البيئة.. نعمة ربانية ومسئولية إنسانية
البيئة في التصور الإسلامي نعمةٌ
وأمانةٌ واستخلاف
العلمُ طريقٌ إلى حُسنِ الانتفاع
بالموارد والخيرات
حمايةُ البيئةِ واجبٌ شرعي
المحافظةُ على البيئةِ مسؤوليةُ
مجتمعية
سُبُلُ المحافظةِ على البيئةِ في
حياةِ الفرد.. من الوعيِ إلى السلوك
البيئةُ مجالٌ لشكرِ النعمةِ وحفظِ
حقِّ الأجيال
الخطبة الثانية: حرمة تصوير الأفراد بدون
إذن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،واشهد أن لا إله إلا الله واشهد
ان محمدا عبده ورسوله أما بعد:
فإن البيئة التي نحيا فيها - فضلا عن كونها
مكانًا نسكنه - هي كتابٌ مفتوحٌ زاخرٌ بآيات الله، ومحل ابتلاء واختبار للإنسان: أيُعمر
أم يُخرب؟، أيَشكر أم يجحد؟، أيُبقِي لمن بعده أم يستأثر دونهم؟، وقد جاءت الشريعة
الغراء بمنظومة متكاملة في هذا المضمار؛ تبدأ من تصحيح التصور، وتنتهي إلى ضبط السلوك،
بحيث لا تدع للإنسان عذرًا في إفساد أو إهمال أو تفريط.
البيئة في التصور الإسلامي نعمةٌ وأمانةٌ
واستخلاف
أول ما يقرره الإسلام أن هذا الكون لم يُخلق
عبثًا، ولم يُترك سدًى، بل جرى على تقدير مُحكَم وميزان دقيق؛ قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِیۤ
أَحۡسَنَ كُلَّ شَیۡءٍ خَلَقَهُۥۖ﴾ [السجدة: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنۢبَتۡنَا فِیهَا
مِن كُلِّ شَیۡءࣲ مَّوۡزُونࣲ﴾ [الحجر: ١٩]، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّا كُلَّ
شَیۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرࣲ﴾ [القمر: ٤٩].
وهذا الإحكامُ الإلهي الكوني لا يجوز للإنسان
أن يعبثَ به؛ فقد قال سبحانه: ﴿وَٱلسَّمَاۤءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِیزَانَ ٧
أَلَّا تَطۡغَوۡا۟ فِی ٱلۡمِیزَانِ﴾ [الرحمن: ٧ - ٨]، فكلُّ تلويثٍ للهواء، وكلُّ استنزافٍ
للماء، وكلُّ إخلالٍ بالتوازنِ الحيوي البيئي، هو في حقيقتِه لون من ألوان الطغيان
في الميزان.
ثم إنّ هذه الأرضَ سُخِّرت للإنسان تسخيرَ
انتفاعٍ لا تسخيرَ تمليكٍ مطلق: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی
ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مِّنۡهُۚ﴾ [الجاثية: ١٣]، ﴿أَلَمۡ تَرَ
أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الحج: ٦٥]، ﴿وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا
لِلۡأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠].
والفرقُ بين التصوّرين عظيم: فمن ظنّ نفسَه
مالكًا أطلقَ يدَه في الأرضِ بلا ضابط، ومن علِمَ أنه مستخلَفٌ وقفَ عند حدودِ من استخلفه،
وقد صرّح القرآنُ بهذه الخلافة: ﴿إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَكُمۡ
خَلَٰۤئِفَ ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقرنَها بالعِمارة لا بالاستهلاك: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم
مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١].
وفي الحديثِ ما يجعلُ هذه الخلافةَ اختبارًا
مرصودًا؛ قال ﷺ: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ،
وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» [رواه مسلم]،
فانظر كيف ربطَ حُسنَ العملِ في الأرضِ بالمراقبةِ الإلهية.
فالتأملُ في دقّةِ الخلق، وتنوّعِ الكائنات،
وترابطِ النظمِ البيئية، من التربةِ إلى النبات، ومن النبتةِ إلى الحشرة، ومن الحشرةِ
إلى الطائر، بابٌ عظيمٌ إلى معرفةِ عظمةِ الخالق وشكرِ نعمته: ﴿وَفِی ٱلۡأَرۡضِ ءَایَٰتࣱ لِّلۡمُوقِنِینَ ٢٠ وَفِیۤ أَنفُسِكُمۡۚ
أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠-٢١].
العلمُ طريقٌ إلى حُسنِ الانتفاع بالموارد
والخيرات
ما نادى دينٌ بالنظرِ في الكونِ كما نادى
الإسلام؛ فالقرآنُ يفتحُ للإنسانِ أبوابَ الأرضِ ويقول: ﴿قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ
فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، ويلفتُه إلى أدقِّ التفاصيل:
﴿أَفَلَا یَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَیۡفَ خُلِقَتۡ ١٧ وَإِلَى ٱلسَّمَاۤءِ كَیۡفَ
رُفِعَتۡ ١٨ وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَیۡفَ نُصِبَتۡ ١٩ وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَیۡفَ سُطِحَتۡ﴾
[الغاشية: ١٧-٢٠]، بل يدعوه إلى تأملِ لقمةِ طعامِه ورحلتِها الطويلة: ﴿فَلۡیَنظُرِ
ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦۤ ٢٤ أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَاۤءَ صَبࣰّا ٢٥ ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقࣰّا﴾ [عبس: ٢٤-٢٦].
حمايةُ البيئةِ واجبٌ شرعي
لم يكتفِ القرآنُ بالحثِّ على الإصلاح،
بل جاء بنهيٍ صريحٍ قاطعٍ عن الإفساد، وجعله أصلًا جامعًا يندرجُ تحته كلُّ إضرارٍ
بالمواردِ والكائناتِ والمرافقِ العامة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟
فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ
ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، ﴿وَلَا تَعۡثَوۡا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ﴾ [البقرة:
٦٠]، ﴿وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [المائدة: ٦٤].
ثم جاءت آيةٌ تكادُ تكونُ تشخيصًا لواقعنا
المعاصر؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا
كَسَبَتۡ أَیۡدِی ٱلنَّاسِ لِیُذِیقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِی عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ﴾
[الروم: ٤١]، فقد نسبَت الفسادَ إلى كسبِ الأيدي، وجعلَت ما يُصيبُ الناسَ من آثارِه
إنذارًا يستدعي الرجوعَ، وليس مجردَ عقوبةٍ صمّاء.
ومن الصور المعاصرة للإفساد: تلويثُ الماءِ
والهواء، وإلقاءُ المخلفاتِ في الطرقِ والمجاري المائية، وإحراقُ النفاياتِ على وجهٍ
ضار، والإسرافُ في استهلاكِ الموارد، وإتلافُ الأشجارِ والمزروعات، والصيدُ الجائر،
والضجيجُ المؤذي، والبناءُ العابثُ بالمَواطنِ والمحميات الطبيعية.
وقد أصّل النبيُّ ﷺ لهذا الباب بقاعدةٍ جامعةٍ هي من جوامعِ
كَلِمِه: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [رواه ابن ماجه]، وهي أصلٌ عظيمٌ في منعِ كلِّ
سلوكٍ يوقعُ الضررَ بالنفسِ أو بالغيرِ أو بالمصلحةِ العامة، وفصّل ﷺ هذا الأصلَ في صورٍ عملية تُدهشُ بدقّتها،
حيث قال: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ» قَالُوا:
وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ
النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» [رواه مسلم] وهو نهيٌ عن تلويثِ الأماكنِ العامةِ ومواضعِ
ارتفاقِ الناس.
ونهى ﷺ أن يبولَ المرء في الماءِ الدائمِ الذي
لا يجري ثم يغتسلُ فيه، كما في الصحيحين، وهو أصلٌ في حمايةِ مصادرِ المياهِ من التلوث.
ونهى عن قطعِ شجرِ الحرم وتنفيرِ صيدِه،
وجعل المدينةَ حرمًا لا يُعضَدُ شجرُها، تأسيسًا لفكرةِ "المحميّاتِ الطبيعية"
قبل أن يعرفَها العالم.
وعلى هذا النهج النبوي القويم سارَ الخلفاءُ؛
فأوصى أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه جيشَه: "لَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً،
وَلَا تُخَرِّبُوا عَامِراً، وَلَا تَعْقِرُوا شَاةً وَلَا بَعِيراً إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ"،
فإذا كان هذا في الحربِ حيث تُستباحُ الأشياء، فكيف بحالِ السلمِ والأمن؟!
المحافظةُ على البيئةِ مسؤوليةُ مجتمعية
الحفاظ على البيئة ليس شأنًا فرديًّا تُحاسَبُ
عليه وحدَك وينتهي أثرُه عندك؛ فدخانُ مصنعٍ واحدٍ يتنفّسه حيّ بأكمله، ومخلّفاتُ حي
واحد يفسدُ نهرًا يشرب منه الجميع، وبئرٌ تُستنزَفُ اليومَ يعطشُ بها جيلٌ بعد عشرين
عامًا، ولذلك كان الأصلُ في هذا البابِ هو التعاون لا الانفراد، انطلاقا من قول الله
تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى
ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢].
وقد قال ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]، فالمسؤوليةُ موزّعةٌ على الجميع، كلٌّ في دائرته.
وجعل ﷺ العملَ البيئيَّ الإيجابي اليسير شعبةً
من شُعبِ الإيمان، فقال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً... وَأَدْنَاهَا
إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» [متفق عليه]، وقال: «إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ
الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه].
بل إنه ﷺ جعلَ ذلك سببًا لدخولِ الجنة؛ ففي حديثِ
الشجرةِ التي كانت تؤذي المارّة: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ
فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» [رواه مسلم]،
فتأمَّل: عملٌ يستغرقُ دقائق، أثمرَ نعيمًا لا ينقطع؛ لأنَّ صاحبَه نظرَ إلى الناسِ
لا إلى نفسه.
سُبُلُ المحافظةِ على البيئةِ في حياةِ
الفرد..
١. ترشيدُ استهلاكِ الماء: قال تعالى: ﴿وَكُلُوا۟
وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف:
٣١]، وكان النبيُّ ﷺ يتوضأ بالمُدّ ويغتسلُ بالصاع كما في الصحيحين،
وهو قدرٌ يسيرٌ يُدهشُ من يقيسُه بما نُهدره اليوم، وقد مرّ ﷺ بسيدنا سعدٍ وهو يتوضأ فقال: «مَا هَذَا
السَّرَفُ؟» فقال: أفي الوضوءِ سرف؟ قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ»
[رواه ابن ماجه]، فانظر كيف نفى أن تكونَ وفرةُ المورد مُبرِّرًا لإهداره.
٢. المحافظةُ على النظافةِ العامة: قال ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» [رواه
مسلم]، «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ»
[رواه الترمذي]، فلا يُلقي المسلمُ مخلفاتِه في طريقٍ ولا حديقةٍ ولا مرفق عام، ولا
يرى نفسَه نظيفًا وهو لا يحرص على نظافة ما حوله.
٣. ترشيدُ استهلاكِ الطعامِ والحدُّ من هدره:
فإنّ النعمةَ أمانة، والإسرافَ مذموم: ﴿وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا * إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ
كَانُوۤا۟ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّیَٰطِینِۖ﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧]، وأمر ﷺ بتتبُّعِ اللقمةِ إذا سقطت وإماطةِ الأذى
عنها وأكلِها، ونهى أن يمسحَ يدَه حتى يَلعَقَها أو يُلْعِقَهَا [رواه مسلم] تعظيمًا
لأثرِ النعمةِ ولو قلَّ.
٤. غرسُ الأشجارِ والمحافظةُ عليها: قال ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً،
أَوْ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا
كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه]، وقال: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ
أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا»
[رواه أحمد]، وهي كلمةٌ تختصرُ فلسفةَ العملِ البيئي كلَّها: اغرس وإن لم تكن أنت من
يجني.
٥. ترشيدُ استخدامِ الطاقةِ والموارد: بإطفاءِ
ما لا يُحتاجُ إليه، وتقليلِ الاستهلاكِ الترفي، وتفضيلِ وسائلِ النقلِ المشترك، وتقليلِ
الاعتمادِ على ما يُلوِّث؛ فكلُّ ذلك داخلٌ في عمومِ النهي عن الإسراف.
٦. إعادةُ التدويرِ وتقليلُ النفايات: وقد
كان من هديه ﷺ إصلاحُ ما يُمكنُ إصلاحه؛ فقد كانت عائشةُ
رضي الله عنها تقول إنه ﷺ كان يخصِفُ نعلَه ويرقَعُ ثوبَه، في زمنٍ
لم يكن فيه "استهلاكٌ" بالمعنى المعاصر، فكيف بنا اليوم؟
٧. المشاركةُ في المبادراتِ المجتمعية: مثل:
حملاتِ النظافةِ والتشجيرِ وحمايةِ الشواطئِ والمحميّات؛ فإنّ اليدَ الواحدةَ لا تُصفِّق،
﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾.
٨. رحمةُ الإنسانِ بالكائناتِ من حوله: لم
تقصر الشريعةُ الرحمةَ على الإنسان وحده، بل وسّعت دائرتَها حتى شملت كلَّ ذي كبدٍ
رطبة، وكلَّ عودٍ أخضر؛ لأنّ الكائناتِ ليست أشياءَ مُهمَلة، بل أممٌ لها وجودُها وحقُّها:
﴿وَمَا مِن دَاۤبَّةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰۤئِرࣲ یَطِیرُ بِجَنَاحَیۡهِ إِلَّاۤ أُمَمٌ
أَمۡثَالُكُمۚ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وفي جانبُ الترغيب: قال ﷺ في قصةِ الرجلِ الذي نزلَ بئرًا فسقى كلبًا
كان يأكلُ الثرى من العطش: «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْراً؟ قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ
أَجْرٌ» [متفق عليه]؛ فتأمّل: مغفرةُ ذنوبٍ كاملةٍ ثمنُها شربةُ ماءٍ لحيوانٍ لا يملكُ
أن يشكرَ ولا أن يُكافئ.
وفي جانبُ الترهيب: قال ﷺ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا
حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ
حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» [متفق عليه]،
فما كان ذنبُها قتلًا مباشرًا، بل كان إهمالًا وتقصيرًا، وهذا أبلغُ في الدلالةِ على
عِظَمِ الأمر.
٩. ضوابطُ التعامل مع الكائنات:
«إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا
الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [رواه مسلم].
«لعنَ اللهُ مَن اتَّخَذَ شيئًا فيهِ الرُّوحُ
غَرَضًا» [متفق عليه]، أي هدفًا للرماية تسليةً وعبثًا.
نهى ﷺ عن التحريش بين البهائم، وعن الوسمِ في
الوجه، وعن لعنِ الدابّة.
لمّا رأى ﷺ قريةَ نملٍ قد أُحرِقت أنكرَ ذلك أشدَّ
الإنكار وقال: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ»
[رواه أبو داود].
لمّا أخذَ رجلٌ فرخَي حُمَّرةٍ فجعلت ترفرفُ
فوق رؤوسهم، قال ﷺ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا
وَلَدَهَا إِلَيْهَا» [رواه أبو داود].
ومن مجموعِ هذه النصوصِ الشريفة يتأسسُ
أدبٌ رفيعٌ في التعاملِ مع الكائنات: فلا يُقتَلُ حيوانٌ عبثًا، ولا يُعذَّب، ولا تُتلَفُ
نباتاتٌ بغيرِ حاجة، ولا تُفسَدُ المواطنُ الطبيعيةُ للأحياء، ولا شك أن هذه التربية
على الرحمةِ بالطيور والدواب تثمر إنسانًا رحيمًا بكل خلق الله؛ فمن رقَّ قلبُه لهرّةٍ
وعصفور، فهو بالناسِ أرحم.
البيئةُ مجالٌ لشكرِ النعمةِ وحفظِ حقِّ
الأجيال
قال تعالى ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِیدَنَّكُمۡۖ
وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِی لَشَدِیدࣱ﴾ [إبراهيم: ٧].
فاللهم ألهِمنا رُشدَنا، واجعلنا ممن يُعمِّرُ
ولا يُخرِّب، ويُصلِحُ ولا يُفسِد، ويشكرُ نعمتَك ولا يكفرها، إنك سميعٌ مجيب.
الخطبة الثانية:
( حرمة تصوير الأفراد بدون إذن)
وكما أن للبيئة التي نمشي في طرقاتها هواءَها
الذي يُنقّى، وماءَها الذي يُصان، وأرضَها التي لا ينبغي أن تُفسَد، فإن للبيئة الرقمية
كذلك فضاءً أخلاقيًّا ينبغي أن يبقى نقيًّا من الأذى، مصونًا من العبث، آمنًا من انتهاك
الخصوصيات والكرامات.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا
یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقال: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ
بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰۤئِكَ كَانَ
عَنۡهُ مَسۡءُولࣰا﴾ [الإسراء: ٣٦] فجعل البصرَ نفسَه موضعَ
مساءلة، وهو أصلٌ بديعٌ في بابِ التصوير
قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟
لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ
وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ﴾ [الحجرات: ١١]، وفي قولِه ﴿عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟
خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ﴾ لفتةٌ عظيمة: فإنّ من تسخرُ
منه قد يكونُ عند اللهِ أرفعَ منك منزلة، فتكونُ قد أهنتَ من أكرمَه اللهُ.
وقال تعالى: ﴿وَیۡلࣱ لِّكُلِّ هُمَزَةࣲ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال: ﴿وَٱلَّذِینَ
یُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَیۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُوا۟
بُهۡتَٰنࣰا وَإِثۡمࣰا مُّبِینࣰا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
وقال ﷺ في تعريفٍ جامعٍ للمسلم: «المُسْلِمُ مَنْ
سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [رواه النسائي]، واليدُ اليومَ هي التي تُمسكُ
الهاتف، وتضغطُ زرَّ التصوير، وتنقرُ "نشر".
وقال ﷺ: «بَحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ
يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ» [رواه مسلم]، وقال: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ
حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» [رواه مسلم].
وقد نبّه ﷺ إلى خطرِ الكلمةِ العابرةِ التي يستخفُّ
بها صاحبُها، حيث قال: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ
فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ»
[متفق عليه]، فإذا كان هذا في كلمةٍ تُقال وتذهبُ مع الريح، فما القولُ في مقطعٍ يُنشَرُ
فيبقى محفوظًا مُتداوَلًا، يُعادُ بثُّه بعد سنين، ويلاحقُ صاحبَه في عمله وبيته وبين
أهله؟
مسؤوليةُ الإنسانِ عن الصورةِ
قال تعالى مُذكِّرًا بالرقابةِ التي لا
تغفل: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨]، وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَیۡكُمۡ لَحَٰفِظِینَ
* كِرَامࣰا كَٰتِبِینَ * یَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ﴾
[الانفطار: ١٠-١٢]، فإن غابت عنك عينُ الناس، فلن تغيبَ عنك عينُ الله.
وحذَّر سبحانه من شهوةِ تداول الإشاعةِ،
فقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحِبُّونَ أَن تَشِیعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِی ٱلَّذِینَ
ءَامَنُوا۟ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡءَاخِرَةِۚ﴾ [النور:
١٩] فالناقلُ شريك، والمُعيدُ للنشرِ فاعل، ولو لم يكتب حرفًا.
وقال تعالى بشأن التعاملِ مع ما يُتناقل
من أخبارٍ ومقاطع: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا
بِجَهَٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِینَ﴾
[الحجرات: ٦]، وقال سبحانه في حادثةِ الإفك: ﴿وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَیِّنࣰا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِیمࣱ﴾ [النور: ١٥]، وهو أصدقُ وصفٍ لحالِ من
يُعيدُ نشرَ مقطعٍ ضاحكًا وهو لا يدري أنه يشاركُ في هدمِ بيتٍ وتحطيمِ نفس إنسان.
وقال ﷺ: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُحَدِّثَ
بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [رواه مسلم] ومعناه في زمانِنا: كفى بالمرءِ إثمًا أن يُعيدَ نشرَ
كلِّ ما وصل إليه.
فنُعلِّمُ الطفلَ أن يمسحَ مقطعًا مؤذيًا بدلَ أن تنشره، وأن تُطفئَ
فتنةً بدلَ أن تُذكيَ نارها.
قال النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» كلمتان اختصرتا
منظومةَ الحقوقِ كلَّها.
وتؤيّدها قواعدُ الأخوّةِ الكبرى: «المُسْلِمُ
أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ... بِحَسْبِ امْرِئٍ
مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ» [رواه مسلم]، «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ
فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ؛ إِذَا
اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» [متفق
عليه].
فإنّ الميزانَ واحدٌ وإن تعدّدت الصور؛
فمن ألقى القمامةَ في الطريق أفسدَ بيئةَ الناسِ الحسّية، ومن لوّثَ الماءَ أضرَّ بحياتهم
وأرزاقهم، ومن أتلفَ شجرةً عبثًا أضرَّ بالمصلحةِ العامةِ وبمن يأتي بعده، ومن صوّرَ
إنسانًا في وضعٍ خاصٍّ ونشرَ صورتَه بما يُوقِعُ به الحرجَ والأذى فقد أفسدَ جانبًا
من البيئةِ الاجتماعيةِ والأخلاقية، وجرحَ كرامةَ نفسٍ كرّمها اللهُ بقوله: ﴿وَلَقَدۡ
كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
وكلُّ أولئك داخلون في عمومِ قولِه تعالى:
﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]؛ فالفسادُ
في الأرضِ ليس لونًا واحدًا، ولا هو محصورٌ في الدخانِ والنفاياتِ والاستنزاف، بل يشملُ
كلَّ ما يُعكِّرُ صفوَ الحياةِ ويُنقِصُ أمانَ الناسِ في أنفسهم وأعراضهم.
إنّ البيئةَ في المفهومِ الإسلاميِّ هي
المجالُ الذي يعيشُ فيه الإنسانُ ويتفاعلُ معه: أرضُه التي يطؤها، ومجتمعُه الذي يخالطُه،
وفضاؤه الرقميُّ الذي يرتادُه، فهي ثلاثُ دوائرَ يجمعُها أصلٌ واحد: أنّ الإنسانَ مستخلَفٌ
مسؤول، وأنّ كلَّ ما تحت يدِه أمانةٌ يُسألُ عنها أمام الله يوم العرض الأكبر، ولذلك
يندرج تحت مفهوم المحافظة على البيئة:
صيانةُ الطبيعةِ من الإفسادِ والإتلاف.
صيانةُ المجتمعِ من الأذى والانتهاك.
صيانةُ الفضاءِ الرقميِّ من التشهيرِ واستباحةِ
الخصوصيةِ والإساءة.
وذلك حتى يأمنَ الإنسانُ في بيته فلا يجد
دخانًا يخنقُه ولا نفاياتٍ تُحاصره، وفي مجتمعِه فلا يجدَ لسانًا يَلمزه ولا يدًا تؤذيه،
وفي عالمِه الرقميِّ فلا يجدَ عدسةً تترصّدُه ولا صورةً تهتك ستره.
فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة تحقّقت
عمارةُ الأرضِ على وجهها الكامل: أرضٌ نضرةٌ نظيفة، ومجتمعٌ رحيمٌ متعاون، وفضاءٌ طاهرٌ
آمن، وذلك هو معنى قولِه تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ
فِیهَا﴾ [هود: ٦١]؛ فإنّ عمارةَ الأرضِ لا تتمُّ بتشجيرِ الحدائقِ فحسب، ما لم تُعمَر
القلوبُ بالرحمة، وتُصَن الأعراضُ بالسّتر، وتُحفَظ الكرامةُ التي من أجلها كُرِّمَ
ابنُ آدم
علاج هذه الآفة
أولًا: تقوية الوازع الديني:
فاستحضر مراقبة الله تعالى، فقد قال سبحانه:
﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ أَیۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ﴾ [الحديد: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ
عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ رَّقِیبࣰا﴾ [الأحزاب: ٥٢].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ
ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ
جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ،
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [متفق عليه].
قال ابن رجب: "يُشِيرُ إِلَى أَنَّ
الْعَبْدَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَهِيَ اسْتِحْضَارُ قُرْبِهِ
وَأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْخَشْيَةَ وَالْخَوْفَ
وَالْهَيْبَةَ وَالتَّعْظِيمَ" [جامع العلوم والحكم].
واجتنب تلك الآفة المذمومة يبدلك الله لذة
وطمأنية في قلبك؛ فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي الدَّهْمَاءِ، قَالَا: قال رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ
اللَّهِ إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ» [رواه أحمد].
كُن إيجابيا:
فإن الذي يرى المُصور للغير ولا يمنعه بالحسنى،
إنما يشارك في تعميم الضرر وتكثيره؛ مع أن التعاون والتكاتف مقصد حثنا عليه الشرع الحكيم؛
فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى
ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢]، وقال سبحانه: ﴿فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ
مِن قَبۡلِكُمۡ أُو۟لُوا۟ بَقِیَّةࣲ یَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِی ٱلۡأَرۡضِ
إِلَّا قَلِیلࣰا مِّمَّنۡ أَنجَیۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ
ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ مَاۤ أُتۡرِفُوا۟ فِیهِ وَكَانُوا۟ مُجۡرِمِینَ * وَمَا كَانَ
رَبُّكَ لِیُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمࣲ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾ [هود: ١١٦،
١١٧].
قال ابن كثير: (يقول تعالى فهلا وُجِدَ
من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات،
والفساد في الأرض، وقوله: ﴿إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ أي: قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم
يكونوا كثيرًا وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته؛ ولهذا أمر الله تعالى
هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما قال تعالى:
﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةࣱ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ
بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾
[آل عمران: ١٠٤]، وفي الحديث: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكِرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ
أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ») [تفسير القرآن العظيم].
المبادرة إلى التوبة:
وذلك من خلال حذف ما تم تصويره إن كان في
الإمكان وإلا فبإبراء الذمة والاعتذار لصاحبه، والعزم على عدم الرجوع لمثل هذه الأفعال
استهداء بقول الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ
تَوۡبَةࣰ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن یُكَفِّرَ
عَنكُمۡ سَیِّءَاتِكُمۡ وَیُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾
[التحريم: ٨]، وبقوله ﷺ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ
فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، مِنْ
قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ
أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ» [رواه البخاري].
الدعاء...... وأقم الصلاة.....