recent
أخبار عاجلة

خُطْبَة الجمعة ولقدكرمنا بني آدم

 ولقدكرمنا بني آدم

 



   1. الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ التَّكْرِيمِ الذَّاتِيِّ لِلْإِنْسَانِ (لِمَاذَا خُلِقْنَا مُخْتَارِينَ لَا مُجْبَرِينَ؟).

   2. الْعُنْصُرُ الثَّانِي: تَفْكِيكُ شُبْهَةِ: "كَيْفَ يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُكَرَّمًا وَالْوَاقِعُ مَلِيءٌ بِالدِّمَاءِ وَالظُّلْمِ؟" (الْفَرْقُ بَيْنَ التَّكْرِيمِ الْإِلَهِيِّ وَالْخِيَارِ الْبَشَرِيِّ).

   3. الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْأَدِلَّةُ الْفِقْهِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ عَلَى عَالَمِيَّةِ الْكَرَامَةِ (الْكَرَامَةُ لِلْوَصْفِ الْآدَمِيِّ لَا لِلْمُعْتَقَدِ).

   4. الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: التَّكْرِيمُ الْمَسْؤُولُ: كَيْفَ نَحْمِي الْجَوْهَرَ الْإِنْسَانِيَّ فِي عَصْرِ "السُّيُولَةِ الرَّقْمِيَّةِ" وَالتَّنَمُّرِ؟


 الْخُطْبَةُ الْأُولَى

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْعَقْلَ لِلْإِنْسَانِ نُورًا، وَفَطَرَهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَطَلَبِ الْبُرْهَانِ. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ جَعَلَ شَرِيعَتَنَا مُخَاطِبَةً لِلْعُقُولِ، لَا لِأَهْوَاءِ النُّفُوسِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْحَقُّ وَبِهِ الْمُسْتَعَانُ. وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ رَبُّهُ بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ وَالْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النُّهَى وَالْأَبْصَارِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:

إِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ لَيْسَ تَرَفًا لَفْظِيًّا، وَلَا كَلَامًا عَنِ الْمَاضِي؛ بَلْ هُوَ أَزْمَةُ الْإِنْسَانِ الْمُعَاصِرِ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ قِيمَتِهِ وَوُجُودِهِ فِي عَالَمٍ مَادِّيٍّ يَكَادُ يُحَوِّلُهُ إِلَى مُجَرَّدِ "رَقَمٍ" أَوْ "آلَةٍ تَرْبَحُ وَتَسْتَهْلِكُ".

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَفْهَمَ عُمْقَ "التَّكْرِيمِ الرَّبَّانِيِّ"، فَلْنَسْأَلْ أَنْفُسَنَا سُؤَالًا عَقْلِيًّا: لِمَاذَا كَرَّمَ اللهُ الْإِنْسَانَ وَفَضَّلَهُ عَلَى الْكَائِنَاتِ؟

الْإِجَابَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي جَمَالِ صُورَتِهِ، بَلْ فِي "أَمَانَةِ الِاخْتِيَارِ". لَقَدْ خَلَقَ اللهُ الْمَلَائِكَةَ مُجْبَرِينَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَخَلَقَ الْحَيَوَانَاتِ مُسَيَّرِينَ بِالْغَرِيزَةِ، وَجَعَلَ الْإِنْسَانَ هُوَ الْكَائِنَ الْوَحِيدَ الَّذِي يَمْلِكُ أَنْ يَقُولَ "نَعَمْ" أَوْ "لَا"، يَمْلِكُ أَنْ يَعْصِيَ أَوْ يُطِيعَ بِمَحْضِ إِرَادَتِهِ! هَذِهِ "الْإِرَادَةُ الْحُرَّةُ" هِيَ أَعْظَمُ مَظَاهِرِ التَّكْرِيمِ، لِأَنَّهَا جَعَلَتْ صَلَاحَهُ نَاتِجًا عَنْ وَعْيٍ وَتَفْكِيرٍ، لَا عَنْ قَهْرٍ وَإِجْبَارٍ.

وَلِلَّهِ دَرُّ الْعَارِفِ الَّذِي فَهِمَ هَذَا التَّمَازُجَ الْكَوْنِيَّ فَقَالَ:

أَتَحْسَبُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ ... وَفِيكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الْأَكْبَرُ؟

لَكِنْ هُنَا نَقِفُ أَمَامَ سُؤَالٍ يَمُرُّ بِخَوَاطِرِ الْكَثِيرِينَ، وَهُوَ سُؤَالٌ مَشْرُوعٌ:

كَيْفَ يَقُولُ الْقُرْآنُ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بَيْنَمَا نَرَى الْبَشَرِيَّةَ تَعِيشُ صِرَاعَاتٍ وَدِمَاءً، وَنَرَى الْإِنْسَانَ يُهِينُ أَخَاهُ الْإِنْسَانَ بِالْفَقْرِ وَالْإِذْلَالِ؟

الْجَوَابُ الْعَقْلِيُّ الْحَاسِمُ: أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ "التَّكْرِيمِ الْإِلَهِيِّ" كَمَبْدَأٍ وَتَكْلِيفٍ، وَبَيْنَ "الْمُمَارَسَةِ الْبَشَرِيَّةِ" النَّاتِجَةِ عَنْ سُوءِ اسْتِخْدَامِ الْحُرِّيَّةِ!

اللهُ تَعَالَى أَعْطَاكَ الْكَرَامَةَ، لَكِنَّهُ جَعَلَكَ مَسْؤُولًا عَنْ صِيَانَتِهَا. فَإِذَا ظَلَمَ الْإِنْسَانُ أَوْ طَغَى، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ تَنَازَلَ بِنَفْسِهِ عَنْ مَقَامِ التَّكْرِيمِ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ فِيهِ، وَنَزَلَ إِلَى مَرْتَبَةٍ لَا تَلِيقُ بِعَقْلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 4-5]. فَالْعَيْبُ لَيْسَ فِي الدُّسْتُورِ الرَّبَّانِيِّ، بَلْ فِي تَمَرُّدِ الْإِنْسَانِ عَلَى فِطْرَتِهِ.

وَمِنْ نَاصِعِ الْقِصَصِ الَّتِي تُثْبِتُ أَنَّ الْكَرَامَةَ فِي الْإِسْلَامِ مَبْدَأٌ مُطْلَقٌ لَا يَتَأَثَّرُ بِالْخِلَافِ السِّيَاسِيِّ أَوِ الدِّينِيِّ، هِيَ قِصَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَعَ قِبْطِيِّ مِصْرَ. حِينَمَا جَاءَهُ الرَّجُلُ مُسْتَضْعَفًا يَشْكُو ابْنَ حَاكِمِ مِصْرَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِأَنَّهُ ضَرَبَهُ قَائِلًا: "أَنَا ابْنُ الْأَكْرَمِينَ!".

لَمْ يَقُلْ عُمَرُ: "هَذَا خِلَافٌ دَاخِلِيٌّ" أَوْ "لَا نُقِيمُ حَدًّا لِأَجْلِ رَجُلٍ لَيْسَ عَلَى دِينِنَا". بَلْ نَظَرَ إِلَى "الْجَوْهَرِ الْآدَمِيِّ الْمَظْلُومِ"، وَاسْتَدْعَى الْوَالِيَ وَابْنَهُ، وَأَقَادَ لِلْقِبْطِيِّ، وَصَرخَ كَلِمَتَهُ الَّتِي صَارَتْ أَسَاسَ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ الْعَقْلِيَّةِ فِي التَّارِيخِ: "مَتَى اسْتَعْبَدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْرَارًا؟!".

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَكُونَ مُقْنِعِينَ فِي دَعْوَتِنَا، فَلَا بُدَّ أَنْ نُسْقِطَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى وَاقِعِنَا الْيَوْمِ. لَقَدْ تَطَوَّرَتْ وَسَائِلُ إِهَانَةِ الْإِنْسَانِ، وَلَمْ تَعُدْ مَقْصُورَةً عَلَى "السَّوْطِ" أَوِ "الِاسْتِعْبَادِ الْمَادِّيِّ"؛ بَلْ ظَهَرَ مَا يُسَمَّى الْيَوْمَ بـ "الِاغْتِيَالِ الْمَعْنَوِيِّ" وَ"التَّنَمُّرِ وَالتَّشْهِيرِ الْإِلِكْتْرُونِيِّ".

إِنَّ تَحْوِيلَ عَثَرَاتِ النَّاسِ، أَوْ أَشْكَالِهِمْ، أَوْ مَوَاقِفِ ضَعْفِهِمْ إِلَى مَوَادَّ لِلسُّخْرِيَّةِ، وَنَشْرِهَا عَبْرَ شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ لِجَمْعِ "الْمُشَاهَدَاتِ"، هُوَ أَكْبَرُ جَرِيمَةٍ تُقْتَرَفُ الْيَوْمَ فِي حَقِّ التَّكْرِيمِ الْإِلَهِيِّ.

الْإِسْلَامُ بِعُمْقِهِ الْفِقْهِيِّ لَمْ يَحْمِ بَدَنَ الْإِنْسَانِ فَقَطْ، بَلْ حَمَى "مَشَاعِرَهُ وَنَفْسِيَّتَهُ". لِذَلِكَ جَاءَ النَّهْيُ الْقُرْآنِيُّ الصَّرِيحُ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾، وَحَرَّمَتِ الشَّرِيعَةُ الْغِيبَةَ لِأَنَّهَا إِهَانَةٌ لِلْغَائِبِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُرْمَةَ عِرْضِ الْمُسْلِمِ وَكَرَامَتِهِ أَشَدَّ عِنْدَ اللهِ مِنْ حُرْمَةِ هَدْمِ الْكَعْبَةِ حَجَرًا حَجَرًا!

يَقُولُ الشَّاعِرُ فِي ضَبْطِ هَذَا السُّلُوكِ الْعَقْلِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ:

لِسَانَكَ لَا تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ ... فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ

وَعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا ... فَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ

إِنَّ إِقْنَاعَ الْأَجْيَالِ الْجَدِيدَةِ بِعَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ لَا يَكُونُ بِالشِّعَارَاتِ، بَلْ بِأَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْقُدْوَةَ فِي تَعْظِيمِ الْإِنْسَانِ، أَنْ نَحْتَرِمَ الْعَامِلَ فِي مِهْنَتِهِ، وَالْفَقِيرَ فِي حَاجَتِهِ، وَالْمُخَالِفَ فِي رَأْيِهِ، طَالَمَا جَمَعَنَا أَصْلٌ وَاحِدٌ: ﴿بَنِي آدَمَ﴾.

الدُّعَاءُ:

 اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.

 اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَقُولُونَ فَيَعْمَلُونَ، وَيَعْمَلُونَ فَيُخْلِصُونَ، وَيُخْلِصُونَ فَيُقْبَلُونَ.

 اللَّهُمَّ صُنْ أَعْرَاضَنَا، وَاحْفَظْ كَرَامَتَنَا، وَأَعِزَّ نُفُوسَنَا بِطَاعَتِكَ.

 اللَّهُمَّ اهْدِ شَبَابَنَا لِمَا فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ.

عِبَادَ اللهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

 

google-playkhamsatmostaqltradent