الْإِبْدَاعُ وَالِابْتِكَارُ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ
الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَنَارَ بِالْعَقْلِ
الْبَصَائِرَ، وَأَوْدَعَ فِي الْإِنْسَانِ الْبَدَائِعَ وَالذَّخَائِرَ، وَحَثَّ عَلَى
التَّفَكُّرِ فِي الْمَصَائِرِ وَالظَّوَاهِرِ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، خَلَقَ الْفِكْرَ وَأَبْدَعَ، وَأَسْبَغَ النِّعَمَ وَأَوْسَعَ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ
لِلْعُقُولِ بَانِيًا، وَلِلْمَوَاهِبِ رَاعِيًا، وَلِلْإِبْدَاعِ مُشَجِّعًا وَهَادِيًا،
صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النُّهَى
وَالْبَصَائِرِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا جَرَى قَلَمٌ وَتَعَاقَبَتِ
الدَّوَائِرُ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَهِيَ مِفْتَاحُ الْفُتُوحِ، وَسِرُّ
انْشِرَاحِ الرُّوحِ، يَقُولُ الْحَقُّ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ
اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282].
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَمْ
تَأْتِ لِتَكْبِيلِ الْعُقُولِ، بَلْ جَاءَتْ لِتُطْلِقَ لَهَا الْعِنَانَ فِي سَمَاءِ
الْإِبْدَاعِ، وَلَمْ تَكُنْ يَوْمًا عَائِقًا أَمَامَ التَّطَوُّرِ وَالِابْتِكَارِ،
بَلْ كَانَتِ الْمُحَرِّكَ الْأَوَّلَ لِلْعَقْلِ لِيَعْمُرَ الدَّارَ. وَدَعَتْ إِلَى
التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ فِي مَكَامِنِ الْإِبْدَاعِ، فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ
عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101]. فَالْإِبْدَاعُ فِي جَوْهَرِهِ هُوَ اسْتِثْمَارُ
الطَّاقَاتِ، وَتَوْظِيفُ الْقُدُرَاتِ؛ لِإِيجَادِ حُلُولٍ جَدِيدَةٍ، وَمَسَالِكِ
عَيْشٍ سَدِيدَةٍ.
وَلَقَدْ أَرْسَى النَّبِيُّ الْأَكْرَمُ
ﷺ فِي جَامِعَتِهِ النَّبَوِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ
قَوَاعِدَ رِعَايَةِ الْمَوْهِبَةِ، وَاحْتِضَانِ الِابْتِكَارِ؛ فَمَا كَانَ يُلْغِي
رَأْيًا نَافِعًا لِأَنَّهُ جَدِيدٌ، وَلَا يَطْرُدُ خَاطِرًا لِأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ
غَيْرِ الصَّنَادِيدِ، بَلْ كَانَ يَبْحَثُ عَنِ الْحِكْمَةِ أَيْنَمَا وُجِدَتْ، قَائِلًا
ﷺ: «الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ،
فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» [رواه الترمذي].
وَلَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَلَاغَةٍ وَجَلَاءٍ، بَيْنَ الِابْتِكَارِ
فِي شُؤُونِ الدُّنْيَا وَالْعِمَارَةِ، وَبَيْنَ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ وَالْعِبَادَةِ؛
فَحِينَمَا مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ وَقَالَ لَهُمْ: «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا
لَصَلَحَ»، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجِ التَّمْرُ كَمَا أَمَّلُوا، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ:
«مَا لِنَخْلِكُمْ؟» قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لَهُمْ قَوْلَتَهُ الْخَالِدَةَ
الَّتِي أَسَّسَتْ لِحُرِّيَّةِ الْإِبْدَاعِ وَالْخِبْرَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ: «أَنْتُمْ
أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» [رواه مسلم]. إِذْنٌ نَبَوِيٌّ صَرِيحٌ لِلْعَقْلِ
أَنْ يَسْتَكْشِفَ، وَلِلْفِكْرِ أَنْ يَبْتَكِرَ!
وَحِينَمَا جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا
نَجَّارًا. قَالَ: «إِنْ شِئْتِ فَلْيَفْعَلْ»، فَصَنَعَ لَهُ الْمِنْبَرَ؛ فَلَمْ
يَتَرَدَّدْ ﷺ فِي قَبُولِ تَطْوِيرِ وَسِيلَةِ الْإِبْلَاغِ
وَالْخَطَابَةِ بِمَا يُرِيحُ الْجَسَدَ وَيُسْمِعُ الْحَاضِرِينَ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
لَقَدْ كَانَ الْمُصْطَفَى ﷺ أَعْظَمَ مَكْتَبٍ إِدَارِيٍّ وَقِيَادِيٍّ
لِاكْتِشَافِ الْمَوَاهِبِ وَصِنَاعَةِ الْمُبْدِعِينَ؛ كَانَ يَسْتَخْرِجُ كُنُوزَ
الرِّجَالِ كَمَا يُسْتَخْرَجُ الذَّهَبُ مِنْ مَعَادِنِهِ!
تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- كَيْفَ
كَانَ ﷺ يُشَجِّعُ الِابْتِكَارَ وَيَفْتَحُ بَابَ
الِاجْتِهَادِ: لَمَّا بَعَثَ ﷺ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-
إِلَى الْيَمَنِ، سَأَلَهُ: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: أَقْضِي
بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ،
قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» فَقَالَ مُعَاذٌ فِي جَرَاءَةٍ وَثِقَةٍ إِبْدَاعِيَّةٍ:
"أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو!"، فَمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنْ ضَرَبَ صَدْرَهُ وَقَالَ فِي
ابْتِهَاجٍ: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي
رَسُولَ اللهِ» [رواه أبو داود]. لَقَدْ بَارَكَ ﷺ الْمَبَادَرَةَ الْعَقْلِيَّةَ، وَلَمْ
يَكْبُتِ الْفِكْرَ!
وَفِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، حِينَمَا وَاجَهَ
ثَلَاثَةُ آلَافِ مُسْلِمٍ مِائَتَيْ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ، وَاسْتُشْهِدَ الْقَادَةُ
الثَّلَاثَةُ، اسْتَلَمَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-،
فَهَدَاهُ فِكْرُهُ الْإِبْدَاعِيُّ إِلَى خُطَّةٍ لَمْ تُسْبَقْ: خَادَعَ الْعَدُوَّ،
فَغَيَّرَ الْمَيْمَنَةَ مَيْسَرَةً وَالْمَيْسَرَةَ مَيْمَنَةً، وَجَعَلَ السَّاقَةَ
مُقَدِّمَةً، وَأَثَارَ الْغُبَارَ خَلْفَ الْجَيْشِ لِيُوهِمَهُمْ بِوُرُودِ إِمْدَادَاتٍ،
ثُمَّ عَادَ بِالْجَيْشِ سَالِمًا! فَلَمَّا عَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَسَمَّاهُمُ
الْبَعْضُ "الْفُرَّارَ"، رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ بِحِكْمَةِ الْقَائِدِ الْمُحَفِّزِ وَقَالَ:
«لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ إِنْ شَاءَ اللهُ» [رواه أحمد]،
وَلَقَّبَ سَيِّدَنَا خَالِدًا بِـ «سَيْفِ اللهِ الْمَسْلُولِ»!
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
تَأَمَّلُوا فِي سِيرَتِهِ ﷺ الْعَطِرَةِ كَيْفَ بَنَى رُوحَ الِابْتِكَارِ؛
فِكْرٌ خَلَّاقٌ، وَتَخْطِيطٌ سَبَّاقٌ:
إِبْدَاعٌ فِي التَّكْتِيكِ الْعَسْكَرِيِّ:
فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْزِلًا، فَقَامَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ
-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَاحِثًا عَنِ الْأَجْوَدِ، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ،
أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَعَدَّاهُ،
أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟" فَقَالَ ﷺ: «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ»،
فَقَالَ الْحُبَابُ: "يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ..."
وَأَشَارَ بِتَغْيِيرِ الْمَوْقِعِ وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى آَبَارِ الْمَاءِ. فَمَا
كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنْ قَالَ: «لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ»،
وَنَفَّذَ فِكْرَتَهُ فَوْرًا. لَمْ يَمْنَعْهُ مَقَامُ النُّبُوَّةِ مِنْ قَبُولِ
ابْتِكَارِ صَحَابِيٍّ شَابٍّ فِي مَيْدَانِهِ!
وَفِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، لَمَّا أَحَاطَ
الْخَطَرُ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَتَجَمَّعَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ
لِاسْتِئْصَالِ الْمَدِينَةِ، قَامَ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ
-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِطَرْحِ فِكْرَةٍ غَرِيبَةٍ عَلَى الْبِيئَةِ الْعَرَبِيَّةِ
لَمْ تَعْهَدْهَا مِنْ قَبْلُ، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِفَارِسَ
إِذَا حُوصِرْنَا خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا". فَلَمْ يَقُلْ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَذِهِ فِكْرَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ! أَوْ
لَمْ نَعْتَدْ عَلَيْهَا! بَلْ رَحَّبَ بِالْمُقْتَرَحِ الْمُبْتَكَرِ، وَقَادَ الْأُمَّةَ
بِنَفْسِهِ لِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، فَكَانَتْ مَفَاجَأَةً إِسْتِرَاتِيجِيَّةً أَرْبَكَتِ
الْأَعْدَاءَ وَحَمَتِ الْمَدِينَةَ.
وَكَانَ ﷺ يَرْعَى الْقِيَادَاتِ الشَّابَّةَ حِينَمَا
عَيَّنَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَائِدًا لِجَيْشٍ فِيهِ كِبَارُ
الصَّحَابَةِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُمْرُ أُسَامَةَ لَمْ يَتَجَاوَزْ ثَمَانِيَةَ
عَشْرَ عَامًا! فَتَحَ الْبَابَ لِلشَّبَابِ كَيْ يَبْتَكِرُوا وَيَقُودُوا، وَلَا
يُعَاقُوا بِعُقْدَةِ السِّنِّ وَالتَّجْرِبَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
وَكَانَ ﷺ يَرْعَى الْمَوَاهِبَ الْإِعْلَامِيَّةَ
وَالْأَدَبِيَّةَ: لَمْ يُهْمِلْ ﷺ سِلَاحَ الْكَلِمَةِ، بَلْ أَدْرَكَ ثِقَلَ
الْقُوَّةِ النَّاعِمَةِ، فَأَقَامَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-
مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ كَيْ يُدَافِعَ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ لَهُ: «اهْجُهُمْ
وَرُوحُ الْقُدُسِ مَعَكَ» [رواه البخاري]. فَاسْتَثْمَرَ مَوْهِبَةَ الشِّعْرِ لِتَكُونَ
سِلَاحًا إِعْلَامِيًّا يُدَافِعُ عَنِ الْحَقِّ وَيَهْزِمُ شُبُهَاتِ الْبَاطِلِ.
وَكَانَ ﷺ خَبِيرًا بِمَعَادِنِ الرِّجَالِ، بَارِعًا
فِي اكْتِشَافِ الْمَوَاهِبِ الْفَرْدِيَّةِ وَتَوْجِيهِهَا: لَمْ يَكُنْ ﷺ يَقِيسُ النَّاسَ بِمِقْيَاسٍ وَاحِدٍ،
بَلْ يَسْتَخْرِجُ كُلَّ مَوْهِبَةٍ لِتَكُونَ فِي مَكَانِهَا الْأَمْثَلِ؛ نَظَرَ
إِلَى الشَّابِّ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَرَأَى فِيهِ ذَكَاءً
وَقَّادًا وَمَوْهِبَةً لُغَوِيَّةً، فَقَالَ لَهُ: «يَا زَيْدُ، تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ
يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي». فَمَاذَا حَدَثَ؟ يَقُولُ
زَيْدٌ: "فَتَعَلَّمْتُهُ لَهُ، فَمَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى
حَذِقْتُهُ! فَكُنْتُ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ، وَإِذَا كَتَبُوا
إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ". لَقَدْ صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَرْجِمًا إِسْتِرَاتِيجِيًّا لِلدَّوْلَةِ
فِي أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ! وَصَارَ تَرْجُمَانَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَاتِبَ وَحْيِهِ، ثُمَّ رَئِيسَ لَجْنَةِ
جَمْعِ الْقُرْآنِ فِي عَهْدِ الصِّدِّيقِ وَعُثْمَانَ؛ لِأَنَّهُ غَرَسَ الثِّقَةَ
فِي مَوْهِبَتِهِ.
هَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَضَعُ كُلَّ مَوْهِبَةٍ فِي الْمَكَانِ
الَّذِي تَتَأَلَّقُ فِيهِ؛ فَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ لِلْحِفْظِ وَالرِّوَايَةِ،
وَخَالِدًا لِلْقِيَادَةِ وَالرَّايَةِ، وَمُعَاذًا لِلْفِقْهِ وَالْآيَةِ، وَحَسَّانَ
لِلْإِعْلَامِ وَالْحِمَايَةِ. كُلٌّ يُبْدِعُ فِي مَجَالِهِ، وَكُلٌّ يَبْنِي أُمَّتَهُ
بِعَبْقَرِيَّتِهِ! فَلَمْ يَفْرِضْ عَلَى الْجَمِيعِ نَمَطًا وَاحِدًا، بَلْ وَزَّعَ
التَّخَصُّصَاتِ بِمَا يُنَاسِبُ الْمَوَاهِبَ!
فَلِلهِ دَرُّهُ مِنْ قَائِدٍ وَرَسُولٍ،
جَعَلَ مِنْ أُمَّتِهِ مَعْمَلًا لِلْإِبْدَاعِ، وَمَيْدَانًا لِلِابْتِكَارِ! لِلهِ
دَرُّ ذَاكَ الْعَصْرِ الَّذِي أَبْدَعَ، وَذَاكَ النَّبِيِّ الَّذِي جَمَعَ وَأَوْسَعَ!
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ الشَّاعِرُ يَصِفُ طُمُوحَ الْأَفْذَاذِ وَسُمُوَّ الْهِمَمِ:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي
الْعَزَائِمُ ... وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الْكِرَامِ الْمَكَارِمُ
وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا
... وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ الْعَظِيمِ الْعَظَائِمُ
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ
الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْمَلِكِ
الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ
وَالْمُرْسَلِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ..
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
وَنَحْنُ نَسْتَقْبِلُ عَامًا دِرَاسِيًّا
جَدِيدًا، نَفْتَحُ صَفْحَةً جَدِيدَةً مِنْ صَفَحَاتِ الْعِلْمِ وَالْبِنَاءِ. إِنَّ
الْمَعَاهِدَ وَالْمَدَارِسَ وَالْجَامِعَاتِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ جُدْرَانٍ لِتَلْقِينِ
الْمَعْلُومَاتِ، بَلْ هِيَ مَصَانِعُ الْأَجْيَالِ، وَحَوَاضِنُ الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ!
وَإِنَّنَا فِي بِدَايَةِ هَذَا الْعَامِ نُوَجِّهُ رَسَائِلَ ثَلَاثًا:
• الرَّسَالَةُ الْأُولَى لِلْمُعَلِّمِينَ
وَالْمُرَبِّينَ: أَنْتُمْ أَصْحَابُ رِسَالَةٍ، وَلَيْسَتْ مُهِمَّتُكُمْ تَلْقِينَ
الْمَعْلُومَاتِ فَقَطْ، بَلْ أَنْتُمْ تَبْنُونَ الْإِنْسَانَ. أَنْتُمْ أُمَنَاءُ
الْعُقُولِ، وَرُعَاةُ الْمَوَاهِبِ. كُونُوا كَالنَّبِيِّ ﷺ فِي اكْتِشَافِ قُدُرَاتِ طُلَّابِكُمْ،
لَا تَزْهَدُوا فِي فِكْرَةٍ ذَكِيَّةٍ، وَلَا تُطْفِئُوا شَغَفَ مُبْتَكِرٍ، بَلِ
احْتَضِنُوا الْعُقُولَ، وَشَجِّعُوا التَّفْكِيرَ النَّاقِدَ وَالْخَلَّاقَ. فَكَمْ
مِنْ مُعَلِّمٍ غَيَّرَ حَيَاةَ طَالِبٍ بِكَلِمَةٍ! وَكَمْ مِنْ مُعَلِّمٍ اكْتَشَفَ
مَوْهِبَةً فَكَانَ سَبَبًا فِي مُسْتَقْبَلٍ عَظِيمٍ! فَارْفُقُوا بِأَبْنَائِنَا،
وَشَجِّعُوا الْمُتَفَوِّقَ، وَسَاعِدُوا الْمُتَعَثِّرَ، وَاحْتَوُوا الْمَوْهُوبَ،
وَازْرَعُوا فِي نُفُوسِ الطُّلَّابِ حُبَّ الْعِلْمِ، وَحُبَّ الْوَطَنِ، وَحُبَّ
الْعَمَلِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي لَا يُنْتِجُ أَخْلَاقًا وَنَفْعًا
وَعَمَلًا صَالِحًا لَيْسَ هُوَ الْغَايَةَ الَّتِي نُرِيدُهَا.
• الرَّسَالَةُ الثَّانِيَةُ لِلْآَبَاءِ
وَالْأُمَّهَاتِ: ارْعَوْا نَوَابِغَكُمْ فِي الْبُيُوتِ، وَاسْتَثْمِرُوا فِي ذَكَاِء
أَبْنَائِكُمْ، وَلَا تَحْصُرُوا النَّجَاحَ فِي الْحِفْظِ الرَّاتِبِ دُونَ الْفَهْمِ
وَالتَّطْوِيرِ. فَلَا تَقْتُلُوا الْمَوْهِبَةَ بِكَلِمَةٍ، وَلَا تَهْدِمُوا الثِّقَةَ
بِسُخْرِيَةٍ، وَلَا تَجْعَلُوا الدِّرَاسَةَ مَصْدَرَ رُعْبٍ لِأَبْنَائِكُمْ. كُونُوا
لَهُمْ سَنَدًا، وَمُرَبِّينَ، وَمُوَجِّهِينَ، وَقُدْوَةً.
• الرَّسَالَةُ الثَّالِثَةُ لِلطُّلَّابِ
وَالطَّالِبَاتِ: أَنْتُمْ أَمَلُ الْأُمَّةِ وَمُسْتَقْبَلُهَا. اجْعَلُوا نِيَّتَكُمْ
فِي طَلَبِ الْعِلْمِ نُصْرَةَ الدِّينِ وَرِفْعَةَ الْأَوْطَانِ. كُونُوا شَغُوفِينَ
بِالِابْتِكَارِ، طَمُوحِينَ إِلَى الْمَعَالِي. لَا تَذْهَبُوا إِلَى الْمَدْرَسَةِ
فَقَطْ مِنْ أَجْلِ النَّجَاحِ فِي الِامْتِحَانِ، بَلِ اذْهَبُوا مِنْ أَجْلِ بِنَاءِ
الْإِنْسَانِ.
يَقُولُ الشَّاعِرُ:
تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُولَدُ عَالِمًا
... وَلَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
وَإِنَّ كَبِيرَ الْقَوْمِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ
... صَغِيرٌ إِذَا الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْجَحَافِلُ