recent
أخبار عاجلة

خُطْبَةُ الجمعة وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ إعداد محمد أبو المعارف

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ


الحمد لله الذي كرَّم الإنسان فسوَّاه، وفضَّله فهداه، وأعطاه العقلَ فنوَّر به طريقَه، وأعطاه السمعَ والبصرَ فميَّز بهما حقَّه من باطلِه، وأعطاه البيانَ فأصبح به قادرًا على أن يُعبِّر عمَّا في قلبه، أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلاله وكماله، وأشكره على نعمه التي لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كرَّم بني آدم، ورفع شأن الإنسان، وجعل العدل أساسًا، والرحمة إحسانًا، والتقوى ميزانًا، ونهى عن الظلم والعدوان، والسخرية والامتهان.

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، أرحم الناس بالناس، وأعرف الناس بقدر الإنسان، وأحسن الناس جبرًا للقلوب والخواطر، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أمَّا بعدُ، فيا عِبادَ الله، أُوصِيكُم ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَإِنَّ التَّقْوَى زَادُ السَّائِرِينَ، وَنُورُ الْحَائِرِينَ، وَعُدَّةُ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَجَاةُ الْعَبْدِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

أيها المؤمنون:

حديثنا اليوم عن الإنسان؛ ذلك المخلوق الذي كرَّمه خالقُه قبل أن يعرفه الناس، ورفع قدرَه قبل أن يرفع الناس قدرَه، وأعطاه من النعم ما يجعله يعرف فضلَ ربِّه عليه.

حديثنا عن كرامة الإنسان، وعن خطورة أن يتحول الإنسان في أعين أخيه إلى رقم، أو إلى مظهر، أو إلى مال، أو إلى منصب، أو إلى نسب.

حديثنا عن إنسانٍ قد يكون قليلًا في أعين الناس، لكنه كبيرٌ عند الله.

وعن إنسانٍ قد يمر في الدنيا لا يلتفت إليه أحد، بينما هو عند الله معروفٌ مذكور.

وعن إنسانٍ قد يراه الناس كاسدًا، بينما يكون عند الله غاليًا.

يقول ربنا سبحانه:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

تأملوا يا عباد الله:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا﴾.

هذا إعلانٌ من رب العالمين.

لم يقل: كرَّمنا الأغنياء.

لم يقل: كرَّمنا أصحاب المناصب.

لم يقل: كرَّمنا أصحاب الوجوه الجميلة.

لم يقل: كرَّمنا أصحاب الأنساب.

وإنما قال:"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ".

كرامةٌ أصلها من الله، وليست من الناس.

كرَّمه بالعقل، وكرَّمه بالبيان، وكرَّمه بالسمع والبصر، وكرَّمه بالقدرة على التعلم والإدراك، وسخَّر له من أسباب الحياة ما ينتفع به، وحمله في البر والبحر، ورزقه من الطيبات.

وقد قيل:

خَلَقَ الإِلَهُ المَرْءَ أَعْظَمَ خَلْقِهِ

وَحَبَاهُ عَقْلًا فِي الأَنَامِ مُنِيرَا

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا﴾ حِينَمَا جَاءَتْ بِهَا

آيُ الكِتَابِ مُبَشِّرًا وَنَذِيرَا

أَعْطَتْ لِلإِنْسَانِ أَعْظَمَ رِفْعَةٍ

وَأَتَمَّتِ التَّكْرِيمَ وَالتَّقْدِيرَا

يا عباد الله:

إذا كان الله قد كرَّم الإنسان، فكيف يُهينه الإنسان؟

إذا كان الله قد رفع قدره، فكيف يكسره أخوه؟

إذا كان الله قد صان كرامته، فكيف يجعلها إنسانٌ لعبةً في لسانه؟

وهنا تبدأ القضية.

الكرامة ليست كلمة تُقال، وإنما أخلاق تُمارَس.

تظهر في بيتك مع زوجتك وأولادك.

وتظهر مع العامل الذي يعمل عندك.

وتظهر مع الفقير الذي يقف أمام بابك.

وتظهر مع الموظف الذي يختلف معك.

وتظهر مع الإنسان الذي لا تحتاج إليه.

بل إن الحقيقة تظهر أكثر ما تظهر عندما تتعامل مع إنسانٍ لا تستطيع أن تستفيد منه شيئًا.

هناك تعرف أخلاقك.

وهناك تعرف هل أنت تكرم الإنسان لأن الله كرَّمه، أم لأن لك مصلحة عنده.

عباد الله:

قد يظن الإنسان أن قيمة الناس فيما يملكون.

وهذا من أخطر الأخطاء.

فالله سبحانه وتعالى يقول:"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"(الحجرات: 13).

فالتكريم أصلٌ عام، لكن التفاضل عند الله بالتقوى.

ليس أغنى الناس أكرمهم.

ولا أشهر الناس أفضلهم.

ولا أعلى الناس منصبًا أعلاهم عند الله.

ولا أجمل الناس أرفعهم مقامًا.

وإنما:

"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ".

ولهذا نهى الله عن السخرية، لأنها في ظاهرها كلمة، وفي باطنها احتقار.

قال سبحانه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ"(الحجرات: 11).

لماذا قال:"عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ"؟

لأنك لا تعرف الناس على حقيقتهم.

أنت ترى ظاهرهم، والله يعلم سرائرهم.

أنت ترى لحظةً من حياتهم، والله يعلم حياتهم كلها.

أنت ترى الثوب، والله يرى القلب.

أنت ترى المال، والله يرى العمل.

أنت ترى المكانة، والله يرى التقوى.

ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ"(مسلم).

يا عباد الله:

وهنا تأتينا قصةٌ من أجمل القصص التي تكشف الفرق بين ميزان الناس وميزان الله.

قصة الصحابي الجليل زاهر بن حرام رضي الله عنه.

كان زاهر من أهل البادية، وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم من هدايا البادية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، ويقول:

«إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ».

وكان زاهر رجلًا دميم الخِلقة، لا يلفت الأنظار بمظهره، ولا يملك من أسباب الدنيا ما يجعل الناس يتسابقون إليه.

وفي يومٍ جاءه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه في السوق.

فجاءه من خلفه، واحتضنه، ولم يعرف زاهر من الذي أمسك به، فقال:

من هذا؟ أرسلني!

فلما التفت فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

فماذا حدث؟

لم يقل زاهر: أنا في السوق، والناس تنظر، اتركني.

بل لما عرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألصق ظهره بصدر النبي، وأحب أن تطول اللحظة.

وهنا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدخل السرور على قلبه، وأن يداعبه، وأن يرفع قدره أمام الناس، فقال:

«مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟»

فقال زاهر رضي الله عنه:

«إِذًا وَاللهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا».

كأنه يقول: يا رسول الله، ومن الذي سيشتري رجلًا مثلي؟ ومن الذي يرغب فيَّ؟

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

«لَكِنْ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ».

وفي رواية:

«بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللهِ غَالٍ».

الله أكبر!

هنا انتقل النبي صلى الله عليه وسلم بزاهر من سوق الناس إلى سوق الآخرة.

زاهر يقول: كاسد.

والنبي يقول له: لست بكاسد عند الله.

وهذه ليست قصة زاهر وحده.

هذه رسالة لكل إنسان ظن أن قيمته فيما يراه الناس.

يا من تحزن لأن الناس لم يقدروك، تذكر: قيمتك الحقيقية ليست في تصفيق الناس.

ويا من انكسر لأن الناس لم يلتفتوا إليه، تذكر: يكفيك أن يراك الله.

ويا من يظن أن الفقر أسقط قدره، تذكر: الفقر لا يسقط الكرامة.

ويا من يظن أن الوظيفة الصغيرة جعلته صغيرًا، تذكر: صِغَرُ المهنة لا يعني صِغَرَ صاحبها.

فقد يكون الإنسان في الدنيا مجهولًا، وعند الله معلومًا.

وقد يكون في الدنيا فقيرًا، وعند الله غنيًّا.

وقد يكون في الدنيا ضعيفًا، وعند الله قويًّا.

وقد يكون في الدنيا كاسدًا، وعند الله غاليًا.

ومن هنا نفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» رواه مسلم.

فإذا كان احتقار المسلم شرًّا، فكيف بمن يجعل احتقار الناس عادة؟

كيف بمن يضحك على شكل إنسان؟

أو يسخر من فقره؟

أو يعيّره بعمله؟

أو يهينه أمام الناس؟

أو يستخدم حاجته ليكسر نفسه؟

عباد الله:

إن الإسلام لا يربي الإنسان على مجرد ألا يظلم، وإنما يربيه أيضًا على أن يجبر.

لا يكفي ألا تكسر قلبًا؛ بل حاول أن تجبره.

لا يكفي ألا تهين فقيرًا؛ بل أكرمه.

لا يكفي ألا تسخر من ضعيف؛ بل أعنه.

لا يكفي ألا تجرح إنسانًا؛ بل كن سببًا في طمأنينته.

وهنا نفهم لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني بأناس ربما لم تكن لهم تلك المكانة في أعين المجتمع.

ومن هنا ننتقل إلى قصة أخرى، لكنها ليست تكرارًا لقصة زاهر؛ لأن زاهر يعلمنا كيف نرى الإنسان، أما جليبيب فيعلمنا كيف نُعطي الإنسان مكانته ونفتح له بابًا كان الناس قد أغلقوه في وجهه.

إنه الصحابي الجليل جُليبيب رضي الله عنه.

كان جليبيب رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن صاحب مالٍ ولا جاه، ولم يكن من أصحاب الوجاهة التي تجعل الناس يتسابقون إلى مصاهرته.

وكان بعض الناس ينظرون إليه من خلال صورته الاجتماعية، لا من خلال إيمانه.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينظر بعين الناس.

النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى الإنسان الذي وراء الصورة.

فذهب وخطب له امرأة من الأنصار.

وكانت أمها في البداية لا تريد تزويجه، فلما علمت الفتاة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي اختار لها هذا الزواج، قالت:

«أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ أَمْرَهُ؟ ادْفَعُونِي إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَنِي».

تأملوا هذه الكلمة:

«فَإِنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَنِي».

لأنها عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى الإنسان بعين الدنيا، وإنما بعين الحق.

وهنا معنى آخر:

قد يُغلق الناس بابًا في وجهك لأنهم لا يرون فيك قيمة، ويفتح الله لك بابًا لأن الله يعلم ما فيك من خير.

فلا تجعل حكم الناس على نفسك هو حكمك على نفسك.

ولا تجعل نظرة الناس إليك هي مرآتك الوحيدة.

إذا كان الناس لا يرون فيك إلا عيبًا، فاسأل نفسك: ماذا يرى الله فيك؟

وإذا كانوا لا يعرفون لك فضلًا، فاجعل لك فضلًا لا يحتاج إلى شهادة الناس.

وإذا لم يرفعوك، فارفع نفسك بالطاعة.

وإذا لم يقدروك، فلا تطلب الكرامة منهم، بل اطلبها من ربهم.

ثم جاءت النهاية التي كشفت الحقيقة كلها.

خرج جليبيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة.

وبعد انتهاء القتال، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:

«هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟»

فذكروا أسماء.

ثم سأل مرة أخرى.

ثم قال:

«لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا».

فبحثوا عنه، فوجدوه قد قتل سبعة من المشركين ثم قتلوه.

فوقف النبي صلى الله عليه وسلم عنده، وقال:

«قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ».

ثم حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه، ولم يكن له سرير إلا ساعدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وُضع في قبره. وهذا ثابت في صحيح مسلم.

الله أكبر!

الرجل الذي ربما لم يكن في مقدمة حسابات الناس، كان في مقدمة اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرجل الذي ربما لم يكن له مكان كبير في أعين الناس، كان له مكان كبير في قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

وهنا تتغير الصورة:

زاهر قال: كاسد.

فقال له النبي:

«لَكِنْ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ».

وجُليبيب لم يكن صاحب جاه، فإذا بالنبي يقول عنه:

«هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ».

فما الذي بين القصتين؟

إنه الميزان.

ميزان الناس قد يزن بالمال.

وبالمنصب.

وبالنسب.

وبالجمال.

وبالشهرة.

أما ميزان الله فيزن بالإيمان والتقوى والعمل.

ولهذا قال سبحانه:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

عباد الله:

وهذا لا يعني أن الإسلام يلغي المال أو المنصب أو المكانة، ولا يعني أن الغني مذموم لأنه غني، ولا أن صاحب المنصب مذموم لأنه صاحب منصب.

ولكن الإسلام يرفض أن يتحول المال إلى معيار للإنسان، أو أن يتحول المنصب إلى مقياس للكرامة.

فقد يعطي الله الإنسان مالًا كثيرًا، ثم يكون امتحانه: هل يشكر أم يتكبر؟

وقد يعطيه منصبًا، ثم يكون امتحانه: هل يعدل أم يظلم؟

وقد يعطيه علمًا، ثم يكون امتحانه: هل يتواضع أم يتعالى؟

وقد يعطيه جمالًا، ثم يكون امتحانه: هل يشكر أم يحتقر غيره؟

ولهذا يقول الله سبحانه:

﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ۝ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ۝ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 33-35].

فليس كل ما يلمع ذهبًا.

وليس كل من ارتفع في الدنيا ارتفع عند الله.

وليس كل من قلَّ ماله قلَّ قدره.

وليس كل من قلَّ ذكره قلَّ شأنه.

إنما العبرة بما عند الله.

ولهذا، يا عباد الله:

لا تُهِن من كرَّمه الله.

إذا رأيت فقيرًا، فأكرمه.

إذا رأيت ضعيفًا، فارحمه.

إذا رأيت عاملًا، فاحفظ كرامته.

إذا رأيت محتاجًا، فلا تجعل حاجته سببًا لإذلاله.

إذا رأيت إنسانًا أخطأ، فأنكر الخطأ دون أن تهدم كرامة الإنسان.

وإذا أعطاك الله قوة، فكن بها عونًا لا سيفًا.

وإذا أعطاك الله مالًا، فكن به جابرًا لا قاهرًا.

وإذا أعطاك الله منصبًا، فكن به عادلًا لا متكبرًا.

فالخلق الحقيقي أن تُكرم الإنسان لأن الله كرَّمه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

---

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي كرَّم بني آدم، وجعل التقوى ميزان التفاضل، والعدل أساس التعامل، والرحمة سبيل التواصل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمَّا بعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:

فهذا موجزُ خطبتِنا، وخلاصةُ رسالتِنا، ومرادُ حديثِنا:

اللهُ كرَّم الإنسان، فلا تُهِن إنسانًا كرَّمه الله.

والناسُ قد يحكمون بالمظهر، أما الله فيحكم بالسريرة.

والناسُ قد يزنون بالمال، أما الله فيزن بالتقوى والعمل.

والناسُ قد يرون الإنسان كاسدًا، بينما يكون عند الله غاليًا.

وهذه هي رسالة زاهر.

وهذه هي رسالة جُليبيب.

وهذه هي رسالة الآية:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.

فيا عبد الله:

لا تجعل لسانك سوطًا على عباد الله.

لا تجعل مالك وسيلة لإذلال الفقير.

لا تجعل منصبك بابًا لكسر الضعيف.

لا تجعل جمالك سببًا لاحتقار غيرك.

لا تجعل علمك سببًا للتعالي.

ولا تجعل اختلافك مع إنسان سببًا لإسقاط كرامته.

قد تختلف معه، ولا تظلمه.

قد ترد عليه، ولا تهينه.

قد تنكر خطأه، ولا تكسر قلبه.

قد تختلف معه في الرأي، وتبقى محافظًا على الأدب والعدل.

وهنا يظهر جمال الإسلام:

إنه لا يطلب منك أن توافق كل الناس، لكنه يطلب منك أن تعدل مع الناس.

ولا يطلب منك أن تحب كل الناس، لكنه يطلب منك ألا تظلم الناس.

ولا يطلب منك أن تقبل الخطأ، لكنه يطلب منك ألا تتحول وأنت تنكر الخطأ إلى ظالم.

عباد الله:

اجعلوا بيوتكم أول مكان تظهر فيه كرامة الإنسان.

لا تُهينوا أبناءكم أمام الناس.

لا تكسروا قلوب زوجاتكم بالكلمات.

لا تجعلوا الفقر عيبًا.

لا تجعلوا العمل البسيط عارًا.

لا تجعلوا اختلاف المستوى الاجتماعي سببًا للتكبر.

فكم من طفلٍ كُسرت ثقته بنفسه بسبب كلمة من أبيه.

وكم من زوجةٍ نامت وهي تحمل في قلبها كلمةً جارحة.

وكم من عاملٍ رجع إلى بيته وهو يحمل إهانةً لم يكن يستحقها.

وكم من فقيرٍ دخل بابًا محتاجًا، فخرج منه وهو يتمنى لو لم يطلب.

وهنا يأتي الدين ليقول لك:

أعطه حاجته، واحفظ كرامته.

ساعده، ولا تفضحه.

أكرمه، ولا تمنَّ عليه.

اجبره، ولا تكسر قلبه.

فهذا هو معنى التكريم حين يتحول من آية تُتلى إلى أخلاق تُرى.

عباد الله:

تذكروا دائمًا زاهرًا.

حين قال:

«إِذًا وَاللهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا».

لم يقل له النبي: أنت أجمل الناس.

ولم يقل له: أنت أغناهم.

ولم يقل له: أنت صاحب منصب.

وإنما قال:

«لَكِنْ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ».

وتذكروا جُليبيبًا.

ذلك الرجل الذي لم تكن الدنيا قد أعطته ما أعطت غيره.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه:

«هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ».

فلا تبحث عن قيمتك في عيون الناس وحدها.

ابحث عن قيمتك في علاقتك بالله.

ولا تقيس الناس بما ترى من ظاهرهم.

فلعل صاحب الثوب البسيط قلبه عند الله أعظم من صاحب الثوب الفاخر.

ولعل العامل الذي يخرج من بيته قبل طلوع الشمس ليطعم أولاده، أعظم عند الله من إنسانٍ لا يعرف إلا الراحة.

ولعل امرأةً لا يعرفها أحد، تقوم في الليل وتصلي وتدعو، تكون عند الله أعظم من امرأةٍ ملأت الدنيا شهرة.

ولعل رجلًا لا يملك إلا القليل، ولكنه يعطي منه، يكون عند الله أحب من رجلٍ يملك الكثير ولا يعطي منه شيئًا.

فالمعيار عند الله ليس كم تملك، وإنما ماذا فعلت بما تملك.

ليس كم يعرفك الناس، وإنما كيف يعرفك الله.

ليس كم يمدحك الناس، وإنما ماذا كتب الله لك.

ليس كم ارتفع اسمك في الأرض، وإنما كيف ارتفع عملك إلى السماء.

عباد الله:

اجعلوا لأنفسكم عهدًا من اليوم:

لا نسخر من إنسان.

لا نحتقر فقيرًا.

لا نُهين عاملًا.

لا نُعيِّر إنسانًا بنسبه أو لونه أو مهنته.

لا نستعمل حاجة إنسان لإذلاله.

لا نكسر قلبًا نستطيع أن نجبره.

وإذا رأيت إنسانًا منكسرًا، فتذكر:

ربما أرسلك الله إليه لتكون سببًا في جبره.

وإذا رأيت محتاجًا، فتذكر:

ربما جعل الله حاجته عندك اختبارًا لرحمتك.

وإذا رأيت ضعيفًا، فتذكر:

ربما كان ضعفه عند الناس، وقوته عند الله.

وإذا رأيت إنسانًا لا يلتفت إليه أحد، فتذكر زاهرًا:

«لَكِنْ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ».

وتذكر جُليبيبًا:

«هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ».

ثم تذكر الآية التي تجمع كل ذلك:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

اللهم اجعلنا من أهل التقوى.

اللهم طهِّر قلوبنا من الكبر، وألسنتنا من السخرية، وأيدينا من الظلم، ونفوسنا من احتقار عبادك.

اللهم ارزقنا قلوبًا رحيمة، وألسنةً طيبة، وأيديَ ممتدةً بالخير، ونفوسًا تحب الخير لعبادك.

اللهم اجعلنا ممن يجبرون ولا يكسرون، ويصلحون ولا يفسدون، ويرحمون ولا يقسون، ويعطون ولا يمنُّون.

اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.

اللهم أكرم فقرائنا، واشف مرضانا، وارحم موتانا، وفك كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، وأطعم جائعنا، واكس عارينا، وأغن فقيرنا.

اللهم أصلح بيوتنا وأبناءنا وأحوالنا.

اللهم احفظ مصر وأهلها، وأدم عليها الأمن والأمان والاستقرار، ووفق ولاة أمورنا لما فيه الخير للبلاد والعباد.

اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا، وسائر بلاد المسلمين.

عباد الله:

إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

فاذكروا الله يذكركم، واشكروه


google-playkhamsatmostaqltradent