الْمَلَائِكَةُ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ
الحمد لله رب العالمين،
خلق الملائكة عبادًا مكرمين، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وجعل الإيمان
بهم ركنًا من أركان الإيمان.
أحمده سبحانه ونستعينه
ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،
صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فاتقوا
الله عباد الله.
أيها المسلمون:
إن الإيمان بالملائكة
ليس مجرد الإيمان بوجود مخلوقات غيبية، وإنما هو الإيمان بما أخبر الله ورسوله عنهم
من صفاتهم وأعمالهم ووظائفهم.
قال الله تعالى:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ
بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ
وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
والملائكة عباد
الله، خلقهم من نور، كما قال النبي ﷺ:
«خُلقت الملائكة
من نور، وخُلق الجانّ من مارجٍ من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم».
رواه مسلم.
وقد وصفهم ربهم
فقال:
﴿لَا يَعْصُونَ
اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
الملَك والجنين
عباد الله، لو
تتبعنا رحلة الإنسان، لوجدنا أن للملائكة أعمالًا تتعلق به منذ أن يكون جنينًا، ثم
في حياته، ثم عند وفاته.
قال رسول الله
ﷺ:
> «إن أحدكم يُجمع
خَلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغةً
مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملَك، فينفخ فيه الروح، ويُؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله،
وعمله، وشقيٌّ أو سعيد».
رواه البخاري ومسلم.
فيُؤمر الملَك
بكتابة رزق الجنين وأجله وعمله، وشقاوته أو سعادته، قبل أن يخرج إلى الحياة.
فما لك أن تُذنب
من أجل لقمة، ولا أن تحسد أخاك على نعمة؛ فما قُسم لك سيأتيك.
الحَفَظَة
قال الله تعالى:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.
وقد فسر جماعة
من السلف هذه المعقبات بالملائكة، ونقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم ذلك.
فالملائكة من جملة
جند الله الذين يوكلهم بحفظ عباده، ولا يكون شيء من حفظهم إلا بأمر الله وقدره.
الملائكة الكاتبة
والتكليف
قال الله تعالى:
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ
لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقال سبحانه:
﴿مَا يَلْفِظُ
مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
وقال تعالى:
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ
وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾.
فالملائكة تكتب
أعمال الإنسان وأقواله.
والعبد قبل البلوغ
ليس عليه قلم التكليف؛ قال النبي ﷺ:
> «رُفع القلم عن
ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل».
فإذا بلغ الصبي
الحُلُم، دخل في التكليف والمؤاخذة، وصار مخاطبًا بأحكام الشرع، وأصبحت أعماله داخلة
في خطاب التكليف وكتابة الكاتبين.
فيا عبد الله،
لا تظن أن شيئًا يضيع، قال الله تعالى:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ
فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ
هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾.
ملائكة الليل والنهار
قال رسول الله
ﷺ:
> «يتعاقبون فيكم
ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه
الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم
وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون».
رواه البخاري.
فمن أعمالهم: التعاقب
على بني آدم، والاجتماع عند الفجر والعصر، ورفع خبر حال العباد إلى ربهم.
استغفار الملائكة
للمؤمنين
قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ
الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ومن دعائهم:
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ
كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾.
فمن أعمال الملائكة:
الاستغفار للمؤمنين، حاملي العرش ومن حوله من الملائكة.
التأمين مع الإمام
ومن أعظم ما يربطنا
بالملائكة في كل جمعة ونحن في هذا المكان:
أن النبي ﷺ قال:
> «إذا أمّن الإمام
فأمّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفر له ما تقدم من ذنبه».
رواه البخاري ومسلم.
فتأملوا يا عباد
الله!
كلمة «آمين» التي
نقولها بعد قراءة الفاتحة، إذا وافق تأميننا تأمين الملائكة، غُفرت لنا الذنوب.
الصلاة على من
ينتظر الصلاة
قال رسول الله
ﷺ:
«الملائكة تصلي
على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، ما لم يُحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم
ارحمه».
رواه البخاري ومسلم.
فمن جلس بعد صلاته
ينتظر الصلاة، دعت له الملائكة بالمغفرة والرحمة.
التماس مجالس الذكر
قال رسول الله
ﷺ:
«إن لله ملائكةً
يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى
حاجتكم».
ثم ذكر أنهم يحفّونهم
بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، وأن الله يذكرهم فيمن عنده.
وفي الحديث:
> «هم القوم لا يشقى
بهم جليسهم».
رواه البخاري ومسلم.
فمنهم من يلتمس
مجالس الذكر ويحُفُّ أهلها بأجنحته.
⑨ طالب العلم ومعلّم
الناس الخير
قال رسول الله
ﷺ:
> «إن الملائكة لتضع
أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يطلب».
حديث صحيح.
ومن فضائل تعليم
الناس الخير، أن النبي ﷺ قال:
> «إن الله وملائكته
وأهل سماواته وأرضه، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلِّم الناس الخير».
رواه الترمذي.
فمنهم مَن تضع
أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يطلب، ومنهم من يصلي على معلّم الناس الخير.
وقد قال ﷺ:
> «إن الله وملائكته
وأهل سماواته وأرضه... ليصلون على معلّم الناس الخير».
دعاء الملَك لمن
دعا لأخيه
قال رسول الله
ﷺ:
«ما من عبد مسلم
يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملَك: ولك بمثل».
رواه مسلم.
فإذا دعوت لأخيك
المسلم في غيبته، دعا لك الملَك بمثل دعائك.
الصفوف الأُوَل
قال رسول الله
ﷺ:
> «إن الله وملائكته
يصلون على الصفوف الأُوَل».
رواه أبو داود
وأحمد من حديث البراء بن عازب، وحسّنه الألباني.
فاحرصوا -يا عباد
الله- على الصف الأول، وعلى تسوية الصفوف وسدّ خللها.
الملائكة وعيادة
المريض
قال النبي ﷺ:
«ما من مسلم يعود
مسلمًا غدوةً إلا صلى عليه سبعون ألف ملَك حتى يمسي، وإن عاده عشيةً إلا صلى عليه سبعون
ألف ملَك حتى يصبح».
رواه الترمذي وقال:
حديث حسن غريب.
فعيادة المريض
ليست مجرد زيارة اجتماعية، بل من الأعمال التي تترتب عليها صلاة الملائكة على العائد.
الملائكة والإنفاق
قال رسول الله
ﷺ:
> «ما من يوم يصبح
العباد فيه إلا ملَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلَفًا، ويقول الآخر:
اللهم أعطِ ممسكًا تلَفًا».
رواه البخاري ومسلم.
فمنهم من يدعو
للمنفق بالخَلَف، ومنهم من يدعو على الممسك بالتلف.
الملائكة والبيت
قال رسول الله
ﷺ:
> «لا تدخل الملائكة
بيتًا فيه كلب ولا صورة».
رواه البخاري ومسلم.
فليحرص المسلم
على أن يكون بيته بيت إيمان وذكر وطاعة، وأن يتجنب ما ثبت في السنة أنه سبب لمنع دخول
الملائكة.
والمراد هنا الملائكة
الذين ورد النص في شأنهم، وليس كل الملائكة؛ فإن ملائكة الأعمال والكتابة لهم وظائفهم
التي لا تتوقف بذلك.
آية الكرسي والحفظ
ومن أعظم ما ورد
في أذكار النوم أن النبي ﷺ أقرّ قول الشيطان
لأبي هريرة رضي الله عنه:
> «إذا أويتَ إلى
فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختمها، فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا
يقربك شيطان حتى تصبح».
فلما أخبر أبو
هريرة النبي ﷺ قال:
> «صدَقك وهو كذوب».
رواه البخاري.
والدقيق أن نقول:
من قرأ آية الكرسي عند نومه ثبت أن له حافظًا من الله، ولا يقربه شيطان حتى يصبح؛ ولا
نجزم بأن هذا الحديث نفسه سمّى الحافظ مَلَكًا.
عباد الله:
هذه بعض أعمال
الملائكة في حياة الإنسان، ثم يمضي العمر حتى يصل إلى آخر حياته، وهناك أيضًا يكون
للملائكة شأن عظيم عند احتضاره.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ
قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ
أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
فنسأل الله أن
يجعلنا من أهل الإيمان والاستقامة الذين تتنزل عليهم الملائكة عند الموت بالبشارة والأمان.
أقول قولي هذا،
وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم
وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فاتقوا
الله عباد الله.
أيها المسلمون:
إن الإيمان بالملائكة
يربي في القلب مراقبة الله، ويجعل المسلم أكثر حرصًا على الطاعة.
أنت لا تعيش وحدك،
معك ملائكة بأمر الله:
منهم مَن أُمِر
بكتابة رزقك وأجلك وعملك وأنت جنين، ومنهم من يحفظك بأمر الله، ومنهم من يكتب أقوالك
وأعمالك، ومنهم من يتعاقب عليك بالليل والنهار، ومنهم من يستغفر للمؤمنين، ومنهم من
يوافق تأمينُه تأمينَك فيُغفر لك ما تقدم من ذنبك، ومنهم من يصلي على من انتظر الصلاة،
ومنهم من يلتمس مجالس الذكر ويحُفُّ أهلها بأجنحته، ومنهم من تضع أجنحتها لطالب العلم،
ومنهم من يصلي على معلّم الناس الخير كما يصلي عليه الله وأهل السماوات والأرض، ومنهم
من يقول لك «ولك بمثل» إذا دعوت لأخيك، ومنهم من يصلي على الصفوف الأُوَل.
فاحرص أن تكون
حياتك مما تحبه الملائكة:
احرص على الصلاة
في وقتها وفي جماعتها.
وعلى الصفوف الأُوَل.
وأحسِن التأمين
بعد الفاتحة.
واحفظ لسانك.
واطلب العلم وعلّمه.
واقرأ القرآن.
واذكر الله.
وعُد المريض.
وادع لإخوانك بظهر
الغيب.
وأنفق مما رزقك
الله.
واجعل بيتك بيت
إيمان وذكر وطاعة.
واعلموا أن الملائكة
لا تستقل بشيء من ذلك، وإنما هي عباد لله يفعلون ما يؤمرون.
قال الله تعالى:
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ
الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ
بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾.
فلا ندعو الملائكة،
ولا نستغيث بهم، ولا نطلب منهم شيئًا، وإنما نؤمن بهم ونحبهم ونصدق ما جاء عن الله
ورسوله في شأنهم.
الدعاء
اللهم اجعلنا من
أهل الذكر والطاعة الذين تحفهم الملائكة وتستغفر لهم.
اللهم أعنا على
ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم ارزقنا رزقًا
حلالًا طيبًا مباركًا فيه.
اللهم بارك لنا
في أعمارنا وأعمالنا وأهلينا وذرياتنا.
اللهم احفظ بلادنا
الأردن آمنة مستقرة مطمئنة، واحفظ جيشنا العربي الباسل الذي يذود عن حدودها.
اللهم اجعلنا من
أهل القرآن والذكر والصلاة والعلم.
اللهم اشفِ مرضانا
ومرضى المسلمين.
اللهم اغفر للمؤمنين
والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم ثبتنا على
الإيمان والإسلام والسنة حتى نلقاك.
اللهم ارزقنا حسن
الخاتمة، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
اللهم إذا جاء
أجلنا فأنزل علينا ملائكتك بالبشارة والأمان، واجعلنا ممن قلت فيهم:
﴿أَلَّا تَخَافُوا
وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
اللهم صلِّ وسلم
وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.