ولقد كرمنا بنى آدم
العنصر الأول: تكريم الإنسان فى القرآن
والسنة
العنصر الثانى: تكريم الله للإنسان على
سائر المخلوقات
العنصر الثالث: مظاهر تكريم الله للإنسان
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ
وَمَلْءَ مَابَيْنَهُمَا وَمُلْءَ مَاشِئْتَ يَارِبُ مِنْ شَئٍّ بَعْدَ أَهْلِ الثَّنَاءِ
وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَاقَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لَامُعْطَى
لِمَا مَنَعْتَ وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ
الْجَدُّ وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ
سَبْحَانُكَ اللَّهُمَّ خَيْرَ مُعَلِّمٍ
عَلَّمْتَ بِالْقَلَمِ الْقُرُونَ الْأُولَى أَخْرَجْتَ هَذَا الْعَقْلَ مِنْ ظُلُمَاتِهِ
وَهَدَيَتَهُ النُّورَ الْمُبِينَ سَبِيلًا وَأَرْسَلْتَ بِالتَّوْرَاةِ مُوسَى مُرْشِدًا
وَابْنَ الْبَتُولِ فَعَلَّمَ الْإِنْجِيلَا وَفَجَرَتْ يَنْبُوعَ الْبَيَانِ مُحَمَّدًا
فَسَقَى الْحَدِيثَ وَنَاوَلَ التَّنْزِيلَا
وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا
وَحَبِيبَنَا وَمُصْطَفَانَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نَبِيًّا وَرَسُولًا أُوصِيكُمْ وَنَفْسَى بِتَقْوَى اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحُ
لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا أُحَدِّثُكُمْ الْيَوْمَ عَنْ مَوْضُوعٍ تَحْتَ عُنْوَانِ
ولقد كرمنا بنى آدم
العنصر الأول: تكريم الإنسان فى القرآن والسنة
تكريم الإنسان في القرآن الكريم أمر أساسي،
فالله عز وجل خلق الإنسان في البداية عن طريق سيدنا آدم في الجنة وطلب من الملائكة
السجود له، وهنا تجد أن الله عز وجل يحبك ويريدك في جنته ويطلب منك في القرآن الكريم
ألا تتبع الشيطان وطائفته فيضلوك وتكون العاقبة في النهاية الخسران والنار.
ولهذا كرم الله الإنسان في القرآن من خلال
آيات قرآنية توضح هذا، كما يوجد العديد من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن تكريم الإنسان،
فالقرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله
هدى ونورًا للبشرية، وجعل فيه تكريمًا للإنسان بمختلف جوانب حياته، حيث يتجلى هذا التكريم
في الآيات القرآنية التي تعكس مكانة الإنسان وفضله بين سائر المخلوقات، وقد أكد الإسلام
على هذه المكانة السامية من خلال الأحكام والتعاليم التي تحث على احترام الإنسان، وحفظ
حقوقه وكرامته.
ويوضح القرآن الكريم تكريم الله للإنسان
في أكثر من موضع، ولعل أبرز الآيات التي توضح هذا التكريم هي قوله تعالى: "وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ
مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"
(سورة الإسراء: 70).
فهذه الآية توضح لنا كيف فضل الله الإنسان
على سائر المخلوقات، ومنحه عقلًا يفكر به، وكرمه بالنعم الكثيرة كالقدرة على التنقل
في البر والبحر، والتمتع بالطعام الطيب، مما يعكس تكريمًا إلهيًا شاملًا، وجعله ارفي
وارفع مخلوق على وجه الأرض.
نماذج من أحاديث عن تكريم الإنسان
القرآن الكريم لم يوضح لنا مدى تكريم الله
للإنسان فقط، بل أيضًا توجد العديد من الأحاديث النبوية التي توضح هذا إلى جانب القرآن
الكريم، فجاءت السنة النبوية لتكمل التشريعات الإسلامية وتؤكد على قيمة الإنسان وتكريمه،
وذلك من أبرز الأحاديث التي تؤكد هذا المعنى:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن
النبي ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه
ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" (رواه البخاري ومسلم).
يعكس هذا الحديث احترام الإنسان وحفظ حقوقه
وتكريمه وعدم ظلمه لأخيه وأنه له حقوق شرعها الإسلام له ووضعها ووضح عاقبة التعدي عليها.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله ﷺ: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه
ويده" (رواه البخاري).
يوضح هذا الحديث أهمية احترام الإنسان بالابتعاد
عن إيذائه قولًا أو فعلًا دون النظر للون أو الجنسية أو الغنى أو الفقر، بل هي حقوق
سارية عليهم جميعا.
حديث النبي ﷺ: "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي
على عربي إلا بالتقوى" (رواه أحمد).
حيث يوضح هذا الحديث أن الكرامة والتكريم
متعلقة بتقوى الله، دون اعتبار لأي شيء آخر كما وضحت لكم ويوجد الكثير من الأمثلة والنماذج
القرآنية والنبوية الشريفة التي تحفظ حقوق الإنسان وتدل على تكريمه.
وقيمة الإنسان في القرآن الكريم عظيمة،
فهو خليفة الله في الأرض، كما ورد في قوله تعالى: "إني جاعل في الأرض خليفة"
(سورة البقرة: 30). وهذا يعني أن الإنسان مسؤول عن عمارة الأرض ونشر الخير والعدل فيها،
وعلينا أن تستمع إلى الله وكل ما جاء به الأنبياء حتى لا نفسد في الأرض.
كما أن القرآن يؤكد أن الله خلق الإنسان
في أحسن تقويم، كما في قوله تعالى:"لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ
تَقْوِيمٍ" (سورة التين: 4). وهذا يظهر مدى التكريم الإلهي من خلال خلق الإنسان
في أبهى صورة وأفضل هيئة.
والمسلم المؤمن بالله عليه أن يتدبر القرآن
لكي يعي مدى تكريم الإنسان في القرآن ويشكر الله على كل ما وهبه ويسارع دائمًا بالتوبة
من كل الذنوب ليكون نعم العبد الذي يتوب من الذنب ويعلم جيدًا أنه من ضعف نفسه وليس
تكبرًا أو عنادًا، ويعي جيدًا أن ربه موجود دائمًا ليعفو عنه لأنه يحبه ويريده.
لذلك ينظر الإسلام إلى الإنسان نظرة راقية
فيها تكريم وتعظيم، انطلاقًا من قوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ
كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].
وهذه النظرة جعلت لحقوق الإنسان في الإسلام
خصائص ومميزات خاصَّة، مِن أهمِّها شموليَّة هذه الحقوق؛ فهي سياسية واقتصادية واجتماعية
وفكرية. كما أنها عامَّة لكل الأفراد، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، دون تمييز بين لون
أو جنس أو لغة، وهي كذلك غير قابلة للإلغاء أو التبديل؛ لأنها مرتبطة بتعاليم ربِّ
العالمين.
وقد قَرَّرَ ذلك رسول الله صلى الله عليه
وسلم في خطبة الوداع، التي كانت بمنزلة تقرير شامل لحقوق الإنسان، حين قال:
"... فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ
هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ"(
البخاري) . حيث أكَّدت هذه الخطبة النبويَّة جملة من الحقوق؛ أهمُّها: حرمة الدماء،
والأموال، والأعراض.. وغيرها.
وقال أيضًا يُعَظِّم من شأن النفس الإنسانيَّة
عامَّة، فيحفظ لها أعظم حقوقها وهو حقُّ الحياة، فيقول عندما سُئِل عن الكبائر:
"الإِشْرَاكُ بِاللهِ.. وَقَتْلُ النَّفْسِ.." (البخاري). فجاءت كلمة النفس
عامَّة لتشمل أيَّ نَفْسٍ تُقتل دون وجه حقٍّ.
ثم ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أكثر
من ذلك حين شرع حفظ حياة الإنسان من نفسه، وذلك بتحريم الانتحار، فقال: " من تردّى
من جبلٍ فقتل نفسَه ، فهو في نارِ جهنمَ يتردّى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ، ومن
تحسى سمًا فقتل نفسَه ، فسمُّه في يدِه يتحساه في نارِ جهنمَ خالدًا مخلدًا فيها أبدًا
، ومن قتل نفسَه بحديدةٍ ، فحديدتُه في يدِه يجأُ بها في بطنِه في نارِ جهنمَ خالدًا
مخلدًا فيها أبدًا " (البخاري).
هذا، وقد حرَّم الإسلام كل عمل ينتقص من
حقِّ الحياة؛ سواء أكان هذا العمل تخويفًا، أو إهانة، أو ضربًا، فعن هشام بن حكيم،
قال: سمعتُ رسول الله يقول: "إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ
فِي الدُّنْيَا" ( ابن حبان).
العنصر الثانى: تكريم الله للإنسان على سائر المخلوقات
في عالمٍ باتت فيه الكرامة الإنسانية تُنتهك
تحت وطأة الحروب والتمييز والعنصرية، يبرز الإسلام كمنظومة متكاملة تُعلي من شأن الإنسان
وتُعيد له مكانته التي يستحقها.إنه الدين الذي لم يجعل الكرامة حكرًا على عرقٍ أو جنسٍ
أو لون، بل كرم الإنسان لمجرد كونه "إنسانًا"، من لحظة نفخ الروح فيه، إلى
أبسط حقوقه في العيش بكرامة.
ووضع الإسلام للإنسان تشريعًا يُحافظ على
حياته، ويصون حريته، ويحترم عقله، ويضمن له المساواة والعدل، ومنذ أن خلق الله الإنسان،
جعله مكرمًا ومفضلًا على كثير من مخلوقاته، وجعل له منزلة عظيمة في الكون، بل وأسجد
له الملائكة وقد صاغت الشريعة الإسلامية منهجًا فريدًا يحفظ للإنسان إنسانيته في الدنيا
والآخرة؟
أولًا: التكريم الإلهي للإنسان في الخلقة
والنشأة
أول صور التكريم تظهر منذ لحظة الخلق. فقد
خلق الله الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته.
قال تعالى:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ
كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء: 70).
وهذه الآية تمثل أساسًا صريحًا للتكريم؛
حيث شملت جميع بني آدم.
وقال تعالى عن خلق آدم:
{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (ص: 72). وفي بيان وجه آخر من أوجه التكريم الإلهي
للإنسان عند خلقه يقول الله تعالى منكرا على إبليس عدم سجوده لآدم: {يَا إِبْلِيسُ
مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ
الْعَالِينَ} (ص: 75).
كما إن من مظاهر التكريم في الخلق الصّورة
الحسنة، كما في قوله تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} (التغابن: 3). والقامة
المعتدلة، كما قال عزّ وجلّ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}
(التين:4).
ثانيًا: تكريم الله للإنسان بتسخير ما في
السماء والأرض
بعد أن خلق الله الإنسان أكرمه بالنّعم
العظيمة الّتي لا تعدّ ولا تحصى، ومن هذه النّعم تسخير ما في السّماء الأرض ليرزقه
بها، ومن هذه النّعم إنزال الله الماء من السّماء، هذا الماء الذي جعل الله منه كلّ
شيء حيّ لقوله تعالى: {وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (الأنبياء:30)،
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ
فِي الْأَرْضِ} (الزمر:21)، وقال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ
رِزْقاً لَكُمْ} (البقرة:22).
لقد سخّر الله عزّ وجلّ للإنسان تكريما
له ملكوت السّموات، بما تشتمل عليه من نجوم، وشموس، وأقمار، وجعل في نظامها البديع
ما ينفع الإنسان من تعاقب اللّيل والنّهار، واختلاف في الفصول ودرجات الحرارة ونحو
ذلك، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
(النحل:12)، وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية:13). والمراد
بهذا التّسخير هو تمكين الله عزّ وجلّ الإنسان من أن يستخدم ما خلقه الله في تطبيقات
عمليّة نافعة له في مجالات حياته المختلفة.
ثالثا: تكريمه بالعقل والحرية والمسؤولية
من أعظم أوجه التكريم أن الله منح الإنسان
عقلًا يميز به بين الخير والشر، وأعطاه حرية الاختيار والتكليف، دون أن يُجبره على
الإيمان أو الكفر.
قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ
إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان: 3). وكما قال:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة: 256)، وهذا يدل على احترام الإسلام
لحرية الاعتقاد.
رابعًا: تكريم الإنسان بالحفاظ على حياته
وكرامته
جعل الإسلام النفس الإنسانية محترمة مصونة،
وجعل قتل النفس الواحدة بغير حق كقتل الناس جميعًا.
قال تعالى:{مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة:
32).
وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك
بقوله: "لَزَوَالُ الدنيا أَهْوَنُ على اللهِ من قَتْلِ مُؤْمِنٍ بغيرِ حقٍّ".
(ابن ماجه).
خامسًا: تكريم الإنسان بالمساواة والعدل
لا يُفرِّق الإسلام بين الناس على أساس
اللون أو العرق، إنما أساس التفاضل بينهم التقوى، فالناس سواسية، لا فضل لعربي على
أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم
مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13).
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة
الوداع: "يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ، ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ،
ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسْودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى،
إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ". (البيهقي).
كما أوجب الإسلام إقامة العدل بين الناس
حتى مع الأعداء، وحرّم الظلم بجميع أشكاله. قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} (المائدة:
سادسا: تكريم الإنسان بفتح باب التوبة ومغفرة
الذنوب
جعل الإسلام باب التوبة مفتوحًا لكل إنسان
مهما بلغت ذنوبه، وأكد أن الله يغفر جميع الذنوب.
قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} (الزمر: 53).
ولا شك أن هذا من صور التكريم الإلهي للإنسان،
ولك أن تتخيل لو أن الإنسان أُخذ بذنوبه ولم يفتح له باب للتوبة والمغفرة كيف يكون
الحال في الدنيا والآخرة؟!!.
سابعا: تكريم الإنسان بحفظ كرامته بعد الموت
يحظى الإنسان بالاحترام والتكريم في الإسلام
حتى بعد وفاته فغسله، وتكفينه، والصلاة عليه،
ودفنه بكرامة، كلها مظاهر لتكريمه بعد موته.
وكما حرم الإسلام الاعتداء على الإنسان
حيا فقد حرم الاعتداء عليه بعد وفاته، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"كسر عظم
الميت ككسره حيًا" (رواه أبو داود).
إن تكريم الإنسان في الإسلام لم يكن مجرد
شعارات أو نظريات، بل هو نظام شامل يظهر في التشريع، والأخلاق، والمعاملة، ويؤكد على
قدسية الحياة وحرية الإرادة وكرامة الإنسان، ولهذا فإن الإسلام يمثل أعظم رسالة في
الدفاع عن الكرامة الإنسانية.
العنصر الثالث: مظاهر تكريم الله للإنسان
فمن مظاهر تكريم الله لابن آدم أن خلقه
الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ
إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ*فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر: 71- 72]، فأوجد ابن آدم من العدم: (إِنَّ مَثَلَ
عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ) [آل عمران: 59]، (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ
يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا*إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ
فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: 1- 2].
ومن مظاهر تكريم الله لابن آدم: أنه خلقه
في أكمل صورة وأحسن تقويم: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)
[التين: 4]، قال الحافظ بن كثير رحمه الله: "في أحسن شكل وصورة، معتدل القامة
كامل المفاصل".
ومن مظاهر تكريم الله لابن آدم: أن أمده
بالعقل والسمع والبصر وسائر الحواس قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ
أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 78]، وقال: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَانًا
وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: 8- 10]، وقال: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ
مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ*الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ*فِي أَيِّ
صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار: 6- 8].
ومن مظاهر تكريم الله لابن آدم: أن أمر
الملائكة بالسجود لأبينا آدم تكريمًا له وإعلامًا بفضله وذريته: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ
اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ)
[البقرة: 34].
ومن مظاهر تكريم الله لابن آدم: أنه خلقه
على الفطرة السليمة لديه الفطرة السليمة التي تؤدي إلى عبادة الله وإخلاص الدين له،
وهي الفطرة التي خلقه عليها: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لا يَعْلَمُونَ) [الروم: 30]، فعنده الاستعداد للحق، ففطر الله ابن آدم على توحيده
وإخلاص دينه إلا من شذ وعرض له عارض حال بينه وبين ذلك، ففي الحديث يقول صلى الله عليه
وسلم: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ
أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ"، ويقول صلى الله عليه وسلم قال الله:
"خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فجاءتهم الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ فطرتهم،
وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بي
مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا".
ومن مظاهر تكريم الله لابن آدم أن استخلفه
في الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)
[البقرة: 30]، ليقوم بدور هذه الخلافة وأنشأه في الأرض واستعمره فيها ليؤدي ذلك بالإيمان
بالله وتوحيده وشكره والثناء عليه ليؤدي خشية الله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [فاطر: 28].
ومن مظاهر تكريم الله لابن آدم: أن سخر
له الكون كله سخر له الأرض وما فيها من الخيرات: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا
مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك: 15]، سخر البحر وما فيها من الخيرات
والنعم العظيمة، سخر كل الكائنات لابن آدم ليحقق ما ينفعه ويدفع ما يضره، وليحمل رسالة
الإيمان، وليعمر الأرض بطاعة ربه.
ومن مظاهر تكريم الله له: أنه أرسل الرسل
مبشرين ومنذرين ليحيوا الفطرة التي فطر العبد عليها، ويقيموا حجة الله على العباد،
ويرشدوهم إلى دين الله، ويحذرونهم من معاصي الله: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165].
ومن مظاهر تكريم الله لابن آدم: أنه خاطبهم
جميعًا تكريما لهم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 21].
ومن مظاهر تكريم الله لابن آدم: أنه تفضل
على المؤمنين من بني آدم بأن شرفهم بقبول شرع الله، والقيام بما فرض الله عليهم، فالمؤمنون
شرحت صدروهم للخير فأدوا الفرائض الإسلام وواجبات الدين، وترفعوا عن الدنايا والرذائل.
ومن تكريم الله له أن جعل جزاء الأعمال
مضاعفة: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ
فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [الأنعام: 160]،
ومن تكريم الله لابن آدم أن فتح له باب
التوبة والإنابة إليه، ليتوب من خطاياه وسيئاته فهو (يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222]، (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ
وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [الشورى: 25].
أيُّها المسلم: هذه الكرامات لابن آدم لهذا
الإنسان المكرم المقدر الذي منحه الله خصائص لم يعطها أيا من مخلوقاته سوى لابن آدم،
هذه الخصائص لهذا الإنسان أحيطت بأحكام شرعية فمن اختصه به الإنسان أن الله حرره من
عبودية غيره فأمره بعبادته وحده لا شريك له، إذ تشعب المعبودات دليل على الضياع: (ضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ
هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)
[النحل: 29]، فحرره من الشرك وأمره بعبادته، وأنه ليس بينه وبين خلقه وسائط ولا شفعاء
كما يقولوه الوثنيون والرهبانيون وأمثالهم، وإنما على المسلم أن يرفع يديه لربه السميع
القريب: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي
إِذَا دَعَانِي) [البقرة: 186]، (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)
[غافر: 60]، فلا واسط بيننا وبين ربنا، لا واسط ولا شفعاء؛ لكن نفضي إليه أمرنا ونرجوه
وندعوه بأي لحظة وساعة شئنا فهو الحي الذي لا ينام والقريب المجيب، يسمع كلامنا، ويرى
مكاننا، ويعلم سرنا وعلانيتنا، ولا يخفى عليه شيء من أمرنا: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29].
حرر الإنسان من عبودية غير الله، فالأصل
حرية الإنسان من العبودية والرق للمخلوق؛ لأن الأصل أن الله خلق أبانا آدم وذريته أحرارًا،
والرق جاء عارض لسبب ، وأسباب التخلص منه كثيرة فلله الفضل والمنة.
ومن حق الإنسان في الشريعة الإسلامية أن
الله جلَّ وعلا لم يحمله وزر غيره ممن خص به الإنسان أنه لم يحمل أوزار غيره إذا لم
يكن له سبب فيها: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164]، وكل مسئول
عن خطيئته وذنبه فلا يحمل أحد وزر الآخر: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) [طه: 112]، لا زيادة في سيئاته ولا نقص
من حسناته.
الدُّعَاءِ
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأَصْلِحْ
ذَاتَ بَيْنِنَا وَحَبِّبْنَا فَى بَعْضِنَا وَانْزِعْ الشَّحْنَاءَ وَالْبَغْضَاءَ
مِنْ قُلُوبِنَا وَانْشُرْ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ فَى بِلَادِنَا وَسَائِرِ بِلَادِ
الْمُسْلِمِينَ وَارْفَعْ الْبَلَاءَ وَالْغَلَاءَ عَنَّا اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا
الْمُسْتَضْعَفِينَ فَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِوَالِدَيْنَا
كَمَا رَبَّيَانَا صِغَارًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمَا وَارْحَمْهُمَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ
اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ مَشَايِخَنَا وَعُلَمَائِنَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ
لَهُ فَضْلٌ عَلَيْنَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ
وَأَقُمْ الصَّلَاةُ