recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعةأنزلوا الناس منازلهم الشيخ: ياسر عبدالبديع

أنزلوا الناس منازلهم



العنصر الأول: فضل الإحترام والتوقير

العنصر الثانى: أنزلو الناس منازلهم تطبيق عملى بين الصحابة

العنصر الثالث: منزلة العلماء والآباء

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمَلْءَ مَابَيْنَهُمَا وَمُلْءَ مَاشِئْتَ يَارِبُ مِنْ شَئٍّ بَعْدَ أَهْلِ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَاقَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لَامُعْطَى لِمَا مَنَعْتَ وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ

سَبْحَانُكَ اللَّهُمَّ خَيْرَ مُعَلِّمٍ عَلَّمْتَ بِالْقَلَمِ الْقُرُونَ الْأُولَى أَخْرَجْتَ هَذَا الْعَقْلَ مِنْ ظُلُمَاتِهِ وَهَدَيَتَهُ النُّورَ الْمُبِينَ سَبِيلًا وَأَرْسَلْتَ بِالتَّوْرَاةِ مُوسَى مُرْشِدًا وَابْنَ الْبَتُولِ فَعَلَّمَ الْإِنْجِيلَا وَفَجَرَتْ يَنْبُوعَ الْبَيَانِ مُحَمَّدًا فَسَقَى الْحَدِيثَ وَنَاوَلَ التَّنْزِيلَا

وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا وَمُصْطَفَانَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا أُوصِيكُمْ وَنَفْسَى بِتَقْوَى اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحُ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا أُحَدِّثُكُمْ الْيَوْمَ عَنْ مَوْضُوعٍ تَحْتَ عُنْوَانِ

       أنزلوا الناس منازلهم

العنصر الأول:  فضل الإحترام والتوقير

أولى الناس بالاحترام والتوقير من كان حظه من الشرع أوفر، ونصيبه من العمل الصالح أكبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين" وذلكم هو ميزان التقديم والتكريم.

وصاحب خلق ( الاحترام) يُجِلُّ العلم وأهله، ومن احترامك للعالم أن تستشعر مهابته روى البخاري أن حذيفة حدّث حديثا عن الفتن، فأراد التابعون أن يسألوه، قالوا:" فهبنا حذيفة أن نسأله...".

وقد كان هذا شأن الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى قال الله عن نبيه إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ففي مرة أرادوا أن يسألوه عمن قضى نحبه، من المقصود به في قوله تعالى: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه..."، قالوا لأعرابي: سله عمن قضى نحبه من هو؟ يقول الراوي: وكانوا لا يجترئون على مسألته، يوقرونه ويهابونه..." وفي حديث سجود السهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بدل أربع، فظن بعض الصحابة أن الصلاة قصرت، يقول أبو هريرة:" وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه..." وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استحثهم على السؤال فقال: " سلوني  فهابوه أن يسألوه" فأرسل الله جبريل على صورة آدمي ليسأله، ولكي يتعلموا دينهم.

ومن احترام العلماء عدم الخوض معهم في نوادر المسائل، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات، قال الأوزاعي: " الأغلوطات شداد المسائل وصعابها"، وقد ورد في الحديث الصحيح:" لا تعلّموا العلم لتُبَاهوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، ولا لتجترئوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار"، فليحذر الذين يسألون ليجادلوا، أو ليختبروا، لا ليتعلموا. فإن شأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم التوقير والإجلال للعلم وأهله، و " ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحمْ صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه".

وكما وجب الاحترام للعالم، فإن للمتعلم حقه من التوقير والإكرام، يروي أحمد في حديث وفد عبد القيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلهم ضيوفا على الأنصار: "...فلما أن أصبحوا، قالوا: كيف رأيتم كرمة إخوانكم لكم، وضيافتهم إياكم؟. قالوا: خير إخوان: ألانوا فرشنا، وأطابوا مطعمنا، وباتوا وأصبحوا يعلمّوننا كتاب ربنا تبارك وتعالى، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم". وأوضح من ذلك ما جاء في الحديث الحسن: " سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبا بوصية رسول الله. وأفتوهم" فليستوص العلماء بطلابهم خيرا، فإن ذلك يزيد المتعلمين توقيرا وتقديرا لمربيهم ومعلميهم.

وإن من أحوج ما ينبغي التذكير به احترام ذوي سابقة الخير، فقد كان من وصية عمر رضي الله عنه قبل وفاته " أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرا، أن يعرف لهم حقهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا  الذين تبؤوا الدار والإيمان  أن يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم". فتجاوز عن زلة من سبقوك في ميدان الدعوة والجهاد، واحفظ لهم قدرهم ولا تنس لهم فضلهم.

يروي أنس أن جريرا بن عبد الله كان يخدمه مع أنه أكبر منه سناً لأن جريرا هذا لم ينس إكرام الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " لا أجد أحدا من الأنصار إلا أكرمته". ويروي أحمد أن رسول الله صلى عليه وسلم قال في خطبة:"...وإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم". وحين يتربى أبناء الأمة على إكرام ذوي السبق في الخيرات، والأقدمية في خدمة الإسلام، عندئذ يعم الوفاء بين الأجيال.

ومن صور الاحترام المحمودة إكرام الصغير لمن هو أكبر منه سنا، أو أكثر منه فضلا، فإن بن عمر لما عرف جواب سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشجرة التي تشبه المسلم لم يُجب، يقول: " فأردت أن أقول هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، فسكتُّ..." وفي حديث صحيح: " البركة مع أكابركم". والكبير في قومه لا يليق أن يقابل بغير الإكرام جاء في الحديث الحسن: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه".

ومن كرم المؤمن احترامه لمن سبق أن أحسن إليه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينس لبعض المشركين ما كان لهم من دور في الذب عنه وعن دعوته. حتى العرب في جاهليتهم كان من الأخلاق المحمودة لديهم: الوفاء والاحترام لمن أحسن إليهم، فقد روي أن رجلا من المشركين مِثْلَ عروة بن مسعود لما أغلظ له أبو بكر القول في مفاوضات صلح الحديبية، لم يجبه بشيء؛ لما لأبي بكر عليه من جميل سابق لم يكافئه عليه بعد، فلذلك قال: " أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك" وفي حديث صحيح: " من صنع إليكم معروفا فكافئوه". وأدنى ما تكافئ به المحسن إليك أن توقره وتحترمه.

وكل مؤمن حري بالاحترام فلا يُقام من مجلسه ليجلس غيره. وتجب ضيافته. وتشرع مشاورته. ويُشكر على المعروف، وتُؤَدَّى إليه حقوقه غير متعتع، ونقابله بطلاقة الوجه، وندخل السرور إلى قلبه..

والإنسان بطبعه يحب أن يقابل بالاحترام والإكرام، ويطلب من ربه أن يكرمه. جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا و لا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا..."، ألا خابت أمة لا تتبادل خلق الاحترام والتوقير و"حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".

إن من كان في نفسه حقيرا قد لا يقابل الآخرين بالاحترام، والإكرام، والذي يحترم نفسه يُتوقع من مثله أن يحترم الآخرين المستحقين للاحترام. وفي موقف أبي سفيان في جاهليته درس لأصحاب الجاهليات، ولكثير من المسلمين في احترام النفس. إذ أبت عليه نفسه أن يشهد أمام هرقل وأمام الوفد المرافق له من قومه شهادة كاذبة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية بن اسحاق يعلل ذلك فيقول: " فوالله لو قد كذبت ما ردوا عليّ. ولكني كنت امرءا سيدا أتكرم عن الكذب، وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عني ثم يتحدثوا به. فلم أكذبه".

وأحيانا يكون الاحترام الشكلي حتى مع من لا يستحق الاحترام لمصلحة شرعية كما كان من مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهرقل بـ(عظيم الروم)، يقول ابن حجر: " لم يُخله من إكرام لمصلحة التألّف" وكثيرا ما يحتاج المسلمون للتعامل بالاحترام والتوقير لمصلحة وحدة الصف وتوفير الجهود، وتأليف القلوب، وإزالة الدخن، وإغاظة العدو...وبقدر ما يحترم بعضنا بعضا نكون في نظر الناس محترمين.

العنصر الثانى:أنزلو الناس منازلهم تطبيق عملى بين الصحابة

إن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يقرر هذا الهدي النبوي، وأنه لا بد لهذه الأمة أن تنزل الناس منازلهم، وتعرف لكل وحد قدره, قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في مقدمة صحيح مسلم عن عائشة قالت: (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وفوق كل ذي علم عليم)، فقولها: أمرنا هذا أمر، وأثر الأمر الوجوب؛ لأن الآمر هو الله، والناقل لأمره هو الرسول صلى الله عليه وسلم.

قصة إيثار أبي بكر لعلي بن أبي طالب في مجلسه بقرب رسول الله

إن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أمر بإنزال الناس منازلهم قولاً طبقه واقعاً وفعلاً, فقد كان صلى الله عليه وسلم في مجلس التعليم وأبو بكر بجانبه، ودخل علي بن أبي طالب وكان المجلس ممتلئاً بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلم يجد مكاناً يجلس فيه, فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يميناً ويساراً لعله يجد من يجلس علياً ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن له من الفضل ما له رضي الله عنه فقام أبو بكر ليقر عين النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هاهنا يا أبا الحسن ، فأفسح له مكانه؛ ليجلس فيه بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم مقراً لفعل أبي بكر ، قال: (يا أبا بكر لا يعرف لأهلي فضلهم إلا أهل الفضل), فتعلم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه هذا الدرس ووعاه، وعلم أن الرفعة لن تكون إلا في التطبيق للهدي النبوي, ولما طبق أبو بكر هذا الهدي النبوي تطبيقاً تاماً كان أثر الفتوحات العظيمة الجليلة لهذه الأمة في حصيلته رضي الله عنه وأرضاه.

ما حدث بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف من خصومة وموقف النبي منها

جاء في الصحيحين أن خالد بن الوليد حدثت بينه وبين عبد الرحمن بن عوف خصومة، فاشتد خالد بن الوليد على عبد الرحمن بن عوف وعبد الرحمن بن عوف سادس ستة، أو سابع سبعة أسلموا، فهو من السابقين إلى الله جل وعلا وإلى الإسلام, وكان خالد متأخراً في الإسلام، وهو سيف الله المسلول على أعداء الله، رضي الله عنه وأرضاه, وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : (واستلم الراية سيف من سيوف الله فتح الله على يديه) ولذلك قال له ملك الروم: أأنزل الله لك سيفاً من السماء تقاتل به فلا تهزم أبدا؟

هذا خالد بن الوليد الذي قال فيه عمر هو يبكي بعدما نحاه والذي نفسي بيده إن أبا بكر كان أعرف بالرجال مني, لأنه أنزل خالداً من مكانة هو يترقي إليها في عهد عمر ، وأمر أبا عبيدة بن الجراح على المدينة التي فتحها خالد

فـخالد بن الوليد له مكانة عند الله جل وعلا، وعند رسول الله، وعند صحابة رسول الله، لكنه اشتد على عبد الرحمن والفضل كل الفضل لـعبد الرحمن؛ لأنه سبقه في الإسلامه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي) مع أن خالداً صاحب، ومن أجل الأصحاب، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد بذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، فقال: (أصحابي أصحابي، لا تسبوا أصحابي، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)

وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ليبين الفضل لأهل الفضل، ويؤسس أصلاً لهذه الأمة لتعرف أنها لن تمكن ولن تقود ولن تسود إلا بهذا التطبيق النبوي الشريف الظاهر الجلي, فقال لــخالد كيف تفعل ذلك مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه؟

ما حدث بين أبي بكر وعمر من خصومة وموقف النبي منها

إن الفاروق عمر بن الخطاب والذي قال فيه ابن مسعود : لم نعرف العزة إلا بعد إسلام عمر رضي الله عنه وأرضاه، والذي نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا سلك عمر فجاً سلك الشيطان فجاً آخر) والذي كان يسير في الطريق فظهر له شيطان، فتصارعا فصرعه عمر رضي الله عنه وأرضاه، فهو أشد الأمة في الحق وفي الدين، ومع ذلك لما حدث أمر بينه وبين أبي بكر ، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم الأمة أن منزلة أبي بكر لا تدانيها منزلة.

كانت بين أبي بكر وبين عمر مشادة وأغلظ أبو بكر على عمر ، فغضب عمر من أجل شدة أبي بكر ، ثم إن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه ذهب يستسمحه فلم يسمح له, فذهب أبو بكر إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فرجع عمر بعدما ندم, فذهب إلى بيت أبي بكر فقال: أثم أبو بكر ؟ فقيل له: لا، فعلم عمر أن أبا بكر ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان أبو بكر قد ذهب إلى المسجد، فدخله ورفع ثوبه فظهرت ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إليه متعجباً (أما صاحبكم فقد غامر) فقص على النبي صلى الله عليه وسلم القصة, فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أبي بكر ، ولأنه أمرنا أن ننزل الناس منازلهم, وتطبيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم في أبي بكر : (لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل) والذي بين فيه مكانة أبي بكر عند العامة والخاصة، فلما جاء عمر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه مغضباً، فعلم أبو بكر أنه سيشتد على عمر لا محالة, فجثا على ركبتيه شفقة عليه وقال: والله يا رسول الله لقد كنت أنا أظلم.

لكن رسول الله أحب أن يبين لهذه الأمة تأصيلاً لا بد منه، وأن يطبقه واقعاً في هذه الأمة حتى تعيش في مستوى القيادة والريادة والسيادة, هذا التأصيل والهدي النبوي لابد من أن نحذو حذوه, وأن نعرف لكل إنسان قدره, وأن نضع كل إنسان في مكانه المناسب، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يعلن للأمة أن خلافتها في أبي بكر فقام النبي صلى الله عليه وسلم مغضباً على عمر وظهر ذلك في وجهه ووجنتيه، وقال: (هل تركتم لي صاحبي) مع أن عمر من أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو وزير للنبي صلى الله عليه وسلم, ولما مات عمر رضي الله عنه وأرضاه قام علي يبكي ويقول: أبشر يا أمير المؤمنين، والله ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويقول: (جئت أنا وأبو بكر وعمر ، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر)، حتى أنه لما ذكر علامات الساعة كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ، قال صلى الله عليه وسلم: (ركب رجل على بقرة) أي: حملته (فنظرت البقرة إليه فقالت: ما خلقت لهذا، إنما خلقت للحرث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى أصحابة متعجبين من تكلم البقرة أنا أؤمن بذلك) يعني: بتكلم البقرة وأبو بكر وعمر).

الغرض المقصود أن عمر له منزله كبيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه, فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين مكانة أبي بكر وفضله؛ تطبيقاً للهدي النبوي فقال: (هلا تركتم لي صاحبي قلتم: كذب، فصدقني وواساني بأهله وماله) فقال الراوي: والله ما وجد أبو بكر على أحد بعد هذه المقالة, وما تجرأ أحد أنه يقف أمامه رضي الله عنه وأرضاه بعدما بين النبي صلى الله عليه وسلم منزلته بين الناس. هؤلاء من قال الله فيهم

رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم

العنصر الثالث: منزلة العلماء والآباء

والعلماء هم حراس الدين من الابتداع والتزييف، وحماته من التخريف والتشويه والتحريف؛ وهم العدول الذين يحملون هذا العلم من كل خلف، ينفون عن كتاب الله تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين.. قيضهم الله لحفظ الدين، وصيانة الملة، ولولا ذلك لبطلت الشريعة، وتعطلت أحكامها، وهم في كل زمان الأصل في أهل الحل والعقد، وهم المعنيون مع الأمراء في قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وَأَولي الأمر منكم}[النساء:59].

العلماء في القرآن والسنة

ولقد رفع الإسلام والقرآن قدر العلماء، وأثنى ربُّنا عليهم في كتابه فقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}[المجادلة:11]. واستشهد بهم على أعظم مشهود عليه وهو توحيده وإخلاص الدين له: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُواْ الْعِلْمِ قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم}[آل عمران:18]. قال الإمام القرطبي رحمه الله: "في هذه الآية دليلٌ على فضل العلم، وشرف العلماء وفضلهم؛ فإنه لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء، لقَرَنَهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء".

وميزهم الله ورفعهم على غيرهم فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}[الزمر:9]. بالطبع لا، فهم أهل الخشية لله: و{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}[فاطر:28].

وكما امتدحهم القرآن، كذلك أثنى عليهم النبي العدنان صلى الله عليه وسلم أعظم ثناء في سنته كما في حديث معاوية رضي الله عنه: (مَنْ يُرِدِ اللّهِ بِهِ خَيْراً يُفَقّهْهُ فِي الدّينِ)، ومن حديث أبي هريرة: (وَمَنْ سَلَكَ طَريقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً، سَهّلَ الله لَهُ طَرِيقاً إِلَى الْجَنّةِ).[رواه أبو داود والترمذي]. ومن حديث أبي أمامة رضي الله عنه: (فَضْلُ الْعَالِمَ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)، و قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إِنّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتّى النّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتّى الْحُوتَ لَيُصَلّونَ عَلَى مُعَلّمِ النّاسِ الْخَيْرَ)[رواه الترمذي] وفي سنن أبي داود والترمذي عن سيدنا النبي قال: (العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به، فقد أخذ بحظ وافر).

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ .... .. على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه .. .. .. والجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعـش حيــا بــه أبدا .. .. .. الناس موتى وأهل العلم أحياء

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى  في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين": "العلماء هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء؛ بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجةُ الناس إليهم أعظمُ من حاجتهم إلى الطعام والشراب".

توقير العلماء ومعرفة حقهم

لذلك كان من الواجب على جميع المسلمين توقير العلماء، واحترامهم، وإكرامهم، ومعرفة قدرهم وحقوقهم، وإنزالهم منازلهم، والتأدب معهم في جميع شؤونهم، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ)(رواه أحمد، )

إن توقير العلماء من إجلال الله تعالى وتعظيمِ شريعته، وامتثالِ أمره، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ)(رواه أبو داود) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (أمَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم)(رواه أبو داود والبزار).

ولهذا كان من أصول أهل السنة ومنهج السلف احترام العلماء وتوقير الفقهاء، والتأدب معهم غاية الأدب، فإن الجناية عليهم خرق في الدين، قال الإمام الطحاوي: "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل".

ولا يزال أهل العلم قديماً وحديثاً يؤكدون على التأدب مع العلماء والسمع لهم؛ أخرج عبدالرزاق في مصنفه عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه طاووس، قال: "من السنة أن يوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد".

وعن الشعبي قال: صلّى زيد بن ثابت على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: خل عنك يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن عباس: هكذا يفعل بالعلماء والكبراء.

وفي رواية عنه قال: أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت فقال: أتمسك لي وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء.

وقال خلف: جاءني أحمد بن حنبل يسمع حديث أبي عوانة؛ فاجتهدت أن أرفعه فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.

فإن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(النور:63).

منزلة الآباء

﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ﴾ [لقمان: 14]، ويقول الله عز وجل: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [النساء: 36].

وإن من وجوب إنزال الناس منازلهم أن تعرف أن مقام الوالدين عظيم وكبير؛ حيث قُرن بعبادة الله تبارك وتعالى التي هي الحكمة من خلق الخلق، وشيء بهذه المكانة يجب ويتعين على الأبناء والبنات العناية به، ومعرفته علمًا وواقعًا ملموسًا؛ حيث إن الأب والأم هما الأصل في هذه الذرية، بل إن هذه الذرية هي من كسبهما وسعيهما.

أيها الإخوة الكرام، إن شيئًا بهذه المنزلة لهو أمر كبير وعظيم، كيف وقد تواردت النصوص من الكتاب والسنة ببيان مقامهما وعظيم منزلتهما، بل هما أوسط أبواب الجنة؛ حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الوالد أوسط أبواب الجنة)، وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما، فقال: فتبتغي الأجر من الله عز وجل؟ قال: نعم، قال فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما؛ رواه مسلم.

الدُّعَاءِ

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَحَبِّبْنَا فَى بَعْضِنَا وَانْزِعْ الشَّحْنَاءَ وَالْبَغْضَاءَ مِنْ قُلُوبِنَا وَانْشُرْ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ فَى بِلَادِنَا وَسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَارْفَعْ الْبَلَاءَ وَالْغَلَاءَ عَنَّا اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِوَالِدَيْنَا كَمَا رَبَّيَانَا صِغَارًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمَا وَارْحَمْهُمَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ مَشَايِخَنَا وَعُلَمَائِنَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْنَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ

وَأَقُمْ الصَّلَاةُ  

google-playkhamsatmostaqltradent