في تفسيره:
«وَالتَّبْذِيرُ: إِنْفَاقُ الْمَالِ فِي
غَيْرِ حَقِّهِ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَوْ أَنْفَقَ إِنْسَانٌ مَالَهُ كُلَّهُ فِي
الْحَقِّ لَمْ يَكُنْ مُبَذِّرًا، وَلَوْ أَنْفَقَ مُدًّا فِي غَيْرِ حَقِّهِ كَانَ
مُبَذِّرًا».
وقال الإمام النووي الشافعي مبيناً علة
تحريم إضاعة المال:
«وَأَمَّا إِضَاعَةُ الْمَالِ فَهُوَ صَرْفُهُ فِي غَيْرِ وُجُوهِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَعْرِيضُهُ لِلتَّلَفِ، وَسَبَبُ النَّهْيِ أَنَّهُ إِفْسَادٌ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ».
رابعاً: سبل العلاج ومواجهة هذه الظاهرة
للقضاء على هذه الآفة وحفظ بيوتنا، لا بد
من تضافر الجهود عبر الخطوات الآتية:
١.القدوة العملية: بأن يبدأ العلماء والوجهاء
بأنفسهم، فيقيموا أفراحهم ببساطة ودون تكلف.
٢.ترشيد الإنفاق: وتوجيه الأموال المهدرة
في المهرجانات لتأثيث بيت الزوجين، أو مساعدة شاب آخر فقير على العفاف.
٣.الوعي المجتمعي: تكاتف الدعاة لبيان أن
إيذاء الناس بمكبرات الصوت وإهدار الطعام يجلب سخط الله.
٤.تيسير المهور والولائم: والاتفاق المجتمعي على نبذ التكلف، وعدم تقييم قيمة العروس بحجم النفقات.
الخلاصة:
١.الزواج شعيرة دينية ينبغي أن تُحاط بالسكينة
والبركة لا بالصخب والتبذير.
٢.ما نراه اليوم من مباهاة وإسراف في الأفراح
هو انحراف عن المنهج النبوي الشريف القائل: (أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة).
٣.الواجب الشرعي والمجتمعي يحتم علينا العودة
إلى التيسير، وحفظ الأموال من الإضاعة في مظاهر لا تجلب سعادة حقيقية، بل تورث الديون
وتستجلب غضب المنعم سبحانه.
والله تعالى أعلى وأعلم.
أحمد بهدر عرض أقل