recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة هكذا يُصنع النصر فقه الإعداد والنصر: من بدر إلى أكتوبر الإمام والفقيه

وأعدوا  هكذا يُصنع النصر 



من وحي الذكرى الثانية والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة

 وَأَعِدُّوا: فقه الإعداد والنصر من بدر إلى أكتوبر

الهدف التوعية بفقه الإعداد الشامل في الإسلام

الخطبة الأولى ٤ محاور: فقه الإعداد، صوره، نماذج خالدة، دروس عملية

الخطبة الثانية الوطن: قيمته، حبه،  

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، الَّذِي أَعَزَّ عَبْدَهُ وَنَصَرَ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَجَعَلَ الْقُوَّةَ عِمَادَ الْأُمَمِ وَسِرَّ بَقَائِهَا، وَشَرَعَ الْإِعْدَادَ سَبِيلًا لِلنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٦٠]، فَجَعَلَ الْإِعْدَادَ عِبَادَةً، وَالْقُوَّةَ رِسَالَةً، وَالنَّصْرَ لِمَنْ أَخَذَ بِالْأَسْبَابِ وَتَوَكَّلَ عَلَىٰ رَبِّ الْأَرْبَابِ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تُعِدُّ عُدَّتَهَا لَا يُذَلُّ جَانِبُهَا.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَعْظَمُ الْقَادَةِ إِعْدَادًا، وَأَنْبَلُ الْمُجَاهِدِينَ تَخْطِيطًا، وَأَحْكَمُ النَّاسِ فِي تَرْتِيبِ الصُّفُوفِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا نَمَاذِجَ حَيَّةً فِي الْإِعْدَادِ وَالْقِيَادَةِ وَالتَّضْحِيَةِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ التَّقْوَىٰ أَسَاسُ الْقُوَّةِ، وَالْإِيمَانَ سِرُّ النَّصْرِ، وَالْعَمَلَ سَبِيلُ التَّمْكِينِ.

---

قصة تُجسّد الإعداد: أبو الدحداح

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، أَبْدَأُ حَدِيثِي الْيَوْمَ بِقِصَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ قِصَصِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، تُجَسِّدُ مَعْنَى الْإِعْدَادِ وَالتَّضْحِيَةِ.

رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾، قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُرِيدُ مِنَّا الْقَرْضَ؟ قَالَ: «نَعَمْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ». قَالَ: أَرِنِي يَدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَنَاوَلَهُ يَدَهُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي، وَلَهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، وَأُمُّ الدَّحْدَاحِ فِيهِ وَعِيَالُهَا. قَالَ: فَجَاءَ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَنَادَاهَا: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ! قَالَتْ: لَبَّيْكَ. فَقَالَ: اخْرُجِي، فَقَدْ أَقْرَضْتُهُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ.

هَذَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ لَمْ يَكْتَفِ بِالْقَوْلِ، بَلْ بَادَرَ بِالْفِعْلِ، وَأَعَدَّ مَا يَسْتَطِيعُ، وَقَدَّمَ أَفْضَلَ مَا يَمْلِكُ رَخِيصًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْعَمِيقُ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.

---

المحور الأول: فقه الإعداد في القرآن الكريم

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ قُوَّةَ الْأُمَمِ لَا تُقَاسُ بِمَا تَمْلِكُهُ مِنْ مَوَارِدَ فَحَسْبُ، وَلَا بِمَا تَحُوزُهُ مِنْ أَدَوَاتِ الدِّفَاعِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا بِمَا تَبْنِيهِ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ عِلْمٍ وَوَعْيٍ وَخُلُقٍ وَعَزِيمَةٍ، وَبِمَا تُحْسِنُ إِدَارَتَهُ مِنْ ثَرَوَاتٍ وَإِمْكَانَاتٍ، وَبِمَا تُهَيِّئُهُ مِنْ أَسْبَابٍ تَحْمِي أَمْنَهَا وَتَصُونُ مُقَدَّرَاتِهَا.

وَقَدْ جَاءَ لَفْظُ ﴿قُوَّةٍ﴾ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ؛ بِمَا يَدُلُّ عَلَى سِعَةِ مَدْلُولِهَا وَتَنَوُّعِ صُوَرِهَا بِحَسَبِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ. قَالَ الْإِمَامُ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «مِنْ قُوَّةٍ: مِنْ كُلِّ مَا يَتَقَوَّىٰ بِهِ فِي الْحَرْبِ مِنْ عُدَدِهَا».

وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْقُوَّةَ فِي أَبْرَزِ صُوَرِهَا فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ثَلَاثًا [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. فَدَلَّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ إِتْقَانِ وَسَائِلِ الدِّفَاعِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، دُونَ أَنْ يَنْحَصِرَ مَفْهُومُ الْقُوَّةِ فِيهَا.

وَقَالَ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَقَالَ تَعَالَىٰ فِي وَصْفِ مَنْ تَتَوَافَرُ فِيهِ مُقَوِّمَاتُ الْكِفَايَةِ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [الْقَصَصِ: ٢٦]، فَجَمَعَ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْكِفَايَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَالْأَمَانَةِ وَالْقِيمَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىٰ.

 

المحور الثاني: صور الإعداد الشامل في واقعنا المعاصر

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ الْإِعْدَادَ الْمَطْلُوبَ لَيْسَ بَابًا وَاحِدًا، بَلْ هُوَ أَبْوَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ:

١. الْقُوَّةُ الْبَشَرِيَّةُ وَالْعِلْمِيَّةُ:

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. فَالنَّصْرُ يَتَطَلَّبُ الْعِلْمَ وَالْبَحْثَ وَالتَّطْوِيرَ. وَقَدْ بَرَزَ الْخَوَارِزْمِيُّ فِي الرِّيَاضِيَّاتِ، وَابْنُ الْهَيْثَمِ فِي الْبَصَرِيَّاتِ، وَجَابِرُ بْنُ حَيَّانَ فِي الْكِيمْيَاءِ، فَكَانُوا جُنُودًا لِلْأُمَّةِ بِعِلْمِهِمْ.

٢. الْقُوَّةُ الْاقْتِصَادِيَّةُ:

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٥]. وَقَدَّمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَمُوذَجًا بَلِيغًا فِي التَّخْطِيطِ الِاقْتِصَادِيِّ وَحُسْنِ إِدَارَةِ الْمَوَارِدِ.

٣. الْقُوَّةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ:

قَالَ ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ]. فَالْأُمَّةُ الَّتِي تَفْقِدُ أَخْلَاقَهَا تَفْقِدُ قُوَّتَهَا مَهْمَا مَلَكَتْ مِنْ سِلَاحٍ وَمَالٍ.

٤. الْقُوَّةُ بِالْوَحْدَةِ وَالِاعْتِصَامِ:

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣]. فَالْأُمَّةُ الْمُتَفَرِّقَةُ لَا تُرْهِبُ عَدُوًّا، وَلَا تَحْمِي وَطَنًا.

٥. الْقُوَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ:

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. وَهِيَ قُوَّةٌ مَنْضَبِطَةٌ بِالْعَدْلِ، لَا وَسِيلَةَ لِلْعُدْوَانِ.

---

المحور الثالث: من بدر إلى أكتوبر.. نماذج خالدة

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ سُنَنَ اللَّهِ فِي النَّصْرِ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ:

فِي بَدْرٍ:

كَانَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَالْمُشْرِكُونَ أَلْفًا وَزِيَادَةً، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَقَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْأَعْدَاءِ، وَكَانَ النَّصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٢٣].

وَفِي الْخَنْدَقِ:

لَمَّا أَحَاطَ الْأَحْزَابُ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢٢]. وَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّخْرَةَ فَتَطَايَرَ الشَّرَرُ وَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، فُتِحَتْ بِلَادُ فَارِسَ»، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، فُتِحَتْ بِلَادُ الرُّومِ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَىٰ لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَفِي أُكْتُوبَرَ ١٩٧٣:

لَمْ يَكُنْ نَصْرُ أُكْتُوبَرَ حَدَثًا عَابِرًا، بَلْ كَانَ حَصَادَ سِنِينَ مِنَ الْإِعْدَادِ الْعِلْمِيِّ وَالتِّقَنِيِّ وَالْعَسْكَرِيِّ وَالنَّفْسِيِّ:

- فَكَرَةُ اللَّوَاءِ الْمُهَنْدِسِ بَاقِي زَكِي يُوسُفَ بِاسْتِخْدَامِ مَضَخَّاتِ الْمِيَاهِ لِفَتْحِ السَّاتِرِ التُّرَابِيِّ أَنْقَذَتْ عِشْرِينَ أَلْفَ جُنْدِيٍّ مِنَ الْمَوْتِ الْمُحَقَّقِ.

- وَالتَّكْبِيرُ الَّذِي عَلَا فِي الْجَبْهَةِ جَعَلَ الْعُبُورَ عِبَادَةً، وَالْقِتَالَ جِهَادًا.

- وَالتَّنْسِيقُ بَيْنَ الْجَبْهَتَيْنِ الْمِصْرِيَّةِ وَالسُّورِيَّةِ حَقَّقَ عُنْصُرَ الْمُفَاجَأَةِ.

- وَالْوَحْدَةُ الْوَطَنِيَّةُ: مُسْلِمِينَ وَمَسِيحِيِّينَ، جُنُودًا وَفَلَّاحِينَ، شَبَابًا وَشُيُوخًا، كَانَتْ خَلْفَ الْجَيْشِ سَنَدًا لَا يَتَزَعْزَعُ.

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٢٦].

 

المحور الرابع: دروس عملية لواقعنا

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ دُرُوسَ الْإِعْدَادِ تَتَجَلَّى فِي:

١. أَنَّ الْإِعْدَادَ فَرِيضَةٌ لَا تَتَوَقَّفُ:

قَالَ ﷺ: «إِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].

٢. أَنَّ الْعَمَلَ وَالْإِتْقَانَ مِنْ صُوَرِ الْإِعْدَادِ:

قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ].

٣. أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مَسْؤُولٌ:

قَالَ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

٤. أَنَّ الْإِعْدَادَ يَشْمَلُ حِفْظَ اللِّسَانِ وَالتَّثَبُّتَ مِنَ الْأَخْبَارِ:

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٦].

وَقَالَ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

٥. أَنَّ حِفْظَ الْوَطَنِ وَمُقَدَّرَاتِهِ أَمَانَةٌ:

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٨].

 

خاتمة الخطبة الأولى

فَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أَهْلَ بِنَاءٍ لَا هَدْمٍ، وَأَهْلَ إِصْلَاحٍ لَا إِفْسَادٍ، وَأَهْلَ صِدْقٍ لَا إِشَاعَةٍ، وَأَهْلَ أَمَانَةٍ لَا خِيَانَةٍ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَذِي الْمَنِّ وَالْإِكْرَامِ وَالِامْتِنَانِ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ صِدْقٍ وَإِيقَانٍ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الْإِنْسِ وَالْجَانِّ، وَالدَّاعِي إِلَى الرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَتَعَاقَبَتِ الْأَزْمَانُ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَىٰ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَوْطَانَ أَمَانَةٌ، وَأَنَّ الْأَمْنَ نِعْمَةٌ، وَأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَىٰ مُقَدَّرَاتِ الْمُجْتَمِعِ مَسْؤُولِيَّةٌ.

الوطن.. قيمة ومكانة

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ الْوَطَنَ لَيْسَ مُجَرَّدَ بُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ نَعِيشُ فَوْقَهَا، وَلَا حَفْنَةً مِنَ التُّرَابِ تُحَدُّهَا الْحُدُودُ؛ بَلْ هُوَ الْحَاضِنَةُ الَّتِي تَنْشَأُ فِيهَا الشُّعُوبُ، وَتَنْمُو فِيهَا الْقِيَمُ، وَتَتَكَوَّنُ فِي رِحَابِهَا مَلَامِحُ الْهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ.

وَمِنْ خُطُورَةِ بَعْضِ الْخِطَابَاتِ الَّتِي تُحَاوِلُ اخْتِزَالَ الْوَطَنِ فِي مَجَرَّدِ «حَفْنَةِ تُرَابٍ»، أَوِ التَّشْكِيكِ فِي قِيمَتِهِ وَمَكَانَتِهِ، أَنَّهَا تُضْعِفُ الشُّعُورَ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ، وَتَفْتَحُ الْمَجَالَ أَمَامَ اللَّامُبَالَاةِ تِجَاهَ مَصَالِحِ الْمُجْتَمَعِ وَأَمْنِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ.

حب الوطن فطرة

وَمَحَبَّةُ الْأَوْطَانِ فِطْرَةٌ فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانَ؛ بَلْ هِيَ فِطْرَةٌ فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا كُلَّ كَائِنٍ حَيٍّ. قَالَ ﷺ مُوَدِّعًا مَكَّةَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].

وَلَمَّا أَخْبَرَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ أَنَّ قَوْمَهُ سَيُخْرِجُونَهُ، قَالَ ﷺ: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟» — وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ مُفَارَقَةِ الْوَطَنِ عَلَى النَّفْسِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ نَقْلًا عَنِ السُّهَيْلِيِّ.

صور صيانة الوطن

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ صُوَرِ حِفْظِ الْوَطَنِ:

١. حِفْظَ الْأَمْنِ:

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قُرَيْشٍ: ٣-٤].

وَقَالَ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].

٢. حِفْظَ الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ:

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٦].

وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

٣. التَّثَبُّتُ مِنَ الْأَخْبَارِ وَنَبْذُ الشَّائِعَاتِ:

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٦].

وَقَالَ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

 

ثمرات الخطبة: ثلاث وصايا عملية

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ ثَمَرَةَ هَذِهِ الْخُطْبَةِ تَتَلَخَّصُ فِي ثَلَاثِ وَصَايَا:

أَوَّلُهَا: أَنْ تَكُونَ أَهْلَ إِعْدَادٍ لَا تَوَانٍ:

فَأَعِدُّوا أَنْفُسَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْأَخْلَاقِ، وَكُونُوا فِي كُلِّ مَيْدَانٍ أَهْلَ كِفَايَةٍ وَإِتْقَانٍ.

وَثَانِيهَا: أَنْ تَكُونَ أَهْلَ وَفَاءٍ لِوَطَنِكُمْ:

فَاحْفَظُوا أَمْنَهُ، وَصُونُوا مُقَدَّرَاتِهِ، وَأَدُّوا الْأَمَانَةَ فِي أَعْمَالِكُمْ.

وَثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ أَهْلَ صِدْقٍ فِي أَقْوَالِكُمْ:

فَلَا تَنْشُرُوا شَائِعَةً، وَلَا تُرَوِّجُوا خَبَرًا قَبْلَ التَّثَبُّتِ مِنْهُ، وَاجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ وَهَوَاتِفَكُمْ وَسِيلَةً لِلْخَيْرِ لَا لِلضَّرَرِ.

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٧].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٣].

 

الدعاء

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ، وَالسَّلَامَةَ وَالْإِيمَانَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ أَوْطَانَنَا، وَاحْفَظْ أَهْلَهَا، وَاحْفَظْ أَمْنَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَىٰ مُقَدَّرَاتِ بِلَادِنَا وَمَرَافِقِهَا، وَأَعِنَّا عَلَىٰ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَإِتْقَانِ الْعَمَلِ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ أَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الْفَسَادِ، وَقُلُوبَنَا مِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الصِّدْقَ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالتَّثَبُّتَ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ، وَاجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ.

اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَ أُكْتُوبَرَ، وَتَقَبَّلْهُمْ فِي عِلِّيِّينَ، وَاجْعَلْهُمْ فِي زُمْرَةِ الشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالْأَبْرَارِ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْ جُنُودَنَا وَشُرْطَتَنَا وَحُمَاةَ أَوْطَانِنَا، وَكُنْ لَهُمْ سَنَدًا وَنَصِيرًا.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاجْمَعْنَا عَلَى الْحَقِّ وَالْخَيْرِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَىٰ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

 

google-playkhamsatmostaqltradent