وَأَعِدُّوا
منَ الإعدادِ إلى النصرِ.. ومنَ النصرِ
إلى الوفاءِ
العنصرُ الأوّلُ: وَأَعِدُّوا؛ فالقوّةُ تبدأُ من حُسنِ الإعدادِ
العنصرُ الثالث: يومٌ اجتمعتْ فيه العربُ على قلبٍ واحدٍ
العنصرُ الرابع: أمانةُ النصرِ؛ أن نحفظَ
ما حماهُ الشهداءُ
العنصرُ الخامس: الوطنُ في وجدانِنا؛ أرضٌ
وذاكرةٌ وكرامةٌ وأمانةٌ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ
على سيدِنا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.
ونشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ
له، ونشهدُ أن سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ عليه، وعلى
آلهِ وصحبِه، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.
أمّا بعدُ:
فاتّقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ
تقوى اللهِ أصلُ كلِّ قوّةٍ، وأنَّ الأممَ التي تعرفُ قيمةَ نِعَمِها، وتحسنُ إعدادَ
أبنائِها، وتحفظُ أرضَها، وتصونُ أمنَها، وتؤدّي الأمانةَ التي حملَها السابقونَ إليها،
أُمّةٌ تعرفُ طريقَها إلى المستقبلِ.
قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
التمهيد
أيُّها المصريونَ، تأتي ذكرى السادسِ من
أكتوبرَ كلَّ عامٍ، فتفتحُ في الذاكرةِ صفحةً لا تشبهُ سائرَ الصفحاتِ؛ صفحةً كتبتْها
مصرُ بدماءِ أبنائِها، ورفعتْ رايتَها فوقَ أرضِ سيناءَ.
يأتي أكتوبرُ فنسمعُ في وجدانِنا صوتَ التكبيرِ،
ونرى الجنديَّ المصريَّ يعبرُ القناةَ، ونستحضرُ وجوهَ رجالٍ خرجوا إلى المعركةِ، وبعضُهم
لم يعُدْ، لكنَّهم عادوا إلى وطنِهم في صورةٍ أخرى: ذكرى لا تموتُ، وكرامةٍ لا تنكسرُ،
وسيرةٍ يرويها الآباءُ للأبناءِ.
إنّها ذكرى النصرِ، لكنّها قبلَ ذلك ذكرى
رجالٍ عرفوا واجبَهم، فأعدّوا له، وصبروا عليه، وبذلوا أرواحَهم من أجلِه.
وفي هذا اليومِ، لا نستدعي الماضي للبكاءِ
عليه، بل نستدعيه لنفهمَ رسالتَه: أنَّ مصرَ حينَ توحّدُ إرادتَها، وتحسنُ إعدادَ رجالِها،
وتعرفُ قيمةَ أرضِها، تستطيعُ أن تعبرَ أصعبَ اللحظاتِ.
إنَّ السادسَ من أكتوبرَ ليس صفحةً في كتابِ
التاريخِ فحسبُ؛ إنّه درسٌ حيٌّ في معنى الإرادةِ، وقيمةِ الإعدادِ، وصدقِ الانتماءِ،
وثمنِ الكرامةِ.
رحمَ اللهُ شهداءَ مصرَ، وحفظَ جيشَها،
وصانَ أرضَها، وأدامَ عليها أمنَها وعزّتَها وكرامتَها.
أوّلًا: «وَأَعِدُّوا؛ فالقوّةُ تبدأُ من حُسنِ الإعدادِ»
أيُّها الأحبّةُ، إنَّ قولَه تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا
لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ ليس آيةً تُتلى في مواسمِ النصرِ ثمَّ تُطوى،
بل هو منهجُ حياةٍ للأممِ التي تريدُ أن تصونَ أرضَها وكرامتَها.
والقوّةُ في هديِ الإسلامِ واسعةٌ؛ قوّةُ
الإيمانِ، والعلمِ، والعملِ، والاقتصادِ، والتخطيطِ، والانضباطِ، والسلاحِ، والإنسانِ
القادرِ على أداءِ واجبِه.
قال النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: «ألا
إنَّ القوّةَ الرميُ» ثلاثًا. وجاء عنه صلى اللهُ عليه وسلم: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ
وأحبُّ إلى اللهِ منَ المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ».
وحينَ نقرأُ هذه المعاني في ذكرى السادسِ
من أكتوبرَ، نفهمُ أنَّ النصرَ الذي صنعَه رجالُ القوّاتِ المسلّحةِ المصريةِ لم يكن
وليدَ لحظةٍ عابرةٍ، بل ثمرةَ إعدادٍ طويلٍ، وتدريبٍ شاقٍّ، وتخطيطٍ دقيقٍ، وصبرٍ على
مرارةِ السنواتِ.
لقد استعادَ الجنديُّ المصريُّ ثقتَه، وحملَ
سلاحَه بعقيدةٍ راسخةٍ، وعبرَ القناةَ في ساعةٍ عظيمةٍ، وهو يعلمُ أنَّ خلفَه وطنًا
ينتظرُ عودةَ الأرضِ ورفعَ رايةِ الكرامةِ.
وهكذا تعلّمُنا أكتوبرُ أنَّ الأوطانَ تُحمى
بالاستعدادِ، وأنَّ العلمَ قوّةٌ، والانضباطَ قوّةٌ، والإخلاصَ قوّةٌ، وأنَّ الأمّةَ
التي تحسنُ إعدادَ رجالِها تستطيعُ أن تواجهَ أصعبَ الظروفِ بثباتٍ.
فاحفظوا هذه الرسالةَ، وربّوا أبناءَكم
على العملِ والعلمِ والجدِّ، واجعلوا حبَّ مصرَ دافعًا للبناءِ، وصونًا للأمانةِ، ووفاءً
لمن بذلوا أرواحَهم.
ثانيًا: «السادسُ من أكتوبر؛ يومٌ عبرتْ فيه مصرُ إلى النصرِ والكرامةِ»
وفي السادسِ من أكتوبرَ عامَ ١٩٧٣م، جاءَ
اليومُ الذي انتظرَه المصريونَ طويلًا؛ يومٌ عبرتْ فيه القوّاتُ المسلّحةُ المصريةُ
قناةَ السويسِ، وارتفعتْ راياتُ النصرِ على أرضِ سيناءَ.
كان المشهدُ أكبرَ من حركةٍ عسكريةٍ؛ كان
لحظةَ استردادِ الثقةِ، وعودةِ الكرامةِ، وإعلانًا أنَّ الهزيمةَ لا تُقيمُ في نفوسِ
الرجالِ إذا بقيتِ الإرادةُ حيّةً.
عبرَ الجنودُ تحتَ رايةِ «اللهُ أكبرُ»،
واقتحموا خطَّ بارليفَ، وواجهوا النارَ بثباتٍ وشجاعةٍ، وسقطَ الشهداءُ وهم يقدّمونَ
أعظمَ ما يملكُه الإنسانُ دفاعًا عن وطنِه.
وفي تلك الساعاتِ، كان لكلِّ بيتٍ مصريٍّ
قلبٌ معلّقٌ بالجبهةِ، ولكلِّ أمٍّ دعاءٌ، ولكلِّ أبٍ رجاءٌ، ولكلِّ جنديٍّ وطنٌ يسكنُ
قلبَه.
وما أعظمَ أن نتذكّرَ اليومَ أنَّ سيناءَ
لم تعدْ ذكرى بعيدةً في وجدانِ المصريينَ، بل أرضًا مصريةً عزيزةً عادتْ إليها الرايةُ
والسيادةُ.
إنَّ أكتوبرَ يعلّمُ الأجيالَ أنَّ النصرَ
له ثمنٌ، وأنَّ الكرامةَ تُصانُ بالتضحياتِ، وأنَّ الجنديَّ الذي يقفُ على الحدودِ
اليومَ امتدادٌ لذلك الجنديِّ الذي عبرَ بالأمسِ.
فلنذكرْ أبطالَنا بكلِّ فخرٍ، ولنترحّمْ
على شهدائِنا بكلِّ وفاءٍ، ولنعلّمْ أبناءَنا أنَّ التاريخَ لا يصنعُه المتفرّجونَ،
وأنَّ مصرَ التي عبرَ رجالُها القناةَ قادرةٌ بعونِ اللهِ على عبورِ كلِّ تحدٍّ، ما
دامَ فيها الإيمانُ والعملُ والعلمُ والرجالُ.
ثالثًا: «يومٌ اجتمعتْ فيه العربُ على قلبٍ واحدٍ»
ومن أجملِ صفحاتِ السادسِ من أكتوبرَ أنَّ
مصرَ وجدتْ أشقاءَها العربَ إلى جوارِها، فكانتِ المعركةُ شاهدًا على أنَّ رابطةَ الأخوّةِ
يمكنُ أن تتحوّلَ في ساعةِ الشدّةِ إلى موقفٍ وعطاءٍ وتضحيةٍ.
شاركَ العراقُ، والجزائرُ، وليبيا، والأردنُّ،
والمغربُ، والسعوديةُ، والسودانُ، والكويتُ، وتونسُ بقوّاتٍ ومقاتلينَ، وقدّمتْ دولٌ
عربيةٌ أخرى دعمَها بالمالِ والنفطِ والموقفِ والمساندةِ.
ونذكرُ الجميعَ اليومَ بوفاءٍ وتقديرٍ،
لا تفصيلًا في الحسابِ، بل حفظًا للجميلِ، وترسيخًا لمعنى الأخوّةِ الذي بقيَ في ذاكرةِ
المصريينَ.
لقد وقفَ رجالٌ عربٌ في ساحاتِ القتالِ،
ووقفَ آخرونَ خلفَ المعركةِ بما استطاعوا من إسنادٍ، وكان لكلِّ يدٍ امتدّتْ إلى مصرَ
في ذلك الظرفِ مكانٌ في سجلِّ الوفاءِ.
وما أجملَ أن يستعيدَ الأبناءُ هذه الصفحةَ
بعيدًا عن الجفاءِ والنسيانِ؛ فالتاريخُ لا يحفظُ السلاحَ وحدَه، بل يحفظُ المواقفَ
أيضًا.
وفي ذكرى النصرِ نقولُ لأشقّائنا العربِ:
شكرًا لكلِّ جنديٍّ عربيٍّ شاركَ، ولكلِّ دولةٍ ساندتْ، ولكلِّ يدٍ عربيةٍ أعانتْ،
ولكلِّ قلبٍ عربيٍّ فرحَ بنصرِ مصرَ.
رحمَ اللهُ شهداءَ الأمّةِ جميعًا، وحفظَ
اللهُ بلادَ العربِ وشعوبَها.
لقد كانتْ مصرُ في قلبِ المعركةِ، وكانتْ
سيناءُ ميدانَها، وكان حولَها أشقاءُ يشاركونَها همَّها وأملَها، فبقيتْ هذه الذكرى
صفحةً من صفحاتِ التضامنِ العربيِّ التي تستحقُّ أن تُروى للأجيالِ بصدقٍ واعتزازٍ
ووفاءٍ.
رابعًا: «أمانةُ النصرِ؛ أن نحفظَ ما حماهُ الشهداءُ»
أيُّها المصريونَ، إنَّ أعظمَ ما نقدّمُه
لشهدائِنا بعدَ مرورِ السنينِ أن نحفظَ المعنى الذي بذلوا أرواحَهم من أجلِه.
فالشهيدُ الذي تقدّمَ في ساعةِ الخطرِ لم
يكن يبحثُ عن مجدٍ شخصيٍّ، بل كان يرى وطنًا يستحقُّ أن يعيشَ عزيزًا آمنًا، ويرى أرضًا
يجبُ أن تعودَ، وأجيالًا ينبغي أن تنشأَ مرفوعةَ الرأسِ.
ولذلك فإنَّ الوفاءَ للشهداءِ لا يكونُ
بالكلماتِ وحدَها، بل بأن نصونَ مصرَ، ونحترمَ مؤسساتِها، ونحفظَ أمنَها، ونؤدّيَ أعمالَنا
بإتقانٍ، ونواجهَ الشائعاتِ بالوعيِ، ونحميَ المالَ العامَّ، ونغرسَ في أبنائِنا قيمةَ
المسؤوليةِ.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
ومن الوفاءِ أن يعرفَ أبناؤُنا أسماءَ المعاركِ
ومعانيَها، وأن يزوروا الذاكرةَ الوطنيةَ بالعلمِ لا بالأساطيرِ، وأن يدركوا أنَّ الأمنَ
الذي نعيشُ فيه وراءَه رجالٌ يسهرونَ على الحدودِ، ويحملونَ أرواحَهم على أكفِّهم.
يا أبناءَ مصرَ، لا تجعلوا ذكرى أكتوبرَ
يومًا عابرًا؛ اجعلوها عهدًا على الجدِّ والعملِ، وعلى أن تكونوا أهلًا للأرضِ التي
حماها الشهداءُ.
وكلُّ إنجازٍ نحقّقُه بإخلاصٍ هو هديّةٌ
إلى أرواحِهم؛ وكلُّ مدرسةٍ نبنيها، وكلُّ مصنعٍ نعملُ فيه، وكلُّ مريضٍ نداويه، وكلُّ
طفلٍ نعلّمُه، هو لبنةٌ في وطنٍ يستحقُّ أن يبقى قويًّا كريمًا.
رحمَ اللهُ شهداءَ مصرَ، وحفظَ جنودَها،
وأدامَ عليها الأمنَ والعزّةَ.
خامسًا: «الوطنُ في وجدانِنا؛ أرضٌ وذاكرةٌ وكرامةٌ وأمانةٌ»
أيُّها الأحبّةُ، الوطنُ في وجدانِ الإنسانِ
أرضٌ وذاكرةٌ وبيتٌ وكرامةٌ وأمانةٌ.
وقد جعلَ اللهُ حبَّ الديارِ أمرًا فطريًّا،
ولذلك قال سبحانه عن شدّةِ مفارقةِ الوطنِ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم﴾، فذكرَ الخروجَ من الديارِ في
سياقٍ عظيمٍ من المشقّةِ.
وحينَ قال النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم
عن أُحُدٍ: «هذا جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه»، ظهرَ في الحديثِ معنى جميلٌ من تعلّقِ القلبِ
بالمكانِ الذي شهدَ الذكرياتِ والعباداتِ والحياةَ.
وحبُّ الوطنِ في الإسلامِ لا يعني ظلمَ
أحدٍ، ولا احتقارَ شعبٍ، ولا التعصّبَ للباطلِ؛ بل يعني أن يحبَّ الإنسانُ أرضَه، ويحفظَ
أمنَها، ويصونَ مصالحَ أهلِها، ويعملَ لخيرِها، ويشكرَ اللهَ على نعمةِ الأمانِ فيها.
ومصرُ ليستْ مجرّدَ حدودٍ على خريطةٍ؛ مصرُ
بيوتُ الأهلِ، ومدارسُ الأبناءِ، ومساجدُ العبادةِ، وذكرياتُ الآباءِ، ودماءُ الشهداءِ،
ونيلٌ يجري في الوجدانِ، وسيناءُ التي عادتْ رايتُها مرفوعةً.
ولذلك فإنَّ أمانةَ الوطنِ تبدأُ من سلوكِ
كلِّ واحدٍ منّا: في عملِه، وطريقِه، وبيتِه، ومهنتِه، وكلمتِه، وما ينشرُه بينَ الناسِ.
فلنحبَّ مصرَ حبًّا يصنعُ المسؤوليةَ، ولنجعلْ
ذكرى أكتوبرَ عهدًا جديدًا على البناءِ والصدقِ والإتقانِ.
ومن أحبَّ وطنَه حقًّا أحسنَ خدمتَه، وحفظَ وحدتَه، ودافعَ عن أمنِه، وأورثَ أبناءَه أرضًا عزيزةً تستحقُّ الوفاءَ.