الذوق العام.. رُقِيُّ السلوك وجمالُ الأخلاق

الهدف المراد توصيله:
《تعزيز الوعي بأهمية الذوق العام، تجسيدًا لقيم الإسلام في احترام مشاعر
الآخرين ومراعاة حقوقهم وخصوصياتهم، وسعيًا إلى بناء مجتمع راق تسوده المودة والاحترام،
ويعبِّر عن أصالته وصدق انتمائه لوطنه》
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل الدين خلقاً، وأكرم
أهله بحسن السمت والهدي، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، القائل: «إنما
بعثت لأتمم صالح الأخلاق» ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد:
أيها المسلمون، إن من أعظم ما يعاني منه
واقعنا اليوم ذلك الجفاء في التعامل، وغلظة الطبع، وفقدان الذوق في المخاطبة والمعاملة،
حتى صار الناس يستوحشون من بعضهم، ويفتقدون تلك اللمسة النبوية التي كانت تجعل من العادي
عبادة، ومن البسيط قربة. والذوق العام ليس ترفاً حضارياً، بل هو جوهر الدين، وثمرة
الإيمان، وعنوان الرقي الحقيقي للسلوك.
ولكي نضع أيدينا على الجرح، ونعالج الداء،
نستهل حديثنا بقصة صحابي جليل، خليفة رسول الله ﷺ، أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي يجسد
الذوق العام في أرقى صوره، قبل أن يكون خليفة، وحين كان خليفة.
القصة: كان لأبي بكر الصديق جيران من اليتامى
الصغار، وعلى رأسهم عجوز كبيرة في السن، وكان رضي الله عنه يقوم بخدمتهم بنفسه، فكان
يحلب لهم الشياه في الليل، ويطهر لهم الطعام، ويقضي حوائجهم في صمت. ولما صار خليفة
للمسلمين، تناهى إلى سمعه حسرة أولئك العجائز، لأنهن سيحرمن من خدمته لهن بسبب انشغاله
بأمور الرعية.
فذات يوم قرع داراً من تلك الديار، فسارعت
فتاة صغيرة لتفتح الباب، وإذا بها تصيح: "جاء حالب الشاة!"، فلما عرفت أنه
أبو بكر خليفة المسلمين، أرادت أن تصحح عبارتها، فقال لها: "دعيها، لقد وصفتني
بأحب الأعمال إلى الله". إنه الذوق الذي يجعل من خدمة الضعفاء شرفاً، ومن التواضع
جمالاً، حتى قال فيه النبي ﷺ: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر» .
عباد الله، إن خطبة اليوم تدور حول ثلاثة
عناصر إجمالية، نأخذ منها زاداً لإصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا:
أولاً: الذوق مع الله: مراقبة السرائر وتزكية
النفوس.
ثانياً: الذوق مع النبي ﷺ: الاقتداء بهديه في القول والعمل.
ثالثاً: الذوق مع الخلق: بسط الوجه، ولين
الجانب، وحفظ الحقوق.
أما العنصر الأول: الذوق مع الله.
إن أصل الذوق هو أن يستحي العبد من ربه
في الخلوة كما يستحي من الناس في العلن. فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ
عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. والذوق مع الله يعني أن تكون سريرتك كعلانيتك، بل أصفى. وقد سئلت
عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن" .
فالذوق مع الله يقتضي ألا ترى نفسك أهلاً للعجب، وأن تعلم أن كل نعمة من الله، قال
تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. ومن الذوق مع الله:
تعظيم شعائره، ومنها الطهارة والنظافة، فإن النظافة من الإيمان، والذوق العام يبدأ
من طهارة القلب والبدن واللسان.
أما العنصر الثاني: الذوق مع النبي ﷺ.
إن من تمام الأدب مع الله أن تتأدب مع رسوله
ﷺ، فهو القدوة في كل شيء. كان ﷺ أحسن الناس خلقاً ، وكان يجيب دعوة الحر
والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى، ويقبل عذر المعتذر . ومن الذوق معه ﷺ: ألا ترفع صوتك فوق صوته، وأن تلتزم بسنته
في هيئتك وطعامك وشرابك وكلامك. ومن صور الذوق النبوي في الطرقات ما رواه أبو سعيد
الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إياكم والجلوس على الطرقات»، قالوا:
ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق
حقها»، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف
ونهي عن المنكر» . إنه منهج حياة كامل للذوق العام في الأماكن العامة، يمنع التضييق
على الناس، ويحفظ حرمات الطرقات.
أما العنصر الثالث: الذوق مع الخلق.
وهو عنوان رقي السلوك وجمال الأخلاق. قال
النبي ﷺ: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم
القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء» . والذوق مع الخلق يبدأ ببسط الوجه،
فقد قال ﷺ: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن
يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» . ومن الذوق مع الخلق: الإحسان إلى الجار، وإكرام
الضيف، وحسن التعامل مع الأهل والأولاد، والرفق بالخدم والعمال.
واسمحوا لي أن أضرب لكم مثلاً من ذوق السلف مع الخلق، يبين لنا كيف كان الصحابة والتابعون يربون أنفسهم على هذا الخلق الرفيع.
يحكي كثير بن مرة قال: دخلت المسجد يوم الجمعة، فمررت بعوف بن مالك الأشجعي رضي الله
عنه وهو باسط رجليه، فلما رآني ضم رجليه، ثم قال: "يا كثير، أتدري لم بسطت رجلي؟
بسطتهما رجاء أن يجيء رجل صالح فأجلسه، وإني لأرجو أن تكون رجلاً صالحاً" . انظروا
إلى هذا الذوق في المجلس الواحد، وكيف يفسح المسلم لأخيه، وكيف يظهر حسن الظن بالناس،
وكيف يترك العادة البسيطة (بسط الرجلين) من أجل إكرام القادم. هذا هو الذوق الذي نفتقده
اليوم في مجالسنا وطرقاتنا وأسواقنا.
اللهم إنا نسألك حسن الخلق، وأن تجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه
وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن الذوق العام لا يكتمل إلا بجملة من
الممارسات العملية التي نحتاج أن نغرسها في أنفسنا وأبنائنا ومجتمعاتنا. ومن ذلك:
أولاً: الذوق في الكلمة.
الكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الخبيثة كشجرة
خبيثة. قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. ومن الذوق ألا تكون
فظاً غليظاً، فقد قال الله لنبيه: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا
مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. فما أحوجنا اليوم إلى تعليم أبنائنا كيف يخاطبون الكبير
والصغير، وكيف يردون على المسيء بالإحسان.
ثانياً: الذوق في النظام والمواعيد.
إن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، وقد
حذر النبي ﷺ من ذلك فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث
كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» . فالالتزام بالمواعيد، واحترام أنظمة المرور،
وعدم إيذاء الناس في الطرقات، كل ذلك من الذوق العام الذي يحبه الله ورسوله.
ثالثاً: الذوق في المظهر والهيئة.
إن الإسلام دين النظافة، وقد أمرنا بالتجمل
في المساجد، فقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:
31]. ومن الذوق ألا تخرج إلى الناس برائحة كريهة، أو هيئة غير مرتبة، فإن الله جميل
يحب الجمال، وإن النظافة عنوان المسلم الحقيقي.
رابعاً: الذوق في العشرة.
قال النبي ﷺ: «خياركم أحاسنكم أخلاقاً» . ومن حسن العشرة:
أن تبدأ الناس بالسلام، وأن تبتسم في وجوههم، وأن تكون هيناً ليناً، قال ﷺ: «المؤمن إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف
ولا يؤلف».
أيها الناس، إن الأخلاق هي أساس الأمم،
وما سادت أمة إلا بأخلاقها، وما سقطت أمة إلا بفساد أخلاقها. فاتقوا الله في أنفسكم،
وربوا أبناءكم على الذوق والأدب، وكونوا قدوة لغيركم في الأسواق والمساجد والبيوت،
فإنما بعث نبيكم ﷺ ليتمم صالح الأخلاق.
اللهم اجعلنا من أحسن عبادك خلقاً، وأقربهم
إليك منزلة، وارزقنا الذوق في القول والعمل، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين
والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم
على ملة نبيك، وأوزعهم أن يوفوا بالعهد الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من
قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم أصلح أخلاقنا وأعمالنا
وأقوالنا، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم آمين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.