البيئة نعمة ربانية ومسئولية إنسانية
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، خَلَقَ
الأَرْضَ وَأَوْدَعَ فِيهَا رِزْقَهَا وَقُوتَهَا، وَجَعَلَ بِيئَتَهَا نَسِيجًا مُحْكَمًا
يَفِيضُ بِالنِّعْمَةِ وَالجَمَالِ،
وَخَلَقَ الإِنْسَانَ وَعَلَّمَهُ البَيَانَ،
وَأَمَرَهُ بِطَيِّبِ الكَلَامِ، وَنَهَاهُ عَنِ الفُحْشِ وَالبُغْيَانِ.
نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ أَنْعَمَ عَلَيْنَا
بِنِعَمٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الإِنْسَانَ مُسْتَخْلَفًا فِي هَذِهِ الأَرْضِ
لِيَعْمُرَهَا لَا لِيُفْسِدَهَا.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حِمَايَةِ الحُقُوقِ،
وَبَثِّ السَّكِينَةِ، وَأَكْمَلَ النَّاسِ خُلُقًا، لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا،
وَلَا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ، بَلْ كَانَ أَطْيَبَ النَّاسِ رِيحًا وَأَزْكَاهُمْ
نَفْسًا. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ،
وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، يَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ،
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ البِيئَةَ الَّتِي نَعِيشُ فِيهَا،
مِنْ هَوَاءٍ نَتَنَفَّسُهُ، وَمَاءٍ نَشْرَبُهُ، وَطُرُقَاتٍ نَسِيرُ عَلَيْهَا، هِيَ
نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ جَسِيمَةٌ.
لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الكَوْنَ فِي غَايَةِ
التَّوَازُنِ وَالتَّدْبِيرِ، قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {إِنَّا كُلَّ
شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].
وَإِنَّ أَيَّ إِخْلَالٍ بِهَذَا التَّوَازُنِ،
أَوْ تَشْوِيهٍ لِجَمَالِ البِيئَةِ، أَوْ تَعَدٍّ عَلَى سَكِينَةِ المُجْتَعِ، هُوَ
تَنَكُّرٌ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَإِفْسَادٌ فِي الأَرْضِ. وَمَا أَجْمَلَ مَا قَالَهُ
الشَّاعِرُ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ الصُّنْعِ الإِلَهِيِّ فِي الكَوْنِ:
لِكُلِّ شَيْءٍ تَرَاهُ العَيْنُ تَقْدِيرُ
... وَفِي الطَّبِيعَةِ آيَاتٌ وتَبْصِيرُ
فَصُنْ نِعَامًا مِنَ الرَّحْمَنِ جَادَ
بِهَا ... فَمَا لِعَيْشٍ بِلا بِيئَةٍ تَعْمِيرُ
وَاحْفَظْ نَقَاءَ هَوَاءٍ كَانَ يُحْيِيَنَا
... فَإِنَّ فِي نَقْصِهِ مَوْتٌ وَتَكْدِيرُ
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ المُحَافَظَةَ
عَلَى البِيئَةِ وَحَقَّ الطَّرِيقِ لَا يَنْفَصِلَانِ؛ فَنَظَافَةُ الشَّوَارِعِ مِنْ
نَظَافَةِ النُّفُوسِ، وَسَكِينَةُ الطُّرُقَاتِ مِنْ وَقَارِ القُلُوبِ.
وَإِنَّنَا إِذَا تَأَمَّلْنَا وَاقِعَنَا
اليَوْمَ، نَجِدُ تَصَرُّفَاتٍ وَسُلُوكِيَّاتٍ غَرِيبَةً يَرْبِطُهَا خَيْطٌ وَاحِدٌ:
وَهُوَ غِيَابُ الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ وَالِاسْتِخْفَافُ بِحُقُوقِ الخَلْقِ فِي
بِيئَتِهِمُ المُشْتَرَكَةِ.
أَلَا فَانْظُرُوا -يَا عِبَادَ اللَّهِ-
كَيْفَ تَبْدَأُ رِحْلَةُ المَرْءِ فِي الشَّارِعِ أَحْيَانًا بِانْتِهَاكِ أَثْمَنِ
مَا يَطْلُبُهُ المَارُّ وَالمَرِيضُ وَالبُيُوتُ الآمِنَةُ؛ أَلَا وَهُوَ "السَّكِينَةُ".
فَنَرَى مَنْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ أَوْ صَوْتَ مِذْيَاعِ سَيَّارَتِهِ وَآلَتِهَا المُزْعِجَةِ
بِطَرِيقَةٍ تُرَوِّعُ الآمِنِينَ وَتُقْلِقُ الضَّجِيعَ. وَلَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى رَفْعَ الصَّوْتِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَشَبَّهَهُ بِأَقْبَحِ الأَصْوَاتِ،
فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ لُقْمَانَ وَهُوَ يَعِظُ ابْنَهُ: {وَاقْصِدْ
فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}
[لقمان: 19].
وَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ هَذِهِ
الآيَةَ الكَرِيمَةَ تَرْبِطُ بَيْنَ الأَدَبِ السُّلُوكِيِّ وَالذَّوْقِ الإِنْسَانِيِّ؛
فَالمُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِالِاعْتِدَالِ.
خَفْضُ الصَّوْتِ يَنْشُرُ المَحَبَّةَ
وَيَعْكِسُ الطُّأْمَنِينَةَ النَّفْسِيَّةَ، بَيْنَمَا رَفْعُ الصَّوْتِ المُزْعِجِ
يُنَفِّرُ القُلُوبَ، وَيُعَدُّ سُلُوكًا غَرِيزِيًّا فَجًّا يَنْتَهِكُ خُصُوصِيَّةَ
الآخَرِينَ.
وَلَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ أَحْرَصَ
النَّاسِ عَلَى هَذَا الأَدَبِ؛ فَفِي الأَثَرِ سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: "لَوْ كُنْتَ
مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَأَوْجَعْتُكَ ضَرْبًا، تَرْفَعُ صَوْتَكَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ
اللَّهِ ﷺ!".
وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي المَسْجِدِ، فَإِنَّ
الشَّارِعَ أَوْلَى بِالسَّكِينَةِ لِلحِفَاظِ عَلَى بِيئَةِ النَّاسِ النَّفْسِيَّةِ،
وَكَانَ الإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَعِيبُ رَفْعَ الصَّوْتِ وَيَقُولُ:
"هُوَ مِنَ الجَفَاءِ وَالجَهْلِ".
وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ مُمْتَدِحًا خَفْضَ
الصَّوْتِ وَالوَقَارِ:
وَخَفْضُ الصَّوْتِ عُنْوَانُ الوَقَارِ
... وَيَرْفَعُ قَدْرَ صَاحِبِهِ المَنَارِ
فَمَا كَانَ الضَّجِيجُ رَفِيقَ حِلْمٍ
... وَمَا نَطَقَ الجَهُولُ سِوَى انْكِسَارِ
أَيُّهَا النَّاسُ، وَمِنْ إِزْعَاجِ الآذَانِ
بِرَفْعِ الصَّوْتِ، نَنْتَقِلُ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ وَطْأَةً عَلَى النُّفُوسِ؛
وَهُوَ تَلَوُّثُ البِيئَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ بِالطُّرُقَاتِ عَبْرَ الأَلْفَاظِ النَّابِيَةِ
وَالخَادِشَةِ لِلْحَيَاءِ، الَّتِي تَتَرَدَّدُ عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِ الشَّبَابِ
وَالفَتَيَاتِ دُونَ تَوْقِيرٍ لِكَبِيرٍ أَوْ حَيَاءٍ مِنْ مَارٍّ. وَالأَعْظَمُ كَرْبًا،
مَا نَسْمَعُهُ مِنْ تَجَرُّؤِ بَعْضِ السُّفَهَاءِ عَلَى سَبِّ الدِّينِ عِنْدَ الخِلَافِ
أَوْ المِزَاحِ، وَهُوَ نَاقِضٌ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ، وَجَرِيمَةٌ تَقْشَعِرُّ
مِنْهَا الأَبْدَانُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَذِّرًا مِنْ خُطُورَةِ الكَلِمَةِ:
{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، وَقَالَ النَّبِيُّ
ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «إِنَّ العَبْدَ
لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي
بِهَا فِي جَهَنَّمَ». وَفِي اللِّسَانِ وَعَثَرَاتِهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
احْفَظْ لِسَانَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ
... لَا يَعَضَّنَّكَ إِنَّهُ ثُعْبَانُ
كَمْ فِي المَقَابِرِ مِنْ قَتِيلِ لِسَانِهِ
... كَانَتْ تَهَابُ لِقَاءَهُ الشُّجْعَانُ
إِنَّ اللِّسَانَ مِغْرَفَةُ القَلْبِ يَا
عِبَادَ اللَّهِ؛ فَالأَلْفَاظُ الخَادِشَةُ دَلِيلُ تَلَوُّثِ البَاطِنِ وَضَيَاعِ
الحَيَاءِ، وَالطَّرِيقُ لَيْسَ مِلْكًا لِفَرْدٍ، بَلْ فِيهِ الطِّفْلُ الَّذِي يَتَعَعَّمُ،
وَالمَرْأَةُ الَّتِي تَسْتَحِي.
وَلَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُمْسِكُ بِلِسَانِهِ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: "هَذَا الَّذِي
أَوْرَدَنِي المَوَارِدَ"، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
"مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إِلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ".
وَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِذَا تَلَوَّثَتِ
الأَلْسُنُ بِالكَلَامِ البَذِيءِ، امْتَدَّ الأَذَى لِلْجَوَارِحِ، فَنَرَى مَظْهَرًا
آخَرَ مِنَ الإِفْسَادِ لِبِيئَةِ المُجْتَمَعِ الأَخْلَاقِيَّةِ، وَهُوَ جُلُوسُ بَعْضِ
الشَّبَابِ فِي الشَّوَارِعِ لِمُعَاكَسَةِ الفَتَيَاتِ وَالنِّسَاءِ وَمُضَايَقَتِهِنَّ
بِالقَوْلِ أَوْ الفِعْلِ، وَجَرْحِ عِفَّتِهِنَّ. وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَذَا الصَّنِيعِ وَوَضَعَ شُرُوطًا
صَارِمَةً، فَفِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عِنْدَمَا قَالَ لِلصَّحَابَةِ:
«إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا
مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا
المَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ»، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «غَضُّ
البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ...».
وَفِي عِفَّةِ البَصَرِ وَحِفْظِ الأَمَانَةِ
فِي الطَّرِيقِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي
... حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي مَأْوَاهَا
مَاءُ العَفَافِ إِذَا تَلَوَّثَ مَرَّةً
... هَامَتْ نُفُوسٌ فِي دُجَى مَسْرَاهَا
أَيُّهَا النَّاسُ، وَيَتَعَاظَمُ هَذَا
الأَذَى حِينَ يَنْقَلِبُ غِلْظَةً وَقَسْوَةً وَجَفَاءً بَدَنِيًّا فِي بِيئَةِ المُعَامَلَةِ؛
فَنَرَى البَعْضَ يُزَاحِمُ النَّاسَ فِي الأَسْوَاقِ وَالمَمَرَّاتِ وَطُرُقَاتِ السَّيْرِ،
يُدَافِعُهُمْ بِمَنْكِبَيْهِ مُتَكَبِّرًا مُتَبَخْتِرًا، وَلَا يُقِيمُ وَزْنًا لِكَبِيرٍ
عَاجِزٍ أَوْ ضَعِيفٍ كَسِيرٍ.
بَلْ كَمْ قَسَتْ قُلُوبٌ حَتَّى رَأَيْنَا
مَنْ يَدْفَعُ فِي طَرِيقِهِ امْرَأَةً ضَعِيفَةً أَوْ شَيْخًا فَانِيًا فَيُسْقِطُهُ
أَرْضًا دُونَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ أَوْ يُحَرِّكَ ذَلِكَ نَدَمَهُ!
وَلِكَيْ نَقِفَ مَوْقِفًا عِلْمِيًّا حَازِمًا
مَعَ هَذَا الجَفَاءِ، اسْمَعُوا -يَا رِعَاكَ اللَّهُ- إِلَى السِّيَاقِ الصَّحِيحِ
لِلْأَثَرِ العَظِيمِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الإِمَامُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ
حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا رَجَعَتْ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرَةُ البَحْرِ مِنَ الحَبَشَةِ،
قَالَ لَهُمْ: «أَلَا تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ؟»،
فَقَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ
بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهابينِهِم، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ
مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ -أَيْ مِنْ شَبَابِ أَهْلِ الحَبَشَةِ- فَجَعَلَ
إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ دَفَعَهَا، فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا،
فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا. فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ التَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ بِأَبْلَغِ
لَفْظٍ وَأَعْمَقِ مَوْعِظَةٍ تَهتَزُّ لَهَا الجِبَالُ: «سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ!
إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتِ
الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي
وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا». قَالَ جَابِرٌ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَقِّبًا وَمُصَدِّقًا لِكَلَامِهَا
رَغْمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى دِينِهِ، رِعَايَةً لِعَدَالَةِ الفِطْرَةِ وَحَقِّ
الضعِيفِ: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ
مِنْ شَدِيدِهِمْ؟!».
يَا لَلَّهِ! أَيُّ كَلِمَةٍ هَذِهِ؟!
"سَتَعْلَمُ يَا غُدَرُ"! لَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ وَالعَجُوزُ غَادِرًا
لِأَنَّهُ غَدَرَ بِشَرَفِ النَّخْوَةِ، وَغَدَرَ بِبِيئَةِ الأَمَانِ الَّتِي يَجِبُ
أَنْ تُظِلَّ الضعَفَاءَ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً»؛
أَيْ كَيْفَ يُطَهِّرُ اللَّهُ تَعَالَى أُمَّةً مِنَ الدَّنَسِ وَالآثَامِ، وَكَيْفَ
يَرْفَعُ قَدْرَهَا وَيُعِزُّ جَانِبَهَا وَهِيَ تَرَى الضعِيفَ يُدْفَعُ وَيُسْقَطُ
بَيْنَهَا دُونَ أَنْ يَنْتَصِرَ لَهُ أَحَدٌ، أَوْ يُؤْخَذَ لَهُ حَقُّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ؟!
إِنَّ الأُمَّةَ الَّتِي لَا تَحْمِي ضُعَفَاءَهَا
فِي طُرُقَاتِهَا وَمَجَالِسِهَا هِيَ أُمَّةٌ مَحْرُومَةٌ مِنَ الطَّهَارَةِ الرَّبَّانِيَّةِ
وَالتَّوْفِيقِ الإِلَهِيِّ.
وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ الشَّاعِرِ فِي عَاقِبَةِ
الظُّلْمِ وَتَجَاوُزِ حُقُوقِ الضُّعَفَاءِ:
لَا تَظْلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا
... فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيكَ بِالنَّدَمِ
تَنَامُ عَيْنُكَ وَالمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ
... يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ
أَيُّهَا النَّاسُ، وَمِنْ أَذِيَّةِ الأَبْدَانِ
بِالمُزَاحَمَةِ وَالدَّفْعِ، امْتَدَّ الأَذَى لِيُفْسِدَ نِعْمَةً مِنْ أَجْمَلِ
النِّعَمِ الرَّبَّانِيَّةِ؛ نِعْمَةَ الهَوَاءِ وَنَقَائِهِ.
إِنَّ الإِسْلَامَ جَاءَ لِيَرْتَقِيَ بِالذَّوْقِ
العَامِّ وَيَحْمِي الأَنْفَاسَ، فَدَعَا إِلَى تَطْهِيرِ الهَوَاءِ وَعَدَمِ تَلْوِيثِهِ
بِالرَّوَائِحِ الكَرِيهَةِ وَالمُخَلَّفَاتِ العَفِنَةِ الَّتِي تَقْلِبُ الشَّارِعَ
إِلَى مَصْدَرٍ لِلأَوْبِئَةِ.
لَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ الحَثِّ عَلَى أَنْ تَكُونَ رَائِحَةُ
المُسْلِمِ طَيِّبَةً زَكِيَّةً فِي مُجْتَمَعِهِ، وَفِي تَجَمُّعَاتِهِ، وَفِي مَسَاجِدِهِ.
وَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، تَأَمَّلُوا
الصَّرَامَةَ العِلْمِيَّةَ وَالتَّرْبَوِيَّةَ فِي هَدْيِ النُّبُوَّةِ؛ حَيْثُ وَضَعَ
الشَّارِعُ حُكْمًا حَاسِمًا يَعْزِلُ بِهِ كُلَّ مَنْ تَصْدُرُ مِنْهُ رَائِحَةٌ غَيْرُ
طَيِّبَةٍ تُؤْذِي المُصَلِّينَ وَالمَلَائِكَةَ، وَلَوْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا صَحِيحًا
مُعَافَى! فَفِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَكَلَ البَصَلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ
فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى
مِنْهُ بَنُو آدَمَ».
"فلا يَقْرَبَنَّ مَسجِدَنا"، أي: مَسجِدَ
المسلمين، وهذا النَّهيُ إنَّما هو عن حُضورِ المسجِدِ لا عن أَكْلِ الثُّومِ والبَّصلِ
ونحوهما، فهذه البُقولُ حَلالٌ، وسببُ النَّهيِ عنِ الدُّنوِّ منَ المسجِدِ
هو تأذِّي الآدميِّين وتأذِّي الملائكةِ
بسَببِ رائحتِها، وعلى هذا فيَشمَلُ النَّهيُ دُخولَ المسجِدِ إنْ كانَ خَالِيًا من
الإنسِ؛ لأنَّه محلُّ الملائكةِ ولعُمومِ الأحاديثِ.
وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ تَعْظِيمِ السَّلَفِ
لِهَذَا الحَقِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَخْطُبُ
فِي النَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَيَقُولُ: "إِنَّكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، تَأْكُلُونَ
شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ: هَذَا البَصَلَ وَالثُّومَ، لَقَدْ
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ
فِي المَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى البَقِيعِ" [رواه مسلم].
يَا عِبَادَ اللَّهِ! إِذَا كَانَ الرَّجُلُ
يُخْرَجُ مِنَ مسْجِدِ وَتَجَمُّعَاتِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ رَائِحَةِ أَكْلٍ حَلَالٍ
كَالثُّومِ رِعَايَةً لِمَشَاعِرِ النَّاسِ وَنَقَاءِ الهَوَاءِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُلَوِّثُ
طُرُقَاتِ المُسْلِمِينَ وَمَسَاجِدَهُمْ بِرَوَائِحِ الدُّخَانِ الخَبِيثِ، أَوْ يَتَعَمَّدُ
تَلْوِيثَ بِيئَةِ الشَّارِعِ بِمُخَلَّفَاتٍ نَتِنَةٍ؟!
إِنَّ المُؤْمِنَ طَاهِرُ البَاطِنِ وَالظَّاهِرِ،
وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكُنْ كَالغَيْثِ إِذَا هَمَى زَكَتِ الرُّبَى
... وَكُنْ كَالمِسْكِ طِيبًا حَيْثُمَا تَرْتَحِلُ
فَمَا المَرْءُ إِلَّا رِيحُهُ وَصَنِيعُهُ
... وَمَا زَانَ عَبْدًا مِثْلَمَا يَفْعَلُ النَّبُلُ
وَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ هَذِهِ
الجَرَاءَةَ البِيئِيَّةَ وَالأَخْلَاقِيَّةَ يَتَرْجِمُهَا البَعْضُ سُلُوكِيًّا وَرَاءَ
عَجَلَةِ القِيَادَةِ؛ فَتَتَحَوَّلُ الشَّوَارِعُ إِلَى سَاحَاتٍ مِنَ الخَوْفِ بِسَبَبِ
السَّيْرِ بِطُرُقَاتٍ سَرِيعَةٍ وَمَتَهَوِّرَةٍ، وَالسُّرْعَةِ الجُنُونِيَّةِ الَّتِي
تُؤَدِّي إِلَى حَوَادِثَ مَأْسَاوِيَّةٍ. وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ فِي وَصْفِ
عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ
هَوْنًا} [الفرقان: 63]، أَيْ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَسِيرِهِ يَقُولُ لِلنَّاسِ كَمَا
فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ».
وَأَنْشَدَ الشَّاعِرُ فِي ذَمِّ العَجَلَةِ:
تَمَشَّ بِرِفْقٍ فَإِنَّ المَوْتَ جَهْرَةً
... مَعَ العَجَلِ المَجْنُونِ فِي السَّيْرِ يَقْرَبُ
وَفِي التَّأَنِّي كُلُّ سِتْرٍ وَصِحَّةٍ
... وَفِي السُّرْعَاتِ كَمْ عَيْنٌ تَسْكُبُ
وَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، وَيَرْتَبِطُ
بِمَشْهَدِ الحَوَادِثِ وَالسُّرْعَةِ تَصَرُّفٌ عَجِيبٌ دَخِيلٌ عَلَى مُرُوءَتِنَا؛
فَعِنْدَمَا يَقَعُ حَادِثُ سَيْرٍ فِي الشَّارِعِ، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَتَسَابَقَ
الشَّبَابُ لِإِغَاثَةِ المَلْهُوفِ، تَجَدُهُمْ يُخْرِجُونَ هَوَاتِفَهُمُ الذَّكِيَّةَ
لِتَصْوِيرِ الأَشْخَاصِ وَالمُصَابِينَ فِي مَوَاقِفَ حَرِجَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَنَشْرِ
الدِّمَاءِ عَلَى مَنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ طَلَبًا لِـ"المُشَاهَدَاتِ" الزَّائِفَةِ.
وَلَقَدْ صَانَ الإِسْلَامُ حُرْمَةَ الخُصُوصِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَجَسَّسُوا}
[الحجرات: 12]، وَقَالَ ﷺ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ:
«يا مَعْشَرَ مَن آمن بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه ، لا تغتابوا المسلمينَ
، ولا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِم ، فإنه مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ ، تَتَبَّعَ
اللهُ عَوْرَتَه ، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه ، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه».
وَمِمَّا أُنْشِدَ فِي قُبْحِ تَتَبُّعِ العَوْرَاتِ:
لَا تَكْشِفَنَّ مُسْلِمًا عَنْ عَوْرَةٍ
... فَتُبْتَلَى بِمِثْلِهَا فِي الأَقْرَبِينْ
وَاصْنَعْ لَهُ سِتْرًا تَنَلْ بِهِ أَجْرَهُ
... فَاللَّهُ يَجْزِي سَاتِرِي المُسْلِمِينْ
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ خِتَامَ هَذِهِ
السِّلْسِلَةِ مِنَ السُلُوكِيَّاتِ المُؤْذِيَةِ يَظْهرُ فِي المَظْهَرِ المَادِّيِّ
لِلشَّارِعِ؛ حَيْثُ نُشَاهِدُ بِكُلِّ أَسَفٍ إِلْقَاءَ المُخَلَّفَاتِ وَالقُمَامَةِ
فِي الطُّرُقَاتِ العَامَّةِ، وَهُوَ تَلَوُّثٌ يُكْمِلُ حَلَقَةَ الأَذَى عَبْرَ زِيَادَةِ
أَقْوَاَتِ الأَمْرَاضِ.
وَلَقَدْ جَعَلَ الإِسْلَامُ نَظَافَةَ
البِيئَةِ وَإِمَاطَةَ الأَذَى مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ، قَالَ ﷺ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ
وَسَبْعُونَ شُعْبَةً... وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي
بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ،
عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: «اعْزِلِ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ المُسْلِمِينَ».
وَحَذَّرَ ﷺ
من إلقاء القاذورات والتّخَلِّي في طرقات الناس وظلهم فَقَالَ: « اتَّقوا اللَّاعِنَينِ
، قالوا: وما اللَّاعنانِ يا رسولَ اللَّهِ ؟ قالَ الَّذي يتخلَّى في طريقِ النَّاسِ
أو ظلِّهِم». وَقَدْ صَاغَ الشُّعَرَاءُ هَذَا الأَدَبَ فَقَالَ أَحَدُهُمْ:
أَزِلِ الأَذَى عَنْ كُلِّ دَرْبٍ مَسْلَكِ
... فَالطُّرْقُ مِلْكٌ لِلْجَمِيعِ وَلَيْسَ لَكْ
كُنْ بَلْسَمًا يَشْفِي النُّفُوسَ بِعَطْفِهِ
... لِيُظِلَّكَ الرَّحْمَنُ فِي عُلْوِ الفَلَكْ
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا
عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَلَا سِيَّمَا النَّبِيِّ المُجْتَبَى، وَعَلَى
آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي الصِّدْقِ وَالوَفَا.
أَمَّا بَعْدُ، يَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ لَمْ
تَتْرُكْ أَمْرَ البِيئَةِ وَالطُّرُقَاتِ لِلوَعْظِ الفَرْدِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ وَضَعَتْ
لَهَا أَحْكَامًا فِقْهِيَّةً صَارِمَةً، وَمِنْ هُنَا نُبَيِّنُ لَكُمْ لَافِتَاتٍ
فِقْهِيَّةً كُبْرَى حَوْلَ إِتْلَافِ البِيئَةِ وَالطُّرُقَاتِ وَمُزَاحَمَةِ الخَلْقِ
وَتَلْوِيثِ أَقْوَاتِهِمْ وَأَجْوَائِهِمْ:
أَمَّا الأُولَى: فَهِيَ قَاعِدَةُ
"لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، وَهِيَ قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ كُبْرَى بُنِيَ
عَلَيْهَا أَحْكَامُ الطَّرِيقِ؛ فَكُلُّ تَصَرُّفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِلْحَاقُ
ضَرَرٍ بِالبِيئَةِ أَوْ بِالمَارَّةِ كَالتَّلَوُّثِ السَّمْعِيِّ، أَوْ تَلْوِيثِ
الهَوَاءِ بِالرَّوَائِحِ الخَبِيثَةِ، أَوْ التَّدَافُعِ وَالمُزَاحَمَةِ المُؤْذِيَةِ،
هُوَ مُحَرَّمٌ شَرْعًا وَمُوجِبٌ لِلإِثْمِ، وَمَنْ تَسَبَّبَ فِي سُقُوطِ امْرِئٍ
أَوْ ضَعِيفٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَزِمَهُ عِوَضُ مَا سَبَّبَهُ مِنْ كَسْرٍ أَوْ جُرْحٍ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَهِيَ حُكْمُ التَّسَبُّبِ
فِي الحَوَادِثِ بِسَبَبِ السُّرْعَةِ؛ حَيْثُ قَرَّرَ الفُقَهَاءُ أَنَّ السَّائِقَ
المَتَهَوِّرَ الَّذِي يَتَجَاوَزُ السُّرْعَةَ المُحَدَّدَةَ، إِذَا تَسَبَّبَ فِي
قَتْلِ أَحَدٍ أَوْ إِصَابَتِهِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ قَاتِلًا شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأً
وَتَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالكَفَّارَةُ.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَهِيَ قَاعِدَةُ
"المُتَسَبِّبُ يَضْمَنُ"، حَيْثُ صَرَّحَ الفُقَهَاءُ بِأَنَّ مَنْ وَضَعَ
فِي طَرِيقِ المُسْلِمِينَ مَا يُؤْذِيهِمْ كَإِلْقَاءِ القُمَامَةِ الزَّلِقَةِ، فَإِنَّ
هَذَا الشَّخْصَ يَضْمَنُ طِبِّيًّا وَمَالِيًّا مَا تَلِفَ.
وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: فَهِيَ حُرْمَةُ
تَصْوِيرِ الأَشْخَاصِ بِغَيْرِ إِذْنٍ؛ إِذْ إِنَّ تَصْوِيرَ الإِنْسَانِ بِغَيْرِ
إِذْنِهِ فِي الأَمَاكِنِ العَامَّةِ بِنِيَّةِ الفَضِيحَةِ أَوْ السُّخْرِيَةِ هُوَ
اعْتِدَاءٌ مُحَرَّمٌ شَرْعًا، وَيَحِقُّ لِوَلِيِّ الأَمْرِ مُعَاقَبَةُ فَاعِلِهِ
بِعُقُوبَاتٍ تَعْزِيرِيَّةٍ زَاجِرَةٍ.
أَيُّهَا النَّاسُ، تَأَمَّلُوا كَيْفَ
يَتَرَابَطُ فِقْهُ الشَّرِيعَةِ مَعَ أَدَبِهَا؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ
ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ
لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215].
خَفْضُ الجَنَاحِ هُوَ التَّوَاضُعُ، وَاللِّينُ،
وَالرِّفْقُ. وَمِنْ خَفْضِ الجَنَاحِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الطُّرُقَاتِ وَالمَسَاجِدِ:
أَلَا تُؤْذِيَهُمْ بِصَوْتِكَ المُزْعِجِ، وَأَلَا تُؤْذِيَ أَسْمَاعَهُمْ بِلِسَانٍ
بَذِيءٍ، وَأَلَا تُؤْذِيَ آنَافَهُمْ بِرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ تُذْهِبُ خُشُوعَهُمْ،
وَأَلَا تُرَوِّعَهُمْ بِسُرْعَتِكَ وَمُزَاحَمَتِكَ الخَشِنَةِ الَّتِي تُسْقِطُ الضُّعَفَاءَ،
وَأَلَا تَنْتَهِكُ حُرُمَاتِهِمْ بِكَامِيرَا هَاتِفٍ، وَأَلَا تُؤْذِيَ أَقْدَامَهُمْ
بِقُمَامَتِكَ. وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلأَنَامِ سَكِينَةً
... فَالرِّفْقُ مَا كَانَ بِشَيْءٍ إِلا زَانَهُ
مَنْ كَفَّ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ أَذِيَّةً
... نَالَ الرِّضَا وَتَبَوَّأَ رِضْوَانَهُ
وَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، لِكَيْ نَعْلَمَ
قِيمَةَ الإِيجَابِيَّةِ فِي حِمَايَةِ البِيئَةِ وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ،
اسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ التَّرْبَوِيَّةِ الرَّمْزِيَّةِ الَّتِي سَاقَهَا
عُلَمَاءُ التَّرْبِيَةِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ حَوْلَ "صِنَاعَةِ
السُّلُوكِ الإِيجَابِيِّ":يُحْكَى أَنَّ مَلِكًا مِنْ المُلُوكِ أَرَادَ أَنْ
يَخْتَبِرَ هِمَمَ رَعِيَّتِهِ، وَيَقِيسَ مَدَى إِيجَابِيَّتِهِمْ وَحِرْصِهِمْ عَلَى
نَفْعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَقَامَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ بِوَضْعِ حَجَرٍ كَبِيرٍ
فِي عُرْضِ طَرِيقٍ رَئِيسِيٍّ يَسْلُكُهُ عَامَّةُ النَّاسِ، ثُمَّ أَمَرَ رَئِيسَ
حَرَسِهِ أَنْ يَخْتَبِئَ هُوَ وَجُنُودُهُ قَرِيبًا مِنَ المَكَانِ لِيَنْظُرُوا وَيَرْصُدُوا
أَحْوَالَ النَّاسِ وَكَيْفَ يَتَعَامَلُونَ مَعَ هَذَا الأَذَى.فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ
كِبَارِ التُّجَّارِ، فَلَمَّا رَأَى الحَجَرَ يَسُدُّ الطَّرِيقَ، تَأَفَّفَ وَغَضِبَ
وَقَالَ: "مَا هَذَا العَبَثُ؟! مَنْ وَضَعَ هَذَا هُنَا؟ سَوْفَ أُبَلِّغُ السُّلْطَةَ
لِتُعَاقِبَ الفَاعِلَ!"، ثُمَّ لَمْ يُحَرِّكْ سَاكِنًا، وَتَجَاوَزَ الحَجَرَ
وَمَضَى فِي سَبِيلِهِ دُونَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ بِخَيْرٍ.ثُمَّ مَرَّتْ مَجْمُوعَةٌ
مِنْ بَعْضِ الشَّبَابِ، فَلَمَّا رَأَوُا الحَجَرَ بَدَؤُوا يَسْخَرُونَ وَيَتَهَكَّمُونَ
وَيَقُولُونَ: "هَكَذَا هُوَ حَالُ أُمَّتِنَا! شَوَارِعُنَا مُهْمَلَةٌ، وَلَا
أَحَدَ يَهْتَمُّ!"، وَأَخَذُوا يَضْحَكُونَ ثُمَّ مَرُّوا وَتَرَكُوا الحَجَرَ
كَمَا هُوَ، وَلَمْ يُحَرِّكُوا سَاكِنًا!حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ عَامِلٌ بَسِيطٌ، فَلَمَّا
رَأَى الحَجَرَ الكَبِيرَ وَقَفَ مُتَأَمِّلًا، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ بِلِسَانِ المُؤْمِنِ
الإِيجَابِيِّ: "طَالَمَا أَنَّ هَذَا الحَجَرَ يُؤْذِي النَّاسَ وَيَعُوقُ طَرِيقَهُمْ،
فَلَا يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَهُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ أُنَحِّيَهُ عَنْهُمْ".
فَتَقَدَّمَ نَحْوَ الحَجَرَ وَحَاوَلَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ أَنْ يُزَحْزِحَهُ فَلَمْ
يَسْتَطِعْ لِثِقَلِهِ. عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَيْأَسْ، بَلْ رَفَعَ صَوْتَهُ وَنَادَى
عَلَى أَحَدِ المَارَّةِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ هِمَّةَ العَامِلِ جَاءَ لِمُعَاوَنَتِهِ،
فَاجْتَمَعُوا مَعًا وَتَعَاوَنُوا، وَبِفَضْلِ تَعَاوُنِهِمْ نَحَّوُا الحَجَرَ الكَبِيرَ
عَنِ الطَّرِيقِ وَأَزَالُوا الأَذَى!فَمَا كَانَ مِنَ المَلِكِ -الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ
المَشْهَدَ- إِلَّا أَنْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَ بِتَكْرِيمِ ذَلِكَ العَامِلِ
الإِيجَابِيِّ تِكْرِيمًا عَظِيمًا أَمَامَ النَّاسِ، لِيَكُونَ أُسْوَةً لِغَيْرِهِ
فِي نَشْرِ الإِيجَابِيَّةِ وَرُوحِ المَسْؤُولِيَّةِ.أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذِهِ
القِصَّةَ تَحْمِلُ لَنَا مَوْعِظَةً تَرْبَوِيَّةً بَلِيغَةً؛ فَبَعْضُ النَّاسِ فِي
المُجْتَمَعِ كَذَلِكَ التَّاجِرِ، لَا يَمْلِكُ إِلَّا الشَّكْوَى وَإِلْقَاءِ اللَّوْمِ
عَلَى غَيْرِهِ، وَبَعْضُهُمْ كَأُولَئِكَ الشَّبَابِ، لَا يَمْلِكُ إِلَّا السُّخْرِيَةَ
وَالِاسْتِهْزَاءَ بِالوَاقِعِ. أَمَّا المُؤْمِنُ الصَّادِقُ فَهُوَ كَذَلِكَ العَامِلِ
الإِيجَابِيِّ، لَا يَنْتَظِرُ أَنْ يُصْلِحَ غَيْرُهُ الطَّرِيقَ، بَلْ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ،
وَيَمُدُّ يَدَهُ لِيُزِيلَ الأَذَى لَفْظًا وَفِعْلًا وَبِيئَةً.فَلْنَجْعَلْ مِنْ
شَوَارِعِنَا وَمَسَاجِدِنَا مِرْآةً تَعْكِسُ إِيمَانَنَا، وَلْنَحْذَرْ مَوْقِفًا
بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تُطَالِبُنَا فِيهِ امْرَأَةٌ مَظْلُومَةٌ، أَوْ يُخَاصِمُنَا
فِيهِ ضَعِيفٌ دَفَعْنَاهُ يَوْمًا فِي طَرِيقٍ، فَتَكُونَ الحُجَّةُ عَلَيْنَا يَوْمَ
العَرْضِ الكَبِيرِ.
فَلْنَجْعَلْ مِنْ شَوَارِعِنَا وَمَسَاجِدِنَا
مِرْآةً تَعْكِسُ إِيمَانَنَا، وَلْنَحْذَرْ مَوْقِفًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تُطَالِبُنَا
فِيهِ امْرَأَةٌ مَظْلُومَةٌ، أَوْ يُخَاصِمُنَا فِيهِ ضَعِيفٌ دَفَعْنَاهُ يَوْمًا
فِي طَرِيقٍ، فَتَكُونَ الحُجَّةُ عَلَيْنَا يَوْمَ العَرْضِ الكَبِيرِ.
فاللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ
لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ
عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ،
وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ وَالبَذَاءَةِ وَسَبِّ
الدِّينِ.
اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ
وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَحَبِّبْ إِلَيْنَا الطِّيبَ وَالنَّقَاءَ وَالجَمَالَ.
اللَّهُمَّ اهْدِ شَبَابَنَا وَبَنَاتَنَا،
وَاجْعَلِ الحَيَاءَ زِينَتَهُمْ، وَحِصْنْ أَعْرَاضَنَا، وَاسْتُرْ عَوْرَاتِنَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ
القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَاجْعَلْنَا عُمَّارًا لِلأَرْضِ مُصْلِحِينَ
فِيهَا لَا مُفْسِدِينَ، رَاحِمِينَ لِضُعَفَائِنَا وَمُطَهِّرِينَ لِمَسَاجِدِنَا
وَطُرُقَاتِنَا.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ هَوَاتِفَنَا حُجَّةً
عَلَيْنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ، وَارْزُقْنَا الرِّفْقَ وَتَوَاضُعَ خَفْضِ الجَنَاحِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِيئَتَنَا وَنِعَمَكَ
عَلَيْنَا مِنَ الزَّوَالِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِهَا بِالقَوْلِ وَالعَمَلِ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً
وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ
وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ،
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.