وأعدوا
بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، التوعية بأمر الإسلام بإعداد العدة، أخذًا بأسباب القوة
موضوع الخطبة الثانية: «مواجهة التشكيك
في قيمة ومكانة الوطن»
الافتتاح وقصة الصحابي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله
حق التقوى، فإن التقوى هي الزاد الذي لا ينفد، والدرع الذي لا يُخترق. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
وأبدأ حديثي اليوم بقصة عظيمة من قصص الصحابة
الكرام، رضي الله عنهم أجمعين، قصة تُجسّد معنى الإعداد والتضحية والاستعداد لما فيه
عزّ الأمة وحفظ بيضتها.
روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
لما نزلت هذه الآية: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ
لَهُ﴾، قال أبو الدحداح الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟
قال: «نعم يا أبا الدحداح». قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده. قال: فإني
قد أقرضت ربي حائطي، وله فيه ست مائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها. قال: فجاء أبو
الدحداح فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك. فقال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز وجل
[رواه ابن كثير في تفسيره].
هذا الصحابي الجليل، لم يكتفِ بالقول، بل
بادر بالفعل، وأعدّ ما يستطيع، وقدّم أفضل ما يملك رخيصًا في سبيل الله. وهذا هو المعنى
العميق الذي تدعونا إليه الآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن
قُوَّةٍ﴾.
العناصر الإجمالية للخطبة
أيها المؤمنون، سأقف معكم في هذه الخطبة
حول ثلاثة عناصر رئيسية:
العنصر الأول: مفهوم القوة والإعداد في
الإسلام، وسعة دلالته.
العنصر الثاني: صور الإعداد وأسبابه في
واقعنا المعاصر.
العنصر الثالث: أثر الإعداد على الأمة وأجيالها.
فإلى التفصيل والتوضيح، مستعنين بالله تعالى.
العنصر الأول: مفهوم القوة والإعداد في
الإسلام
المعنى اللغوي والإصلاحي
أيها الناس، إن قوة الأمم لا تقاس بما تملكه
من موارد فحسب، ولا بما تحوزه من أدوات الدفاع وحدها، وإنما بما تبنيه في الإنسان من
علمٍ ووعيٍ وخلقٍ وعزيمة، وبما تُحسن إدارته من ثرواتٍ وإمكانات، وبما تهيئه من أسبابٍ
تحمي أمنَها وتصونُ مقدراتها وتدفع بها إلى البناء والعمران .
ومن هنا يأتي التوجيه القرآني البصير:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ
بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]. توجيهًا يفتح أمام الأمة آفاقًا
واسعة للإعداد، ويحثها على الأخذ بأسباب المنعة والتقدم، وإعمال العقل، وتنمية العلم،
واستثمار الطاقات، وترسيخ القيم، وحسن تدبير الموارد .
وقد جاء لفظ ﴿قُوَّةٍ﴾ نكرةً في سياق الأمر؛
بما يدل على سعة مدلولها وتنوع صورها بحسب ما تحتاج إليه الأمة. قال الزمخشري رحمه
الله: «مِنْ قُوَّةٍ: من كل ما يتقوّى به في الحرب من عُددها» [تفسير الكشاف]. وجاء
قوله: ﴿مَّا اسْتَطَعْتُم﴾ ليجعل الإعداد مرتبطًا بالقدرة والإمكان، ومتجددًا بتجدد
الأحوال والوسائل
.
تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقوة
وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم القوة
في أبرز صورها فقال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ثلاثًا [رواه مسلم]. فدلّ
على أهمية إتقان وسائل الدفاع في كل عصر، دون أن ينحصر مفهوم القوة فيها .
ويؤكد سعة المعنى قوله صلى الله عليه وسلم:
«الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ،
وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» [رواه مسلم]. وقد حمل العلماء القوة فيه على معانٍ متعددة، منها
قوة العزيمة والهمة والقدرة على العمل .
القوة في القرآن الكريم
ويؤيد ذلك قوله تعالى في وصف من تتوافر
فيه مقومات الكفاءة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:
26]. فجمع بين القوة والكفاءة من جهة، والأمانة والقيمة الأخلاقية من جهة أخرى؛ لتكتمل
صلاحية الإنسان لحمل المسؤولية
.
ومن هنا قرر عدد من المفسرين أن صور القوة
تتنوع بتنوع الأزمنة، فتدخل فيها وسائل الدفاع، والعلم، والصناعة، والاقتصاد، وسائر
أسباب المنعة. وهو ما ينسجم مع التجربة الحضارية الإسلامية التي قامت على تكامل عناصر
متعددة، لا على سبب واحد؛ فالقوة منظومة تتساند فيها القدرة والمعرفة والأخلاق والإرادة .
العنصر الثاني: صور الإعداد وأسبابه في
واقعنا المعاصر
القوة البشرية والعلمية
أيها المسلمون، إن من أعظم صور الإعداد
في زماننا هذا: إعداد الإنسان المؤمن القوي، العالم العامل، المخلص لوطنه وأمته. فقد
روى الإمام أحمد عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: «رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات جرى عليه عمله
الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان» [رواه أحمد].
وفي هذا الحديث دلالة عظيمة على أن الأعمال
التي يعدّ بها الإنسان نفسه لخدمة دينه ووطنه تستمر بركتها حتى بعد وفاته، وهذا حافز
عظيم على الاستعداد والإعداد.
وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على قيمة
العلم والعمل حين قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» [رواه أحمد].
وهذا توجيه نبوي كريم إلى عدم التوقف عن البناء والعمل مهما كانت الظروف، فالإعداد
الحقيقي هو الاستمرار في العطاء.
القوة الاقتصادية
ومن صور الإعداد أيضًا: القوة الاقتصادية
والاستقلال المالي. فقد حثّ الإسلام على العمل والكسب الحلال، وجعل السعي في طلب الرزق
عبادة. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا
وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15].
إن الأمة القوية هي التي تُحسن إدارة مواردها،
وتنمّي اقتصادها، وتحرص على الاستقلال في غذائها ودوائها وسلاحها. وهذا كله داخل في
عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.
القوة الأخلاقية
أيها المؤمنون، إن من أعظم ما تُبنى به
الأمم: الأخلاق والقيم. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم
الأخلاق» [رواه أحمد]. وقال: «أثقل ما يوضع في الميزان: الخلق الحسن» [رواه الترمذي].
إن الأمة التي تفقد أخلاقها تفقد قوتها
مهما ملكت من سلاح ومال. ولذلك كان الإعداد الأخلاقي جزءًا لا يتجزأ من الإعداد الشامل.
فالصدق والأمانة والوفاء والإخلاص وحسن المعاملة: كلها أسباب لبقاء الحضارات، ودروع
تحمي المجتمعات من الانهيار.
القوة بالوحدة والاعتصام
ومن أهم صور الإعداد: الاجتماع والاعتصام
بحبل الله. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
[آل عمران: 103]. فالأمة المتفرقة لا تُرهب عدوًّا، ولا تحمي وطنًا. ولذلك كان من أعظم
الإعداد: وحدة الصف، وجمع الكلمة، ونبذ الفرقة والاختلاف.
العنصر الثالث: أثر الإعداد على الأمة وأجيالها
حماية الأوطان والمقدرات
أيها المسلمون، إن أثر الإعداد لا يقتصر
على مواجهة الأعداء فحسب، بل يمتد إلى حماية الأوطان وصيانة المقدرات. فالأمم التي
تريد أن تصنع مستقبلها إنما تُعِدُّ للقوة أسبابها، ولا تكتفي بمواجهة الأزمات حين
تقع، بل تستشرفها، وتبني من العلم والعمل والأخلاق والوعي سِياجًا يحمي حاضرَها ويمهّد
لمستقبلها
.
وقد روى الطبراني بسند حسن عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمو
له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتان القبر». وقال ابن حبان: صحيح .
أمانة توارثها الأجيال
إن الوطن أمانة، والدفاع عنه شرف، والعمل
على رفعته عبادة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحب وطنه، وقال حين خرج من مكة
مهاجرًا: «والله إني لأعلم أنك أحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت»
[رواه الترمذي]. فحب الوطن فطرة سليمة، وغريزة إنسانية متأصلة، والمحافظة على الوطن
ومقدراته من المقاصد الشرعية المعتبرة .
ولقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأهل
مصر خيرًا فقال: «إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن
لهم ذمة ورحمًا» [رواه مسلم]. وهذه الوصية تستوجب الدفاع عن أمن مصر وصون عزتها، والحرص
على استقرارها ورفعتها
.
الختام والدعاء
أيها المسلمون، إن الإعداد فريضة، والقوة
أمانة، والوطن مسؤولية. فلنعدّ أنفسنا وأبناءنا إعدادًا شاملاً: بالعلم والعمل، وبالأخلاق
والقيم، وبالوحدة والاعتصام، وبكل ما فيه عزّ الأمة وحفظ الأوطان.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحفظ أوطاننا، وأن يبارك في شبابنا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم احفظ مصر وأهلها، وسائر بلاد المسلمين، من كل سوء ومكروه. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. وأقم الصلاة.