recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ أيمن حمدي الحداد

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ

 


الحمد لله الذى استخلفَ الإنسانَ في الأرض ليعمُرها، وخلق له ما في السماوات وما في الأرض وسخَّرَها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمداً عبدُ الله ورسوله رسمَ معالمَ الملَّة وأظهرَها، اللهم صلَّ وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً، أما بعد: فيا أيها المسلمون: لقد كرم ربنا تبارك وتعالى الإنسان، وجعل له حقوقاً تكفل له إنسانيته، وحريته، وكرامتة، ولم يخص بذلك التكريم طائفة دون طائفة، ولا جنس دون جنس؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾(الإسراء: ٧٠)،

إن تكريم الإنسان والمحافظة على كافة حقوقه هو المبدأ والقاعدة فى الإسلام؛ فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول ﷺ: «ألَا أُخْبِرُكُم مَنِ المُسلِمُ؟ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لِسانِه ويَدِه، والمُؤمِنُ مَن أمِنَه الناسُ على أمْوالِهِم وأنْفُسِهم، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ الخَطايا والذُّنوبَ، والمُجاهِدُ مَن جاهَدَ نَفْسَه في طاعةِ اللهِ» رواه الترمذي مختصراً، وأحمد والفظ له.

 أولاً: مظاهر تكريم الإنسان؛

  أوجد الله عز وجل الإنسان من العدم قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾(الإنسان: ١-٢)،

 خلق الله عز وجل آدم عليه السلام بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٧١-٧٢)،

 خلق الله عز وجل الإنسان في أكمل صورة وأحسن تقويم؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾(التين: ٤)،

قال بن كثير رحمه الله: في أحسن شكل وصورة، معتدل القامة كامل المفاصل.

 أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لأبينا آدم عليه السلام تكريماً له وإعلاماً بفضله وذريته: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾) البقرة: ٣٤)،

 أسكن الله عز وجل آدم وحواء عليهما السلام الجنة؛ قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (البقرة: ٣٥)،

 استخلف الله عز وجل آدم وذريته في الأرض؛ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(البقرة: ٣٠)،

 ومن مظاهر تكريم الله عز وجل للإنسان أن خلقه لعبادته وحده؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ٢١)،  وقال تعالى:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: ٥٦-٥٨)،

 وهب الله عز وجل الإنسان العقل والسمع والبصر وسائر الحواس قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(النحل: ٧٨)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾(البلد: ٨-١٠)،

 خلق الله عز وجل الإنسان على الفطرة السليمة؛ قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٣٠)، فعنده الاستعداد للحق، ففطر الله ابن آدم على توحيده وإخلاص دينه؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال النبى ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» رواه البخاري.

  سخر الله عز وجل للإنسان الكون كله وأسبغ عليه النعم؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾(لقمان: ٢٠)،

  أرسل الله عز وجل الرسل مبشرين ومنذرين ليعلموا الإنسان مراد ربه جل وعلا منه في هذه الحياة؛ قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾(النساء: ١٦٥)،

  حرم الله عز وجل التعدي على حياة الإنسان؛ قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ٣٢)، وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ نفسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» رواه ابن ماجه.

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: «لاَ يَزَالُ الْمُسلم فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» رواه البخاري.

كما حرم الله عز وجل على الإنسان التعدي على نفسه بإزهاق روحه؛ قال تعالى:﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾(النساء: ١٢٩)، وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَمات، فإنه يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» رواه البخاري.

  ومن تكريم الله عز وجل للإنسان أن جعل جزاء الأعمال مضاعفة؛ قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾(الأنعام: ١٦٠)،

 ومن مظاهر تكريم الله عز وجل إجابة دعائه؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾(البقرة: ١٨٦)، وقال تعالى:﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(غافر: ٦٠﴾

 جعل الله عز وجل الإنسانية شيئاً واحداً من حيث النظر العام، كلهم خلق الله، وعبيده جلَّ وعلا ليس اللون ولا اللغة ولا الجنس لتفضل البعض على البعض إنما التفاضل بالإيمان والتقوى؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(الحجرات: ١٢﴾، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ:«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلاَ لاَ فرق بين عَرَبِي ولا عْجَمِي، وَلاَ أَسْوَدَ ولا أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى» رواه البيهقى.

  ومن تكريم الله عز وجل للإنسان أن فتح له باب التوبة والإنابة إليه، ليتوب من خطاياه وسيئاته؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾الشورى: ٢٥﴾،

  ومن مظاهر تكريم الله عز وجل له أنه سن لبنى آدم الاعتناء بميتهم بأن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويوارى في لحد تكريماً له؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾(عبس: ٢١)، وجعل كسر عظم الميت ككسر عظم الحي تكريماً للإنسان وتعظيماً له؛ فعن عائشة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «كَسْرُ عظمِ الميِّتِ كَكسرِه حياً» رواه أبو داود.

 ثانياً: إحترام الرحم الإنسانية؛

  لقد حث الإسلام على إحترام تلك الرحم، لأن أصل البشر واحد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(النساء: ١)،

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ رجلًا مِن أهلِ الباديةِ كان اسمُه زاهِرًا وكان يُهدي إلى النَّبيِّ ﷺ الهَديَّةَ فيُجَهِّزُه رسولُ اللهِ ﷺ إذا أراد أن يخرُجَ فقال رسولُ اللهِ ﷺ إنَّ زاهرًا بادِيَتُنا ونحن حاضِروه وكان النَّبيُّ ﷺ يُحِبُّه وكان دَميمًا فأتى النَّبيُّ ﷺ يومًا وهو يبيعُ متاعَه فاحتَضَنه مِن خَلفِه وهو لا يُبْصِرُه فقال أرْسِلْني مَن هذا؟ فالتفَت فعرَف النَّبيَّ ﷺ فجعَل لا يَأْلو ما ألصَقَ ظَهرَه بصَدرِ النَّبيِّ ﷺ حينَ عرَفه وجعَل النَّبيُّ ﷺ يقولُ مَن يشتري العبدَ فقال يا رسولَ اللهِ إذن تجِدَني كاسِدًا فقال النَّبيُّ ﷺ لكنَّك عندَ اللهِ لَسْتَ بكاسِدٍ أو قال عندَ اللهِ أنت غالٍ» رواه الهيثمى فى مجمع الزوائد.

 لقد حرم ديننا الحنيف التعالى على الناس بأى صورة؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «لينتَهينَّ أقوامٌ يفتخرون بآبائِهم الَّذين ماتوا إنَّما هم فحمُ جهنَّمَ، أو لَيَكونُنَّ أهونَ على اللهِ عزَّ وجلَّ من الجُعلِ الَّذي يُدَهْدِهُ الخُرْءَ بأنفِه إنَّ اللهَ أذهب عنكم عبيَّةَ الجاهليَّةِ وفخرَها بالآباءِ. إنَّما هو مؤمنٌ تقيٌّ، وفاجرٌ شقيٌّ، النَّاسُ بنو آدمَ، وآدمُ خُلِق من ترابٍ» رواه الترمذي.

  أكد الإسلام على الحرية التامة للإنسان، وأن العلاقة بين الناس قائمة على الإحترام والتقدير؛ فعن قَيْسَ بنَ سَعْدٍ، وَسَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ، أنهما كَانَا بالقَادِسِيَّةِ فَمَرَّتْ بهِما جِنَازَةٌ فَقَامَا، فقِيلَ لهمَا: إنَّهَا مِن أَهْلِ الأرْضِ، فَقالَا: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ مَرَّتْ به جِنَازَةٌ، فَقَامَ فقِيلَ: إنَّه يَهُودِيٌّ، فَقالَ: «أَليسَتْ نَفْسًا» رواه مسلم.

  ولقد مرّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشيخ كبير يشحذ فقال: ما حملك على ما أرى قال: أعيتنى الجزية. فقال: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه، وعلى أمثاله من بيت المال.

 وكتب علي رضى الله عنه إلى مالك الأشتر: وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة والمحبّة لهم واللطف بهم ولا تكوننَّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان، إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق.

فاتقوا الله عباد الله: وأقيموا علاقاتكم على الإحترام والتقدير للرحم الإنسانية تسعدوا فى الدنيا والآخرة.

أقول قولى هذا واستغفر الله العظيم لى ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى أما بعد: فيا عباد الله: لقد رسخ الإسلام دعائم الإخوة الإنسانية التى من شأنها أن تحقق السلام بين البشر جميعاً، فجعل العدل والقسط أساساً للتعامل بين المسلمين وغيرهم؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(المائدة:٨).

 ثالثاً: العدل مع أهل الأديان؛

  لقد رسخ الإسلام  مبدأ المساواة بين المسلمين وغيرهم في القضاء وفي سائر المعاملات؛ قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(الممتحنة: ٨)،

  لقد وقف الإسلام حيال الأديان الأخری وأهلها موقفا إنسانياً يتسم بالتسامح واحترام عقائدهم وشعائرهم، وإنصافهم، من ذلك؛

ما حدث عندما سرق رجل من المسلمين من إحدى قبائل الأنصار من بني أبيرق اسمه «طعمة بن أبيرق»، أو «بشير بن أُبيرق»، فقد سرق درعاً من جارٍ له مسلم يقال له: «قتادة بن النعمان»، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: «زيد بن السمين»، فالتُمِسَتِ الدرع عند «طعمة» فحلف بالله ما أخذها، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق في داخل داره. فلما حلف تركوه، واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي، فوجدوا الدرع عنده، فقال اليهودي: دفعها إليَّ طعمة بن أُبيرق!! فجاء بنو ظفر -وهم قوم طعمة- إلى رسول الله ﷺ وسألوه أن يجادل عن صاحبهم، فهَمَّ رسول الله أن يعاقب اليهودي، فأنزل الله هذه الآيات من سورة النساء: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾(النساء: ١٠٥-١١٢)،

لقد ظن رسول الله ﷺ أن السارق هو اليهودي لوجود القرائن ضده، ولكن الوحي نزل بخلاف ذلك؛ فلم يكتم شيئاً -وحاشاه- بل قام وأعلن بوضوح وصراحة أن اليهودي بريء، وأن السارق مسلم!!

إن التبرئة تأتي في حق يهودي اجتمع قومه من اليهود على تكذيب الإسلام، والكيد له، والطعن في رسوله، وبثِّ الفرقة بين أتباعه.. ومع ذلك، فكل هذه السلبيات والخلفيات لا تبرِّر اتهام يهودي بغير حق!! فاتقوا الله أيها الناس: وتمسكوا بالحق الذى جاءكم من عند ربكم جل وعلا، اللهم احفظ مصر من كل مكروه وسوء، واجعلنا من الذين يتبعون القول فيتبعون أحسنه،    

 

google-playkhamsatmostaqltradent