recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعةالإبداع والإبتكار في العهد النبوي أعداد مكرم عبداللطيف

 الإبداع والإبتكار في العهد النبوي  



  1-الإسلام هو المحرك الأول لإعمال العقل، والباعث الأكبر على الإبداع والابتكار

  2-الابتكار والإبداع في عهد الرسول وعصر الصحابة الكرام

  3-كيف يمكن تطبيق منهج العقلية المبتكرة اليوم في النوازل المعاصرة

  4- دور التعليم وأهميته في الإبداع والابتكار

 البيان والتوضيح 

الحمد لله، الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، وجعل العقل من أرفع النعم ومناط التكليف للإنسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، دعا عباده إلى التدبر والتفكر في ملكوت السماوات والأرض فقال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}.

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله هادياً ومبشراً ونذيراً، فأنار العقول، وحرر الأفكار من قيود الجمود والتقليد، وحث على كل علم نافع وعمل صالح، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته المبدعين الفاتحين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

.أما بعد، فيا عباد الله:أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي القدير، فهي سبييل الفلاح ومفتاح العلوم، حيث يقول سبحانه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

  الإسلام هو المحرك الأول لإعمال العقل، والباعث الأكبر على الإبداع والابتكار

.أيها المسلمون:

إن من المظاهر الخاطئة والفهم السقيم الذي تسرب إلى بعض العقول، ظنُّهم أن التدين يدعو إلى الجمود والتقوقع، أو أن الإسلام يقف حاجزاً بين الإنسان وبين التطور العلمي والتقني والتكنولوجي.

 والصواب الذي يقرره تاريخ هذا الدين العظيم وهدي نبيه الكريم، هو أن الإسلام هو المحرك الأول لإعمال العقل، والباعث الأكبر على الإبداع والابتكار الذي يخدم البشرية ويحقق عمارة الأرض

.تأملوا -يا رعاكم الله- في تلك القاعدة الذهبية الخالدة التي أرساها رسول الله في مجتمع المدينة، حينما مرّ بقوم يلقحون النخل (أي يأبرونه)، فأشار عليهم بترك ذلك، فلم تحمل النخل في ذلك العام، فلما أخبروه بما حدث، أطلق صيحةً فقهيةً وإداريةً دوت في أرجاء الزمان لفتح باب الابتكار العلمي والتجريبي، فقال لهم: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" [رواه مسلم].

إن هذا الحديث الشريف -يا عباد الله- هو بمثابة "إعلان دستوري نبوي" يمنح البشرية الحرية الكاملة للاكتشاف، والابتكار، والريادة في علوم الطب، والهندسة، والزراعة، والتقنيات المعاصرة.

 لقد رسم لنا النبي حداً فاصلاً: فالعبادات والعقائد توقيفية ثابتة لا مجال لزيادة أو تبديل فيها، أما علوم الدنيا ووسائل الحياة، فهي ميدان فسيح يتسع لكل مخترع وإبداع يرفع الحرج عن الناس ويحقق مصالحهم.

إخوة الإيمان:

لقد كان هدي النبي تطبيقاً حياً لهذا المنهج؛ فلم يتحرج قط من قبول فكرة مبتكرة لم تكن مألوفة عند العرب، بل اقتبسها وطورها ووظفها.

وبالمثال يتضح المقال :

ففي غزوة الأحزاب، عندما تحزبت القبائل حول المدينة، تقدم الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه بابتكار عسكري لم يكن معروفاً في جزيرة العرب، فقال: "يا رسول الله، كنا بفارس إذا حُوصرنا خندقنا علينا"، فلم يرفض النبي الفكرة لكونها أعجمية، بل رحب بها ونزل مع أصحابه يحفر الخندق بيديه الشريفتين.

ولم يقف الهدي النبوي عند هذا الحد؛ بل لما اتسعت الدولة وأراد أن يرسل رسائل إلى ملوك الروم والعجم، وقيل له: "إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا أن يكون مختوماً"، ابتكر النبي أداة إدارية رسمية، فاتخذ خاتماً من فضة نُقش عليه "محمد رسول الله" لتوثيق المراسلات الدولية.

ولما كثر الناس في المسجد وشق عليه الخطاب قائماً ليراه الجميع، وافق على ابتكار هندسي بسيط وهو "المنبر الخشبي" ذو الدرجات، لتسهيل عملية التواصل البصري والسمعي مع الجماهير

.أيها المسلمون:

إذا كان هذا هو هدي نبينا في الترحيب بوسائل عصره المتغيرة، فكيف يجب أن يكون موقفنا اليوم ونحن نعيش في عصر الطفرة التكنولوجية، والذكاء الاصطناعي، والعلوم الرقمية؟

الإجابة

إن الابتكارات المعاصرة -وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والرقمنة- هي أدوات ووسائل سخرها الله للبشر، وحكمها في الإسلام يدور مع علتها وأثرها؛ فإن استخدمت لتطوير الطب وتشخيص الأمراض، أو لتحسين التعليم، أو لحفظ أموال الناس، أو لتسهيل المعاملات الإدارية،

 فهي من أعظم نعم الله، وهي داخلة في باب "السنة الحسنة" التي قال عنها النبي : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة"

.إن الواجب الشرعي والحضاري على شبابنا اليوم هو ألا يقفوا في طابور "المستهلكين المستسلمین" الذين يضيعون أوقاتهم خلف الشاشات في تصفح لا يسمن ولا يغني من جوع، بل الواجب أن يتحولوا إلى "مبتكرين وصناع"، يستغلون هذه الطاقات الرقمية لخدمة أوطانهم، وبناء مستقبلهم، وتقديم صورة مشرفة عن دينهم الذي قاد العالم يوماً بالخوارزميات، والطب، والفلك

.أيها المسلمون:

إن الإبداع والابتكار في المنظور الإسلامي ليس ركوضاً بلا خطام، بل هو إبداع مقيد بالقيم والأخلاق وحفظ مصالح البشر، فالقاعدة الفقهية الكبرى تقول: "لا ضرر ولا ضرار".ومن هنا، فإننا نرسل صيحة تحذير من فوق هذا المنبر الشريف: إن استخدام التكنولوجيا الحديثة أو الذكاء الاصطناعي في تزييف الحقائق (ما يُعرف بالتزييف العميق)، أو في انتهاك خصوصيات الناس، أو التجسس عليهم، أو نشر الشائعات، أو تدمير القيم الأخلاقية والروابط الأسرية؛ هو انحراف خطير بالأمانة العلمية، وجريمة يسأل عنها العبد بين يدي الله عز وجل.

إن المبدع المسلم هو الذي ينفع العالم بابتكاره ولا يضره، هو الذي يجمع بين عبقرية العقل ونقاء الضمير، هو الذي إذا اخترع برنامجاً أو طور تقنية، جعل نصب عينيه مصلحة الإنسان ورضا الرحمن.

ألا فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن عمارة الأرض بالابتكار والعمل نافلةٌ تُقربكم إلى الله، وصناعةٌ تحمي بها الأمة مكانتها بين الأمم

 الابتكار والإبداع في عهد الرسول وعصر الصحابة الكرام

تميز عهد الرسول وعصر الصحابة الكرام بفتح باب الاجتهاد الإبداعي، حيث تحول الفكر الإسلامي من اتباع النمط التقليدي إلى ابتكار حلول عملية واستراتيجية لمواجهة التحديات السياسية، والعسكرية، والاجتماعية.ويمكن تقسيم مجالات الإبداع والابتكار في ذلك العصر إلى عدة محاور رئيسية:

1. الابتكار في المجال العسكري والاستراتيجي

 حفر الخندق:

 في غزوة الأحزاب، اقترح سلمان الفارسي رضي الله عنه حفر خندق حول المدينة، وهي حيلة دفاعية ومفهوم عسكري لم يكن مألوفاً أو معروفاً لدى العرب من قبل، مما غير مجرى المعركة.

  المنجنيق والدبابة الخشبية:

 في حصار الطائف، استخدم المسلمون لأول مرة أدوات حصار متطورة مثل المنجنيق لرمي الحصون، والدبابات الخشبية (مظلات جلدية سميكة) لحماية الجنود من السهام أثناء تقدمهم.الخدعة الاستراتيجية

  (الانسحاب التكتيكي):

 في معركة مؤتة، ابتكر خالد بن الوليد رضي الله عنه خطة عبقرية بإعادة تنظيم الجيش (تبديل الميمنة بالميسرة والمقدمة بالمؤخرة) لإيهام العدو بوصول إمدادات جديدة، مما مكنه من الانسحاب الآمن بأقل الخسائر.

  2. الابتكار الإداري والتنظيمي

 إحصاء السكان:

 أمر النبي في المدينة بكتابة أسماء كل من يلفظ بالإسلام، وهو ما يمثل أول تعداد سكاني وإحصائي منظم لبناء قاعدة بيانات للدولة الناشئة.

  انشاء الدواوين:

في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومع اتساع الدولة، استُحدث نظام الدواوين (مثل ديوان الجند لتنظيم الرواتب، وديوان الخراج للضرائب) وهو نظام إداري مبتكر مقتبس ومطور ومصمم ليناسب الدولة الإسلامية.

  التاريخ الهجري:

 ابتكر الصحابة في عهد عمر بن الخطاب نظاماً تقويمياً جديداً خاصاً بالمسلمين يبدأ من هجرة الرسول ، لتوثيق المراسلات والمعاهدات الرسمية.

  3. الابتكار في العمران والخدمات العامةتأسيس المدن (التمصير): في عهد الصحابة، ابتكر المسلمون نظام تخطيط المدن العسكرية والمدنية من الصفر لتكون مراكز حضارية، مثل بناء الكوفة والبصرة في العراق، والفسطاط في مصر.

  العزل (الحجر) الصحي الحجري:

طبق عمر بن الخطاب والصحابة مفهوم العزل الصحي الفعلي عند انتشار "طاعون عمواس"، بمنع الدخول أو الخروج من الأرض الموبوءة بناءً على توجيهات نبوية سابقة، وتفريق الناس في الجبال لمنع العدوى.

  نظام العسس (الشرطة): استحدث عمر بن الخطاب نظام "العسس" وهو الطواف بالليل لحفظ الأمن ومراقبة الأسواق، والذي تطور لاحقاً ليصبح جهاز الشرطة.

  4. الابتكار في حفظ وتوثيق المعرفة

 جمع القرآن الكريم:

 في عهد أبي بكر الصديق وبمشورة من عمر بن الخطاب، ابتكر الصحابة طريقة لجمع القرآن في مصحف واحد بعد أن كان مفرقاً في الصدور والرقاع، لحمايته من الضياع بعد استشهاد القراء.

  نسخ المصاحف وتوحيد القراءة: في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ابتُكرت خطة لتوحيد الأمة على مصحف إمام واحد (المصحف العثماني) وتوزيعه على الأمصار لمنع الاختلاف في القراءة.

 المنهج الفكري للصحابة:

 كيف كانوا يفرقون بين الوحي التشريعي والرأي البشري القابل للابتكار؟

يقوم المنهج الفكري للصحابة رضي الله عنهم على توازن دقيق وفريد بين الالتزام المطلق بالنص الشرعي (الوحْي) وبين المرونة الكاملة والابتكار في شؤون الدنيا وعمارة الأرض.

 هذا المنهج هو الذي سمح للمجتمع الإسلامي الأول بالانتقال من حياة القبيلة إلى إدارة دولة مترامية الأطراف في سنوات قليلة.

ويمكن تلخيص الركائز الأساسية لهذا المنهج الفكري في النقاط التالية:

  1. الفصل بين "مقام التشريع" و"مقام الرأي البشري"

تعلم الصحابة من النبي مباشرة أن هناك فرقاً بين أمر الله ورسوله الملزم، وبين التفكير البشري القائم على الخبرة والمصلحة.شعارهم (هل هو الوحي أم الرأي؟):

 كما حدث في غزوة بدر عندما سأل الحباب بن المنذر النبي عن موقع المعركة: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟"

 فلما أخبره أنه الرأي، اقترح الحباب موقعاً أفضل، فاستجاب له النبي فوراً

  2. إعمال "مقاصد الشريعة" وفهم روح النص

فلم يكن فكر الصحابة جامداً يقف عند ظواهر الألفاظ فقط، بل كانوا يبحثون عن العلة والهدف من الحكم (تحقيق مصالح الناس ودفع المفاسد عنهم).

 تجميد سهم المؤلفة قلوبهم: في عهد عمر بن الخطاب، أوقف إعطاء سهم من الزكاة للمؤلفة قلوبهم (وهم جماعة كانوا يُعطون لتأليف قلوبهم نحو الإسلام)، لانتفاء العلة؛ حيث أصبح الإسلام قوياً ولم يعد بحاجة لشراء الولاءات، وهذا قمة الإبداع في فهم فقه الواقع.

  عدم تقسيم أراضي العراق (أراضي السواد):

فعندما فُتحت العراق، طالب البعض بتقسيم الأراضي على الفاتحين، لكن عمر بن الخطاب وأقره الصحابة نظروا إلى مصلحة الأجيال القادمة، فأبقوا الأرض بيد أصحابها مع فرض ضريبة (الخراج) لتمويل الدولة وصرف رواتب الجند والتعليم.

  3. الشورى التفاعلية والعصف الذهني:

كان منهجهم الفكري جماعياً لا فردياً، يعتمد على تبادل الآراء لإيجاد أفضل الحلول للمستجدات.

مؤتمر الجابية: عقده عمر بن الخطاب مع كبار الصحابة في الشام لوضع الخطط الإدارية والمالية والأمنية للمناطق المفتوحة حديثاً، وهو ما يشبه المؤتمرات الاستراتيجية المعاصرة.

 4. القياس واجتهاد الرأي فيما لا نص فيه:

إذا واجهتهم مسألة جديدة لم ينزل فيها قرآن ولم يترك فيها النبي حكماً مباشراً، كانوا يبتكرون الحلول عبر قياس الشبه، أو النظر في المصلحة المرسلة.

  خلافة أبي بكر: قاس الصحابة الإمامة الكبرى (السياسة والحكم) على الإمامة الصغرى (الصلاة)، فقالوا: "رضيه رسول الله لديننا (حين أمره أن يصلي بالناس في مرضه)، أفلا نرضاه لدنيانا؟".

وفي حد شارب الخمر:

 لَمّا استشار عمر الصحابة في تغليظ عقوبة شارب الخمر بعد أن كثر شربها، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا شرب هَذَى، وإذا هَذَى افترى، وعلى المفتري ثمانون (حد القذف)"، فجعل الرابط الفكري مبنياً على النتيجة والآثار المترتبة.

  5. الانفتاح الذكي على الثقافات الأخرى:

تميز منهجهم الفكري بالمرونة في اقتباس الوسائل والآليات النافعة من الحضارات المجاورة (كالفرس والروم) وتطويرها بما لا يخالف عقيدتهم.اقتبسوا نظام الدواوين (السجلات الإدارية).طوروا أساليب العمران وتخطيط المدن.استخدموا النقود السائدة وعُدِّلت لاحقاً لتناسب الهوية الإسلامية.بناءً

  أمثلة تفصيلية وتطبيقية:

إليك أمثلة تفصيلية وتطبيقية تُظهر عبقرية المنهج الفكري للصحابة رضي الله عنهم، وكيف وظفوا الإبداع الفقهي والذكاء الاستراتيجي للتعامل مع "النوازل" (الأزمات والمستجدات) التي لم يسبق لها مثيل:

  1. جمع القرآن الكريم (تحدي بقاء الدولة والهوية)المشكلة: بعد وفاة النبي ، اندلعت حروب الردة، واستُشهد في معركة اليمامة وحده قرابة 70 من كبار حُفّاظ القرآن الكريم.الابتكار الفكري: خشي عمر بن الخطاب على ضياع القرآن بوفاة الحفاظ، فاقترح على أبي بكر الصديق جمعه في كتاب واحد.المرونة الفقهية: في البداية تردد أبو بكر وقال: "كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟"، لكن عمر ناقشه بالمنطق المصلحي قائلاً: "هو والله خير". انشرح صدر أبي بكر للمصلحة المرسلة (حفظ الدين)، وتم تكليف زيد بن ثابت الذي وضع أدق نظام توثيق وبحث علمي في التاريخ: لم يكن يقبل أي آية إلا إذا كانت مكتوبة بين يدي النبي ، ويشهد شاهدان عدلان على كتابتها في ذلك الوقت.

 2. عام الرمادة (إبداع إدارة الأزمات الاقتصادية)المشكلة:

في عام 18 هـ، أصاب المدينة القحط والجوع الشديد (عام الرمادة)، ووفد آلاف العرب إلى المدينة بحثاً عن الطعام، مما شكل عبئاً اقتصادياً وأمنياً هائلاً.الابتكار الفكري لعمر بن الخطاب(تجميد العقوبة الظاهرية لانتفاء شرطها)

حيث أوقف عمر حد السرقة عن المحتاجين والجائعين. التفكير التقليدي يقول إن السارق تُقطع يده، لكن التفكير المقاصدي لعمر أدرك أن الشبهة

(الجوع والاضطرار)

تدرأ الحد، لأن واجب الدولة أولاً هو توفير القوت.

  تأخير الزكاة واستغلال نظام الموازنة:

أخّر جباية الزكاة في ذلك العام الصعب، فلما انتهت الأزمة في العام التالي، جباها مقاعفة (عن عامين) لتغطية العجز، ووزعها على الفقراء.

  فكرة "الدعم الخارجي بإنشاء خطوط إمداد إقليمية:

ابتكر فكرة "الدعم الخارجي" من الولايات الغنية، فكتب إلى عمرو بن العاص في مصر، وأبي عبيدة في الشام، لإرسال قوافل الإغاثة، وفتح قناة مائية (خليج أمير المؤمنين) لتسريع الشحن البحري من مصر إلى الحجاز.

 3. (إبداع في الطب الوقائي والاستراتيجي)المشكلة:

حيث  انتشر طاعون جارف في الشام (عام 18 هـ) حصد أرواح الآلاف، ومنهم قادة عظام مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل

فكان.الابتكار الفكري لعمرو بن العاص: بعد وفاة القادة الأوائل، تولى عمرو بن العاص إمارة الشام، ففكر بعقلية إبداعية وخارج الصندوق لمواجهة الوباء:التحليل البيئي للمرض: قال للناس: "إن هذا الوجع إذا وقع إنما يشتعل اشتعال النار، فَتَجَبَّلُوا منه في الجبال" (أي تفرقوا في رؤوس الجبال).

الابتكار التكتيكي: أدرك عمرو بن العاص بالنظر والقياس أن التجمع في المدن الضيقة يغذي الوباء كالنار، فابتكر مفهوم "التباعد الاجتماعي والجسدي العسكري" (الحجر الصحي) بنقل الجيش والأهالي إلى بيئات جبلية مفتوحة ونقية، وبالفعل ارتفع الوباء وتوقف الموت.

 4. مسألة "العول" في المواريث (إبداع في الرياضيات والقانون)المشكلة: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب في ميرث (ماتت امرأة وتركت: زوجاً وأختين).الفرض الشرعي للزوج هو: النصف (\(1/2\)).الفرض الشرعي للأختين هو: الثلثان (\(2/3\)).إذا جمعنا الكسور (\(1/2 + 2/3 = 7/6\))، فالتركة زادت عن الواحد الصحيح وضاق المال عن استيعاب السهام كاملة

  .الابتكار الفكري للصحابة: جمع عمر الصحابة وقال: "والله ما أدري بأيكم أبدأ؟ إن بدأت بالزوج استوعب حقه، وإن بدأت بالأختين استوعبتا حقهما".الحل الإبداعي (القياس الاقتصادي): تقدم العباس بن عبد المطلب أو زيد بن ثابت (على اختلاف الروايات) باقتراح "العول"، وهو إدخال النقص على جميع الورثة بنسبة سهامهم.القياس: قاسوها على الرجل يموت ومديونيته أكثر من ماله؛ حيث يُوزع المال على الدائنين بالمحاصة (كل فرد يخسر جزءاً بنسبة دَينه). فكان هذا أول تطبيق لرياضيات الكسور وتطوير قانون المواريث ليتسع للحالات المعقدة.هذه الأمثلة توضح كيف كان الصحابة يربطون بين النص والواقع

  كيف يمكن تطبيق منهج العقلية المبتكرة اليوم في النوازل المعاصرة

إذا أردنا  تطبيق  منهج العقلية المبتكرة اليوم في النوازل المعاصرة (مثل المعاملات المالية الحديثة أو الأوبئة).فعلينا بالتركيز على الاجتهادات القضائية المبتكرة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.معرفة كيف تطور هذا الفكر إلى علم أصول الفقه على يد الإمام الشافعي لاحقاً.وكيف يمكن أن نطبق هذا المنهج اليوم تطبيق المنهج الفكري للصحابة اليوم ليس بنسخ حلولهم التاريخية حرفياً، بل بامتلاك "العقلية الأدواتية" ذاتها؛ أي فهم كيفية دمج النص الشرعي الثابت مع الواقع المعاصر المتغير.لكي نُحيي هذا المنهج الإبداعي في عصر الذكاء الاصطناعي، والعولمة، والأزمات المعقدة، يمكننا تفعيله عبر المحاور التالية:

  1. الانتقال من "الفقه الفردي" إلى "الاجتهاد الجماعي والمؤسسي"كيف كان الصحابة يفعلون؟ كانوا يجمعون أهل الرأي والخبرة في المسائل الكبرى (مثل جمع القرآن، ومؤتمر الجابية).التطبيق اليوم: لم يعد ممكناً لعالم دين بمفرده أن يفتي في هندسة جينات، أو عملات مشفرة، أو قضايا المناخ. التطبيق المعاصر يتطلب مجامع فقهية تضم علماء الشريعة إلى جانب الخبراء المتخصصين (أطباء، اقتصاديين، مهندسين) لتفكيك المسألة بدقة قبل إصدار الحكم، وهو ما يُعرف بـ "فقه النوازل".

  2. تفعيل "فقه المقاصد" وتقديم المنافع العامةكيف كان الصحابة يفعلون؟ جمّد عمر بن الخطاب سهم المؤلفة قلوبهم لانتفاء علته، وأوقف حد السرقة في عام المجاعة لدرء الشبهة وتوفير القوت

 .التطبيق اليوم: عند صياغة القوانين أو المبادرات المجتمعية، يجب التركيز على حفظ الكليات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)

.مثال: سنّ قوانين صارمة للمرور، أو فرض عقوبات على التلوث البيئي، أو تنظيم المعاملات الرقمية لحماية أموال الناس، كلها تنبثق من روح المنهج الصحابي الذي يرى أنه

 "أينما وجدت المصلحة فثمّ شرع الله"

  .3. الانفتاح الذكي والمثاقفة (اقتباس الوسائل لا الأيديولوجيات)كيف كان الصحابة يفعلون؟ اقتبسوا الدواوين من الفرس، وأنظمة الإدارة والنقود من الروم، وحوروا استخدامها بما يخدم دولتهم.

 التطبيق اليوم: الاستفادة من أحدث ما توصلت إليه الحضارة الحديثة في العلوم الإدارية والتكنولوجية والتطويرية (مثل: نظم الحوكمة، الذكاء الاصطناعي، آليات مكافحة الفساد، ومناهج البحث العلمي) وإعادة صياغتها وتوطينها بما يتوافق مع هويتنا وقيمنا الأخلاقية، دون الانغلاق على الذات أو الذوبان التام في الآخر.

  4. الفرز الحازم بين "الوسائل المتغيرة" و"الغايات الثابتة"

فالخلل الحالي: الخلط بين الوسيلة والغاية يُنتج جموداً فكرياً.

  التطبيق اليوم: الغايات في الإسلام ثابتة (مثل: العدل، الشورى، حفظ الحقوق، طلب العلم)، أما الوسائل فمتروكة للإبداع البشري.العدل والشورى (غاية): يمكن تحقيقهما اليوم عبر البرلمانات، والانتخابات الرقمية، والمنصات التفاعلية (وسائل معاصرة).

وطلب العلم ونشره (غاية): يتم عبر الجامعات الافتراضية، ومنصات التعلم الذاتي، والمكتبات السحابية (وسائل معاصرة).

  5. مأسسة إدارة الأزمات (التفكير الاستباقي)كيف كان الصحابة يفعلون؟

ابتكر عمرو بن العاص التباعد الجسدي الجغرافي لإنهاء الطاعون.التطبيق اليوم: الانتقال من عقلية "رد الفعل" إلى عقلية "التنبؤ وبناء الخطط الاستباقية" للأزمات (الأوبئة، الكوارث الطبيعية، الحروب الاقتصادية) عبر بناء مراكز دراسات استراتيجية ومخازن أمن غذائي وصحي مرنة، قائمة على الرصد الإحصائي الدقيق (تماما كما أحصى النبي سكان المدينة في بداية التأسيس).

  دور التعليم وأهميته في الإبداع والابتكار

أيها الأحبة :

 يلعب التعليم دوراً

 أساسياً في تنمية الإبداع من خلال تحويل المتعلم من مجرد متلقٍ للمعلومة إلى باحث ومفكر ومبتكر

عبادَ الله: إنَّ التعليمَ هوَ رسالةُ الأنبياء، ومزكاةُ الأتقياء: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)[آل عمران: 164]، ولذلك فالمعلمونَ والمعلماتُ يجلسونَ مجالسَ الملوك، فهم صنَّاعُ المجد، وبُنَاةُ الأمل، ومنارةُ الحضارات:

أَعلِمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي *** يبني وينشىء أنفسًا وعقولًا!

إنَّه لا مناصَ للأممِ التي ترومُ أن تتبوأَ الصدارة، منَ العنايةِ بالتعليم، ولا مفرَ لبناءِ الأفرادِ منَ التعليم، ولا طريقَ لتشييدِ الحضاراتِ سوى طريقِ العلمِ والمعرفة.

إنَّ بناءَ الأممِ إنما يكونُ ببناءِ الفردِ الذي هوَ نواةُ المجتمع، ولا سبيلَ إلى بنائِه إلا منْ خلالِ التعليم؛ ولهذَا فإنَّ مؤسساتِ التعليمِ في أيِّ مجتمعٍ هيَ معيارُ قوتِه، ومقياسُ نهضتِه، بدءًا منْ مؤسساتِ التعليمِ المبكر، وانتهاءً بمؤسساتِ التعليمِ العالي.

إنَّ التعليمَ للإنسانِ يمثلُ صيانةَ العقلِ منَ الانجرافِ وراءَ الخرافةِ والوهم، والسدَ المنيعَ منَ التهورِ وراءَ الجريمة، والدرعَ الحصينَ منَ التخلفِ والفساد، والقلعةَ المنيعةَ بإذنِ اللهِ منَ التطرفِ والغلو.

ومؤسساتُ التعليمِ لتكونَ منارةَ عطاء، ومركزَ بناء، ينبغي أنْ لا تكونَ حكرًا على جنسٍ دونَ جنس، ولا على عمرٍ دونَ عمر؛ روى البخاريُّ في صحيحِه عنْ عمرَ قال: "تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا"، وأعقب البخاريُّ بقولِه: "وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ".

أيها الفضلاء: التربيةُ والتعليمُ هيَ صياغةُ المجتمع، وصناعةُ أجيالِه، ورسمُ مستقبلِه وهذا إجماعُ أممِ الأرضِ قاطبة؛ لذلكَ فإنَ التعليمَ أمانةٌ عظمى على عاتقِ المعلمين، فينبغيْ لهمْ استشعارُ هذه الأمانة وأداؤُها على الوجهِ الذي يرضي الله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)[المؤمنون: 8].

التعليمُ أمانةٌ وليسَ مجردَ وظيفة، ورسوخُ هذا المبدأ في ذهنِ المعلمِ يبعثُه على أداءِ الأمانةِ على الوجهِ الأكمل، فيستثمرُ التقنيةَ الحديثةَ في تحبيبِ العلمِ إلى الأجيال، فالتجديدُ في التعليمِ هو أعظمُ المحفزاتِ للأجيالِ نحوَ التعليم، وأمارةُ العطاءِ في المؤسساتِ التعليميةِ هوَ التحديثُ المستمر، ومواكبةُ المستجدات.

بيدَ أنَّ التجديدَ لا يعني التفريطُ في القيمِ الدينية، ولا الذوبانَ في ثقافاتِ الغير، وسبيلُ الريادةِ في التعليمِ هوَ بالجمعِ بينَ الأصالةِ والمعاصرة، وبينَ القيمِ والتجديد، فعقولُ أبنائِنا همْ مستقبلُنا، وأملُ أمتِنا في الغدِ الزاهر، ونحنُ قومٌ أعزّنا اللهُ بالإسلامِ فمهما ابتغيْنا العزةَ في غيرِه أذلنا الله:

سبحانكَ اللهم خيرَ معلمٍ *** علمتَ بالقلمِ القرونَ الأولى

أخرجتَ هذا العقلَ منْ ظلماتِه *** وهديتَه النورَ المبينَ سبيلا

أرسلتَ بالتوراةِ موسى مرشدًا *** وابنَ البتولِ فعلّمَ الإنجيلا

وفجرتَ ينبوعَ البيانِ محمدا *** فسقى الحديثَ وناولَ التنزيلا

 أيُّها المؤمنون: إنَّ المتأملَ لأحوالِ الأمم، يجدْ أنَ التعليمَ هوَ الركيزةُ العظمى لأيِّ نهضةٍ في قديمِ التاريخِ وحاضرِه، وحيثُ كانت النهضةُ كانَ التعليم، وحيثُ كانَ التعليمُ كانت النهضة؛ إذ العلمُ يَرتحلُ منَ الأقطارِ حينَ تسقطُ الحضارة.

والتعليمُ الذي نعنيه ليسَ هوَ المحصورُ بالورقِ والشهادةِ فحسب، كلا بلْ هوَ الذي يهدي إلى الطريقةِ المُثلى في التلقي السليم، والبناءِ الأصيل، والنقدِ الهادف، والإيجابيةِ المنتجة، والوسطيةِ الحقيقية.

أيُّها الإخوة الكرام: إنَّ الذي أزرى بمجتمعاتِنا اليومَ أن جَعلَ بعضُهم التعليمَ لغايةٍ ماديةٍ فقط، فإذا أدركَها الطلابُ انقطعُوا عن العلم، وهؤلاءِ الضربُ من الطلابِ هم الذينَ أساؤُوا لرونقِ العلم، وبهاءِ التعليم، ونصفُ عالمٍ أخطرُ على الأمةِ من جاهل، ونصفُ طبيبٍ أخطرُ على المريضِ من جاهل.

وقصدُ العلمِ لأجلِ الغاياتِ الماديةِ أهوى بطلابِنا عن مداركِ النبوغ، والحذقِ في كافةِ العلومِ الدينيةِ والدنيوية؛ إذ العلمُ يستغرقُ العمرَ كلَّه، ولا يصبرُ على لأوائِه إلا المحبُ الصادق، والمخلصُ الناصح.

ومما يكدّرُ صفوَ تعليمِ المجتمعات، هذا الفصامُ النكدُ بينَ علومِ الدنيا وعلومِ الآخرة، وتوهمُ فريقٍ من أمتِنا أنَّ طلبَ العلمِ الشرعيِّ يعني الصدودَ عن علومِ الدنيا، أوْ أنَّ طلبَ علمِ الدنيا يعني الإعراضَ عنِ العلمِ الشرعي، متوهمينَ التناقضَ بينهما، ولقد قالَ الإمامُ الشافعي قديمًا: "لاَ أَعْلَمُ عِلْماً بَعْدَ الحَلاَلِ وَالحَرَامِ أَنْبَلَ مِنَ الطِّبِّ، إلَّا أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ غَلَبُوْنَا عَلَيْهِ".

وكان رحمه الله -تعالى- يَتَلَهَّفُ عَلَى مَا ضَيَّعَ المُسْلِمُوْنَ مِنَ الطِّبِّ وَيَقُوْلُ: "ضَيَّعُوا ثُلُثَ العِلْمِ وَوَكَلُوهُ إِلَى اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى"، وهذا التحسرُ من أحدِ أركانِ فقهِ الأمة يبينُ للأمةِ خريطةَ المؤسساتِ التعليمية، والمسارَ الأمثلَ في توجيهِ أبنائِها إلى الكلياتِ العلميةِ المفيدةِ للمجتمعِ وحوائجِه الضرورية.

هذه اللوعةُ الشافعيةُ لو أخذتْ بها الأمةُ لكانت اليومَ في مصافِ الأمم؛ إذْ كمالُ الشريعةِ وشمولِها يقتضي منَ الأمةِ النفيرَ في طلبِ العلومِ النافعةِ كلِّها تحقيقًا لريادةِ الأمةِ واستقلالِها عن غيرِها منَ الأمم.

عباد الله: والأسرةُ هيَ مؤسسةُ التعليمِ الأولى في حياةِ فلذاتِ الأكباد، وإنَّ رسالةَ المؤسساتِ التعليميةِ الأخرى لنْ تتمَّ ما لمْ تقم الأسرةُ بدورِها في التعليم، ومنْ مهامِ مؤسسةِ الأسرةِ في التعليمِ هو تحبيبِ العلمِ للناشئة.

ومنْ مهامِ الأسرةِ حسنُ انتقاءِ المؤسساتِ التعليميةِ التي ينخرطُ فيها أبناؤُهم، وهذا لايتأتى إلا بعدَ إيمانِ الأبِ والأمِ بأن التعليمَ كالنفسِ للأبناء، وهنا يطيبُ ثمرةُ المرأةِ العالمةِ فإنَّها ترضعُ أبناءَها حبَ العلمِ كما ترضُعُهم غذاءَ أبدانِهم، وما أمُ سفيانَ الثوري عنّا ببعيد حينَ قالتْ لولدِها: "يا بنيّ اطلب العلمَ وأنا أكفيكَ بمغزلي".

أيها التجار: إنَّ منْ حياةِ العلمِ إحياءُ الأوقافِ العلمية، فهذه جامعةِ القرويين أقدمُ جامعةٍ في العالم بحسبِ إحصائية "اليونيسكو" يُكْتَبُ المجدُ فيها لفاطمةِ الفهريةِ التي وضعتْ حجرَ الأساسِ لهذه الجامعة، فتلكَ المرأةُ القرشيةُ الثريةُ بنتْ أقدمَ جامعةٍ في العالمِ وقفًا في سبيلِ الله، قالَ ابنُ خلدونَ عنها: "نبَّهتْ عزائمَ الملوكِ من بعدِها"، وفكرةُ هذا الوقفِ العظيمِ فيه لفتةٌ مهمةٌ للتجارِ اليومَ أن يحسنوا استثمارَ أموالِهم ودائعَ عندَ اللهِ في الآخرة، وإنَّ العلمَ أولى ما تُوقف فيه الأموال، وتلك الأوقافُ التي كان يغدقُ عليها أثرياءُ المسلمين كانت سببًا من أسبابِ نهضةِ العلمِ في القرونِ السالفة، وما أحوجَ الأمة إلى إعادةِ تلكَ الأمجادِ العلميةِ الوقفية، التي شكلتْ برَّ أمانٍ للأمة، وعاملَ ازدهارٍ وفخر.

قال الله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)[العلق: 1 - 5].).  

google-playkhamsatmostaqltradent