أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ: احْتِرَامُ الرُّمُوزِ
أَوَّلًا: إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ.
ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مِنْ إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، عِبَادَ اللَّهِ.
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: إِيَّاكُمْ وَالتَّقْلِيلَ مِنْ شَأْنِ الرُّمُوزِ، أَيًّا كَانُوا.
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ وَبَرَا
، وَخَلَقَ المَاءَ وَالثَّرَى ، وَأَبْدَعَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَرَا ، لَا يَغِيبُ عَنْ
بَصَرِهِ دَبِيبُ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ إِذَا سَرَى ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ
إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وَأشهدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ ، فَاللّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وزِدْ وبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ المُخْتَارِ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَطْهَارِ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
يا آلَ بَيتِ رَسولِ اللَهِ حُبَّكُمُ
***فَرضٌ مِنَ اللهِ في القُرآنِ أَنزَلَهُ
يَكفيكُمُ مِن عَظيمِ الفَخرِ أَنَّكُمُ
***مَن لَم يُصَلِّ عَلَيكُم لا صَلاةَ لَهُ
أَمَّا بَعْدُ ….. فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الْأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ "(آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢)
عِبَادَ اللَّهِ:"أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ: احْتِرَامُ الرُّمُوزِ" عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي
هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ ((أَنْزِلُوا
النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ: احْتِرَامِ الرُّمُوزِ)، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا
سَاءَتْ فِيهِ الْأَخْلَاقُ، وَقَلَّ فِيهِ احْتِرَامُ النَّاسِ وَتَوْقِيرُهُمْ، وَإِنْزَالُ
النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.وَخَاصَّةً وَدِينُنَا
الْحَنِيفُ حَثَّنَا عَلَى إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، وَاحْتِرَامِ النَّاسِ
وَتَوْقِيرِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، وَخَاصَّةً أَنَّ دِينَنَا
يَحْتَرِمُ الرُّمُوزَ وَيُقَدِّرُ أَهْلَ الْفَضْلِ وَالْمَكَانَةِ. وَخَاصَّةً وَالاحْتِرَامُ
لَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ، وَلَا مَظْهَرًا يُتَصَنَّعُ، بَلْ هُوَ خُلُقٌ عَظِيمٌ يَسْكُنُ
الْقُلُوبَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ فِي السُّلُوكِ. وَالاحْتِرَامُ يَكُونُ عَلَى أَسَاسِ
الْإِنْسَانِيَّةِ؛ «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» جُمْلَةٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا كُلُّ فَرْدٍ
فِي الْمُجْتَمَعِ. وَخَاصَّةً وَالاحْتِرَامُ بُرْهَانٌ وَاضِحٌ لِلْمَبَادِئِ الَّتِي
نَشَأَ عَلَيْهَا الْمَرْءُ، وَبِهَا يَعِيشُ، وَتَرْجَمَةٌ صَادِقَةٌ لِمَا يَتَحَلَّى
بِهِ مِنْ أَخْلَاقٍ فَاضِلَةٍ، وَقِيَمٍ ثَابِتَةٍفَبِالاحْتِرَامِ قَامَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ،
وَبِغِيَابِهِ تَفَكَّكَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَبِحُضُورِهِ تُصَانُ الْكَرَامَاتُ،
وَتُحْفَظُ الْحُقُوقُ، وَتَسْمُو النُّفُوسُ، وَتَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ؛ فَهُوَ مِيزَانُ
الرُّقِيِّ، وَدَلِيلُ الْإِيمَانِ، وَأَمَانُ الْمُجْتَمَعَاتِ مِنَ الِانْهِيَارِ.
إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاَقُ مَا بَقِيَتْ
***فَإِنْ هُمْو ذَهَبَتْ أَخْلاَقُهُمْ ذَهَبُوا
أَوَّلًا: إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ
دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: نَبِيُّنَا ﷺ هو نَبِيُّ الأَخْلاقِ، ودِينُنَا هو دِينُ
الأَخْلاقِ، وشَرِيعَتُنَا هي شَرِيعَةُ الأَخْلاقِ، وَقُرْآنُنَا هو قُرْآنُ الأَخْلاقِ،
بَلِ الغَايَةُ الأسمَى مِن بَعْثَتِهِ ﷺ هِيَ الأَخْلاقُ فَقَالَ كَمَا فِي حَدِيثِ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ } رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، فَالْمُؤْمِنُ بِلَا شَكٍّ يُرِيدُ أنْ يَكُونَ
مَحْبُوبًا لَدَى الْخَالِقِ، ومَحْبُوبًا لَدَى الْخَلْقِ، يُرِيدُ أن يَكُونَ وَجِيهًا
فِي الدُّنْيَا وَوَجِيهًا فِي الْآخِرَةِ، يُرِيدُ أن يُؤتَى فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً،
وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى ثُمَّ بِحُسْنِ خُلُقٍ، يُرْزِقُهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْعَبْدَ
إِيَّاهُ، لِذَا كَانَ أَعْلَى النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ سَيِّدُ
وَلَدِ آدَمَ وَنَبِيُّ الأَخْلاقِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ أَعْظَمِ
الْأَخْلَاقِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا الْمُسْلِمُ فِي حَيَاتِهِ:
احْتِرَامُ الرُّمُوزِ، وَإِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى ﴿قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ﴾
[الزمر: ٩]، وقال سبحانه: ﴿لَا یَسۡتَوِی مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ
وَقَٰتَلَۚ أُو۟لَٰۤئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةࣰ مِّنَ ٱلَّذِینَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعۡدُ
وَقَٰتَلُوا۟ وَكُلࣰّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ
بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ﴾ [الحديد: ١٠]، وقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ رَضِیَ
ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذۡ یُبَایِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾ الفتح: ١٨.
وَكَيْفَ لَا؟ وَقَدْ جَاءَ دِينُنَا الْحَنِيفُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَدَعَا
إِلَى التَّوْقِيرِ وَالاحْتِرَامِ، وَمَعْرِفَةِ أَقْدَارِ النَّاسِ وَفَضْلِهِمْ
فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ
مَنَازِلَهُمْ. وعَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ
- وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بدر - قَالَ: "جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ
ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ
فِيكُمْ؟ قَالَ: «مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ»، أَوْ: كَلِمَةً نَحْوَهَا، قَالَ:
وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ" [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ ﷺ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: «وَمَا
يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ:
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَيْفَ
لَا؟ وَالاحْتِرَامُ خُلُقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْلَاقِ الدِّينِ، وَمَبْدَأٌ كَرِيمٌ مِنْ
مَبَادِئِ الْإِسْلامِ، وَشِيمَةٌ مِنْ شِيَمِ الأَبْرَارِ الأَخْيَارِ، وَصْفَةٌ مِّن
صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ ، أَمَرَنَا بِهَا الدِّينُ ، وَتَخَلَّقَ بِهَا
سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ
النَّفْسِ ، وَعَظَمَةِ الْقَلْبِ ، وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ
، وَوَعْيِ الرُّوحِ ، وَنَبَلِ الْإنْسَانِيَّةِ وَأَصَالَةِ الْمَعْدِنِ، فمِنْ أَعْظَمِ
الْأَخْلَاقِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْإِسْلَامُ مَعْرِفَةَ أَقْدَارِ النَّاسِ، وَإِنْزَالَهُمْ
مَنَازِلَهُمْ، وَاحْتِرَامَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ وَالْخِبْرَةِ، وَتَوْقِيرَ
الْكَبِيرِ، وَرَحْمَةَ الصَّغِيرِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ في الحديث رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ» لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ
يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا». وَكَيْفَ لَا؟ وَإِنَّ احْتِرَامَ
النَّاسِ لَيْسَ تَمَلُّقًا، وَلَا نِفَاقًا، وَلَا تَقْدِيسًا لِلْبَشَرِ، وَإِنَّمَا
هُوَ أَدَبٌ وَعَدْلٌ وَاعْتِرَافٌ بِالْفَضْلِ لِأَهْلِهِ؛ فَمَنْ عَلَّمَ النَّاسَ،
فَلَهُ حَقُّ التَّقْدِيرِ، وَمَنْ خَدَمَ وَطَنَهُ وَمُجْتَمَعَهُ، فَلَهُ حَقُّ الْوَفَاءِ،
وَمَنْ أَفْنَى عُمْرَهُ فِي الْإِصْلَاحِ وَالْبِنَاءِ، فَلَهُ حَقُّ الِامْتِنَانِ،
فَلَا يَلِيقُ أَنْ تُطْمَسَ جُهُودُهُمْ، أَوْ يُنْتَقَصَ قَدْرُهُمْ. فَالنَّاسُ
لَيْسُوا سَوَاءً فِي الْقَدْرِ وَالْمَكَانَةِ وَالْخِبْرَةِ؛ فَهَذَا عَالِمٌ يُعَلِّمُ،
وَذَاكَ مُرَبٍّ يُوَجِّهُ، وَهَذَا مُعَلِّمٌ يَبْنِي الْعُقُولَ، وَذَاكَ رَجُلٌ
أَفْنَى سِنِينَ عُمْرِهِ فِي خِدْمَةِ النَّاسِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَهَؤُلَاءِ جَمِيعًا
لَهُمْ فَضْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ، وَجُهْدٌ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّرَ.فَلْنَعْرِفْ
لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَلِكُلِّ ذِي قَدْرٍ قَدْرَهُ، وَلْنَخْتَلِفْ مَعَ
غَيْرِنَا دُونَ أَنْ نُسِيءَ إِلَيْهِ، أَوْ نَنْتَقِصَ مِنْ كَرَامَتِهِ؛ فَالِاخْتِلَافُ
فِي الرَّأْيِ لَا يُفْسِدُ لِلْأَدَبِ قَضِيَّةً، وَالنَّقْدُ لَا يَعْنِي الْإِهَانَةَ،
وَالِاحْتِرَامُ لَا يَعْنِي الْمُوَافَقَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ. هَذَا هَدْيُ نَبِيِّنَا
مُحَمَّدٍ ﷺ فِي احْتِرَامِ الرُّمُوزِ، وَإِنْزَالِ
النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، فَقَدْ كَانَ ﷺ أَعْرَفَ النَّاسِ بِأَقْدَارِ النَّاسِ،
وَأَحْفَظَهُمْ لِأَهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ، وَأَرْعَاهُمْ لِحُقُوقِ أَهْلِ الْمَكَانَةِ
وَالسِّنِّ وَالْعِلْمِ. فَقَدْ قَالَ ﷺ: فِي الحديث الذي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَمُسْلِمٌ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا جَاءَ لِلحُكْمِ
فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ».
فَلَمْ يَقُلْ ﷺ: هُوَ رَجُلٌ كَغَيْرِهِ، بَلْ عَرَّفَ
النَّاسَ بِمَكَانَةِ سَعْدٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُومُوا إِلَيْهِ إِكْرَامًا لَهُ
وَتَقْدِيرًا لِمَقَامِهِ.فكَانَ ﷺ يُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضْلِ وَيُقَدِّمُهُمْ،
فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضى الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم : ««إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ،
وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي
السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ». وَمِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ أَهْلَ الْفَضْلِ
وَالْعِلْمِ، وَيُرَاعِي مَرَاتِبَهُمْ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ
اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ...».
فَانْظُرُوا كَيْفَ جَعَلَ ﷺ الْعِلْمَ وَالْفَضْلَ مِعْيَارًا لِلتَّقْدِيمِ،
وَلَمْ يَجْعَلِ الْأَمْرَ عَبَثًا أَوْ مُجَرَّدَ مَظْهَرٍ. وَلَمْ يَكُنْ احْتِرَامُ
النَّبِيِّ ﷺ لِلنَّاسِ مُقْتَصِرًا عَلَى الْكِبَارِ،
بَلْ كَانَ يُكْرِمُ الصَّغِيرَ، وَيَرْحَمُ الضَّعِيفَ، وَيُقَدِّرُ صَاحِبَ الْعِلْمِ،
وَيَعْرِفُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَقَامَهُ.وَكَيْفَ لَا؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ الْفَضْلَ لِنِسَائِهِ، وَيُنْزِلُ
كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَنْزِلَتَهَا، فَحَتَّى مَعَ نِسَائِهِ ﷺ كَانَ أَرْفَقَ النَّاسِ بِهِنَّ، وَأَحْسَنَهُمْ
مُعَاشَرَةً لَهُنَّ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا
خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». وَكَانَ ﷺ يَعْدِلُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقَسْمِ
وَالْمَبِيتِ، وَيَسْعَى فِي إِرْضَائِهِنَّ وَحِفْظِ حُقُوقِهِنَّ، فَمَا أَرْحَمَهُ
وَمَا أَعْدَلَهُ ﷺ! وَمَنْ أَعْدَلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
ﷺ؟ وَمَعَ هَذَا الْعَدْلِ، كَانَ ﷺ يَعْرِفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ
فَضْلَهَا وَمَنْزِلَتَهَا، وَلَا يَمْنَعُهُ الْعَدْلُ مِنْ بَيَانِ الْفَضْلِ. فَلَمَّا
سُئِلَ ﷺ: «أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟» قَالَ:
«عَائِشَةُ»، قِيلَ: فَمِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «أَبُوهَا».وَهَذَا بَيَانٌ لِفَضْلِ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَمَنْزِلَتِهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ فَضْلِ
عَائِشَةَ إِنْكَارًا لِفَضْلِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، بَلْ كَانَ ﷺ يَعْرِفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا
فَضْلَهَا وَمَنْزِلَتَهَا. فَقَدْ قَالَ ﷺ فِي فَضْلِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:
«خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ»، وَقَالَ ﷺ: «كَملَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ
يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ»،
وَجَاءَ فِي فَضْلِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ
الْجَنَّةِ. وَقَالَ ﷺ فِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:
«فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».
فَاللَّهَ اللَّهَ فِي إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي مَعْرِفَةِ
قَدْرِ الرِّجَالِ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الِاحْتِرَامِ وَالتَّقْدِيرِ، فَإِنَّ مَنْ
عَرَفَ لِلنَّاسِ أَقْدَارَهُمْ، وَأَنْزَلَهُمْ مَنَازِلَهُمْ، وَحَفِظَ لِأَهْلِ
الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ، فَقَدْ أَصَابَ خُلُقًا عَظِيمًا .
ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مِنْ إِنْزَالِ النَّاسِ
مَنَازِلَهُمْ، عِبَادَ اللَّهِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: لقد كَانَ ﷺ يَعْرِفُ لِأَهْلِ السَّابِقَةِ وَالْبَلَاءِ
وَالْعَطَاءِ مَكَانَتَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ يَنْسَى فَضْلَ مَنْ أَحْسَنَ، وَلَا يَجْحَدُ
عَطَاءَ مَنْ قَدَّمَ وَبَذَلَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ
بَيْنَكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: 237]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ
إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرَّحْمَنِ: 60) فَمِنَ الْإِحْسَانِ أَنْ تَعْرِفَ لِأَهْلِ
الْإِحْسَانِ إِحْسَانَهُمْ، وَأَنْ تَحْفَظَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ. وَلِأَهْلِ
المَكَانَةِ مَكَانَتُهُمْ؛ وَلَا يَعْرِفُ الفَضْلَ لِأَهْلِ الفَضْلِ إِلَّا أَهْلُ
الفَضْلِ، وَلَا يَعْرِفُ المَكَانَةَ لِأَهْلِ المَكَانَةِ إِلَّا أَهْلُ المَكَانَةِ.
فمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ أَنْزَلَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ مَنْزِلَتَهُ
التي تَلِيقُ بِهِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ
مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ
الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا
بَابُ أَبِي بَكْرٍ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ. وَلَقَّبَهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِالصِّدِّيقِ، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه
الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،
حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ:
«اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ». وَرَوَى
البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا
عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، إِذْ
أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ
فَقَدْ غَامَرَ» فَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ
شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى
عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: «يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ»
ثَلَاثًا.ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أَثَّمَ
أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لَا. فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى
آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثَا
عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ
اللهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي
بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي» مَرَّتَيْنِ، فَمَا
أُوذِيَ بَعْدَهَا. وَقَدْ تَجَلَّتْ هَذِهِ المَكَانَةُ السَّامِيَةُ العَالِيَةُ
للصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ يَوْمَ وَفَاةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ كَانَ سَبَبًا في
تَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ هَذَا المُصَابِ العَظِيمِ، فَوَقَفَ بَيْنَ الصَّحْبِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلَا مَنْ كَانَ
يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ،
وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ
وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ
قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ
الشَّاكِرِينَ﴾. رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.
وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ خَالِدَ
بْنَ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَثَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خُصُومَةٌ، فَاشْتَدَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ
عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ
أَسْلَمُوا فِي بَدَايَةِ الدَّعْوَةِ، وَمِنْ أَفْضَلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ
ﷺ. أَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ، فَهُوَ سَيْفُ اللَّهِ الْمَسْلُولُ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ
الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي مُؤْتَةَ: «ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ
سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ». وَمَعَ مَا لِخَالِدٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ مِنْ فَضْلٍ وَبَلَاءٍ وَشَجَاعَةٍ وَمَكَانَةٍ، فَإِنَّ السَّابِقِينَ
إِلَى الْإِسْلَامِ لَهُمْ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ. وَلِذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ
بَيْنَ خَالِدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخَالِدٍ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي،
فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ،
وَلَا نَصِيفَهُ». فَانْظُرُوا، عِبَادَ اللَّهِ، إِلَى عَظَمَةِ الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ
فِي إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ؛ فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ فَضْلَ خَالِدٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ مَكَانَتَهُ،
فَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وَقَائِدٌ فَذٌّ، وَسَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ
فِي الْمَقَامِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالسَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، بَيَّنَ النَّبِيُّ
ﷺ لِخَالِدٍ أَنَّ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ عَوْفٍ سَابِقَةً وَفَضْلًا لَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهُ. فَقَالَ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي»، ثُمَّ بَيَّنَ
عَظِيمَ فَضْلِ السَّابِقِينَ، وَأَنَّ عَمَلَ الْمُتَأَخِّرِ، مَهْمَا عَظُمَ، لَا
يُسَاوِي عَمَلَ مَنْ سَبَقَهُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالنُّصْرَةِ.
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى إِنْزَالِ النَّاسِ
مَنَازِلَهُمْ: أَنْ نَعْرِفَ لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَلِكُلِّ ذِي سَابِقَةٍ
سَابِقَتَهُ، وَلِكُلِّ ذِي قَدْرٍ قَدْرَهُ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَمْحُوَ سَاعَةُ
خِلَافٍ سِنِينَ مِنَ الْعَطَاءِ، وَلَا أَنْ تَسْقُطَ زَلَّةٌ مَكَانَةَ رَجُلٍ أَفْنَى
عُمْرَهُ فِي الْخَيْرِ، وَلَا أَنْ نَجْعَلَ الْخِلَافَ سَبَبًا لِجُحُودِ الْفَضْلِ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَه الْمَوْاقِفِ يُرَبِّينَا عَلَى
قَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ: أَنْ نَضَعَ النَّاسَ فِي مَوَاضِعِهِمْ، وَأَنْ نَعْرِفَ لِأَهْلِ
الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ، وَأَلَّا يَحْمِلَنَا الِاخْتِلَافُ عَلَى الظُّلْمِ أَوْ الْجُحُودِ
أَوِ الِانْتِقَاصِ. فَهَذَا هُوَ هَدْيُ نَبِيِّنَا ﷺ: احْتِرَامٌ مَعَ عَدْلٍ، وَإِنْصَافٌ
مَعَ مَحَبَّةٍ، وَمَعْرِفَةٌ لِأَقْدَارِ النَّاسِ، دُونَ غُلُوٍّ وَلَا تَقْدِيسٍ
لِلْبَشَرِ. فَانْظُرُوا، عِبَادَ اللَّهِ، كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِفُ الْفَضْلَ لِأَهْلِهِ، وَيَضَعُ
كُلَّ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعِهِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِظُلْمِ أَحَدٍ
أَوْ جَحْدِ فَضْلِ أَحَدٍ. فَالْعَدْلُ شَيْءٌ، وَمَعْرِفَةُ الْفَضْلِ شَيْءٌ آخَرُ؛
وَمِنْ كَمَالِ الْأَخْلَاقِ أَنْ تَعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَأَنْ تَعْرِفَ
لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَأَنْ تُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ.
وَلَمَّا سَمِعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُفَضِّلُهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مَاذَا فَعَلَ؟ وهو ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمِنْ أَقْرَبِ
النَّاسِ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ هَذَا الْخُلُقَ الْكَرِيمَ: مَعْرِفَةَ
الْفَضْلِ لِأَهْلِهِ، وَإِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ
قَوْمًا يُفَضِّلُونَهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَامَ
فِي النَّاسِ مُبَيِّنًا الْحَقَّ، مُعْلِنًا مَكَانَةَ هَذَيْنِ الْخَلِيفَتَيْنِ
الرَّاشِدَيْنِ، وَمُبَرِّئًا نَفْسَهُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ. فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ: «خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ».
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُفَضِّلُنِي أَحَدٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
إِلَّا جَلَدْتُهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي((يَعْنِي: ثَمَانِينَ جَلْدَةً؛ فَهُوَ كَاذِبٌ
مُفْتَرٍ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ
بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ
هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. فَعَرَفَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لِكُلِّ صَاحِبِ فَضْلٍ
فَضْلَهُ، وَأَنْزَلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، فَرَفَعَ اللَّهُ لَهُمْ ذِكْرًا فِي
الدُّنْيَا، وَجَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ وَالْمَكَانَةِ مَا لَا يُنْكَرُ، وَنَرْجُو
أَنْ يَكُونُوا فِي الْآخِرَةِ مِنْ رُفَقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى.
عِبَادَ اللَّهِ، انْظُرُوا إِلَى هَذَا
الْخُلُقِ الْعَظِيمِ مِنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَمَعَ مَكَانَتِهِ وَفَضْلِهِ
وَقُرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَمْ يَسْمَحْ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْفَعَهُ
فَوْقَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَقْلِيلًا مِنْ شَأْنِ عَلِيٍّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَلْ كَانَ إِنْزَالًا لِلنَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، وَإِعْطَاءً
لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ. فَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُ سَابِقَةٌ
وَفَضْلٌ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُ سَابِقَةٌ وَفَضْلٌ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ لَهُ سَابِقَةٌ وَفَضْلٌ، وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
لَهُمْ فَضَائِلُهُمْ وَمَنَاقِبُهُمْ. وَهَكَذَا كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ؛ يَعْرِفُونَ
لِكُلِّ صَاحِبِ فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَلَا يَجْعَلُونَ مَحَبَّةَ شَخْصٍ سَبَبًا لِجُحُودِ
فَضْلِ غَيْرِهِ، وَلَا يَجْعَلُونَ الِاخْتِلَافَ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْمَقَامَاتِ.
وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى السَّابِقِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ
كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الْفَتْحِ: 26]. فَإِذَا
كَانَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَقْدَارَ بَعْضِهِمْ،
وَحَفِظُوا لِأَهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ، فَكَيْفَ بِنَا نَحْنُ؟! فَلْنَتَعَلَّمْ
مِنْهُمْ أَنْ نَعْرِفَ لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَلِكُلِّ ذِي قَدْرٍ قَدْرَهُ،
وَلِكُلِّ صَاحِبِ سَابِقَةٍ سَابِقَتَهُ، وَلَا نَجْعَلِ الْخِلَافَ مَعَ أَحَدٍ سَبَبًا
لِجُحُودِ فَضْلِهِ أَوِ الِانْتِقَاصِ مِنْ قَدْرِهِ.
وَهَذِهِ هِيَ الْحِكْمَةُ الَّتِي نَحْتَاجُ
إِلَيْهَا الْيَوْمَ: أَنْ نَعْرِفَ أَقْدَارَ النَّاسِ، وَأَنْ نُكْرِمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ
الْإِكْرَامَ، وَأَنْ نُوَقِّرَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْخِبْرَةِ، وَأَنْ نَحْفَظَ لِكِبَارِنَا
مَكَانَتَهُمْ، وَأَنْ نَتَعَامَلَ مَعَ الْجَمِيعِ بِالْعَدْلِ وَالْأَدَبِ.فَإِنَّ
إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ لَيْسَ تَقْدِيسًا لِلْبَشَرِ، وَلَا تَعْطِيلًا
لِلنَّقْدِ، وَلَكِنَّهُ عَدْلٌ وَإِنْصَافٌ وَأَدَبٌ وَوَفَاءٌ.فَاحْفَظُوا لِرُمُوزِكُمْ
مَكَانَتَهُمْ، وَلِعُلَمَائِكُمْ قَدْرَهُمْ، وَلِكِبَارِكُمْ حَقَّهُمْ، وَلِأَهْلِ
الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ، وَلَا تَجْعَلُوا الِاخْتِلَافَ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْمَقَامَاتِ،
وَلَا النَّقْدَ ذَرِيعَةً لِلْإِهَانَةِ.وَصَدَقَ مَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ
أَنْ تُسَوِّيَ بَيْنَ النَّاسِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا الْحِكْمَةُ أَنْ تُعْطِيَ
كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَكُلَّ ذِي قَدْرٍ قَدْرَهُ. فَالْاحْتِرَامُ هُوَ أَسَاسُ
الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْأَلْفَةِ وَالتَّعَاوُنِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُوَ
أَسَاسُ نَجَاحِ الْعَلَاقَاتِ مَعَ الْآخَرِينَ، وَالْوَاقِعُ خَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى
مَا أَقُولُ، فَالْمُحْتَرَمُ يُحِبُّهُ النَّاسُ وَيُوَقِّرُهُ النَّاسُ وَيُعَظِّمُهُ
النَّاسُ، وَالسَّيِّئُ وَالْبَذِيءُ يَكْرَهُهُ النَّاسُ وَيَحْتَقِرُهُ النَّاسُ
وَيُقَلِّلُ النَّاسُ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
يَخَاطِبُنِي السَّفِيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ
*** وَأَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ لَهُ مُجِيبًا
يَزِيدُ سَفَاهَةً وَأَزِيدُ حِلْمًا****كَعُودٍ
زَادَهُ الْإِحْرَاقُ طِيبًا
أقولُ قولِي هذا واستغفرُ اللهَ العظيمَ
لِي ولكُم ….الخطبةُ الثانيةُ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ،
وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَأشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ
، وأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ….وبعد
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: إِيَّاكُمْ وَالتَّقْلِيلَ
مِنْ شَأْنِ الرُّمُوزِ، أَيًّا كَانُوا.
أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ مِنَ الْأُمُورِ
الَّتِي تَضْعُفُ بِهَا الْمُجْتَمَعَاتُ، وَتَضْطَرِبُ بِهَا الْمَوَازِينُ، أَنْ
يُسَاءَ إِلَى رُمُوزِهَا، وَأَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ قَدْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ
وَالْعَطَاءِ، أَوْ أَنْ تُتَّخَذَ السُّخْرِيَةُ وَالطَّعْنُ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالْكِبَارِ
وَأَصْحَابِ الْمَكَانَةِ سَبِيلًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الِاخْتِلَافِ. وَمَا هَكَذَا
عَلَّمَنَا الْإِسْلَامُ؛ فَالِاخْتِلَافُ لَا يُبِيحُ الْإِهَانَةَ، وَالنَّقْدُ لَا
يُسَوِّغُ الِانْتِقَاصَ، وَالْحُرِّيَّةُ لَا تَعْنِي التَّجَاوُزَ عَلَى كَرَامَاتِ
النَّاسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ
مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى
أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الْحُجُرَاتِ: 11]. فَنَهَى اللَّهُ عَنِ السُّخْرِيَةِ
وَالِاسْتِهْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْلَمُ مَنْ هُوَ أَرْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ
مَنْزِلَةً وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا
بِالْأَلْقَابِ﴾ [الْحُجُرَاتِ: 11].فَإِذَا كَانَ هَذَا نَهْيَ اللَّهِ عَنِ السُّخْرِيَةِ
وَاللَّمْزِ بَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَعَمَّدُ إِسْقَاطَ مَنْزِلَةِ
عَالِمٍ، أَوْ مُعَلِّمٍ، أَوْ مُرَبٍّ، أَوْ رَجُلٍ أَفْنَى عُمْرَهُ فِي خِدْمَةِ
دِينِهِ وَوَطَنِهِ وَمُجْتَمَعِهِ؟ عِبَادَ اللَّهِ، احْذَرُوا مِنْ ظَاهِرَةِ التَّقْلِيلِ
مِنْ شَأْنِ الرُّمُوزِ، فَإِنَّ هَدْمَ الْمَكَانَةِ أَسْهَلُ مِنْ بِنَائِهَا، وَكَسْرَ
الثِّقَةِ أَسْرَعُ مِنْ إِعَادَتِهَا، وَكَلِمَةً وَاحِدَةً قَدْ تَهْدِمُ مَا بَنَاهُ
إِنْسَانٌ فِي عَشَرَاتِ السِّنِينَ. وَمِنِ احْتِرَامِ الرُّمُوزِ، احْتِرَامُ أُولِي
الْأَمْرِ وَتَوْقِيرُهُمْ، وَمِنْ مَظَاهِرِ احْتِرَامِهِمْ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ
لَهُمْ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَتَرْكُ التَّشْغِيبِ عَلَيْهِمْ، وَعَدَمُ سَبِّهِمْ
أَوْ إِهَانَتِهِمْ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِمَا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى مُخَالَفَةِ
هَذِهِ الْأَوَامِرِ مِنْ إِحْدَاثِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا قَدْ يُفْضِي
إِلَى الشُّرُورِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٩]. وَعَنْ ابْنِ
طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُوَقَّرَ أَرْبَعَةٌ: الْعَالِمُ،
وَذُو الشَّيْبَةِ، وَالسُّلْطَانُ، وَالْوَالِدُ».
فَإِيَّاكُمْ عِبَادَ اللَّهِ أَنْ تَجْعَلُوا
اخْتِلَافَكُمْ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْمَقَامَاتِ، أَوْ أَنْ تَجْعَلُوا النَّقْدَ
سَبَبًا لِلشَّتْمِ وَالتَّشْهِيرِ وَالِانْتِقَاصِ. وَاعْرِفُوا لِأَهْلِ الْفَضْلِ
فَضْلَهُمْ، وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ عِلْمَهُمْ، وَلِأَهْلِ السِّنِّ سِنَّهُمْ، وَلِأَهْلِ
الْعَطَاءِ عَطَاءَهُمْ؛ فَمَنْ أَنْزَلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ
مَنْزِلَةً رَفِيعَةً فِي قُلُوبِ النَّاسِ. وَكَيْفَ لَا؟! وَإِنَّ احْتِقَارَ النَّاسِ
وَإِهَانَتَهُمْ وَعَدَمَ احْتِرَامِهِمْ إِهَانَةٌ لِنَفْسِكَ أَوَّلًا، وَإِهَانَةٌ
لِمَنْ رَبَّاكَ؛ فَاجْعَلْ مَنْ يَرَاكَ يَدْعُو لِمَنْ رَبَّاكَ، لَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ،
وَلَا تَكُنْ سَبَبًا فِي جَلْبِ السَّيِّئَاتِ لِنَفْسِكَ، وَالْأَذَى لِأَهْلِكَ.
فَعَدَمُ احْتِرَامِ الرُّمُوزِ دَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ
خَطِيرٌ، وَوَبَاءٌ خُلُقِيٌّ كَبِيرٌ، مَا فَشَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ نَذِيرًا
لِهَلَاكِهَا، وَمَا دَبَّ فِي أُسْرَةٍ إِلَّا كَانَ سَبَبًا لِفَنَائِهَا؛ فَهُوَ
مَصْدَرُ كُلِّ عَدَاءٍ، وَيَنْبُوعُ كُلِّ شَرٍّ وَتَعَاسَةٍ. وَالِاحْتِقَارُ صِفَةٌ
ذَمِيمَةٌ، لَا يَتَّصِفُ بِهَا إِلَّا ذَمِيمٌ مَذْمُومٌ، وَلَا يَحْتَقِرُ النَّاسَ
إِلَّا حَقِيرٌ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّ الِاحْتِقَارَ صِفَةُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَسِمَةُ
الْجَاهِلِينَ، وَعَلَامَةُ الْخَاسِرِينَ، وَدَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ الْإِيمَانِ.وَكَيْفَ
لَا؟! وَإهَانَةُ الناسِ خِزْيٌ وَعَارٌ عَلَى صَاحِبِهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
” فلقد َنَفَى عَنْهُ النَّبِيُّ المُخْتَارُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “كَمَالَ
الإِيمَانِ” رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،
قَالَ: جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْطَأَ
القَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا»؛
فِي رِوَايةِ عَمْرُو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: ((وَيَعْرِفُ شَرَفَ
كَبِيرِنَا))، وَهَذَا زَجْرٌ مِن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ:
((لَيْسَ مِنَّا)) أَيْ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ سُنَّتِنَا وَهَدْيِنَا وَطَرِيقَتِنَا
مَن لَمْ يُوَقِّرِ الكَبِيرَ. إِهَانَةُ النَّاسِ إِفْلَاسُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَفِي
صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ».قَالَ
أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا
مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ
وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا
وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ
حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ
مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) وَكَيْفَ لَا؟!
إِهَانَةُ الناسِ دَلِيلٌ عَلَى سُوءِ الأَدَبِ وَسُوءِ التَّرْبِيَةِ فَاجْعَلْ مَنْ
يَرَاكَ يَدْعُو لِمَنْ رَبَّاكَ لَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِالْوَيْلِ وَالْهَلاَكِ
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا
النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)) [التحريم: 6]، قَالَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: عَلِّمُوا أَهْلِيكُمْ الخَيْرَ. وَمِنَ الْخَيْرِ احْتِرَامُ
الْكَبِيرِ وَعَدَمُ إِهَانَتِهِ واحْتِرَامُ الرُّمُوزِ وَعدمُ التَّقْلِيلَ مِنْ
شَأْنِهم.
لِسَانُكَ لَا تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ
*** فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ
وَعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا فَصُنْهَا وَقُلْ: يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ
حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ،
وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ
المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.