ولقد كرمنا بني آدم
الحمدُ للهِ الذي خلقَ فسوَّى، والذي قدَّرَ
فهدى، والذي أخرجَ المرعى فجعله غُثاءً أحوى، أحمدُه سبحانه على نعمٍ لا تُحصى، وآلاءٍ
لا تُستقصى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له،
وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه
ورسولُه، أكرمُ الخلقِ وأفضلُ الأنام، وخيرُ مَن قامَ بعبادةِ ربِّه على التمام، صلَّى
اللهُ عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ وسلمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين.
أما بعدُ .
خَلَقَ اللهُ الإِنسَانَ وَكَرَّمَهُ، وَجَعَلَ
لَهُ مَكَانَةً عَظِيمَةً بَيْنَ سَائِرِ المَخْلُوقَاتِ، حَتَّى يَعْرِفَ قِيمَتَهُ
وَيُدْرِكَ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ. وَقَدْ جَاءَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لِتُؤَكِّدَ
هَذَا الفَضْلَ الإِلَهِيَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ
وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ
عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا﴾ [الإسراء: ٧٠]. وَمِنْ هُنَا يَأْتِي
هَذَا المَوْضُوعُ
«تكريمِ اللهِ لبني آدمَ»؛ للوقوفِ على مظاهرِ
هذا الفضلِ، واستجلاءِ أثرِه في بناءِ عقيدةِ المسلمِ، وتوجيهِ سلوكِه وأخلاقِه، وضبطِ
أحكامِه الفقهيةِ.
إن هذا التكريمُ الإلهيُّ ليس مِنَّةً يمنحُها
أحدٌ مِن البشرِ لأحد، بل هو عطاءٌ ربانيٌّ سابقٌ ثابتٌ لكلِّ بني آدمَ، لا يملكُ أحدٌ
أن يسلُبَه إياهم أو ينتقصَ منه.
وقد جاءت هذه الدراسةُ لتُبيِّنَ أصلَ هذا
التكريم، ومظاهرَه المتعددة، والفرقَ بين التكريمِ العامِّ الثابتِ لكلِّ إنسانٍ، وبين
التفضيلِ الخاصِّ الذي ينالُه المؤمنونَ بطاعتِهم وتقواهم، مع بيانِ ضماناتِ الشريعةِ
لحفظِ هذه الكرامةِ في الحياةِ وبعد الممات.
إن هذه المحاضرة تنتظمُ في تسعةِ مباحثَ
رئيسةٍ، يسبقُها هذه المقدمةُ، ويتبعُها خاتمةٌ تشتملُ على أهمِّ النتائجِ والتوصياتِ:
المبحث الأول: حقيقة التكريم الإلهي لبني
آدمَ – المفهوم والأصل
المبحث الثاني: أسس التكريم ومصادره
المبحث الثالث: مظاهر التكريم في الحقوق
الأساسية
المبحث الرابع: مظاهر التكريم في التشريع
الإسلامي
المبحث الخامس: مظاهر التكريم في الحقوق
الاجتماعية
المبحث السادس: المعيار الحقيقي للتفاضل
المبحث السابع: صيانة الكرامة – المسؤولية
المجتمعية
المبحث الثامن: مسائل فقهية تطبيقية
المبحث التاسع: أثر التكريم الإلهي في بناء
الحضارة الإسلامية
المبحث الأول: حقيقة التكريم الإلهي لبني
آدمَ – المفهوم والأصل
المطلب الأول: مفهوم التكريم في اللغة والاصطلاح
المعنى اللغوي
التكريمُ في اللغةِ مأخوذٌ مِن مادةِ (ك
ر م)، والكَرَمُ نقيضُ اللؤمِ، وهو ضدُّ الهوانِ. قال ابنُ منظورٍ: «الكَرَمُ: نقيض
اللُّؤْمِ، والكَرِيمُ: الصَّفُوحُ، والكَرَمُ: الشَّرَفُ، والكَرِيمُ: الشريفُ، والكَرَمُ:
العَطَاءُ، والكَرِيمُ: المُعْطِي» <لسان العرب لابن منظور>.
المعنى الاصطلاحي
وأما التكريمُ اصطلاحًا فهو: «إعطاءُ الشيءِ
شرفًا ومكانةً عاليةً، وإحاطتُه بالرعايةِ والحفظِ والصيانةِ، بحيثُ لا يُنتهَكُ حرمُه
ولا يُنتقصُ قدرُه» <الموسوعة الفقهية الكويتية>.
الفرق بين التكريم والتفضيل عند الإمام
الرازي
وقد فرَّق الإمامُ الفخرُ الرازيُّ -رحمه
الله- بين لفظَتَي «التكريم» و«التفضيل» في الآيةِ الكريمةِ؛ فرأى أنَّ التكريمَ إشارةٌ
إلى ما فُطِرَ عليه الإنسانُ مِن خصائصَ ذاتيةٍ، كالعقلِ والنطقِ وحسنِ الصورةِ، وأنَّ
التفضيلَ إشارةٌ إلى ما يكتسبُه بتوظيفِ هذا العقلِ مِن عقائدَ حقةٍ وأخلاقٍ فاضلةٍ؛
فالأولُ مِنحةٌ سابقةٌ عامةٌ لكلِّ بني آدمَ، والثاني بناءٌ خاصٌّ يُقامُ عليها بسعيِ
كلِّ إنسانٍ.
قال الإمامُ الرازيُّ: «والفرق بين التكريم
والتفضيل: أن الأول يكون بالأمور الخلقية الطبيعية الذاتية مثل العقل والنطق والتخطيط
والصورة الحسنة والقامة المديدة، والثاني يكون بتمكينه بالعقل والفهم من اكتساب العقائد
الحقة والأخلاق الفاضلة» <تفسير الرازي، ج ٢١، ص ١٦، نقلاً عن: التفسير المنير للزحيلي>.
المطلب الثاني: الأصل القرآني للتكريم
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ
ءَادَمَ﴾
قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا
بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَٰتِ
وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا﴾ [الإسراء، رقم: ٧٠].
دلالة لفظ «بني آدمَ» وعمومه
جاء التعبيرُ القرآنيُّ بلفظِ «بني آدمَ»
لا بلفظِ فئةٍ أو أمةٍ بعينها، فشملَ التكريمُ الإنسانَ مِن حيثُ هو إنسانٌ، ومِن أظهرِ
مظاهرِه: العقلُ، والقدرةُ على التعلُّمِ والاختيارِ، وتسخيرُ الكونِ له، كما قال سبحانَه:
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مِّنۡهُۚ﴾ [الجاثية، رقم: ١٣].
قال السُّدي: «فُضِّلوا على البهائم والدواب
والوحوش، وهم الكثير» <الوسيط في تفسير القرآن المجيد>.
وقد ذكرَ ابنُ كثيرٍ أنَّ التكريمَ الإلهيَّ
يشملُ: «تَشْرِيفِهِ لِبَنِي آدَمَ، وَتَكْرِيمِهِ إِيَّاهُمْ، فِي خَلْقِهِ لَهُمْ
عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ وَأَكْمَلِهَا»
قال الإمامُ ابنُ كثيرٍ -رحمه الله-: «يُخْبِرُ
تَعَالَى عَنْ تَشْرِيفِهِ لِبَنِي آدَمَ، وَتَكْرِيمِهِ إِيَّاهُمْ، فِي خَلْقِهِ
لَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ وَأَكْمَلِهَا؛ يَمْشِي قَائِمًا مُنْتَصِبًا عَلَى
رِجْلَيْهِ، وَيَأْكُلُ بِيَدَيْهِ -وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ يَمْشِي عَلَى
أَرْبَعٍ وَيَأْكُلُ بِفَمِهِ- وَجَعَلَ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَفُؤَادًا، يَفْقَهُ
بِذَلِكَ كُلِّهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، وَيَعْرِفُ
مَنَافِعَهَا وَخَوَاصَّهَا وَمَضَارَّهَا فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ»
<تفسير القرآن العظيم>.
المطلب الثالث: التكريم بين العموم والخصوص
التكريم العام لجميع بني آدمَ
ظهرَ مِن خلالِ استقراءِ النصوصِ أنَّ التكريمَ الإلهيَّ على نوعين:
النوع الأول: تكريمٌ عامٌّ يشملُ جميعَ
بني آدمَ في الدنيا، مِن حيثُ الخِلقةُ والصورةُ والعقلُ وتسخيرُ الكونِ والرزقُ من
الطيباتِ، وهذا ثابتٌ لكلِّ إنسانٍ مهما كان دينُه أو لونُه أو جنسُه.
النوع الثاني: تكريمٌ خاصٌّ في الآخرةِ،
وهو للمؤمنينَ خاصةً، كما قال تعالى: ﴿وَلَا یَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدࣰا﴾ [الكهف، رقم: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ
یُدۡخِلُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾
[الحج، رقم: ٢٣].
التكريم الخاص للمؤمنين
وقد اختصَّ اللهُ المؤمنينَ بكرامةٍ خاصةٍ
فوقَ التكريمِ العامِّ، فعن بهزِ بنِ حكيمٍ عن أبيهِ عن جدِّه قال: سمعتُ نبيَّ اللهِ
-صلى الله عليه وسلم- يقول: «أَلَا إِنَّكُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً. أَنْتُمْ
خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» <رواه أحمد>.
والمعنى: إنكم معشرَ الأمةِ المحمديةِ الإسلاميةِ
تُتِمُّونَ وتكملونَ عددَ سبعينَ أمةً سبقت قبلكم لا يعلمُها إلا اللهُ، وقولُه: «أَنْتُمْ»،
الخطابُ للصحابةِ الكرامِ وَمَنْ على منهجِهم، أو المرادُ مجموعُ الأمةِ فهم خيرُها
وأفضلُها، وأكرمُها على اللهِ وأشرفُها لديه، ويظهرُ هذا التكريمُ في أعمالِهم وأخلاقِهم
وتوحيدِهم ومشاهدِهم يومَ القيامةِ، ثم منازلِهم في الجنةِ، فاحمدوا اللهَ أيها المسلمونَ
أن جعلَكم مِن أمةِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- خيرَ أمةٍ وأكرمَها على الله.
العلاقة بين التكريم والتكليف
التكريمُ الإلهيُّ لا يتنافى مع التكليفِ،
بل هو مقدمةٌ له؛ فاللهُ تعالى كرَّمَ الإنسانَ بالعقلِ والإرادةِ، ثم كلَّفَه بالأوامرِ
والنواهي، ليكونَ التكريمُ دافعًا للطاعةِ، والتكليفُ ميدانًا لإظهارِ الكرامةِ المكتسبةِ.
قال تعالى: ﴿أَیَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن یُتۡرَكَ سُدًى﴾ [القيامة، رقم: ٣٦]، قال الشافعي
-رحمه الله-: «لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى»، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ
عَبَثࣰا وَأَنَّكُمۡ إِلَیۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ﴾
[المؤمنون، رقم: ١١٥].
المبحث الثاني: أسس التكريم ومصادره
المطلب الأول: التكريم في الخِلقة والفطرة
خلق الله الإنسان بيده
خلقَ اللهُ الإنسانَ بيدِه، ونفخَ فيه مِن
روحِه، فقال سبحانَه: ﴿لِمَا خَلَقۡتُ بِیَدَیَّۖ﴾ [ص، رقم: ٧٥]، وأسجدَ له ملائكتَه،
حتى اعترضَ إبليسُ على هذا التكريمِ فقال -كما أنبأ القرآنُ عنه-: ﴿أَرَءَیۡتَكَ هَٰذَا
ٱلَّذِی كَرَّمۡتَ عَلَیَّ﴾ [الإسراء، رقم: ٦٢].
النفخ من الروح
- قال سبحانَه: ﴿فَإِذَا سَوَّیۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ
فِیهِ مِن رُّوحِی فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِینَ﴾ [الحجر، رقم: ٢٩].
إسجاد الملائكة
أمرَ اللهُ الملائكةَ بالسجودِ لآدمَ -عليه
السلام- تكريمًا له، فقال سبحانَه: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰۤئِكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِآدَمَ
فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِینَ﴾
[البقرة، رقم: ٣٤].
أحسن التقويم وأحسن الصور
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، قال سبحانَه:
﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِیۤ أَحۡسَنِ تَقۡوِیمࣲ﴾ [التين، رقم: ٤].
قال أبو السعود: «في أحسن ما يكون من التقويم
والتعديل صورة ومعنى حيث برأه الله تعالى مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفًا بالحياة
والعلم والقدرة والإرادة والتكلم والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات التي هي من أنموذجات
من الصفات السبحانية وآثار لها» <إرشاد العقل السليم>.
وقال سبحانَه: ﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ
صُوَرَكُمۡ﴾ [غافر، رقم: ٦٤].
أي: «وأوجدكم سبحانه يا بني آدم على أحسن
الصور وأكملها وأبدعها وأجملها، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التي
خلقه الله عليها كأن يكون على صورة حيوان أو غيره» <التفسير الوسيط>.
قال الألوسي: «ولعمري إن الإنسان أعجب نسخة
في هذا العالم، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار، وعلم ما علم منها أولو
الأبصار، وكل ما يشاهد من الصور الإنسانية حسن، لكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات
ومراتب، كما قال بعض الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان» <روح المعاني>.
تحريم الانتقاص من الخِلقة
-
حرَّمَ الإسلامُ أن يُنتقصَ مِن الإنسانِ لسوءِ منظره أو عيبٍ خلقيٍّ
لا دخلَ له فيه؛ فعن عائشةَ قالت: قلتُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حسبُكَ من صفية
كذا وكذا» - تعني قصيرة -، فقال: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ
لَمَزَجَتْهُ» <رواه أبو داود>.
المطلب الثاني: التكريم بالعقل والاستخلاف
العقل مناط التكليف
- وهبَ اللهُ الإنسانَ العقلَ ليتمكنَ به
مِن النظرِ والبحثِ، وبه صارَ أهلًا للتكليفِ والاختيارِ وتحملِ المسؤوليةِ، وذمَّ
سبحانَه مَن عطَّلَه عن وظيفتِه فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَاۤبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ
ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِینَ لَا یَعۡقِلُونَ﴾ [الأنفال، رقم: ٢٢].
الاستخلاف في الأرض
- لأجل هذا العقلِ جعلَه اللهُ خليفةً في
الأرض: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰۤئِكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ﴾ [البقرة، رقم: ٣٠].
قال البيضاوي: «تعداد لنعمة ثالثة تعم الناس
كلهم، فإن خلق آدم وإكرامه وتفضيله على ملائكته بأن أمرهم بالسجود له، إنعام يعم ذريته،
و'الخليفة': من يخلف غيره وينوب منابه، والهاء فيه للمبالغة، والمراد به آدم عليه الصلاة
والسلام؛ لأنه كان خليفة الله في أرضه، وكذلك كل نبي استخلفهم الله في عمارة الأرض
وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه، بل
لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه، وتلقي أمره بغير وسط، ولذلك لم يستنبئ ملَكًا كما
قال الله تعالى: ﴿وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكࣰا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلࣰا﴾...، وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة:
تعليم المشاورة، وتعظيم شأن المجعول بأن بشَّر عز وجل بوجود سكان ملكوته، ولقبه بالخليفة
قبل خلقه» <أنوار التنزيل وأسرار التأويل>.
تسخير الكون للإنسان
- سخَّرَ اللهُ للإنسانِ ما في السماواتِ
وما في الأرضِ جميعًا منه، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَوۡا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم
مَّا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَیۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةࣰ وَبَاطِنَةࣰۗ﴾ [لقمان، رقم: ٢٠].
وقال سبحانَه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی
ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَآیَٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية، رقم: ١٣].
المطلب الثالث: التكريم في الرسالات السماوية
وحدة الرسالة في تكريم الإنسان
لم يكن هذا التكريمُ خاصًّا بأمةٍ دون أمةٍ،
بل كان غايةً مشتركةً بين الرسالاتِ السماويةِ جميعًا، وضعَ كلُّ نبيٍّ منها لبنةً
في صرحِه حتى أكمله اللهُ بخاتمِ الأنبياءِ صلى الله عليه وسلم؛ فعن أبي هريرةَ أنَّ
رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي
كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ
مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ
لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ،
وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ» <متفق عليه>.
الإنسان في الكتب المنزلة .
أوردَ المناويُّ: جاء « في بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى:
"ابن آدم: خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، الأكوان لك عبيد سخرت، وأنت
عبد الحضرة". وقال بعض العارفين: نهاية الأكوان الإنسان، ولهذا لم يرض سبحانه
لأهل الجنة بمنازل الجنان، حتى زادهم فيها النظر إلى وجهه في حضرة الإحسان، فالإنسان
بيت القصيد من المقصود، وإليه كل معنى بالحقيقة يعود، لأنه النسخة الكاملة والصحيفة
التي هي لكل الحقائق شاملة كما قيل: وتحسب أنك جرم صغير . . . وفيك انطوى العالم الأكبر
فهو العين المقصودة في العالم، لكونه مجمعا لما تفرق فيه، فهو كلي صغير، وفيه كل ما
في العالم» <فيض القدير للمناوي، ج ٥، ص ٣٦٦>.
خاتم النبيين وإكمال البناء .
- قال صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَوْلَى
النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ
لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» <متفق عليه>.
قال القَسْطَلّاني: «حاصل أمر النبوّة والغاية
القصوى من البعثة التي بعثوا جميعًا لأجلها دعوة الخلق إلى معرفة الحق وإرشادهم إلى
ما به ينتظم معاشهم، ويحسن معادهم، فهم متفقون في هذا الأصل وإن اختلفوا في تفاريع
الشرع التي هي كالموصلة المؤدية والأوعية الحافظة له؛ فعبر عما هو الأصل المشترك بين
الكل بالأب ونسبهم إليهم، وعبّر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصورة
المتقاربة في الغرض بالأمهات» <إرشاد الساري>.
المبحث الثالث: مظاهر التكريم في الحقوق
الأساسية
المطلب الأول: حرمة الدم
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ
ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ﴾ [الأنعام، رقم: ١٥١].
عظم جريمة قتل النفس
- مَن قتلَ نفسًا واحدةً بغيرِ حقٍّ فكأنما
قتلَ الناسَ جميعًا، قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ
جَمِیعࣰا﴾ [المائدة، رقم: ٣٢].
قرن قتل النفس بالشرك
قرنَ الله بين قتلِ النفسِ وبين الشركِ باللهِ، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ
لَا یَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا یَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی
حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾ [الفرقان، رقم: ٦٨]، وما ذاك إلا لأهميةِ النفسِ
الإنسانيةِ وقدسيتِها عند بارئِها.
المطلب الثاني: حرمة المال
حفظ المال في الشريعة
- جعلتِ الشريعةُ مالَ الإنسانِ حُرْمًا لا
يجوزُ انتهاكُه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَٰلَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾
[البقرة، رقم: ١٨٨].
تحريم السرقة والغصب
- قال تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ
فَٱقۡطَعُوۤا۟ أَیۡدِیَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلࣰا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ﴾ [المائدة، رقم: ٣٨].
وقال صلى الله عليه وسلم في خطبةِ حجةِ
الوداعِ، مؤكدًا هذا الأصلَ توكيدًا بالغًا: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ
وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ
هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» <متفق عليه>.
المطلب الثالث: حرمة العِرض
تحريم الغيبة والسخرية
- قد تُهدَرُ كرامةُ الإنسانِ بكلمةٍ، دون
أن يُمَسَّ جسدُه بسوءٍ؛ ولذلك شدَّدتِ الشريعةُ في صيانةِ الألسنةِ عن أعراضِ الناسِ:
﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ
وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ﴾ [الحجرات، رقم: ١١].
تحريم اللمز والتنابز بالألقاب
قال سبحانَه: ﴿وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم
بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات، رقم: ١٢].
صيانة الكرامة باللسان
قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ
سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» <رواه النسائي>.
ومِن هنا يدخلُ في حفظِ الكرامةِ الإنسانيةِ
الامتناعُ عن التنمُّرِ والتشهيرِ والسبِّ والإهانةِ ونشرِ العيوبِ والسخريةِ، سواءٌ
في المجالسِ أو عبرَ وسائلِ التواصلِ الحديثةِ.
المبحث الرابع: مظاهر التكريم في التشريع
الإسلامي
المطلب الأول: تكريم الإنسان في مقام الخطأ
والعقاب
المنهج التربوي في التعامل مع المخطئ .
- مِن دقائقِ هذا التكريمِ أنَّ الشريعةَ
لم تُسقِطْ كرامةَ الإنسانِ المخطئِ بخطئِه؛ بل فرَّقت دائمًا بين رفضِ الذنبِ وبين
إهانةِ صاحبِه؛ فقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ضربِ الوجهِ قائلًا: «إِذَا
قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ
عَلَى صُورَتِهِ» <رواه مسلم>.
النهي عن تعيير من أُقيم عليه الحد
نهى عليه السلام والسلام عن تعييرِ مَن
أُقيمَ عليه الحدُّ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا
الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا» <متفق عليه>.
الرفق بالمذنب وعدم لعنه
لما رأى عليه السلام والسلام رجلًا قد أُتيَ
به وقد شربَ الخمرَ فلعنَه بعضُ الصحابةِ، قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَلْعَنُوهُ،
فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» <رواه البخاري>.
وفي هذا منهجٌ تربويٌّ عظيمٌ: نرفضُ الخطأَ
دون أن نُهينَ الإنسانَ، ونصححُ السلوكَ دون أن نحطِّمَ نفسيةَ صاحبِه.
المطلب الثاني: تكريم الإنسان بعد موته
حرمة جسد الميت .
- لم تجعلِ الشريعةُ كرامةَ الإنسانِ مرتبطةً
بحياتِه فقط، بل امتدَّت إلى حرمةِ جسدِه بعد وفاتِه: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ
حَيًّا» <رواه أبو داود>.
النهي عن سب الأموات
نهى عن سبِّ الأمواتِ: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ،
فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» <رواه البخاري>.
القيام للجنازة
مِن هديِه صلى الله عليه وسلم أنه قامَ
لجنازةٍ مرَّت به، فقيلَ له: إنها جنازةُ يهوديٍّ، فقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟»
<متفق عليه>، وعن عائشةَ قالت: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
هَالِكٌ بِسُوءٍ فَقَالَ: «لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ» <رواه النسائي>.
ذكر الموتى بالخير
عن عبد الله بن الزبير قال: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ: «يَأْتِيَكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ
مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي
الْحَيَّ، وَلَا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ» <رواه الحاكم>.
وفي ذلك دلالةٌ على استحضارِ حرمةِ الإنسانِ
وإن اختلفَ الدينُ أو انقضتِ الحياةُ.
المطلب الثالث: تكريم الضعفاء وأصحاب الحاجة
الوصية باليتيم والسائل
يظهرُ صدقُ الأمةِ في نظرتِها إلى الضعفاءِ:
الفقيرِ، واليتيمِ، والمسنِّ، والمريضِ، وذي الحاجةِ؛ فكرامتُهم لا تسقطُ بحاجتِهم،
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلۡیَتِیمَ فَلَا تَقۡهَرۡ ٩ وَأَمَّا ٱلسَّاۤئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ﴾
[الضحى، رقم: ٩-١٠].
إكرام المتعفف
قال سبحانَه في شأنِ المحتاجِ المتعففِ:
﴿یَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِیَاۤءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾ [البقرة، رقم: ٢٧٣].
الأجر العظيم للساعي على الضعفاء
قال صلى الله عليه وسلم: «السَّاعِي عَلَى
الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» <متفق عليه>.
ولذلك لا يكونُ الإحسانُ الحقيقيُّ بإذلالِ
المحتاجِ، ولا بتذكيرِه بفضلِ المحسنِ عليه، وإنما بإغاثتِه مع صيانةِ ماءِ وجهِه.
المطلب الرابع: تشريع الطيبات وتحريم الخبائث
قال تعالى : ﴿یُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّیِّبَٰتِ
وَیُحَرِّمُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡخَبَٰۤئِثَ﴾
جاءَ تشريعُ الإسلامِ حافظًا لكرامةِ الإنسانِ
في مطعمِه ومشربِه، قال تعالى: ﴿یُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّیِّبَٰتِ وَیُحَرِّمُ عَلَیۡهِمُ
ٱلۡخَبَٰۤئِثَ﴾ [الأعراف، رقم: ١٥٧].
الحكمة من تحريم الخبائث
حرَّمَ الله أكلَ السباعِ والميتةِ والدمِ
ولحمِ الخنزيرِ، وما فيه ضررٌ أو خبثٌ، بما يليقُ بالإنسانِ الذي كرَّمَه اللهُ وفضَّلَه،
فالشرعُ حين يهذِّبُ مطعمَ الإنسانِ، إنما يهذِّبُ حياتَه ويحفظُ إنسانيتَه، فلا يليقُ
بمَن كرَّمَه اللهُ أن يجعلَ غذاءَه مما تنفرُ منه الفطرةُ السويةُ أو يضرُّ ببدنِه
وعقلِه.
أثر الطيبات في حفظ الإنسانية
قال تعالى: ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِینَةَ
ٱللَّهِ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّیِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ﴾ [الأعراف،
رقم: ٣٢].
المبحث الخامس: مظاهر التكريم في الحقوق الاجتماعية المطلب الأول: حق المسكن
حَفِظَ الْإِسْلَامُ لِلْإِنْسَانِ حَقَّ السَّكَنِ وَالْأَمَانِ فِيهِ؛
لِأَنَّهُ مَأْوَاهُ وَمَكْمَنُ سِرِّهِ وَعِرْضِهِ، وَمَكَانُ رَاحَتِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ
دُخُولُ مَسْكَنِ غَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتًا
غَیۡرَ بُیُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ
خَیۡرࣱ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور،
رقم: ٢٧].
حرمة الخصوصية
قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟
لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتًا غَیۡرَ بُیُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا۟﴾ [النور، رقم:
٢٧].
المطلب الثاني: حق التعليم والتعلم
أولى آيات القرآن
كَانَتْ أُولَى آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ دَعْوَةً لِلْقِرَاءَةِ
وَالْمَعْرِفَةِ؛ حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ
١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ ٱلَّذِی عَلَّمَ
بِٱلۡقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ﴾ [العلق، رقم: ١-٥].
مكانة العلم في الإسلام
قال تعالى: ﴿یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتࣲۚ﴾ [المجادلة، رقم: ١١].
المطلب الثالث: حق العمل والتنقل
قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ
ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولࣰا فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا﴾
وقَالَ الْحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
﴿هُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولࣰا فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟
مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَیۡهِ ٱلنُّشُورُ﴾ [الملك، رقم: ١٥].
الكسب الكريم
- قال صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ
طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ
دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» <رواه البخاري>.
المطلب الرابع: حق التملك
قال
تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبࣱ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُوا۟ۖ﴾
أَقَرَّ الْإِسْلَامُ حَقَّ الْفَرْدِ فِي
التَّمَلُّكِ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ حَيَاةُ الْمُجْتَمَعَاتِ وَاسْتَقَرَّتْ بِهِ
النُّظُمُ الْإِقْتِصَادِيَّةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبࣱ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُوا۟ۖ وَلِلنِّسَاۤءِ
نَصِيبࣱ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ﴾ [النساء، رقم:
٣٢].
النظام الاقتصادي في الإسلام
جاء الإسلام بالمحافظه على أموال الناس .
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَٰلَكُم
بَیۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ [البقرة، رقم: ١٨٨].
المطلب الخامس: حق الضمان الاجتماعي
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ
وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾
يَقُومُ الْمُجْتَمَعُ الْإِسْلَامِيُّ
عَلَى التَّضَامُنِ وَالْإِخَاءِ؛ وقَالَ سبحانه : ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ
وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة، رقم:
٢].
التكافل الأسري
يَبْدَأُ هَذَا الضَّمَانُ بِتَكَافُلِ
الْأُسْرَةِ: ﴿وَأُولُوا۟ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضࣲ فِی كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ﴾ [الأنفال، رقم:
٧٥].
الزكاة والصدقات
يَتَّسِعُ هذا الحق لِيَشْمَلَ الْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقَارِبَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْجِيرَانَ، ثُمَّ يَمْتَدُّ إِلَى
كَافَّةِ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ عَنْ طَرِيقِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ وَصَدَقَاتِ
التَّطَوُّعِ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَٱلۡعَٰمِلِینَ
عَلَیۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ
ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖ فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ﴾ [التوبة، رقم: ٦٠].
المطلب السادس: حق احترام العهود والمواثيق
قال
تعالى: ﴿فَأَتِمُّوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ﴾
حَرَّمَ الْإِسْلَامُ نَكْثَ الْعُهُودِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِینَ
عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ثُمَّ لَمۡ یَنقُصُوكُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَمۡ یُظَٰهِرُوا۟ عَلَیۡكُمۡ أَحَدࣰا فَأَتِمُّوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ
إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [التوبة، رقم: ٤].
الوفاء بالعهد
- قال صلى الله عليه وسلم: «آيَةُ الْمُنَافِقِ
ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»
<متفق عليه>.
المبحث السادس: المعيار الحقيقي للتفاضل
المطلب الأول: بطلان المعايير الجاهلية
المال والنسب واللون والجاه
بعد تقريرِ هذا الأصلِ الجامعِ مِن تكريمِ
اللهِ تعالى لكلِّ بني آدمَ، ميَّزَ القرآنُ بين هذا التكريمِ العامِّ، وبين معيارٍ
آخرَ خاصٍّ هو معيارُ التفاضلِ عند اللهِ، فبيَّنَ أنه لا يكونُ بالمالِ ولا بالنسبِ
ولا باللونِ ولا بالجاهِ، وإنما بالتقوى والعملِ الصالحِ: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا
خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ
أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات، رقم: ١٣].
عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ
النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ
أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ
رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى
اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللَّهُ:
﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ
أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات، رقم: ١٣]» <رواه الترمذي>.
المطلب الثاني: التقوى ميزان التفاضل .
قال تعالى : ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا
خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ
أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات، رقم: ١٣].
وفي الحديث: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ
اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ
وَأَعْمَالِكُمْ» <رواه مسلم>.
وقال صلى الله عليه وسلم في خطبتِه المشهورةِ:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ..، لَا
فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ
عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى» <رواه أحمد>.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ» <رواه البخاري>.
وعن سهل بن سعد الساعدي، أنه قال: مَرَّ
رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ:
«مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا» فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ
حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ،
وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا»
<رواه البخاري>.
المطلب الثالث: بين التكريم العام والتفاضل
الخاص
التكريم: ثابت للجميع
التكريمُ ثابتٌ للجميعِ بأصلِ خلقتِهم،
لا يزيدُ ولا ينقصُ بحسبِ إيمانِهم أو كفرِهم في الدنيا، وإنما يظهرُ أثرُه في الآخرةِ.
التفضيل: حظ من يسعى
التفضيلُ حظُّ مَن يسعى إليه بتقواه وعملِه
الصالحِ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات،
رقم: ١٣].
كلام الإمام الرازي
وبهذا يلتقي هذا المعيارُ مع ما تقدَّمَ
مِن تفريقِ الإمامِ الفخرِ الرازيِّ بين التكريمِ والتفضيلِ: «والفرق بين التكريم والتفضيل:
أن الأول يكون بالأمور الخلقية الطبيعية الذاتية مثل العقل والنطق والتخطيط والصورة
الحسنة والقامة المديدة، والثاني يكون بتمكينه بالعقل والفهم من اكتساب العقائد الحقة
والأخلاق الفاضلة» <تفسير الرازي، ج ٢١، ص ١٦، نقلاً عن: التفسير المنير للزحيلي>.
المبحث السابع: صيانة الكرامة – المسؤولية
المجتمعية
المطلب الأول: مسؤولية الفرد
حفظ اللسان
حفظ اللسان عن الإهانة والسخرية، فلا نسخر
من هيئة إنسان، ولا فقره، ولا مهنته، ولا لهجته، ولا ظروفه الاجتماعية؛ قال تعالى:
﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ﴾ [الحجرات، رقم: ١١].
جبر الخاطر
جبر الخاطر وإشعار الناس بقيمتهم، بكلمة
طيبة، أو شكر جميل، أو تقدير لجهد وتاريخ، أو مواساة إنسانية حانية.
ستر العيوب
ستر العيوب وعدم التشهير، فلا نجعل من خطأ
الإنسان مادة للحديث أو السخرية، ولا ننشر عثراته بين الناس تشهيرًا به.
احترام الخصوصية
احترام الخصوصية، فلا نتجسس على الناس،
ولا نفتش في أسرارهم، ولا نصورهم أو ننشر صورهم وبياناتهم الخاصة بغير إذن.
المطلب الثاني: مسؤولية الأسرة والمجتمع
التربية على احترام الإنسان
من صور هذا التعاون: حماية الضعيف، وإغاثة
المحتاج، واحترام الخصوصية، وحفظ السمعة، ومواجهة التنمر، وعدم التشهير، وإعطاء كل
ذي حق حقه، وإتاحة فرص التعلم والعمل والكسب الكريم لكل إنسان.
عدم التشهير
قال تعالى: ﴿وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات، رقم: ١٢].
المطلب الثالث: مسؤولية المؤسسات
إتاحة فرص التعلم والعمل
إن حفظ كرامة الإنسان لا يكون بالأقوال
المرسلة والعبارات المنمَّقة، وإنما يظهر في إتاحة فرص التعلم والعمل وفي تفاصيل المعاملات الإنسانية اليومية.
حماية الضعيف
قال صلى الله عليه وسلم: «السَّاعِي عَلَى
الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» <متفق عليه>.
إغاثة المحتاج
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ
وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة، رقم: ٢].
المطلب الرابع: وسائل التواصل الاجتماعي
وكرامة الإنسان
تحريم التنمر الإلكتروني
عدم تحويل وسائل التواصل إلى ساحة لإهدار
الكرامة، فلا تنمُّر، ولا تشهير، ولا نشر للشائعات، ولا إعادة تداول لمقاطع تسيء إلى
أصحابها؛ لأن الكلمة التي تُكتب خلف شاشة قد تجرح إنسانًا كما تجرحه الكلمة المباشرة.
قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا
سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» <رواه مسلم>.
تحريم نشر الشائعات
قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟
إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا
بِجَهَٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِینَ﴾
[الحجرات، رقم: ٦].
المبحث الثامن: مسائل فقهية تطبيقية
المسألة الأولى: حكم تكريم الإنسان غير
المسلم
المسألة
اختلفَ الفقهاءُ في مدى شمولِ التكريمِ
الإلهيِّ لغيرِ المسلمِ في أحكامِ الدنيا، على اتجاهين:
الاتجاه الأول: شمول التكريم لجميع بني
آدمَ في الدنيا
.
وهو قولُ جمهورِ العلماءِ؛ استدلالًا بظاهرِ
قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء، رقم: ٧٠]، حيثُ عبَّرَ
بلفظِ «بني آدمَ» لا بلفظِ «المسلمينَ» أو «المؤمنينَ»، فدلَّ على أنَّ التكريمَ العامَّ
في الدنيا شاملٌ للجميعِ.
أدلتهم:
1. قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ
ءَادَمَ﴾ [الإسراء، رقم: ٧٠].
2. حديثُ القيامِ لجنازةِ اليهوديِّ: «أَلَيْسَتْ
نَفْسًا؟» <متفق عليه>.
3. قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ
ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ﴾ [الأنعام، رقم: ١٥١]، ولم يفرِّقْ بين
مسلمٍ وغيره.
الاتجاه الثاني: اختصاص التكريم الكامل
بالمؤمنين
وهو قولُ بعضِ العلماءِ؛ حيثُ فرَّقوا بين
التكريمِ العامِّ في الدنيا والتكريمِ الخاصِّ في الآخرةِ، فالتكريمُ الخاصُّ في الآخرةِ
للمؤمنينَ فقط، وليس للكافرِ نصيبٌ في الآخرةِ.
أدلتهم:
1. قولُه تعالى: ﴿وَلَا یَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدࣰا﴾ [الكهف، رقم: ٤٩].
2. حديثُ: «إن الملائكة قالوا: ربَّنا خلقتَنا
وخلقتَ بني آدم، فجعلتَهم يأكلون الطعامَ، ويشربون الشرابَ، ويلبسون الثيابَ، ويتزوجون
النساءَ، ويركبون الدوابَّ، ينامون ويستريحون ولم تجعل لنا من ذلك شيئًا، فاجعل لهم
الدنيا ولهم الآخرةَ، فقال الله -عز وجل-: لا أجعل مَنْ خلقتُ بيديَّ ونفختُ فيه من
روحي كمن قلتُ له كن فكان» <وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، رواه الطبراني>.
• الرأي الراجح .
والراجحُ -واللهُ أعلمُ- هو الاتجاهُ الأولُ؛
لأنَّ التكريمَ في الآيةِ الكريمةِ جاء بلفظِ «بني آدمَ» العامِّ، ولأنَّ النبيَّ صلى
الله عليه وسلم قامَ لجنازةِ اليهوديِّ وقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟»، ولأنَّ الشريعةَ
حفظتْ دماءَ غيرِ المسلمينَ وأموالَهم وأعراضَهم، وأوجبتِ العدلَ معهم، وهذا كلُّه
مِن مظاهرِ التكريمِ العامِّ في الدنيا، أما التكريمُ الخاصُّ في الآخرةِ فهو للمؤمنينَ
خاصةً.
● المسألة الثانية: حكم الترويع والتخويف .
• المسألة
حكمِ الترويعِ والتخويفِ للمسلمِ :
•
التحريم المطلق
وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ مِن الحنفيةِ
والمالكيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ؛ استدلالًا بالأحاديثِ الصحيحةِ الواردةِ في النهيِّ
عن ترويعِ المسلمِ.
أدلتهم:
1. حديثُ: «لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ
بِالسِّلاَحِ» <رواه البخاري>.
2. حديثُ: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ
فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ» <رواه مسلم>.
3. حديثُ: «مَنْ نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ
نَظْرَةً يُخِيفُهُ بِهَا أَخَافَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» <رواه البيهقي>.
قال النووي: «فيه تأكيد حرمة المسلم، والنهي
الشديد عن ترويعه، وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه...؛ لأن ترويع المسلم حرام بكل
حال» <شرح صحيح مسلم>.
• وعموم النصوصِ وصراحتِها تدل على تحريمِ
ترويعِ المسلمِ بأيِّ صورةٍ من الصورِ.
● المسألة الثالثة: حكم التنمر والسخرية
• المسألة
- حكم التنمرِ وهو السخريةُ والاستهزاءُ بالآخرينَ
التحريم المطلق
وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ استدلالًا بقولِه تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ
ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ﴾ [الحجرات، رقم: ١١].
أدلتهم:
1. قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ
وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ﴾ [الحجرات، رقم: ١١].
2. قولُه صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ
مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» <رواه النسائي>.
•
إنَّ التنمرَ يُهدرُ كرامةَ الإنسانِ، وقد حرَّمَ الإسلامُ كلَّ ما يُهدرُ
كرامةَ الإنسانِ.
⚫ المبحث التاسع: أثر التكريم الإلهي في بناء
الحضارة الإسلامية
● المطلب الأول: أثر التكريم في العلوم
• تشجيع العلم والتعلم
لقد كان لتكريمِ اللهِ للإنسانِ بالعقلِ
أكبرُ الأثرِ في تشجيعِ العلمِ والتعلمِ، فكانت أولى آياتِ القرآنِ: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ
رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ﴾ [العلق، رقم: ١]، وقد بنى المسلمونَ حضارةً علميةً عظيمةً
امتدَّت لقرونٍ عديدةٍ.
• بناء الحضارة
قد أسهمَ هذا التكريمُ في بناءِ حضارةٍ
إسلاميةٍ عظيمةٍ، قامت على أسسٍ من العلمِ والأخلاقِ والعدلِ.
● المطلب الثاني: أثر التكريم في الأخلاق
• الأخلاق الفاضلة
- قد أثمرَ التكريمُ الإلهيُّ في بناءِ منظومةٍ
أخلاقيةٍ فاضلةٍ، تقومُ على احترامِ الإنسانِ، وحفظِ كرامتِه، وصيانةِ حقوقِه.
• المعاملة الحسنة
قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَكْمَلَ
الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» <رواه الترمذي>.
● المطلب الثالث: أثر التكريم في الحقوق
• حقوق الإنسان في الإسلام
لقد أرسى الإسلامُ مبادئَ حقوقِ الإنسانِ
في أكملِ صورةٍ وأبهى جلالٍ، مِن حفظِ الدمِ والمالِ والعرضِ، وضمانِ حريةِ المعتقدِ،
وتحقيقِ العدالةِ، وحمايةِ القيمِ الأخلاقيةِ.
• مقارنة مع المواثيق الدولية
- هذه المبادئُ الإسلاميةُ سبقتِ المواثيقَ
الدوليةَ الحديثةَ بحقوقِ الإنسانِ بأكثرَ مِن أربعةَ عشرَ قرنًا، وهذا ما حدا ببعضِ
المنصفينَ مِن المفكرينَ الغربيينَ؛ مِن أمثال «وِل ديورانت» إلى القول: «وإذا حَكَمْنا
على العَظَمَة بما كان للعظيم من أثر في الناس؛ قلنا: إنَّ محمداً [صلى الله عليه وسلم]
كان من أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعبٍ
ألقتْ به في دياجير الهمجية حرارةُ الجو، وجدبُ الصحراء، وقد نجح في هذا الغرض نجاحاً
لم يُدانه فيه أيُّ مُصلِحٍ آخرَ في التاريخ كلِّه» <قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة:
د. زكي نجيب محمود، ج ١٣، ص ٤٧>.
⚫ الخاتمة
● أهم النتائج
- في ختامِ هذه الدراسةِ العلميةِ التحليليةِ،
يمكنُ إجمالُ أهمِّ النتائجِ فيما يلي:
1. أنَّ تكريمَ اللهِ تعالى لبني آدمَ أصلٌ
ثابتٌ بنصِّ القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ المطهرةِ، وهو عطاءٌ ربانيٌّ سابقٌ لكلِّ
بني آدمَ، لا يملكُ أحدٌ أن يسلُبَه إياهم.
2. أنَّ التكريمَ الإلهيَّ شاملٌ لجميعِ بني
آدمَ مِن حيثُ الجنسُ الإنسانيُّ، في الخِلقةِ والصورةِ والعقلِ وتسخيرِ الكونِ والرزقِ
من الطيباتِ.
3. أنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ فرَّقت بين التكريمِ
العامِّ الثابتِ لكلِّ إنسانٍ، وبين التفضيلِ الخاصِّ الذي ينالُه المؤمنونَ بتقواهم
وعملِهم الصالحِ.
4. أنَّ الإسلامَ حفظَ كرامةَ الإنسانِ في
حياتِه وبعد مماتِه، وفي حالِ قوتِه وضعفِه، وفي حالِ طاعتِه وخطئِه.
5. أنَّ صيانةَ كرامةِ الإنسانِ مسؤوليةٌ مجتمعيةٌ
تحتاجُ إلى تعاونِ الفردِ والأسرةِ والمؤسساتِ والمجتمعِ.
6. أنَّ الإسلامَ أرسى مبادئَ حقوقِ الإنسانِ
في أكملِ صورةٍ وأبهى جلالٍ، مِن حفظِ الدمِ والمالِ والعرضِ، وضمانِ حريةِ المعتقدِ،
وتحقيقِ العدالةِ، وحمايةِ القيمِ الأخلاقيةِ.
7. أنَّ المعيارَ الحقيقيَّ للتفاضلِ عند اللهِ
هو التقوى والعملُ الصالحُ، لا المالُ ولا النسبُ ولا اللونُ ولا الجاهُ.
8. أنَّ إهدارَ كرامةِ الإنسانِ سوءُ خُلُقٍ
ومخالفةٌ لأمرِ اللهِ تعالى، وأنَّ صيانتَها عبادةٌ وقربةٌ إلى اللهِ عز وجل.
● التوصيات
1. ضرورةُ العنايةِ بموضوعِ الكرامةِ الإنسانيةِ
في المناهجِ التعليميةِ والخطابِ الدعويِّ.
2. نشرُ ثقافةِ احترامِ الإنسانِ في المجتمعِ
بجميعِ مؤسساتِه.
3. مواجهةُ ظواهرِ التنمرِ والتشهيرِ بكلِّ
صورِها، سواءٌ في الواقعِ أو في الفضاءِ الإلكترونيِّ.
4. العنايةُ بتربيةِ النشءِ على احترامِ كرامةِ
الإنسانِ، وتطبيقِ القولِ النبويِّ: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» <رواه
أبو داود>.
فمن أدركَ عظمةَ هذا التكريمِ هانَ عليه
أن يصونَ كرامةَ كلِّ إنسانٍ، ويكفَّ عن كلِّ ما يُسيءُ إليها مِن قولٍ أو فعلٍ، امتثالًا
لأمرِ ربِّه، واقتداءً بهديِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم.
⚫🤲 الدعاء 🤲
اللهم يا مَن كرَّمتَ بني آدمَ وحملتَهم
في البرِّ والبحرِ ورزقتَهم من الطيباتِ وفضَّلتَهم على كثيرٍ ممن خلقتَ تفضيلًا، لك
الحمدُ على نعمةِ التكريمِ والتشريفِ، ولك الحمدُ على نعمةِ الإسلامِ والإيمانِ، ولك
الحمدُ أن جعلتنا من أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
اللهم يا ذا الجلالِ والإكرام، يا حيُّ
يا قيوم، يا مَن لا إلهَ إلا هو، نسألك بأسمائِك الحسنى وصفاتِك العلى أن تحفظَ علينا
كرامتَنا التي كرَّمتنا بها، وأن تُعينَنا على صيانةِ كرامةِ كلِّ إنسانٍ، وأن تجعلَنا
مِن الذين يستمعونَ القولَ فيتبعونَ أحسنَه.
اللهم إنا نسألك أن تجعلَنا من الذين يعرفونَ
قدرَ أنفسِهم فيكرمونَها بطاعتِك، ويعرفونَ قدرَ الناسِ فيحفظونَ كرامتَهم، ويعاملونَ
الناسَ كما يحبونَ أن يعاملوهم.
اللهم يا مَن كرَّمَ الإنسانَ بخلقِه بيدِه
ونفخِه من روحِه وإسجادِ ملائكتِه له، نسألك أن تُكرمَنا ولا تُهِنَّا، وأن تُعطيَنا
ولا تحرمَنا، وأن تُؤثرَنا ولا تؤثرَ علينا، وأن تُعينَنا ولا تُعنَ علينا، وأن تهديَنا
ويسِّرِ الهدى لنا.
اللهم إنَّا نسألك أن تجعلَنا من الذين
لا يسخرونَ من الناسِ، ولا يلمزونَ، ولا ينابزونَ بالألقابِ، ولا يغتابونَ، ولا ينشرونَ
عيوبَ الناسِ، ولا يتنمرونَ، ولا يشهِّرونَ، ولا يروِّعونَ، ولا يخيفونَ، ولا يظلمونَ.
اللهم اجعلنا من الذين يحفظونَ ألسنتَهم
عن أعراضِ الناسِ، وأيديهم عن دمائِهم وأموالِهم، وقلوبَهم عن الحقدِ والحسدِ والبغضاءِ.
اللهم إنَّا نسألك أن تجعلَنا من الذين
يقومونَ بحقوقِ الضعفاءِ واليتامى والمساكينِ والأراملِ والمسنينَ والمرضى، وأن تجعلَنا
مِن الساعينَ على قضاءِ حوائجِهم، والمحسنينَ إليهم مع حفظِ كرامتِهم وصيانةِ ماءِ
وجوهِهم.
اللهم يا مَن جعلتَ التقوى هي المعيارَ
الحقيقيَّ للتفاضلِ بين الناسِ، اجعلنا من المتقينَ، واجعل التقوى زادَنا، واجعلها
رأسَ مالِنا، واجعلها سببَ عزِّنا وكرامتِنا.
اللهم طهِّرْ قلوبَنا من النفاقِ، وأعمالَنا
من الرياءِ، وألسنتَنا من الكذبِ، وأعينَنا من الخيانةِ، فإنك تعلمُ خائنةَ الأعينِ
وما تخفي الصدورُ.
اللهم يا مَن كرَّمَ الإنسانَ في حياتِه
وبعد مماتِه، أكرمْنا في الدنيا بطاعتِك، وفي الآخرةِ برحمتِك وجناتِك، واجعلْ قبورَنا
روضةً من رياضِ الجنةِ، ولا تجعلْها حفرةً من حفرِ النارِ.
اللهم إنَّا نسألك أن تحفظَ علينا دينَنا
الذي هو عصمةُ أمرِنا، وأن تحفظَ علينا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأن تحفظَ علينا
آخرتَنا التي فيها معادُنا.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوالِ نعمتِك، وتحوُّلِ
عافيتِك، وفُجأةِ نقمتِك، وجميعِ سخطِك.
اللهم أصلحْ حالَ المسلمينَ في كلِّ مكانٍ،
وارفعْ عنهم البلاءَ والوباءَ والغلاءَ، وانصرْهم على أعدائِهم، واجمعْ كلمتَهم على
الحقِّ، وألِّفْ بين قلوبِهم.
اللهم آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا
وولاةَ أمورِنا، واجعلْ ولايتَنا فيمن خافَك واتقاك واتَّبع رضاك، يا ربَّ العالمينَ.
اللهم اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ، والمؤمنينَ
والمؤمناتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعواتِ.
اللهم أكرِمْنا ولا تُهِنَّا، وأعطِنا ولا
تحرمْنا، وآثِرْنا ولا تؤثرْ علينا، واهدِنا ويسِّرِ الهدى لنا.
اللهم إنا نسألك الجنةَ وما قرَّبَ إليها
من قولٍ أو عملٍ، ونعوذُ بك من النارِ وما قرَّبَ إليها من قولٍ أو عملٍ.
اللهم أحسِنْ عاقبتَنا في الأمورِ كلِّها،
وأجرْنا من خزيِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ.
اللهم يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قلوبَنا
على طاعتِك، ويا مصرفَ القلوبِ اصرفْ قلوبَنا إلى طاعتِك.
اللهم إنا نسألك قلبًا خاشعًا، ولسانًا
ذاكرًا، وعينًا دامعةً، ويقينًا صادقًا، وعملًا صالحًا متقبلًا.
اللهم اجعلْ آخرَ كلامِنا من الدنيا لا
إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، واجعلْ خيرَ أعمالِنا خواتيمَها، وخيرَ أيامِنا
يومَ نلقاك.
سبحانَ ربِّك ربِّ العزةِ عما يصفونَ، وسلامٌ
على المرسلينَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.