الْبِيئَةُ نِعْمَةٌ وَأَمَانَةٌ، وَحِفْظُهَا عِبَادَةٌ وَصِيَانَةٌ
نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمٍ لَا
تُعَدُّ، وَآلَاءٍ لَا تُحَدُّ، وَنَسْأَلُهُ شُكْرَ نِعَمِهِ، وَحُسْنَ عِبَادَتِهِ،
وَالْقِيَامَ بِحَقِّ أَرْضِهِ وَخَلْقِهِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ مِنْ كُلِّ تَقْصِيرٍ
وَتَفْرِيطٍ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ نَكُونَ سَبَبًا فِي فَسَادٍ أَوْ أَذًى
أَوْ تَدْمِيرٍ.
وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنِيرُ الْقَلْبَ وَتُطَهِّرُ النَّفْسَ، وَنَشْهَدُ
أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ،
وَهَادِيًا لِلْمُتَّقِينَ، وَمُعَلِّمًا لِلنَّاسِ كَيْفَ يَعِيشُونَ فِي الْأَرْضِ
بِرَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ، وَكَيْفَ يَحْفَظُونَ النِّعْمَةَ وَلَا يُقَابِلُونَهَا بِالْعِصْيَانِ
وَالْعُدْوَانِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
قَالَ تَعَالَى:﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ:
١٣]
:يُخْبِرُنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ ذَلَّلَ وَيَسَّرَ وَأَخْضَعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِلْإِنْسَانِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، وَيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى حَيَاتِهِ، وَيَعْرِفَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ وَعَظَمَتَهُ.
️ مَا الَّذِي سَخَّرَهُ اللَّهُ لَنَا؟
فِي السَّمَاوَاتِ:الشَّمْسُ ️ الَّتِي نَنْتَفِعُ بِضَوْئِهَا وَحَرَارَتِهَا،
وَالْقَمَرُ ،
وَالنُّجُومُ وَالسَّحَابُ ️،
وَمَا يَجْرِي فِي هَذَا الْكَوْنِ مِنْ سُنَنٍ وَنُظُمٍ أَقَامَهَا اللَّهُ بِحِكْمَةٍ.
وَفِي الْأَرْضِ :الْمَاءُ ،
وَالزَّرْعُ ،
وَالثِّمَارُ ،
وَالْأَنْهَارُ ،
وَالْبِحَارُ ،
وَالْجِبَالُ وَالْحَيَوَانَاتُ ،
وَالْأَخْشَابُ ،
وَالْمَعَادِنُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ
إِحْصَاءَهَا.
مَعْنَى جَمِيعًا مِنْهُ»:أَيْ أَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ كُلَّهَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَمِنْ إِنْعَامِهِ عَلَيْنَا، فَلَيْسَتْ قُدْرَةُ الْإِنْسَانِ هِيَ الَّتِي أَوْجَدَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، وَلَا هُوَ الَّذِي خَلَقَ أَصْلَهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفِيدٌ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ وَمَا سَخَّرَهُ لَهُ. وَكُلَّ مَا سَخَّرَهُ اللَّهُ لَنَا فِي هَذَا الْكَوْنِ، يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الْبِيئَةِ الَّتِي نَعِيشُ فِيهَا وَنَنْتَفِعُ بِهَا.
أولاً- تَعْرِيفُ الْبِيئَةِ:
قال تعالي:﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ
ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾
الْبِيئَةُ هِيَ كُلُّ مَا يُحِيطُ بِالْإِنْسَانِ مِنْ أَرْضٍ ، وَمَاءٍ وَهَوَاءٍ ، وَنَبَاتٍ ، وَحَيَوَانٍ ، وَمَا يَرْتَبِطُ بِذَلِكَ مِنْ ظُرُوفٍ وَعَلَاقَاتٍ تُؤَثِّرُ فِي حَيَاتِهِ، وَيُؤَثِّرُ هُوَ فِيهَا.
وَبِذَلِكَ فَالْبِيئَةُ لَيْسَتِ الطَّبِيعَةَ وَحْدَهَا، بَلْ تَشْمَلُ الْمَاءَ ، وَالْهَوَاءَ ، وَالْأَرْضَ ، وَالْمَخْلُوقَاتِ
ثّانِياً-الْبِيئَةُ رِسَائلُ صَامِتَةٌ مِنَ اللَّهِ
إِذَا تَأَمَّلَ الإِنْسَانُ مَا حَوْلَهُ،
وَجَدَ أَنَّ الْبِيئَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَشْجَارٍ وَأَنْهَارٍ وَجِبَالٍ وَهَوَاءٍ ، بَلْ هِيَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ
الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الْخَالِقِ وَدِقَّةِ تَدْبِيرِهِ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿وَفِي
الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾الذَّارِيَاتِ:
٢٠-٢١]
فَالْأَرْضُ الَّتِي نَمْشِي عَلَيْهَا، وَالسَّمَاءُ الَّتِي تُظِلُّنَا، وَالْمَاءُ الَّذِي نَشْرَبُهُ، وَالنَّبَاتُ الَّذِي نَأْكُلُهُ، وَالْهَوَاءُ الَّذِي نَتَنَفَّسُهُ؛ كُلُّهَا آيَاتٌ صَامِتَةٌ تُخَاطِبُ عَقْلَ الإِنْسَانِ وَقَلْبَهُ. تَأَمَّلِ الْمَاءَ:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ
أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ[الواقعة:
68-69]
مَاءٌ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَتَحْيَا
بِهِ الْأَرْضُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَتَخْرُجُ مِنْهَا الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ.قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ
حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾الْأَنْبِيَاءِ: ٣٠
وَتَأَمَّلِ الشَّجَرَ وَالنَّبَاتَ:
بِذْرَةٌ صَغِيرَةٌ تُدْفَنُ فِي التُّرَابِ،
ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا سَاقٌ، وَأَوْرَاقٌ، وَثِمَارٌ؛ وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى
قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ.قَالَ سُبْحَانَهُ:﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ:
وَتَأَمَّلِ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَاللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ:
لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الْكَوْنَ عَبَثًا،
بَلْ جَعَلَ فِيهِ نِظَامًا دَقِيقًا، يَسْتَفِيدُ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَالْحَيَوَانُ
وَالنَّبَاتُ.قَالَ تَعَالَى :﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾
ثالثاً- الْإِنْسَانُ مُسْتَخْلَفٌ وَلَيْسَ مَالِكًا مُطْلَقًا
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٠]
مَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ:أَنَّ
اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْإِنْسَانَ فِي الْأَرْضِ، وَكَلَّفَهُ بِعِمَارَتِهَا وَإِصْلَاحِهَا،
وَالِانْتِفَاعِ بِخَيْرَاتِهَا فِي حُدُودِ مَا أَذِنَ اللهُ بِهِ، مَعَ الْمُحَافَظَةِ
عَلَيْهَا وَعَدَمِ إِفْسَادِهَا
الِاسْتِخْلَافُ أَمَانَةٌ وَلَيْسَ امْتِيَازًا
لَيْسَ مَعْنَى أَنْ سَخَّرَ اللَّهُ لِلْإِنْسَانِ
مَا فِي الْأَرْضِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا يَشَاءُ دُونَ حِسَابٍ؛ بَلْ هُوَ تَسْخِيرٌ
مَقْرُونٌ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ.
فَإِذَا كَانَ الْمَاءُ وَالزَّرْعُ وَالْأَشْجَارُ وَالْأَنْعَامُ وَسَائِرُ مَا فِي الْكَوْنِ مِنْ نِعَمِ
اللَّهِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَهَا بِأَمَانَةٍ وَرَشَادٍ، لَا
بِإِسْرَافٍ وَإِفْسَادٍ.
⚠️ وَمِنْ أَخْطَرِ مَا يَقَعُ فِيهِ الإِنْسَانُ
أَنْ يَنْسَى أَنَّهُ مُسْتَخْلَفٌ
فَيُلَوِّثُ الْمَاءَ ،
وَيُلْقِي الْمُخَلَّفَاتِ فِي الطُّرُقَاتِ ، وَيُهْدِرُ النِّعَمَ، وَيَقْطَعُ الأَشْجَارَ ،
وَيُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يَظُنُّ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِي مُلْكِهِ مَا يَشَاءُ.وَقَدْ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾الأَعْرَافِ:
٥٦]وَقَالَ سُبْحَانَهُ:﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٥]
رَابِعَاً- نَمَاذِجُ مِنْ إِفْسَادِ الْبِيئَةِ
أَوَّلًا: رَمْيُ الْقُمَامَةِ وَالْأَذَى
فِي الطُّرُقَاتِ
أَنْ يَرْمِيَ الْإِنْسَانُ زُجَاجَةً، أَوْ كِيسًا، أَوْ بَقَايَا طَعَامٍ، أَوْ مُخَلَّفَاتٍ فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ يَمْضِي دُونَ أَنْ يَشْعُرَ أَنَّهُ تَرَكَ أَذًى لِلنَّاسِ وَلَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ فِي الْمَنْظَرِ فَقَطْ، بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي الْمُخَلَّفَاتِ أَذًى لِلطِّفْلِ، أَوْ لِكَاهِلٍ، أَوْ لِحَيَوَانٍ، أَوْ سَبَبٌ فِي انْسِدَادِ مَصَارِفِ الْمِيَاهِ.
ثَانِيًا: تَلْوِيثُ الْمَاءِ:
إِلْقَاءُ الْقُمَامَةِ وَالْمُخَلَّفَاتِ
فِي الْأَنْهَارِ وَالتُّرَعِ وَالْبُحَيْرَاتِ
تَصْرِيفُ الْمُخَلَّفَاتِ الصِّنَاعِيَّةِ
فِي مَصَادِرِ الْمِيَاهِ
إِلْقَاءُ مِيَاهِ الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ
غَيْرِ الْمُعَالَجَةِ فِي الْمَاءِ
. وُصُولُ بَعْضِ مُخَلَّفَاتِ الزِّرَاعَةِ وَالْمُبِيدَاتِ وَالْأَسْمِدَةِ إِلَى مَصَادِرِ الْمِيَاهِ.
تَسَرُّبُ الزُّيُوتِ وَالْوَقُودِ إِلَى
الْمِيَاهِ.إِلْقَاءُ الْبَلَاسْتِيكِ وَالْمُخَلَّفَاتِ فِي الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ..
ثَالِثًا: إِتْلَافُ الْأَشْجَارِ وَالزَّرْعِ :
إِتْلَافُ الْأَشْجَارِ وَالزَّرْعِ مِنْ صُوَرِ الْإِفْسَادِ فِي الْبِيئَةِ، وَيَكُونُ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ دُونَ حَاجَةٍ، أَوْ إِحْرَاقِ الزُّرُوعِ، أَوْ إِتْلَافِ الْمَحَاصِيلِ وَالْمَسَاحَاتِ الْخَضْرَاءِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى ضَعْفِ الْغِطَاءِ النَّبَاتِيِّ وَتَلَوُّثِ الْبِيئَةِ وَفَقْدِ مَوَاطِنِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ.
. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى صُورَةً مِنْ صُوَرِ الْإِفْسَادِ فَقَالَ:﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٥
فَذِكْرُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ فِي سِيَاقِ
الْفَسَادِ يُبَيِّنُ خَطَرَ إِهْلَاكِ مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْحَيَاةُ وَالْمَعَاشُ.
رَابِعًا: إِيذَاءُ الْحَيَوَانِ وَإِهْمَالُهُ
يُعَدُّ إِيذَاءُ الْحَيَوَانِ وَإِهْمَالُهُ
مِنْ صُوَرِ الْإِفْسَادِ فِي الْبِيئَةِ وَمِنْ مُنَاقَضَةِ الرَّحْمَةِ الَّتِي أَمَرَ
بِهَا الْإِسْلَامُ. وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ:
تَعْذِيبُ الْحَيَوَانِ أَوْ ضَرْبُهُ بِغَيْرِ
حَقٍّ.
مَنْعُهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
إِهْمَالُهُ وَتَرْكُهُ بِغَيْرِ رِعَايَةٍ.
إِهْمَالُ الْحَيَوَانَاتِ فِي الطُّرُقِ
وَتَعْرِيضُهَا لِلْأَذَى.
إِتْلَافُ أَعْشَاشِهَا أَوْ إِفْسَادُ
مَوَاطِنِهَا. وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ، فَقَالَ:«دَخَلَتِ
امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا
تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ». ️مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
خَامِسًا: تَلْوِيثُ الْهَوَاءِ
عَوَادِمُ السَّيَّارَاتِ وَوَسَائِلِ النَّقْلِ
الَّتِي تُطْلِقُ غَازَاتٍ وَأَدْخِنَةً مُلَوِّثَةً.
أَدْخِنَةُ الْمَصَانِعِ وَالْغَازَاتِ
الضَّارَّةِ.
التَّدْخِينُ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ،
فَيَمْتَدُّ الدُّخَانُ إِلَى مَنْ حَوْلَ الْمُدَخِّنِ.
حَرْقُ الْقُمَامَةِ وَالْمُخَلَّفَاتِ
فِي الطُّرُقَاتِ أَوِ الْأَمَاكِنِ الْمَفْتُوحَةِ.
حَرْقُ الْمُخَلَّفَاتِ الزِّرَاعِيَّةِ،
مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى انْتِشَارِ الدُّخَانِ وَالْمُلَوِّثَاتِ.
أَتْرِبَةُ أَعْمَالِ الْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ
وَمَا يَنْتُجُ عَنْهَا مِنْ غُبَارٍ مُتَطَايِرٍ.
انْبِعَاثُ الْغَازَاتِ وَالْمَوَادِّ الْكِيمْيَائِيَّةِ
مِنْ بَعْضِ الْمَنَاطق الصِّنَاعِيَّةِ.
بَعْضُ الْمَصَادِرِ الطَّبِيعِيَّةِ كَثَوَرَانِ
الْبَرَاكِينِ وَالعَوَاصِفِ التُّرَابِيَّةِ.
سَادِسًا: إِشْعَالُ الْحَرَائِقِ وَإِتْلَافُ
الْمَزْرُوعَاتِ وَالْمَوَارِدِ
سَابِعًا: إِفْسَادُ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ
وَالْمَرَافِقِ
إِلْقَاءُ الْقُمَامَةِ فِي الشَّوَارِعِ
وَالْحَدَائِقِ وَالْمَيَادِينِ.
إِتْلَافُ مَقَاعِدِ الْحَدَائِقِ وَالْمَمَرَّاتِ
وَمُقْتَنَيَاتِ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ.
الْكِتَابَةُ وَالرَّسْمُ عَلَى الْجُدْرَانِ
وَالْمَبَانِي الْعَامَّةِ.
إِتْلَافُ أَعْمِدَةِ الْإِنَارَةِ وَمَرَافِقِ
الْخِدْمَاتِ.
إِهْمَالُ نَظَافَةِ الْمَتَنَزَّهَاتِ
وَالْحَمَّامَاتِ وَالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ..
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
حُكْمُ مَنْ يُفْسِدُ الْبِيئَةَ فِي الْإِسْلَامِ:
الإِسْلَامُ يُرَبِّي الْمُسْلِمَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُصْلِحًا لَا مُفْسِدًا، وَأَنْ يَحْفَظَ نِعَمَ اللهِ، وَأَنْ يَرْفَعَ الضَّرَرَ عَنِ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ وَالطَّبِيعَةِ.
وَلَيْسَتِ الْعِبَادَةُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَطْ؛ فَحِفْظُ الطَّرِيقِ، وَعَدَمُ تَلْوِيثِ الْمَاءِ، وَحِفْظُ الشَّجَرِ، وَالرِّفْقُ بِالْحَيَوَانِ، وَعَدَمُ إِضْرَارِ النَّاسِ—كُلُّهَا مِنْ مَعَانِي الأَمَانَةِ وَالإِحْسَانِ وَعَدَمِ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ.
1-
الإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ مَنْهِيٌّ عَنْه قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿وَلَا
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ الأعراف: 56
2- الإِفْسَادُ فِي الْبِيئَةِ قَدْ يَكُونُ
سَبَبًا لِلْإِثْمِ وَالْعُقُوبَةِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ
فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[القصص: 77]
فَالْمُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ مُتَعَرِّضٌ
لِسَخَطِ اللهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى عَلَى نِعَمِ اللهِ وَيُؤْذِي عِبَادَ اللهِ
وَالْمَخْلُوقَاتِ.
3 - التَّلَوُّثُ وَالإِضْرَارُ بِالنَّاسِ
دَاخِلٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الضَّرَرِ
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ☝️وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الشَّرِيعَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ
أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِلْكَهُ أَوْ تَصَرُّفَهُ بِطَرِيقَةٍ تُلْحِقُ الضَّرَرَ بِالْآخَرِينَ.
4- مَنْ يُؤْذِي النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ عَلَيْهِ
إِزَالَةُ الأَذَى
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:«وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ"
فَإِذَا كَانَتْ إِزَالَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةً، فَإِلْقَاءُ الأَذَى فِيهِ وَتَعْمُّدُ تَلْوِيثِهِ وَإِضْرَارُ الْمَارَّةِ بِهِ أَمْرٌ مَذْمُومٌ وَمُنَافٍ لِهَدْيِ الإِسْلَامِ.
4- قطْعُ الأَشْجَارِ وَإِتْلَافُ الزَّرْعِ لَيْسَ أَمْرًا هَيِّنًا
الأَشْجَارُ وَالزُّرُوعُ مِنْ نِعَمِ اللهِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا الإِنْسَانُ وَالْحَيَوَانُ وَالطَّيْرُ، وَلِذَلِكَ جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الإِفْسَادِ وَالإِتْلَافِ بِغَيْرِ حَقٍّ.قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾[البقرة: 20
فَالْآيَةُ تُبَيِّنُ خُطُورَةَ الإِفْسَادِ
الَّذِي يَؤَدِّي إِلَى إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ.
⚖️ فَمَا عُقُوبَةُ مُفْسِدِ الْبِيئَةِ؟
هُنَا يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَنْوَاعِ
الإِفْسَادِ:
أ-
إِنْ كَانَ الإِفْسَادُ مُجَرَّدَ مُخَالَفَةٍ أَوْ تَلَوُّثٍ أَوْ إِتْلَافٍ:
فَيَأْثَمُ الْفَاعِلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ
مُحَرَّمًا أَوْ مُؤْذِيًا، وَيَجُوزُ لِوَلِيِّ الأَمْرِ أَنْ يَفْرِضَ عُقُوبَةً
تَعْزِيرِيَّةً تُنَاسِبُ الْجُرْمَ وَالضَّرَرَ.
ب- إِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ بِالنَّاسِ
أَوْ أَمْوَالِهِمْ:
فَقَدْ يَلْزَمُ الْمُفْسِدَ ضَمَانُ مَا
أَتْلَفَهُ وَرَدُّ الْحُقُوقِ إِلَى أَصْحَابِهَا، بِحَسَبِ الْحَالِ.
ج- إِنْ بَلَغَ الإِفْسَادُ حَدَّ «الْحِرَابَةِ»
وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالإِفْسَادِ الْجَسِيمِ:فَهَذَا بَابٌ فِقْهِيٌّ آخَرُ، وَقَدْ
ذَكَرَ اللهُ لَهُ أَحْكَامًا خَاصَّةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا...﴾[المائدة:
33
⚖️
وَلَا يَصِحُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ كُلَّ
مَنْ لَوَّثَ الْبِيئَةَ يُعَاقَبُ بِعُقُوبَةِ الْحِرَابَةِ؛ فَآيَةُ الْمَائِدَةِ
تَتَعَلَّقُ بِجَرَائِمَ مُحَدَّدَةٍ وَخَطِيرَةٍ، وَلَيْسَ بِمُجَرَّدِ إِلْقَاءِ
مُخَلَّفَاتٍ أَوْ قَطْعِ شَجَرَةٍ.
أَجْرُ مَنْ أَمَاطَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ ﷺ:مَنْ أَمَاطَ أَذًى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ كُتِبَ لَهُ بِهِ حَسَنَةٌ»
وَاللَّهِ، إِنِّي أَعْرِفُ أُنَاسًا يَقِفُونَ،
فَيُزِيحُونَ هَذَا الْحَجَرَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ عَظِيمٌ
عَنْ عَائِشَةَ قال ﷺ:«مَنْ سَمَّى اللَّهَ، وَرَفَعَ حَجَرًا أَوْ شَجَرًا أَوْ عَظْمًا مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ، مَشَى وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ»
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ َقَالَ ﷺ » لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي
الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ:
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فَانْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ!فَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا. ️رُبَّمَا لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ مَالًا لِتَتَصَدَّقَ، وَلَا وَقْتًا لِتَقُومَ بِعَمَلٍ كَبِيرٍ، وَلَكِنْ أَمَامَكَ حَجَرٌ فَأَزَحْتَهُ، أَوْ أَذًى فَرَفَعْتَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا.
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، حَافِظُوا عَلَى الْمَاءِ ، وَلَا تُلَوِّثُوا الْأَنْهَارَ وَمَصَادِرَ الشُّرْبِ، وَحَافِظُوا عَلَى الْأَشْجَارِ ، وَلَا تَقْطَعُوهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَارْفُقُوا بِالْحَيَوَانِ ، وَلَا تُؤْذُوهُ، وَنَظِّفُوا الطُّرُقَ وَالْأَمَاكِنَ الْعَامَّةَ ، فَإِنَّ النَّظَافَةَ وَرَفْعَ الْأَذَى مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا أَرْضَنَا، وَاحْفَظْ لَنَا مِيَاهَنَا وَهَوَاءَنَا وَزَرْعَنَا وَأَشْجَارَنَا.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا قُلُوبًا تُحِبُّ الْخَيْرَ، وَأَيْدِيَ تُعَمِّرُ وَلَا تُخَرِّبُ، وَتُصْلِحُ وَلَا تُفْسِدُ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِحُسْنِ اسْتِخْدَامِ
نِعَمِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُصْلِحِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمُفْسِدِينَ