أَقْدَارُ النَّاسِ فِي مِيزَانِ الإِسْلَامِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَ الْإِنْسَانَ،
وَرَفَعَ قَدْرَهُ وَشَأْنَهُ بِالْإِيمَانِ ، وَجَعَلَ التَّقْوَى مِيزَانَ والْفَضْلِ
وَالْكَرَامَةِ، وَالْأَخْلَاقَ عُنْوَانَ
نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمٍ تَتَرَى،
وَفَضَائِلَ لَا تُحْصَى، وَنَسْأَلُهُ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى.
وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَكْرَمَ مَنْ اتَّقَاهُ، وَرْفَعَ مَنْ لّبَّاهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ عَرَفَ لِلنَّاسِ أَقْدَارَهُمْ، وَأَنْزَلَهُمْ مَنَازِلَهُمْ، وَأَكْرَمَهُمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ. ﷺ
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى
سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى
أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ.. فَيَا عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَخْلَاقِ الإِسْلَامِ أَنْ تَعْرِفَ قَدْرَ النَّاسِ، وَأَنْ تَحْفَظَ مَكَانَتَهُمْ، وَأَنْ تُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا تَرْفَعُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، وَلَا تُهِينُ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّكْرِيمَ، .
أَوَّلًا: الْقُرْآنُ يُعَلِّمُنَا مَعْرِفَةَ
أَقْدَارِ النَّاسِ
قال اللهُ تعالى:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَر: ٩ فَالْعِلْمُ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ،
وَأَهْلُ الْعِلْمِ لَهُمْ مَكَانَتُهُمْ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُحْفَظَ.
وقال سبحانه:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]
ثانيا- مَعْرِفَةُ أَقْدَارِ النَّاسِ مِنْ أَخْلَاقِ
النُّبُوَّةِ ﷺ
مِنْ جَمَالِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ
قَدْرَهُ، وَيُعْطِي كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَيُخَاطِبُ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ
عُقُولِهِمْ، وَيُقَدِّرُ مَوَاقِفَهُمْ وَأَعْمَارَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ
عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
ﷺ:«أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ». أَبُو دَاوُدَ
مَعْنَى قَوْلِهِمْ: «أَنْزِلُوا النَّاسَ
مَنَازِلَهُمْ»
أَيْ: عَامِلُوا النَّاسَ بِمَا يَلِيقُ
بِأَقْدَارِهِمْ، وَاعْرِفُوا لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَلِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ،
وَلَا تَضَعُوا النَّاسَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِمْ. ⚖️
ثالثاً- نَمَاذِجُ مِنْ أَنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ
1 أَنْزِلُوا الْوَالِدَيْنِ مَنْزِلَتَهُمَا
مِنْ أَعْظَمِ مَعَانِي مَعْرِفَةِ أَقْدَارِ
النَّاسِ: أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ قَدْرَ وَالِدَيْهِ، وَأَنْ يُنَزِّلَهُمَا الْمَنْزِلَةَ
الَّتِي أَنْزَلَهُمَا اللهُ إِيَّاهَا.وَلِهَذَا قَرَنَ اللهُ تَعَالَى حَقَّ الْوَالِدَيْنِ
بِأَعْظَمِ حَقٍّ بَعْدَ حَقِّهِ سُبْحَانَهُ، فَقَالَ:﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا
إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ الإسراء: 23
وَمِنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِمَا: أَنْ تَخْدُمَهُمَا
قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَا
لَا تَنْتَظِرْ أَنْ تَقُولَ لَكَ أُمُّكَ:مُتْعَبَةٌ» حَتَّى تَسْأَلَهَا: مَاذَا أَفْعَلُ لَكِ؟وَلَا
تَنْتَظِرْ أَنْ يَقُولَ لَكَ أَبُوكَ:«أَحْتَاجُ إِلَيْكَ».بَلْ كُنْ أَنْتَ مَنْ
يَقُولُ: «أَنَا مَوْجُودٌ يَا أُمِّي.» ️ «أَنَا مَوْجُودٌ يَا أَبِي.»فَهَذِهِ هِيَ
مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ، وَهَذَا هُوَ الْبِرُّ الَّذِي يَصْدُقُهُ الْفِعْلُ.
2 إِنْزَالُ الْكَبِيرِ مَنْزِلَتَهُ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُ أُمَّتَهُ أَنْ لِلْكَبِيرِ
حَقًّا فِي التَّوْقِيرِ وَالاحْتِرَامِ.وَقَالَ ﷺ:«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا،
وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ».
وَلَيْسَ احْتِرَامُ الْكَبِيرِ ضَعْفًا،
وَلَا تَوْقِيرُ أَهْلِ الْفَضْلِ تَقَلِيلًا مِنْ قَدْرِكَ؛ بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى
رُقِيِّ نَفْسِكَ وَحُسْنِ تَرْبِيَتِكَ.
3- إِنْزَالُ الصَّغِيرِ مَنْزِلَتَهُ
️ الصَّغِيرُ لَهُ حَقٌّ فِي الرَّحْمَةِ
وَالتَّوْجِيهِ، وَلَيْسَ مِنَ التَّرْبِيَةِ أَنْ نُهِينَ الطِّفْلَ أَوْ نَكْسِرَ
نَفْسَهُ. نُصَحِّحُ خَطَأَهُ، وَلَكِنْ لَا نُحَطِّمُ
شَخْصِيَّتَهُ.
4- أَنْزِلُوا أَهْلَ الْعِلْمِ مَنَازِلَهُمْ
أَنْ نَعْرِفَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فَضْلَهُمْ،
وَأَنْ نُكْرِمَ الْعَالِمَ لِعِلْمِهِ، وَنَسْأَلَهُ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْنَا، وَنَحْفَظَ
لَهُ مَكَانَتَهُ، مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا تَقْدِيسٍ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿قُلْ هَلْ
يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَر: 9]
فَالْعِلْمُ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ، وَأَهْلُ
الْعِلْمِ أَهْلُ بَصِيرَةٍ وَهُدًى، وَمِنْ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ أَنْ نَعْرِفَ لَهُمْ
قَدْرَهُمْ.
وَقَدْ عَلَّمَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَعْرِفَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا،
وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ».
قَالَ ﷺ:إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ،
إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا
الْعِلْمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
4- مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْمُعَلِّمِينَ وَإِنْزَالُهُمْ
مَنَازِلَهُمْ
مِنْ أَجْمَلِ صُوَرِ مَعْرِفَةِ أَقْدَارِ النَّاسِ: أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ قَدْرَ مُعَلِّمِهِ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُ فَضْلَهُ، وَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ مَنْ عَلَّمَهُ حَرْفًا قَدْ فَتَحَ لَهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْحَيَاةِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة:
11]
الْمُعَلِّمُ صَاحِبُ رِسَالَةٍ
لَيْسَ الْمُعَلِّمُ مَنْ يَقِفُ أَمَامَ
السَّبُّورَةِ وَيَشْرَحُ الدَّرْسَ فَقَطْ...بَلْ هُوَ الَّذِي:
يُعَلِّمُكَ كَيْفَ تُفَكِّرُ. وَيُعَلِّمُكَ كَيْفَ تَطْلُبُ الْعِلْمَ. يَكْتَشِفُ فِيْكَ مَوْهِبَةً قَدْ لَا
تَعْرِفُهَا أَنْتَ. يَدْفَعُكَ حِينَ تَضْعُفُ. وَقَدْ يَرَى فِيْكَ مُسْتَقْبَلًا لَا
تَرَاهُ أَنْتَ فِي نَفْسِكَ.
فَرُبَّ مُعَلِّمٍ نَسِيتَ اسْمَهُ، وَلَكِنَّكَ
لَمْ تَنْسَ كَلِمَةً قَالَهَا لَكَ، فَغَيَّرَتْ طَرِيقَكَ كُلَّهُ.
وَمِنْ أَخْطَرِ مَا نَرَاهُ الْيَوْمَ...
أَنْ يَجْعَلَ بَعْضُ الطُّلَّابِ مِنَ
السُّخْرِيَةِ مِنَ الْمُعَلِّمِ وَسِيلَةً لِلضَّحِكِ!
تَصْوِيرٌ بِدُونِ عِلْمِهِ... نَشْرُ مَقْطَعٍ لِلسُّخْرِيَةِ مِنْهُ تَعْلِيقَاتٌ تَنْتَقِصُ مِنْهُ. وَأَلْفَاظٌ لَا تَلِيقُ بِمَنْ يَطْلُبُ
الْعِلْمَ.
5- أَنْزِلُوا الضَّعِيفَ وَالْمُحْتَاجَ مَنْزِلَتَهُ
مِنْ كَمَالِ الْأَخْلَاقِ النَّبَوِيَّةِ
أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ قَدْرَ الضَّعِيفِ وَالْمُحْتَاجِ، فَلَا يَرَى فِي ضَعْفِهِ
سَبَبًا لِإِهَانَتِهِ، وَلَا فِي فَقْرِهِ مَبْرَرًا لِاحْتِقَارِهِ، بَلْ يَرَاهُ
إِنْسَانًا لَهُ كَرَامَتُهُ وَحُرْمَتُهُ وَحَقُّهُ. ️ وَقَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا
بَنِي آدَمَ﴾الإسراء: 70]
فَالْكَرَامَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ لَا تُقَاسُ
بِالْمَالِ، وَلَا بِالْمَنْصِبِ، وَلَا بِقُوَّةِ الْجَسَدِ، وَلَا بِمَا يَمْلِكُ
الْإِنْسَانُ مِنْ دُنْيَا.
وَالْمُحْتَاجُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الطَّعَامِ
فَقَطْ أَحْيَانًا يَكُونُ احْتِيَاجُ الْفَقِيرِ إِلَى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا
تَنْهَرْ [الضحى: ١٠]
فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُعْطِيَهُ،
فَلَا تُهِينْهُ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ، فَكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ
لَا تَكْلِفُكَ شَيْئًا.
يحتاج: كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ. مَنْ يَسْمَعُهُ. مَنْ يَحْفَظُ كَرَامَتَهُ.مَنْ يُسَاعِدُهُ
فِي حَاجَتِهِ. مَنْ يَبْتَسِمُ فِي وَجْهِهِ وَلَا يُشْعِرُهُ
بِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهِ. فَلَا تُعْطِ الْفَقِيرَ مَالًا بِيَدٍ،
وَتَكْسِرْ قَلْبَهُ بِكَلِمَةٍ بِالْيَدِ الْأُخْرَى.
6- إنْزَالُ أَصْحَابِ الْمِهَنِ مَنْزِلَتَهُمْ:
عِبَادَ اللهِ، مِنْ صُوَرِ الظُّلْمِ الَّتِي
قَدْ لَا يَنْتَبِهُ لَهَا بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَحْتَقِرَ الإِنْسَانُ أَخَاهُ لِمِهْنَتِهِ،
أَوْ لِبَسَاطَةِ عَمَلِهِ، أَوْ لِقِلَّةِ دَخْلِهِ. ️ فَيَرَى بَعْضُ النَّاسِ: الْعَامِلَ أَقَلَّ مِنْهُ، وَالسَّائِقَ أَقَلَّ مِنْهُ، وَالزَّرَّاعَ أَقَلَّ مِنْهُ، وَالْحِرَفِيَّ أَقَلَّ مِنْهُ، وَعَامِلَ النَّظَافَةِ أَقَلَّ مِنْهُ، وَالْمُوَظَّفَ الْبَسِيطَ لَا يَسْتَحِقُّ
الِاحْتِرَامَ. وَهَذَا مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ وَفَسَادِ
مِيزَانِ الْقِيَمِ.
ثَالِثًا: وَاقِعُ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي
إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ ️
عِبَادَ اللهِ، إِذَا نَظَرْنَا إِلَى وَاقِعِ
النَّاسِ الْيَوْمَ، وَجَدْنَا أَنَّ مِيزَانَ تَقْدِيرِ الإِنْسَانِ قَدِ اخْتَلَّ
عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ. فَأَصْبَحَ بَعْضُهُمْ يُقَدِّرُ الإِنْسَانَ
بِمَا يَمْلِكُ،
تَقْدِيرُ النَّاسِ بِالْمَالِ
مِنْ أَخْطَرِ صُوَرِ الْخَلَلِ أَنْ يَكُونَ
الْمَالُ هُوَ مِيزَانَ الْكَرَامَةِ.
️ فَإِذَا دَخَلَ الْغَنِيُّ مَجْلِسًا، تَقَدَّمَ
الْجَمِيعُ لَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَنْصَتُوا، وَإِذَا طَلَبَ أَسْرَعُوا إِلَيْهِ. ثُمَّ يَدْخُلُ الْفَقِيرُ، فَلَا يَلْتَفِتُ
إِلَيْهِ أَحَدٌ!
رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ مَالُوا إِلَى مَنْ عِنْدَهُ مَالُ
وَمَنْ لَا عِنْدَهُ مَالٌ فَعَنْهُ النَّاسُ قَدْ مَالُوا
رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ ذَهَبُوا إِلَى مَنْ عِنْدَهُ ذَهَبُ
وَمَنْ لَا عِنْدَهُ ذَهَبٌ فَعَنْهُ النَّاسُ قَدْ ذَهَبُوا
رَأَيْتُ النَّاسَ مُنْفَضَّةً إِلَى مَنْ عِنْدَهُ فِضَّةٌ
وَمَنْ لَا عِنْدَهُ فِضَّةٌ فَعَنْهُ النَّاسُ مُنْفَضَّةٌ.
تَقْدِيرُ النَّاسِ بِالْمَنَاصِبِ
أَصْبَحَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ
قَدْرَ الإِنْسَانِ إِلَّا مِنْ كُرْسِيِّهِ وَمَنْصِبِهِ.
فَصَاحِبُ الْمَنْصِبِ لَهُ كُلُّ الِاحْتِرَامِ، وَالْعَامِلُ الْبَسِيطُ لَا يُلْتَفَتُ
إِلَيْهِ.
وَنَنْسَى أَنَّ الْمَنْصِبَ تَكْلِيفٌ
قَبْلَ أَنْ يَكُونَ تَشْرِيفًا، وَأَمَانَةٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مَكَانَةً.
تَقْدِيرُ النَّاسِ بِعَدَدِ الْمُتَابِعِينَ
فِي زَمَنِ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، ظَهَرَ
مِيزَانٌ جَدِيدٌ: كَمْ عَدَدُ مُتَابِعِيكَ؟ ️كَمْ عَدَدُ الإِعْجَابَاتِ؟ كَمْ شَاهَدَ النَّاسُ مَقْطَعَكَ؟ كَمْ أَنْتَ مَشْهُورٌ؟ وَكَأَنَّ الشُّهْرَةَ أَصْبَحَتْ دَلِيلًا
عَلَى الْفَضْلِ!
وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ كَثْرَةَ الْمُتَابِعِينَ
لَا تَعْنِي كَثْرَةَ الْفَضْلِ، وَقِلَّةَ الْمُتَابِعِينَ لَا تَعْنِي قِلَّةَ الْقِيمَةِ.
احْتِقَارُ أَصْحَابِ الْمِهَنِ الْبَسِيطَةِ
مَا أَكْثَرَ مَنْ يَحْتَقِرُ: عَامِلَ النَّظَافَةِ، السَّائِقَ، الْحِرَفِيَّ، الْفَلَّاحَ، الْعَامِلَ، صَاحِبَ الْعَمَلِ الْبَسِيطِ. وَرُبَّمَا لَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ
يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فِي الصَّبَاحِ لِيَطْلُبَ رِزْقًا حَلَالًا لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ.
سْيَانُ حَقِّ الْكَبِيرِ
مِنْ صُوَرِ الْخَلَلِ أَيْضًا أَنْ يُهْمَلَ الْكَبِيرُ، وَيُتَجَاوَزَ فِي الْمَجَالِسِ، وَيُقَاطَعَ فِي الْحَدِيثِ، وَيُعَامَلَ بِكُلِّ اسْتِهَانَةٍ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا...»
تَهْمِيشُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْخِبْرَةِ
وَمِنَ الْمُؤْسِفِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَنْ
لَا عِلْمَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ يُهْمَلَ صَاحِبُ الْعِلْمِ وَالْخِبْرَةِ.
يَقْرَأُ شَخْصٌ مَنْشُورًا أَوْ يَشَاهِدُ
مَقْطَعًا، ثُمَّ يَظُنُّ أَنَّهُ أَصْبَحَ مُتَخَصِّصًا فِي الطِّبِّ وَالدِّينِ وَالِاقْتِصَادِ
وَالْقَانُونِ! وَمِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ نَرُدَّ كُلَّ
مَسْأَلَةٍ إِلَى أَهْلِهَا.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
أَسْبَابُ اخْتِلَالِ مَوَازِينِ التَّقْدِيرِ
فِي الْمُجْتَمَعِ:
1 غَلَبَةُ الْمَظَاهِرِ عَلَى الْجَوَاهِرِ
أَصْبَحَ بَعْضُ النَّاسِ يَحْكُمُونَ عَلَى
الْإِنْسَانِ مِنْ خِلَالِ مَلَابِسِهِ، وَسَيَّارَتِهِ، وَمَسْكَنِهِ، وَمَظْهَرِهِ،
وَمَكَانَتِهِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَيَنْسَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تَكْشِفُ
بِالضَّرُورَةِ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ، وَلَا تُبَيِّنُ جَوْهَرَهُ، وَلَا تَكْشِفُ
عَنْ أَخْلَاقِهِ وَقِيَمِهِ.
فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَاخِرًا
كَرِيمَ الْخُلُقِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ رَكِبَ سَيَّارَةً فَاخِرَةً عَظِيمَ الْقَدْرِ،
وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ سَكَنَ قَصْرًا أَغْنَى النَّاسِ قَلْبًا، كَمَا أَنَّ مَنْ لَبِسَ
ثَوْبًا بَسِيطًا، أَوْ رَكِبَ سَيَّارَةً قَدِيمَةً، أَوْ عَاشَ فِي مَسْكَنٍ مُتَوَاضِعٍ،
لَا يَعْنِي أَنَّهُ قَلِيلُ الْقَدْرِ أَوْ ضَعِيفُ الشَّأْنِ
2 جَعْلُ الْمَالِ مِيزَانًا لِلْقَدْرِ
.قال ﷺ:«إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ
وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»رواه مسلم. فالمال في اليد نعمة، لكنه ليس في القلب
ميزانًا للناس.
3 الافتتانُ بِالْمَنَاصِبِ وَالْجَاهِ
قَدْ تَجِدُ إِنْسَانًا يَتَعَامَلُ مَعَ صَاحِبِ الْمَنْصِبِ بِطَرِيقَةٍ، ثُمَّ مَا إِنْ يَتْرُكُ الْمَنْصِبَ حَتَّى يَتَغَيَّرَ تَعَامُلُهُ مَعَهُ تَمَامًا!
فَصَاحِبُ الْمَنْصِبِ يُحْتَرَمُ لِمَسْؤُولِيَّتِهِ،
وَتُقَدَّرُ مَهَامُّهُ وَمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ وَاجِبٍ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ
نَجْعَلَ الْمَنْصِبَ سَبَبًا لِلتَّقْدِيسِ أَوِ التَّمَلُّقِ، فَالْمَنْصِبُ مَرْحَلَةٌ
وَالْمَسْؤُولِيَّةُ أَمَانَةٌ، وَكُلُّ مَنْصِبٍ لَهُ يَوْمٌ يَنْتَهِي.
وَكَمَا أَنَّ الْمَنْصِبَ لَا يَجْعَلُ
الْإِنْسَانَ فَوْقَ النَّاسِ، فَإِنَّ انْتِهَاءَ الْمَنْصِبِ لَا يَجْعَلُهُ دُونَ
النَّاسِ.
4 جَهْلُ قَدْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْخِبْرَةِ
فَالْمُعَلِّمُ لَهُ قَدْرُهُ، وَالطَّبِيبُ لَهُ قَدْرُهُ، وَصَاحِبُ الْخِبْرَةِ لَهُ قَدْرُهُ، وَالْعَالِمُ لَهُ قَدْرُهُ.
وَلَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ نُسَاوِيَ
بَيْنَ النَّاسِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَلِكُلِّ إِنْسَانٍ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ تَقْدِيرٍ
وَاحْتِرَامٍ بِقَدْرِ عِلْمِهِ وَخِبْرَتِهِ وَمَسْؤُولِيَّتِهِ.
5 تَأْثِيرُ مَوَازِينِ السُّوشِيَال مِيدْيَا
أَصْبَحَتِ الشُّهْرَةُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مِعْيَارًا لِلْقِيمَةِ:
مُتَابِعُونَ كَثِيرُونَ = إِنْسَانٌ مُهِمٌّ.
إِعْجَابَاتٌ كَثِيرَةٌ = إِنْسَانٌ نَاجِحٌ.
انْتِشَارٌ وَاسِعٌ = إِذَنْ كَلَامُهُ صَحِيحٌ!
6 الْجَهْلُ بِمَوَازِينِ الْإِسْلَامِ
يَضَعُ الْإِسْلَامُ مِيزَانًا وَاضِحًا
لِتَقْدِيرِ النَّاسِ، مِيزَانًا لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْمَالِ، وَلَا عَلَى الْمَنْصِبِ،
وَلَا عَلَى الشُّهْرَةِ، وَلَا عَلَى الْمَظْهَرِ، وَإِنَّمَا يَرْفَعُ قَدْرَ الْإِنْسَانِ
بِالتَّقْوَى وَالصَّلَاحِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
فَهَذَا هُوَ الْمِيزَانُ الَّذِي يَجِبُ
أَنْ نَعْتَصِمَ بِهِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمِعْيَارِيَّةُ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ
الْأَزْمِنَةِ وَالْمَنَاصِبِ وَالظُّرُوفِ.
7 الْكِبْرُ وَاحْتِقَارُ الْآخَرِينَ
الْمُتَكَبِّرُ لَا يَرَى النَّاسَ كَمَا
هُمْ، بَلْ يَرَاهُمْ مِنْ فَوْقٍ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ أَعْلَى مِنْهُمْ قَدْرًا، وَأَفْضَلُ
مِنْهُمْ شَأْنًا، وَأَحَقُّ مِنْهُمْ بِالتَّقْدِيرِ.
8 الْمَصْلَحَةُ وَالنِّفَاقُ الِاجْتِمَاعِيُّ
فَيُبَالِغُ بَعْضُ النَّاسِ فِي احْتِرَامِ
صَاحِبِ النُّفُوذِ، وَيُجَامِلُهُ وَيُظْهِرُ لَهُ مِنَ التَّقْدِيرِ مَا لَيْسَ فِي
قَلْبِهِ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَيَرْجُو مِنْهُ مَصْلَحَةً أَوْ مَنْفَعَةً.
ثُمَّ مَا إِنْ تَنْتَهِيَ الْمَصْلَحَةُ، أَوْ يَزُولَ النُّفُوذُ، أَوْ يَنْتَهِيَ الْمَنْصِبُ، حَتَّى يَنْتَهِيَ مَعَهُ ذَلِكَ الاحْتِرَامُ، وَتَتَغَيَّرَ الْمُعَامَلَةُ، وَكَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَمْ يَعُدْ هُوَ نَفْسَهُ!