recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة ولقدْ كرَّمنا بنِي آدمَ الإمام والفقيه

 ولقدْ كرَّمنا بنِي آدمَ 


 

كرامةٌ لا تبدأُ منكَ.

  حينَ مشتِ الكرامةُ على الأرضِ.

  منْ أنتَ حينَ تملكُ القوةَ؟ (ثلاثةُ مواضعَ يظهرُ فيهَا معدنُكَ).

 

الحمدُ للهِ العليِّ الأعلى، الذي خلقَ فسوى، وقدّرَ فهدى، كرّمَ بني آدمَ وفضلَهُم على كثيرٍ مِمَّن خلقَ تفضيلًا، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ؛ كرّمَ أصلَ هذا الإنسانِ، فخلقَ آدمَ بيدِهِ، وأسجدَ لهُ ملائكتَهُ، ثمَّ أجرى التكريمَ في ذريّتِهِ، وأشهدُ أنَّ سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، رحمةً للعالمينَ، وقدوةً في حفظِ حرماتِ الناسِ وأقدارِهِمْ، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومنْ تبعَهُمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

أمَّا بعدُ؛ فيا عبادَ اللهِ: اتقوا اللهَ حقَّ التقوى، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرةِ: 197].

معاشرَ المسلمينَ: لوْ سالَ دمُ امرئٍ أمامَنَا في سِكَّةٍ منَ السككِ لفزعتِ القلوبُ، وشخصتِ الأبصارُ، وتنادى الناسُ بإنكارِ الجنايةِ ونجدةِ المجروحِ؛ لأنَّ الجسدَ إذا طُعِنَ سالَ دمُهُ فرأينَاهُ عيانًا!

ولكنْ.. لقدْ صارَ الإنسانُ في بعضِ بيئاتِ العصرِ رقمًا، أوْ صورةً على شاشةٍ، أوْ اسمًا في حسابٍ، أوْ مادةً للسخريةِ والتداولِ؛ حتى يكادَ ينسى المرءُ وهوَ يتعاملُ معَ أخيهِ أنَّهُ أمامَ بشرٍ لهُ قلبٌ يتألمُ، ونفسٌ تنكسرُ، وكرامةٌ جعلَ اللهُ لهَا حرمةً عُظمَى! إنَّ الدمَ إذا سالَ رأينَاهُ، وأمَّا الكرامةُ إذا انكسرتْ فلا دماءَ لهَا تُسكبُ على الأرضِ، ولكنَّهَا تستقرُّ في أعماقِ القلوبِ قهرًا ومرارةً!

والقرآنُ العظيمُ لا يتعاملُ معَ كرامةِ الإنسانِ على أنَّهَا شعورٌ عارضٌ يجودُ بهِ قويٌّ على ضعيفٍ، بلْ يقررُ لهَا كرامةً ربانيةً فطريةً نزلَ بهَا الوحيُ منْ فوقِ سبعِ سماواتٍ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراءِ: 70].

 العنصرُ الأولُ: كرامةٌ لا تبدأُ منكَ

أيها الإخوةُ الأفاضلُ: كرامةُ الإنسانِ لا تنشأُ عنْ مالٍ كسبَهُ، ولا منصبٍ ارتقاهُ، ولا حسبٍ ينتمي إليهِ، بلْ هيَ كرامةٌ «سابقةٌ على إنجازِهِ».

يقولُ الإمامُ القشيريُّ رحمَهُ اللهُ متأملًا هذا التكريمَ: «إنَّهُ لا يكونُ مقابلَ فعلٍ، أوْ معللًا بعلةٍ، أوْ مسببًا باستحقاقٍ يوجبُ ذلكَ التكريمَ» [لطائفُ الإشاراتِ للقشيريِّ، ج2، ص360]؛ فهيَ منحةٌ ربانيةٌ مجردةٌ تنالُها لمجردِ أنَّكَ بشرٌ مخلوقٌ للهِ.

ويقولُ الشيخُ محمدُ متولي الشعراويُّ رحمَهُ اللهُ في خواطرِهِ: «وهلْ هناكَ تكريمٌ لبني آدمَ أعظمُ مِنْ أنْ يُعدَّ لهُمْ مقوماتُ حياتِهِمْ قبلَ أنْ يخلقَهُمْ؟! كلُّ ما في الوجودِ مسخرٌ لكمْ مِنْ قبلِ أنْ توجدُوا؛ لأنَّ خلقَ اللهِ تعالى إمَّا خادمٌ وإمَّا مخدومٌ، وأنتَ أيُّهَا الإنسانُ مخدومٌ منْ كلِّ أجناسِ الكونِ!». [خواطرُ الشعراويِّ، ج14، ص8679].

فيا عبدَ اللهِ.. إذا كانَ اللهُ جلَّ جلالُهُ قدْ سخرَ لكَ الكونَ جميعًا، فكيفَ تتجَرَّأُ أنتَ على إهانةِ منْ كرَّمَهُ اللهُ أوْ امتهانِهِ؟!

ثمَّ جاءَ القرآنُ لينسفَ موازِينَ الجاهليةِ؛ فقالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجراتِ: 13].

واعلموا -عبادَ اللهِ- أنَّ الإسلامَ لا يساوي بينَ الناسِ في العقيدةِ والحقِّ والباطلِ، لكنَّهُ لا يسمحُ لكَ أبدًا أنْ تُسقطَ عنِ الإنسانِ إنسانيَّتَهُ؛ قدْ تخالفُهُ ولا تهينُهُ، وقدْ تنكرُ عليهِ ولا تشمتُ بهِ، وقدْ تردُّ خطأَهُ ولا تكسرُ نفسَهُ، وقدْ تختلفُ معَهُ ولا تظلمُهُ.

وقدْ حسمَ نبيُّكُمْ ﷺ هذا الميزانَ فيمَا رواه الشيخان: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» [أخرجه البخاريُّ: 6064، ومسلمٌ: 2564].

العنصرُ الثاني: حينَ مشتِ الكرامةُ على الأرضِ

عبادَ اللهِ: لمْ تكُنْ هذهِ الكرامةُ شعارًا نظريًّا، بلْ مشتْ على الأرضِ في هديِ النبيِّ ﷺ عبرَ ثلاثةِ مشاهدَ مهيبةٍ:

المشهدُ الأولُ: كرامةُ الإنسانِ لمجردِ إنسانيَّتِهِ: كانَ سهلُ بنُ حنيفٍ وقيسُ بنُ سعدٍ رضيَ اللهُ عنهمَا بالقادسيةِ، فمرَّتْ بهِمَا جنازةٌ، فقاما، فقيلَ لهُمَا: إنَّهَا منْ أهلِ الأرضِ، أيْ منْ أهلِ الذمةِ، فقالا: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مرَّتْ بهِ جنازةٌ، فقَامَ، فقيلَ لهُ: إنَّهَا جنازةُ يهوديٍّ، فقالَ ﷺ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» [متفقٌ عليهِ: البخاريُّ (1312)، ومسلمٌ (961)].

«أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟»! هذا الإعلانُ النبويُّ يُظهرُ عظمَ حرمةِ النفسِ الإنسانيةِ، وألَّا يكونَ اختلافُ الدينِ سببًا في امتهانِ الإنسانِ وازدرائِهِ.. فإذا كانتِ النفسُ غيرُ المسلمةِ تُحفظُ لهَا مهابةُ الموتِ، فكيفَ بمنْ يُهينُونَ كرامةَ أحياءِ المؤمنينَ كلَّ يومٍ؟!

المَشْهَدُ الثَّانِي: كَرَامَةُ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ كَاسِدٌ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ:

وَيَرتقِي الهديُ النَّبويُّ إِلى رتبةٍ أرقى؛ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرًا…، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّهُ، وَكَانَ دَمِيمًا، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: «أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟» فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ ﷺ، فَجَعَلَ لَا يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ عَرَفَهُ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يَشْتَرِي العَبْدَ؟» فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَنْ تَجِدُنِي كَاسِدًا»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَكِنَّكَ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ، أَوْ قَالَ: عِنْدَ اللهِ أَنْتَ غَالٍ» [أحمدُ: 12648؛ والهيثميُّ في مجمع الزوائد: 9/371، حديث صحيح].

عِبَادَ اللهِ.. أحيانًا لا يحتاجُ الإنسانُ مِنْكَ إلى مالٍ، ولا إلى منصبٍ، ولا أنْ تحلَّ لهُ أزماتِ دهرِهِ.. كلُّ ما يحتاجهُ هوَ كلمةٌ طيبةٌ حانيةٌ تمسحُ انكسارهُ، وتعيدُ إليهِ شعورهُ بأنهُ إنسانٌ ليسَ هيِّنًا على اللهِ ولا على عبادهِ.

وكما روى البيهقيُّ في «الزهدِ الكبيرِ 1/290» عنْ ذي النونِ المصريِّ رحمَهُ اللهُ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللهَ تعالى أخفى ثلاثًا في ثلاثٍ: أخفى غضبَهُ في معصيتِهِ، وأخفى رضاءَهُ في طاعتِهِ، وأخفى ولايتَهُ في عبادِهِ؛ فلا تحقرنَّ شيئًا منْ معاصيهِ فلعلَّهُ أنْ يكونَ فيهِ غضبُهُ، ولا تحقرنَّ شيئًا منْ طاعتِهِ فلعلَّهُ يكونُ فيهِ رضاهُ، ولا تحقرنَّ أحدًا منْ خلقِ اللهِ فلعلَّهُ أنْ يكونَ وليًّا منْ أوليائِهِ».

المشهدُ الثالثُ: كرامةُ الإنسانِ حينَ يخطئُ

وهذا هوَ المحكُّ الأصعبُ! أُتِيَ النبيُّ ﷺ برجلٍ قدْ شربَ الخمرَ، فقالَ: «اضْرِبُوهُ»، فأُقيمتْ عليهِ العقوبةُ الشرعيةُ، فلما انصرفَ المذنبُ، قالَ بعضُ القومِ: أخزاكَ اللهُ! (وفي روايةٍ: اللهمَّ العنْهُ)، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ كابحًا لكلِّ غلظةٍ وتشفٍّ: «لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» [البخاريُّ: 6777، 6781]. معصيةٌ واقعةٌ، وعقوبةٌ شرعيةٌ أُقيمتْ عليهِ، ولكنَّ النبيَّ ﷺ يمنعُ أنْ تتحولَ العقوبةُ إلى سحقٍ للآدميَّةِ! إنَّنَا نرفضُ الذنبَ يا عبادَ اللهِ، ولكنَّنَا لا نهتِكُ كرامةَ المذنبِ ولَا نجعلُ كرامتَهُ مباحةً للتَّشفي؛ فليسَ كلُّ منْ أوقعَهُ ضعفُهُ في الخطأِ سقطتْ كرامتُهُ، وليسَ كلُّ منْ زلَّ استحقَّ أنْ تصبحَ زلتُهُ هويَّتَهُ إلى الأبدِ.

فكيفَ نهدمُ نحنُ كرامةَ الناسِ بألسنتِنَا ثمَّ نحسبُ أنَّنَا لمْ نصنعْ شيئًا قبيحًا؟!

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكمْ.

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيهِ، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ؛ فيا عبادَ اللهِ:

العنصرُ الثالثُ: منْ أنتَ حينَ تملكُ القوةَ؟ (ثلاثةُ مواضعَ يظهرُ فيهَا معدنُكَ)

معاشرَ المسلمينَ: ليسَ الشأنُ أنْ ترعى كرامةَ منْ ترجو نوالَهُ أوْ تخافُ بأسَهُ؛ فَتِلْكَ مُدَارَاةٌ تَحْمِلُكَ عَلَيْهَا الرَّغْبَةُ أَوِ الرَّهْبَةُ.. وإنَّمَا المحكُّ الأصيلُ لإيمانِكَ وأخلاقِكَ هوَ: «منْ أنتَ حينَ تكونُ أنتَ الأقوى، وتكونُ الكلمةُ والقرارُ بيدِكَ؟!». هُنَا فَقَطْ يَبِينُ مَعْدِنُكَ في ثلاثةِ مواضعَ:

الموضعُ الأولُ: حينَ تتكلمُ (كرامةُ اللسانِ): كلمةٌ ساخرةٌ تهزأُ فيهَا بخلقةِ إنسانٍ أوْ فقرِهِ أوْ ثيابِهِ؛ ربمَا تمضي أنتَ ضاحكًا وتنساهَا، ولكنَّهَا تبقى تجرحُ قلبَ أخيكَ سنينَ طوالًا! قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجراتِ: 11]. يقولُ الإمامُ الغزاليُّ رحمَهُ اللهُ: «ومعنَى السخريةِ الاستهانةُ والتحقيرُ، والتنبيهُ على العيوبِ والنقائصِ على وجهٍ يُضحكُ منهُ، وقدْ يكونُ ذلكَ بالمحاكاتِ في الفعلِ والقولِ، وقدْ يكونُ بالإشارةِ والإيماءِ». [إحياءِ علومِ الدينِ، ج3، ص131].

وقدْ عطسَ رجلٌ مرةً في مجلسِ الإمامِ عبدِ اللهِ بنِ المباركِ رحمَهُ اللهُ ونسيَ أنْ يحمدَ اللهَ، فلمْ يعنفْهُ الإمامُ ولمْ يحرجْهُ أمامَ الجلساءِ، بلْ قالَ لهُ بلطفٍ وحكمةٍ، صانَ بهِمَا ماءَ وجهِهِ: «أيَّ شيءٍ يقولُ الرجلُ إذا عطسَ؟»، فقالَ الرجلُ متنبِّهًا: «الحمدُ للهِ»، فقالَ ابنُ المباركِ بمنتهى المروءةِ: «يرحمُكَ اللهُ!» [تاريخُ دمشقَ، ج32، ص445، وسيرُ أعلامِ النبلاءِ، ج8، ص383]. هكَذَا تُصانُ الكراماتُ في المجالسِ!

الموضعُ الثاني: حينَ تملكُ (كرامةُ البيتِ والعملِ والمالِ):

فتبدأُ صيانةُ الكرامةِ منْ أقربِ الناسِ إليكَ: منْ بيتِكَ؛ فلا تجعلِ الزوجةَ موضعَ سخريةٍ أمامَ الناسِ، ولا تجعلِ الأبناءَ يعيشُونَ على الخوفِ منَ الإهانةِ، وتذكرْ قولَ النبيِّ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ» [الترمذيُّ: 3895، الدارميُّ (2260)، وابنُ أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (154)، حديثٌ صحيحٌ].

القوةُ والقوامةُ في البيتِ أمانةٌ للرعايةِ، وليستْ رخصةً للإذلالِ والكسرِ! وأنتَ في عملِكَ؛ منْ تحتَ يدِكَ منْ عُمَّالٍ وضعفاءَ؛ هلْ ترى منْ تحتَ يدِكَ إنسانًا لهُ حقٌّ وكرامةٌ، أمْ مجردَ يدٍ تبذلُ لكَ الجهدَ؟! قالَ النبيُّ ﷺ: «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ… وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ…» [البخاريُّ: 30، ومسلمٌ: 1661]. وحينَ تُعطي الفقيرَ صدقةً أوْ مالًا.. إيَّاكَ أنْ تُطعمَ بطنَهُ ثمَّ تكسرَ نفسَهُ بالمنِّ أوِ الأذى؛ فإنَّ اللهَ يقولُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرةِ: 263].

الموضعُ الثالثُ: حينَ تستطيعُ أنْ تفضحَ (امتحانُ الهاتفِ والعدلُ معَ المخالفِ):

في زمانِ الشاشاتِ والهواتفِ، صارَ امتحانُ الكرامةِ عظيمًا؛ فتقعُ في يدِكَ زلةٌ، أوْ صورةٌ، أوْ سرٌّ لإنسانٍ بكى أوْ عثرَ، أوْ تختلفُ معَ خصمٍ لكَ.. هنَا المحكُّ! هلْ تجعلُ منْ هاتفكَ خنجرًا يفضحُ مَا سترَهُ اللهُ؟! قالَ الإمامُ الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمَهُ اللهُ: «المؤمنُ يسترُ وينصحُ، والفاجرُ يهتكُ ويعيرُ» [جامعُ العلومِ والحكمِ لابنِ رجبٍ: 1/215].

وهلْ تحملُكَ الخصومةُ على سحقِ كرامةِ مخالفِكَ؟! قالَ تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدةِ: 8]. الخِلَافُ مَعَهُ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ، وَلَا يُبِيحُ ظُلْمَهُ. وَتَذَكَّرْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» [مسلمٌ: 2699].

عبادَ اللهِ.. سلُوا أنفسَكُمْ هذا السؤالَ الصادقَ قبلَ أنْ تنزلُوا منْ هذا المسجدِ: «هلْ تحفظُ كرامةَ الإنسانِ حينَ لا يستطيعُ أنْ يردَّ عليكَ، ولا يملكُ أنْ يدفعَ عنْ نفسِهِ؟!».

إنَّ الكرامةَ الحقيقيةَ تبدو حينَ ترعى حرمةَ الضعيفِ، والأجيرِ، والزوجةِ، والمنكسرِ، والمخطئِ، وكلِّ نفسٍ كرَّمَهَا اللهُ. ليسَ السؤالُ يومَ القيامةِ فقطْ: هلْ سفكتَ دمًا؟! بلِ السؤالُ أيضًا: هلْ كسرتَ نفسًا؟!

فَقَدْ يَشْفَى الجَسَدُ مِنْ طَعْنَةِ السِّنَانِ، وَلَا يَشْفَى القَلْبُ مِنْ طَعْنَةِ اللِّسَانِ

اللهمَّ طهرْ ألسنتَنَا منَ الغيبةِ والسخريةِ والتنمرِ والازدراءِ.

اللهمَّ احفظْ مصرَ وأهلَهَا وأمنَهَا وسائرَ بلادِ المسلمينَ منَ الفتنِ والشرورِ، واجعلْهَا واحةً للأمنِ والسلامِ.

 

google-playkhamsatmostaqltradent