recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة انزلوا الناس منازلهم ( الاحترام ) للشيخ ثروت سويف

انزلوا الناس منازلهم ( الاحترام ) 


اولا : معني إنزال الناس منازلهم

ثانيا : الاحترام في انزال الناس منازلهم

ثالثا : من صور معرفة قدر الناس

 

الحمد لله الملك القدوس السلام سبحانه أمر علي الدوام عباده بالانسانية والاحترام

واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رفع السماء بلا عمد والأرض وضعها للأنام فتبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام

وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله خير الأنام ورسول الملك العلام

 اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين

أَمَّا بَعْدُ

 فَيَا عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ دَعَانَا الإِسْلَامُ إلى تَكْرِيمِ النَّاسِ وَاحْتِرَامِهِمْ وَإِنْزَالِهِمْ مَنَازِلَهُمْ، وَحَثَّ عَلَى العِنَايَةِ بِذَلِكَ، رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ.

اولا : معني إنزال الناس منازلهم

فمعنى إنزال الناس ‌منازلهم: التعامل مع كل إنسان بما يليق به، والقيام بحقوقه المعروفة شرعًا وعرفًا، دونما إفراط أو تفريط

فهذا الدين أُقِيْمَ على الاحترام ، والتوقير وانزل النس منازلهم وإن هذا الدين هو صلة الله من السماء إلى الأرض، حتي الملائكة كلها تحترم قداسة المؤمن، والرسول صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الكعبة فيما اخرج البيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: " مَرْحَبًا بِكِ مِنْ بَيْتٍ مَا أَعْظَمَكِ، وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَلَلْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ حُرْمَةً مِنْكِ " رواه ابن ابي شيبة والبيهقي

 لقد حفظ الإسلام  للناس جميعا كرامتهم الإنسانية: فقد كرم الله تعالى الإنسان سواءً كان مسلماً أو غير مسلم، قال تعالي : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: 70] فالإنسان بطبيعته وفطرته مخلوق محترم فهو يحب الاحترام، ويحب أن يحترم، ولا يرضى أن يهان بأي نوع من الإهانة.

وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام لجنائزهم، فروى الإمام البخاري في صحيحه: إِنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَامَ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ يَهُودِيٌّ ! فَقَالَ : " أَلَيْسَتْ نَفْسًا " .

وفي خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: (انظر هذا اليهودي شيخ كبير ضرير البصر، فوالله ما أنصفناه، أن أكلنا شبيبته، ثم نخذله عند الهرم).

ثانيا : الاحترام في انزال الناس منازلهم

لَقَدْ أُمِرَتِ الأُمَّةُ أَنْ تُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، وَأَنْ يُعْرَفَ لِأَهْلِ الفَضْلِ فَضْلُهُمْ، وَلِأَهْلِ المَكَانَةِ مَكَانَتُهُمْ؛ وَلَا يَعْرِفُ الفَضْلَ لِأَهْلِ الفَضْلِ إِلَّا أَهْلُ الفَضْلِ، وَلَا يَعْرِفُ المَكَانَةَ لِأَهْلِ المَكَانَةِ إِلَّا أَهْلُ المَكَانَةِ

فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ" أخرجه ابن ماجه في واحترام ولي أمر البلاد لحديث رسول الله فيما روى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي ، فَقَدْ أَطَاعَنِي ، وَمَنْ أَطَاعَنِي ، فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلّ " 

فينبغي أن ينزل الناس ‌منازلهم، فلا يجعل الناس سواسية العالم له منزلة، والشيخ الكبير له منزلة، والشاب له منزلة، {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة:60] فلا يكون دائماً ميزان الناس عنده واحد، لا يختلف في مسألة اللقاء، وهذا ليس من التفريق أو التمييز العنصري، بل هذا من أدب الإسلام

عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ «أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً وَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» رواه أبو داود في سننه

قال المناوي في «فيض القدير» : «أي: احفظوا حرمة كل واحد على قدره، وعاملوه بما يلائم حاله في عمر، ودين، وعلم، وشرف، فلا تسووا بين الخادم والمخدوم، والرئيس والمرؤوس؛ فإنه يورث عداوة، وحقدا في النفوس».

احترام الوالدين

 إن أولي الناس باكرام منزلتهم هو الوالدين

ومما جاء في القران وامرنا به الله هو احترام الوالدين ويكون بالإحسان إليهما والاعتناء بهما ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).[الإسراء: 23-24].

وعن وهب بن منبه قال : إن الله تعالى قال: يا موسى! وقر والديك، فإنه من وقر والديه؛ مددت له في عمره عمرًا، ووهبت له ولدًا يبره. ومن عق والديه؛ قصرت عمره، ووهبت له ولدًا يعقه.

وقد امر النبي بالاحترام والتقدير لهما بقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» البخاري

ان احترم والداك يكون ان إذا دخلت أن تسلم، وأن تقبل أياديهما، وأن تجلس مكسور الجناح أمامهما، لين الكلمة متواضعاً مستجيباً سهلاً كأنك خادم وأن لا تمشي أمامهما وأن لا تناديهما باسمها المجرد

قال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبي قزعة رجل من أهل البصرة قال مررنا في بعض المياه التي بيننا وبين البصرة فسمعنا نهيق حمار فقلنا لهم ما هذا النهيق؟

قالوا: هذا رجل كان عندنا كانت أمه تكلمه بشيء فيقول لها انهقي نهيقك، قال غير إسحاق: فكانت أمه تقول جعلك الله حمار فلما مات سمع هذا النهيق عند قبره كل ليلة) من عاش بعد الموت (ص 27)

 الاحترام بين الزوجين

ودعا الاسلام الي الاحترام والمودة بين الزوجين، والأصل أن الأسرة تقوم على المودة، تقوم على الرحمة: وجعل بينكم مودة ورحمة [الروم:21].

وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

(( لا يَفْرُكْ مؤمنٌ مؤمنةً .إن كره منها خُلُقًا رضي منها أخَرَ))  مسلم

ومعني لا يفرك مؤمن مؤمنةً أي لا يبغضها لأنّه يتنافي مع حسن العشرة .

يقول أنس كان الأصحاب إذا زفوا امرأة إلى زوجها يوصونها برعاية حقه وبطاعته.

تحفظ لنا كتب التاريخ وصية أمامة بنت الحارث وهي توصي ابنتها يوم زفافها تقول: فكوني له أمة يكون لك عبدا، وكوني له أرضا يكن لك سماء، وبالخشوع له والقناعة وحسن السمع له والطاعة، والتفقد لموضع عينه و أنفه، فلا تقع عينيه على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والتفقد لوقت طعامه ومنامه، فإن تواتر الجوع ملهبة وتنغيص النوم مغضبة.

احترام الصغير والكبير في سنة الحبيب

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (لا يقيمُ الرَّجلُ الرَّجلَ من مجلسِه ثمَّ يجلسُ فيه)[صحيح البخاري]، فن صور احترام المجتمع عدم إيذاء شعور الآخرين

احترام الكبير

اهتمّ الإسلام باحترام الكبير، وجعل له حقا على من دونه، فأوجب احترامه وتوقيره فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ليسَ منَّا من لم يرحَم صغيرَنا ويعرِفْ شرَفَ كبيرِنا) [صحيح الترمذي]، أي بمعنى أنّه ليس من أخلاقنا أن لا يحترم الكبير أو يعطى حقه، ومن احترام الكبير الحياء منه.

وقال رسول الله : ((ما أكرم شابّ شيخًا من أجل سنّه إلا قيّض الله له عند سنه من يكرمه)) رواه الترمذي، وقال : ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا)) الحديث رواه الترمذي.

فالكبير له حقّ الاحترام والتقدير، كيف لا وهو قد سبق من دونه لعمل الصالحات وتعلم العلوم وممارسة أعباء هذه الحياة، وهو المكافح، فهو الأستاذ لمن بعده والمعلم والمربي

و في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إنَّ مِن إجلالِ الله إكرامَ ذي الشَّيبةِ من المسلمين وحامِلِ القرآن غيرِ الغالي فيه والجافي عنه وذي السلطانِ المقسِط »  رواه أبو داوود والبيهقي

عباد الله، جاء في الحديث أن الرسول يقول: ((إن الله يستحي أن يعذّب شيخًا في الإسلام))؛ وذلك لأن الكبير في الغالب يكون أكثر إقبالا على الله وحبّا للخير، فيستحي من الله أن يراه على معصية أو مقصّرا في طاعة، فيستحي الله منه.

إذا رأيت الكبير فارحم ضعفه، وأكبر شيبَهُ, وقدِّر منزلته وارفع درجته, وفرج كربته، يَعظُم لك الثواب, ويُجزِل الله لك به الحسنى في المرجع والمآب، بل اعتبر بما رواه الإمام أحمد رحمه الله عن أنس أنه قال: جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله يوم فتح مكة، يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله ، فقال رسول الله لأبي بكر: ((لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه)).

روي أن الحسن بن صالح بن حي، وله أخ كان اسمه علي بن صالح بن حي، وكلاهما ثقة، وعلي هو أوثق الرجلين، والاثنان توأم، فهذا علي لم يكن يمشي أمام أخيه أبداً، ولا يتقدمه، ولا يجلس قبله، فسئل: فقال: هو أكبر مني، أتى الدنيا قبلي.

انظر إلى الاحترام! هو جاء إلى الدنيا قبله بدقيقة واحدة، فما كان يمشي أمامه، ولا يجلس قبله، وهو الذي كان يخدمه

احترام المعلم

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ تُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا لِتَحِيزُوا بِهِ الْمَجْلِسَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ» الحاكم في المستدرك

 فليحذر الذين يسألون ليجادلوا، أو ليختبروا، لا ليتعلموا. فإن شأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم التوقير والإجلال للعلم وأهله، و " ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحمْ صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه".

كان مالك يعظم أهل العلم كثيراً, وكان الشافعي وهو في حداثة سنه أول ما جلس مع مالك يستمع منه الحديث, وكانت القراءة على الشيخ عند مالك أولى من قراءة الشيخ على الطلبة -وهذه مسألة حديثية في علم المصطلح- وكان يقرأ عليه الحديث والشافعي يأخذ بأصبعه ويضعه على فيه ثم يضعها على يده, وكان مالك له وقار عظيم، حتى قال عنه المترجمون: إن مالك كان إذا دخل على طلبة العلم فكأن على رءوسهم الطير من هيبته رحمه الله، فالله جل وعلا زرع له في قلوب الطلبة الهيبة؛ لأنه وقر وعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرع الله جل وعلا، فكان يقول: ما مشيت في المدينة إلا حافياً توقيراً واحتراماً لصاحب هذا القبر أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان لا يجلس في مجلس التحديث إلا متعطراً مغتسلاً وقد استاك هيبةً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم, ولذلك زرع الله الهيبة في قلوب طلبة العلم لهذا الشيخ الجليل العالم العظيم.

ولما رأى الشافعي يصنع ذلك بأصبعه غضب غضباً شديداً هيبة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: مالي أراك سيء الأدب؟ فقال الشافعي : يا إمام وما رأيت من سوء أدبي؟ قال: أتلوا عليكم حديث رسول الله وأنت تلعب بأصبعك، فقال: والله ما كنت ألعب، إني أحفظ حديثك وما عندي ورقة وقلم ومحبرة، فكنت أكتب الأحاديث التي ذكرتها بريقي وبإصبعي على يدي، ثم ذكر كل الأحاديث التي ذكرها الإمام مالك ، فأخذه مالك إلى بيته وقال له: كلمته المشهورة: قد رأيت أن الله جعل لك نوراً فلا تطفئه بالمعاصي.

ما أحوجنا إلى الأدب مع العلماء وهم يتكلمون ويحدثون ويفتون، نصغي إلى هذه المشاعل وهذه الكلمات النيرة والمواعظ البليغة من كتاب الله وسنة رسول الله .

يقول شوقي

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا

كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي

يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا

ثالثا : من صور انزال الناس منازلهم

مَكَانَةُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:

يَا عِبَادَ اللهِ: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أمر بإنزال الناس منازلهم قولاً طبقه واقعاً وفعلاً، فقد كان صلى الله عليه وسلم في مجلس التعليم وأبو بكر بجانبه، ودخل علي بن أبي طالب وكان المجلس ممتلئاً بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجد مكاناً يجلس فيه، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يميناً ويساراً لعله يجد من يجلس علياً ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم -فإن له من الفضل ما له رضي الله عنه فقام أبو بكر ليقر عين النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ‌هاهنا ‌يا ‌أبا ‌الحسن، فأفسح له مكانه؛ ليجلس فيه بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم مقراً لفعل أبي بكر، قال: (يا أبا بكر لا يعرف لأهلي فضلهم إلا أهل الفضل) ، فتعلم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه هذا الدرس ووعاه، وعلم أن الرفعة لن تكون إلا في التطبيق للهدي النبوي، ولما طبق أبو بكر هذا الهدي النبوي تطبيقاً تاماً كان أثر الفتوحات العظيمة الجليلة لهذه الأمة في حصيلته رضي الله عنه وأرضاه.

مِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ أَنْزَلَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ مَنْزِلَتَهُ التي تَلِيقُ بِهِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ» رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَقَدْ تَجَلَّتْ هَذِهِ المَكَانَةُ السَّامِيَةُ العَالِيَةُ يَوْمَ وَفَاةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ كَانَ سَبَبًا في تَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ هَذَا المُصَابِ العَظِيمِ، فَوَقَفَ بَيْنَ الصَّحْبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾. رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا

وَلَقَّبَهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِالصِّدِّيقِ، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ: «اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ».

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرم كرماء القوم وسادتهم ويُنزلهم منازلهم، فهذا جرير بن عبدالله البُجلي لما قَدِمَ المدينة، ودَنا من المسجد أناخ راحلته ولبس حُلته وأقبل فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: (يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن، وإن على وجهه مسحة ملك)، قال جرير فحمدت الله على ما أبلاني.

وهذا وائل بن حُجْر لما بلغه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ترك مُلكًا عظيمًا وطاعة عظيمة وقدم إلى المدينة، فبشر النبي صلى الله عليه وسلم بمقدمه قبل أن يقدم بثلاثة أيام، قال وائل: ثم لقيته صلى الله عليه وسلم فقرَّب مجلسي وأدناني وبسط لي رداءه وأجلسني معه وقبِل إسلامي، ثم صعد إلى المنبر وأصعدني معه فقمت دونه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبيين وقال: (هذا وائل بن حجر أتاكم من أرض بعيدة من حضرموت طائعًا غير مكره، راغبًا في الله عز وجل وفي رسوله وفي دينه، بقية أبناء الملوك، اللهم بارك في وائل بن حجر وفي ولده وولد ولده)، ثم أنزلني معه.

عمر بن الخطاب يفضل بلالاً على أبي سفيان

إن أبا سفيان بن حرب الذي كان رأس مكة وواليها وأمير تجارة مكة وأموالها، وكانت له الوجاهة العظمى، والمكانة العلياء في مكة لما منَّ الله عليه بالإسلام مع سهيل بن عمرو، استأذنا عمر للدخول فلم يأذن لهما، وبقيا مدة طويلة خارج الباب،فجاء بلال يستأذن أمير المؤمنين في الدخول، وهو العبد الأسود الحبشي, فقام عمر بن الخطاب متهللاً، وأدخله قبل أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو, فغضب أبو سفيان وقال لـسهيل: العبد الحبشي يتقدم علينا! في الدخول.

فقال سهيل معلماً لـأبي سفيان بن حرب: سارع إلى ربه، أو تقدم إلى ربه، أو سبقنا إلى ربه، فجعله الله يسبقنا عند العباد. أي: أنه سبق في الآخرة فسبق أيضاً في الدنيا, فبين عمر بن الخطاب أن هذا الدين له هدي وطرق وأصول لا بد أن لا نتعداها. فـبلال سجد لله جل وعلا قبل أن يسجد أي كافر من هؤلاء، بعدما من الله عليهم بالإسلام, ولقي شدة وعذاباً شديداً في الله وهو يقول: أحد أحد، فضرب لنا مثلاً رائعاً في الأخذ بالعزيمة، مع أن عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه أخذ بالرخصة، وتكلم في رسول الله، وأبى بلال على نفسه ذلك، واشتد العذاب عليه، ولم ينثني عن عقيدته رضي الله عنه وأرضاه, فتكلم عمر بن الخطاب بكلمة عظيمة تكتب على الصدور بماء الذهب، وقال: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا أي: أعتق بلالاً رضي الله عنه وأرضاه.

اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده والصلاه والسلام على من لا نبي بعده

أَمَّا بَعْدُ

 فيا عباد الله اتقوا الله حقيقة التقوى. واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، وأكثروا من ذكر الموت والبِلىَ وقرب المصير إلى الله جل وعلا.

إن أول بداية السقوط الأمم والحضارات تبدأ بهضم حقوق ذوي المكانة فيها؛ الدينية، والعلمية، والسياسية، والاجتماعية، وإسقاط القدوات، والقيادات الصالحة الناصحة، وتشكيك العامة فيها، وفي ثوابت الأمة، وذلك بأن يوضع في قفص الاتهام ولي الأمر أمام رعيته، والوالد أمام أولاده، والمعلم أمام طلابه، والعالم أمام الجهال، والكبير أمام الصغار، وهكذا؛ فتختلط الأمور، وتختل الموازين والمعايير، وتتكلم الرويبضة، ويخرج الكثيرون عن طاعة ولي الأمر، ويتمرد الولد ذكرا كان أو أنثى على والده ويعصيه، ويهين الطالب معلمه، ويقاطعه ويؤذيه، ويجترئ الجاهل على العالم، ويسخر بفتاويه، ويتعالى الصغير على الكبير، ويحتقره، ويتندر فيه

حتي الذات امرنا باحترام انفسنا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ». قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ» الترمذي

وحتى أولئك الذين يجهلون عليك، خير ما تقابلهم به الصفح والإعراض حتي تحترم ذاتك :

يخاطبني السفيهُ بكلِّ قُبحٍ *** وأكره أنْ أكون له مُجـيـبـا

يزيد سَفاهةً وأزيد حِلماً *** كعُودٍ زادَه الإحراقُ طـِيبــا

الا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خير خلق الله.. نبينا محمد بن عبدالله.. فقد أمركم بذلك ربكم فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي.. يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).

وقال عليه الصلاة والسلام (من صلى عليّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرا )

يا رب صل وسلم دائماً أبداً……على حبيبك خير الرسْل كلهمِ

محيي الليالي صلاة لا قطعها……إلا بدمع من الإشفاق منسجم

وصل ربي على آل له نجب……جعلت فيهم لواء البيت والحرم

فاللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد... وارض عن آل بيته الطيبين الطاهرين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين.... وعن الخلفاء الأربعة الراشدين، وعن باقي الصحب الأكرمين، وعن الأتباع لهم بإحسان إلى يوم الدين... وارض عنا معهم.. برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله: (إن الله يأمربالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى،، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي،، يعظكم لعلكم تذكرون) فاذكروا الله العظيم الجليل.. يذكركم، واشكروه على نعمه.. يزدكم، ولذكر الله أكبروالله يعلم ما تصنعون.

google-playkhamsatmostaqltradent