recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة البيئة.. نعمة ربانية، ومسئولية إنسانية عادل عبدالكريم توني إبراهيم

البيئة.. نعمة ربانية، ومسئولية إنسانية

            


١- الإسلام دين النظافة والجمال .

٢- المحافظة على البيئة من شعب الإيمان .

٣- الْبِيئَةِ الْمُحِيطَةِ وتأثيرها علي الإنسان  .


(١)- الْحَمْدُ للهِ الذِي حَثَّ عِبَادَهُ عَلَى الطُّهْرِ وَالنَّقَاءِ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّجَمُّلِ وَالصَّـفَاءِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ النَّظَافَةَ مِنْ صِفَاتِ أَولِيَائِهِ المُؤمِنِينَ، وَكَتَبَ مَحَبَّـتَهُ لِلتَّوَّابِينَ وَالمُتَطَهِّرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيَّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبُهُ، أَنْظَفُ النَّاسِ فِي جَسَدِهِ وَثِيَابِهِ، وَأَطْيَبُهُمْ رِيْحًا بَيْنَ أَهلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَكْثَرُهُمْ تَمَسُّـكًا بِتَعالِيمِ الدِّينِ وَآدَابِهِ، -صلى الله عليه وسلم-  وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ طَاهِرِي المَظْهَرِ وَالمَخْبَرِ، وَعَلَى أَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ البَعْـثِ وَالمَحْـشَرِ.

 أما بعد  أيها المسلمون  :

فإن دين الإسلام دين الجمال والنظافة والطهارة ، حث الإسلام على النظافة والنزاهة من الأقذار الحسية والمعنوية .

 و دعا إلى طهارة الأبدان والأجساد من الأنجاس والأرجاس، ونظافة الأمكنة والأثواب من الأوساخ والأقذار، تحصينًا لصحَّتهم، وتوفيرًا للأمن لهم والخلاص من جميع الأذى والمضار، ووقاية لهم من جميع الأمراض والأسقام والأخطار .في صحيح مسلم: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - - : « الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمان"، ومن هنا ندرك مدى أهمية الطهارة والنظافة، وعِظم درجتها، وعلوِّ مرتبتها في شريعة الإسلام .

- النظافة والطهارة تجلب محبة الله تعالى- وتقرِّب صاحبها إلى الله زلفى، وهي تساوي التوبة التي هي سبب صفاء النفوس، ونقائها من أرجاس المعاصي، وأدران الذنوب؛ يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]،

 النظافة والطهارة تزيد المؤمن إيمانًا ، ففي موطإ مالك : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - -:قَالَ « اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْمَلُوا وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاَةُ وَلاَ يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ »،

النظافة والطهارة كفارة للذنوب، وسبب لمُضاعَفة الأجور، ومَنهاة عن الفسق والفجور، ونور وضياء لصاحبها يوم العرض والنشور؛

ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - -: قَالَ « إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ – أَوِ الْمُؤْمِنُ – فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ – أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ – فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ – أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ – فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ الْمَاءِ – أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ – حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ ».

- أوجب الإسلام الغسل بعد الجماع، وبعد الحيض، والنفاس، وغير ذلك من المواطن. وندب الإسلام إلى الغسل في يوم الجمعة، والعيدين ،وغسل اليدين قبل الأكل وبعده. وبعد الاستيقاظ من النوم،

والغسل وهو تعميم البدن بالماء، فلا أقل من مرة بالأسبوع، قال عليه الصلاة والسلام: ((حقٌّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا، يغسل فيه رأسه وجسده))؛ متفق عليه

وفي صحيح مسلم : (عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - - -: قَالَ « الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ »

وشرع الوضوءوجعله شَعيرةً من شعائر الدين، وركيزة من ركائزه، وفريضة من فرائضه،  وشرطًا من شروط صحة الصلاة، فقال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾  (المائدة : 6)،

ومن السنة كذلك إصلاح وتجميل شعر اللحية والرأس؛ فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ، فَقَالَ: "أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ"(رواه أبو داود وصححه الألباني).

ومما جاءت به الشريعة الإسلامية المحافظة على خصال الفطرة، وفيها من النظافة والطهارة لمن حافظ عليها، من صحة الأبدان والعقول ما لا يُحصى ذكرُه، وفضلًا عما يكسبه من الأجور في الدنيا والآخرة.

روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي  - -: قال: ((عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ))، قَالَ زَكَريَّاءُ، قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ، زَادَ قُتَيْبَةُ: قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي: الاسْتِنْجَاءَ."

وكان عليه الصلاة والسلام يَتَسَوَّكُ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَصَلاةٍ، وَعِنْدَ دُخُولِ المَنْزِلِ، وَإذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ، وَكَانَ إِذَا عَطَسَ، غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ، وَغَضَّ بِهَا صَوْتَهُ"؛ رواه أبو داود والترمذي،

- وحث ديننا علي نظافة الثياب فقد وردت النصوص الشرعية في ذلك؛ قال تعالى: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [المدثر: 4]، قال محمد بن سيرين: أي اغسلها بالماء،

وروى مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن مسعود أن النبي  - - قال:((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنة، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)).

وقال الحكماء: (من نظَّف ثوبه قلَّ همُّه، ومَن طاب ريحه زاد عقله) .

                     . .

(٢)- حث الاسلام علي نظافة البيئة ، وجعلها مسئولية .

ولفظ البيئة لفظا مستحدثا في هذا الزمان ، ويُطلق على كلّ ما يحيط بالإنسان من كائنات حية وجمادات، مثل الهواء والماء والحيوانات والكائنات الدقيقة والتربة والفضاء وغيرها ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد حثنا وأمرنا أن نحافظ على هذه المكونات البيئية من ( ماء ،وهواء ، وتربة وغيرها )

حث الإسلام علي نظافة الطرقات، والحدائق، والمنتزَّهات، والأماكن العامة،وغيرها؛ والْحِفَاظَ عَلَيها  وعَدَمُ التَّعَدِّي عَلَيْهَا وعدها مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ وَطُرُقِ الْفَلَاحِ ؛  فَقَدْ جَعَلَ نَبِيُّنَا إماطة الْأَذَى عن طريق الناس مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَإِحْدَى أَنْوَاعِ الصَّدَقَاتِ، وَمِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ،  أن رسول الله - -قال : «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ- شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». ( متفق عليه) .

بل جعل ذلك من أبواب الصدقات، قال - -: «وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» رواه مسلم .

وروي الإمام مسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ»،

وفي رواية أخري للإمام البخاري في "صحيحه" قال - -: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ».

وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((يَا نَبِيَّ اللهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ)).قَالَ: ((اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ)).

 وقال صلى الله عليه وسلم: " كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة". متفق عليه.

روى مسلم في صحيحه أن النبي - - قال: "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنْ الطَّرِيقِ".

و بشَّر النبي - - من أماط الذي عن الطريق بالثواب الكبير والأجر الجزيل  ففي صحيح مسلم : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -- - قَالَ « لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِى الْجَنَّةِ فِى شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِى النَّاسَ ».

- وحث الإسلام علي نظافة البيوت والمساجد .

حثَّ  على تنظيف البيوت وتطهيرها؛  عن سعد بن أبي وقاص رفعه: "إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم، ولا تشبَّهوا باليهود"[رواه الترمذي].

والمساجد بيوت الله، ودور العبادة والعلم، اوجبٌ صيانتها وتطهيرها معنى وحساً،

 قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾] الحج:26.[

 و قال الله تعالى: ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [البقرة: 125] .

قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله أوحينا إليهما وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك والكفر والمعاصي ومن الرجس والنجاسات والأقذار .

وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - - قَالَ « عُرِضَتْ عَلَىَّ أَعْمَالُ أُمَّتِى حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِى أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لاَ تُدْفَنُ ». وفي الصحيحين: (أن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ  - -: « الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا»، وفي رواية :« التَّفْلُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا »،

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه  - -: "عرضت عليَّ أجور أمَّتي حتَّى القذاة يخرجها الرَّجل من المسجد، وعرضت عليَّ ذنوب أمَّتي فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آيةٍ أوتيها رجلٌ ثمَّ نسيها"[رواه أبو داود والترمذي].

وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة قالت:"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ  - - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ"،

ونهي الاسلام عن تلويث البيئة  ، ومن صورها البول في الماء أو طريق الناس ،

 رَوَى مُعَاذٌ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : ((اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ)) .

والْمَوَارِدِ -وَهِيَ طُرُقُ الْمَاءِ .

 وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ - وَسَطُهَا .

وعن أبي هريرة رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ - - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "اتقوا اللاعنين" قالوا: وما اللاعنان؟ قال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم"[رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

المحافظة على البيئة مسؤولية إنسانية مشتركة يشترك فيها الجميع ، فينبغي أن نتعاون جميعاً علي المحافظة عليها، قال الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ ولسائر المسلمين مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

              . . .  

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

(٣)- الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أمَّا بَعْدُ...

أيها المؤمنون : إن الْبِيئَةِ الْمُحِيطَةِ بالإنسان إما أن تكون بِيئَةٍ صَالِحَةٍ يطاع فيها الله عزّ وجل بعمل الصالحات ، أو تكون بِيئَة فَاسِدَة تنتشر فيها المعاصي ، لذا أَمَرَنَا الْقُرْآنُ الكريم أَنْ نعيش في الْبِيئَةِ الصَّالِحَةِ وأن نَكُونَ دَائِمًا فِي وَسَطِهَا و بَيْنَ أَهْلِهَا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]،

وَحَذَّرَنَا مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا أَوْ الِابْتِعَادِ عَنْهَا قَائِلًا لَنَا وَلِنَبِيِّنَا  - - مِنْ قَبْلِنَا: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف:28].

وَهَذَا غُلَامٌ صَغِيرٌ، قَضَى لَيْلَةً  فِي بِيئَةٍ صَالِحَةٍ، وَلْنَرَ كَيْفَ أَثَّرَتْ فِيهِ؛ يَرْوِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: " بَعَثَنِي أَبِي إِلَى النَّبِيِّ - - فِي إِبِلٍ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ؛ فَلَمَّا أَتَاهُ، وَكَانَتْ لَيْلَةُ مَيْمُونَةَ، وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَأَتَى الْمَسْجِدَ؛ فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ؛ فَطَرَحَ ثَوْبَهُ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ امْرَأَتِهِ فِي ثِيَابِهَا، فَأَخَذْتُ ثَوْبِي؛ فَجَعَلْتُ أَطْوِيهِ تَحْتِي، ثُمَّ اضْطَجَعْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: لَا أَنَامُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى مَا يَصْنَعُ رَسُولُ اللهِ  - - فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَذْهَبَ ثُمَّ قَامَ، فَخَرَجَ، فَبَالَ، ثُمَّ أَتَى سِقَاءً مُوكَئًا؛ فَحَلَّ وِكَاءَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ وَطِئَ عَلَى فَمِ السِّقَاءِ؛ فَجَعَلَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ حَتَّى فَرَغَ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ فَأَصُبَّ عَلَيْهِ؛ فَخِفْتُ أَنْ يَدَعَ اللَّيْلَةَ مِنْ أَجْلِي، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي؛ فَقُمْتُ؛ فَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ؛ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ؛ فَتَنَاوَلَنِي بِيَدِهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ؛ فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً... " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِلنَّسَائِيِّ فِي الْكُبْرَى)،

 فَتَأَمَّلْ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: "فَقُمْتُ، فَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ"، وَانْظُرْ إِلَى تَرْكِهِ النَّوْمَ وَوَضُوءَهُ وَصَلَاتَهُ وَهُوَ الْغُلَامُ الصَّغِيرُ! إِنَّهَا الْبِيئَةُ الصَّالِحَةُ.

وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يُحَذِّرُ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الصَّحَابَةَ، وَيُحَذِّرُنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ التَّوَاجُدِ فِي بِيئَةٍ فَاسِدَةٍ: ،﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 140].

وَمِمَّا يُرْعِبُ فِي الْآيَةِ: أَنَّ الرِّضَا بِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ، وَلِهَذَا يُؤَاخَذُ الْفَاعِلُ وَالرَّاضِي بِعُقُوبَةِ الْمَعَاصِي حَتَّى يَهْلِكُوا بِأَجْمَعِهِمْ"(تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ)، وَلَيْسَ بَعِيدًا عَنْ هَذَا قَوْلُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 68].

وأخبرنا سبحانه عن حال هؤلاء الجلساء وبراءة بعضهم من بعض في الآخرة، فقال تعالى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67].

فالْبِيئَةُ الْفَاسِدَةُ تؤثر بالسلب علي أَبْنَائِهَا! بل  وتَسْلَخُهُمْ مِنْ فِطْرَتِهِمُ النَّقِيَّةِ، وَتَجُرُّهُمْ جَرًّا إِلَى الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ، وَتَزْرَعُ فِي قُلُوبِهِمُ الْفِسْقَ وَالْخَنَا وَالْفُجُورَ، وَتَؤُزُّهُمْ عَلَى كَبَائِرِ الذُّنُوبِ! وَهَلْ بَعِيدٌ عَنَّا كَيْفَ أَزَّتِ الْبِيئَةُ الْفَاسِدَةُ رَجُلًا مِنْ أُمَّةٍ قَبْلَنَا حَتَّى قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا؟ وَلَمَّا سَأَلَ الْعَالِمَ الرَّبَّانِيَّ عَنِ التَّوْبَةِ وَعَنِ الْخَلَاصِ وَعَنِ الْحَلِّ، أَمَرَهُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ: أَنْ يُغَيِّرَ وَيَسْتَبْدِلَ بِيئَتَهُ الْفَاسِدَةَ بِأُخْرَى صَالِحَةٍ، فَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ الْعَالِمَ قَالَ لَهُ: "انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تِرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ"، بَلْ وَلَمَّا اخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ حِينَ مَاتَ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى الْبِيئَةِ الصَّالِحَةِ، كَانَ الْفَيْصَلُ بَيْنَهُمَا: إِلَى أَيِّ الْبِيئَتَيْنِ هُوَ أَقْرَبُ؟ فَفِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: "قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيِّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ؛ فَقَاسُوهُ؛ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

اللَّهُمَّ إِنِي أَسْأَلُكَ الهُدَى، وَالتُّقَى، وَالعفَافَ، والغنَى .

اللهم إنا نسألك الفوز عند القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، ومُرافقة الأنبياء، والنصر على الأعداء .

اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صرِّفْ قُلوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ .


 

google-playkhamsatmostaqltradent