الْبِيئَةُ.. نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ
الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ
وَدَحَاهَا، وَأَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا
لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ، وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَحْصَاهَا، وَأَنْزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَزَكَّاهَا..
سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْكَوْنَ فَأَبْدَعَهُ، وَمَدَّ الْأُفُقَ وَوَسَّعَهُ، وَأَجْرَى
الْمَاءَ وَأَنْبَعَهُ، وَأَنْبَتَ الزَّرْعَ وَأَيْنَعَهُ، خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ
بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، وَأَسْبَغَ عَلَى عِبَادِهِ جَزِيلَ النِّعَمِ وَعَظِيمَ الْفَضْلِ.
أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ
الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَنُثْنِي عَلَيْهِ الْخَيْرَ كُلَّهُ:
فَحَمْدًا ثُمَّ حَمْدًا ثُمَّ حَمْدًا
... لِرَبِّ الْعَالَمِينَ بِلَا تَوَانِي
وَإِنَّا نَسْتَزِيدُ الْحَمْدَ مِنْهُ
... عَلَى مَرِّ اللَّيَالِي وَالزَّمَانِ
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ، جَعَلَ الْكَوْنَ آيَةً لِلْمُتَفَكِّرِينَ، وَمَسْجِدًا وَطَهُورًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَبِيبُ الرَّحْمَنِ، وَأَكْرَمُ مَنْ مَشَى عَلَى
الْأَرْضِ بِإِحْسَانٍ، كَانَ لِلْعَالَمِينَ رَحْمَةً، وَلِلْخَلْقِ كُلِّهِ عِصْمَةً
وَنِعْمَةً، الْقَائِلُ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ
فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ
وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الْفَضْلِ وَالْعِرْفَانِ،
مَا طَارَ طَيْرٌ فِي الْأَجْوَاءِ، وَمَا جَرَى مَاءٌ فِي الْأَرْجَاءِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُمْ
وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَهِيَ حِصْنُكُمُ الْحَصِينُ، وَزَادُكُمْ لِيَوْمِ
الدِّينِ، يَقُولُ الْحَقُّ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:
١٠٢].
🔹 أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ
هَذَا الْكَوْنَ الَّذِي نَطَأُ ثَرَاهُ، وَنَسْتَنْشِقُ هَوَاهُ، وَنَشْرَبُ مَاءَهُ،
لَيْسَ جَمَادًا مُهْمَلًا، وَلَا مَسْرَحًا مُسْتَبَاحًا؛ بَلْ هُوَ مِحْرَابٌ لِلتَّسْبِيحِ،
وَمَعْرَضٌ لِلْجَلَالِ وَالْجَمَالِ الْإِلَهِيِّ الصَّرِيحِ! كُلُّ ذَرَّةٍ فِيهِ
تُسَبِّحُ، وَكُلُّ قَطْرَةٍ فِيهِ تُفْصِحُ، وَكُلُّ غُصْنٍ فِيهِ يَمِيلُ حَامِدًا
لِلهِ وَيَمْنَحُ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ
وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ
لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
إِنَّ الْبِيئَةَ بِمَائِهَا وَهَوَائِهَا،
وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا، وَنَبَاتِهَا وَحَيَوَانِهَا، هِيَ نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ
سَابِغَةٌ، أَوْدَعَهَا اللهُ بَيْنَ أَيْدِينَا أَمَانَةً، وَجَعَلَنَا فِيهَا خُلَفَاءَ
لَا مُسْتَبِدِّينَ، وَمُصْلِحِينَ لَا مُفْسِدِينَ! فَمَنْ صَانَ هَذِهِ النِّعْمَةَ
فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ نَهَبَهَا وَلَوَّثَهَا فَقَدْ كَفَرَ بِالنِّعْمَةِ وَفَجَرَ!
وَكَيْفَ لَا يُصَانُ كَوْنٌ هُوَ مَظْهَرُ
الْقُدْرَةِ، وَشَاهِدُ الْعَظَمَةِ؟! وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ قَضِيَّةٌ هَامَّةٌ، سَبَقَتْ
إِلَيْهَا شَرِيعَتُنَا الْغَرَّاءُ الْأُمَمَ السَّوَالِفَ، وَالْمُجْتَمَعَاتِ الْخَوَالِفَ،
وَدَعَتْ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِهَا وَتَرْجِيحِهَا، وَتَقْدِيمِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا
وَتَرْشِيحِهَا؛ لِمَا بَانَ مِنْ جَلِيلِ آثَارِهَا، وَمَحْضِ رَوَائِعِهَا وَصَرِيحِهَا..
أَلَا وَهِيَ: قَضِيَّةُ الْحِفَاظِ عَلَى الْبِيئَةِ وَرِعَايَتِهَا، وَصَوْنِ مُكَوِّنَاتِ
الْحَيَاةِ وَمُسَخَّرَاتِ الْكَوْنِ وَحِمَايَتِهَا؛ فَكَمْ نَقَعَتْ غَلِيلًا، وَأَفَادَتْ
عَلِيلًا، وَشَرَحَتْ صُدُورًا، وَبَعَثَتْ حُبُورًا!
🔹 أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ
الْحِفَاظَ عَلَى الْبِيئَةِ أَحَدُ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَدَلَائِلِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ؛
بَلْ هُوَ أَمْرُ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، وَحَسْبُنَا مَا تَحْفَلُ بِهِ شَرِيعَتُنَا
مِنْ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ؛ قَالَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا شُعَيْبٍ: ﴿يَا
قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ
مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦]، وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
يَقُولُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ
اللهُ-: «نَهَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ كُلِّ فَسَادٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بَعْدَ
صَلَاحٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ».
وَصَحَّ عَنْ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَانَ
ﷺ قَوْلُهُ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ
شُعْبَةً، فَأَعْلَاهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ
الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ].
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ: كَيْفَ
لَا نَسْتَبِقُ حِمَايَةَ الْبِيئَةِ، وَقَدْ أَفَاءَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ بِآلَاءِ
الطَّبِيعَةِ الْخَلَّابَةِ، وَالْبِيئَةِ الْجَذَّابَةِ؟! يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ
كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٧-٨].
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ -وَنَحْوِهَا
كَثِيرٌ- الدَّعْوَةُ الْمُؤَكَّدَةُ لِحِمَايَةِ الْبِيئَةِ؛ إِنْسَانًا وَحَيَوَانًا
وَطَيْرًا، شَجَرًا وَنَبَاتًا، زَرْعًا وَمَاءً وَبِنَاءً، بَرًّا وَبَحْرًا وَجَوًّا،
فَضَاءً وَسَمَاءً؛ حِفْظًا لِجَمَالِهَا وَنَظَافَتِهَا، وَقُوَّتِهَا وَنَضَارَتِهَا،
وَسَلَامَتِهَا وَنَقَاوَتِهَا.
إِنَّ لِلهِ فِي الْخَلَائِقِ سِرًّا
... مِنْ سَنَا بَرْقِهِ تَحَارُ الْعُقُولُ
لَا تَرَى ذَرَّةً مِنَ الْكَوْنِ إِلَّا
... وَلَهَا فِي الْكَوْنِ شَرْحٌ يَطُولُ
فَالْبِيئَةُ الَّتِي تَجَمَّلَتْ بِبَدَائِعِ
الْمَوْجُودَاتِ وَأَحَاسِنِ الْمَخْلُوقَاتِ لَهِيَ مِنْ نِعَمِ الْبَارِي الْبَاهِرَةِ،
وَمِنَنِهِ عَلَيْنَا الْغَامِرَةِ؛ فَمِنْهَا تُجْنَى الْمَنَافِعُ الْكَثِيرَةُ،
وَالْمَصَالِحُ الْكَبِيرَةُ؛ كَالتَّفَكُّهِ مِنْ الْبِيئَةِ بِثِمَارِهَا، وَابْتِهَاجِ
النُّفُوسِ بِأَزْهَارِهَا، وَتَمَتُّعِ الْأَبْصَارِ بِجَمَالِهَا، وَالِاسْتِظْلَالِ
بِوَارِفِ ظِلَالِهَا، وَالِاسْتِفَادَةِ بِخَشَبِهَا، وَاسْتِنْشَاقِ الْهَوَاءِ النَّقِيِّ
بِسَبَبِهَا.
وَتُثِيرُ الْأَشْوَاقَ وَالْإِعْجَابَ،
وَتُزِيحُ الْهَمَّ وَالْأَوْصَابَ، بَلْ تَبْعَثُ عَلَى تَمْجِيدِ الْخَالِقِ الْوَهَّابِ؛
لِذَلِكَ رَغَّبَ الْمُصْطَفَى ﷺ فِي اسْتِصْلَاحِهَا وَحِمَايَتِهَا، فَقَالَ
ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ
وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ
لَهُ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ].
فَإِذَا كَانَ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ وَدُخُولُ
الْجَنَّةِ يَكُونُ بِإِزَالَةِ غُصْنِ شَوْكٍ عَنِ الطَّرِيقِ، فَمَا بَالُكُمْ بِمَنْ
يَضَعُ الْأَشْوَاكَ فِي طَرِيقِ النَّاسِ؟! وَمَا بَالُكُمْ بِمَنْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ
عَلَى الْمُشَاةِ، وَيُلْقِي النِّفَايَاتِ وَالْأَقْذَارَ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ يُخَرِّبُ
الْمَرَافِقَ الْعَامَّةَ كَالْمَظَلَّاتِ وَأَعْمِدَةِ الْإِنَارَةِ وَالْحَدَائِقِ
الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لِلْجَمِيعِ؟!
لَقَدْ حَذَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ فَقَالَ: «اتَّقُوا
اللَّعَّانَيْنِ»، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي
يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَفِي هَذَا
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ يُسَبِّبُ أَذًى لِلْبِيئَةِ فَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا
الْوَعِيدِ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ
الرِّفْقَ بِالْبِيئَةِ فِي دِينِنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ سُلُوكٍ حَضَارِيٍّ، بَلْ هُوَ
«عِبَادَةٌ وَتَقَرُّبٌ إِلَى اللهِ» يُدْخِلُ الْجَنَّةَ، وَالْإِفْسَادُ فِيهَا كَبِيرَةٌ
يَمْقُتُ اللهُ صَاحِبَهَا:
تَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ
الَّتِي يَهْتَزُّ لَهَا الْوِجْدَانُ! عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى
شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ،
أَلَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتُمْ»، فَصَنَعُوا لَهُ مِنْبَرًا،
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ
الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا صِيَاحَ الصَّبِيِّ! حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ
أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ! [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
سُبْحَانَ اللهِ! جِذْعُ شَجَرَةٍ يَشْعُرُ،
وَيَحِنُّ، وَيَبْكِي لِفِرَاقِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ! فَكَيْفَ لِإِنْسَانٍ يَمْلِكُ
قَلْبًا أَنْ يَقْطَعَ هَذَا الشَّجَرَ عَبَثًا أَوْ يُحْرِقَهُ جَشَعًا؟!
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،
عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ
تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا،
ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَنْ لَدَغَتْكَ
نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً؟! أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ
تُسَبِّحُ؟!» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
أَرَأَيْتُمْ كَيْفَ يُعَاتِبُ اللهُ نَبِيًّا
مِنْ أَنْبِيَائِهِ لِأَنَّهُ أَهْلَكَ قَرْيَةَ نَمْلٍ تُسَبِّحُ بِسَبَبِ نَمْلَةٍ
وَاحِدَةٍ زَلَّتْ؟! فَمَا بَالُكُمْ بِمَنْ يُبِيدُ بِيئَاتٍ كَامِلَةً، وَيَقْتُلُ
الْآلَافَ مِنَ الْكَائِنَاتِ بِسُمُومِ نِفَايَاتِهِ؟!
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ
فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ»
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَ مَنْ أَنْشَأَ «الْحِمَى» (الْمَحْمِيَّاتِ
الْبِيئِيَّةَ)، فَحَرَّمَ الصَّيْدَ وَقَطْعَ الْأَشْجَارِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ،
وَقَالَ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ
وَدَعَا لَهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ
عَضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَسَارَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ
عَلَى هَذَا النَّهْجِ، فَحَمَوْا الْمَرَاعِيَ، وَمَنَعُوا الرَّعْيَ الْجَائِرَ صِيَانَةً
لِلثَّرْوَةِ النَّبَاتِيَّةِ.
وَلَقَدْ جَاءَ الْمَنْهَجُ النَّبَوِيُّ
صَارِمًا فِي الْحِفَاظِ عَلَى الْبِيئَةِ وَمَوَارِدِهَا حَتَّى فِي الْعِبَادَاتِ؛
تَأَمَّلُوا حِينَ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟»، قَالَ: أَفِي
الْوُضُوءِ سَرَفٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ
جَارٍ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].
سُبْحَانَ اللهِ! إِذَا كَانَ الْإِسْرَافُ
فِي الْمَاءِ مَمْنُوعًا وَمَكْرُوهًا فِي الْعِبَادَاتِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُهْدِرُ
الْمِيَاهَ فِي الْعَبَثِ، أَوْ يُلَوِّثُ الْأَنْهَارَ وَالْآبَارَ بِالْقَاذُورَاتِ؟!
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ
الدِّينَ الْإِسْلَامِيَّ لَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّلْوِيثِ، بَلْ حَثَّ
حَثًّا حَثِيثًا عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَتَخْضِيرِهَا وَالرَّأْفَةِ بِكُلِّ مَخْلُوقٍ
فِيهَا:
فَيَقُولُ ﷺ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ
فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ»
[رَوَاهُ أَحْمَدُ].
أَيُّ إِيجَابِيَّةٍ بِيئِيَّةٍ أَعْظَمُ
مِنْ هَذِهِ؟! السَّاعَةُ تُقَامُ، وَالْكَوْنُ يَنْتَهِي، وَمَعَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ
الْمُسْلِمُ بِغَرْسِ الشَّجَرَةِ لِتَكُونَ آخِرَ خَطْوَةٍ لَهُ فِي الْحَيَاةِ غَرْسًا
وَإِصْلَاحًا!
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا،
أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا
كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَتَأَمَّلُوا عِبَادَ اللهِ يَوْمَ خَرَجَ
أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُوَدِّعُ جَيْشَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ،
فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ: أَهْلِكُوا الزَّرْعَ وَأَحْرِقُوا الدِّيَارَ لِتُرْعِبُوا
الْعَدُوَّ، بَلْ قَالَ لَهُمْ بِأَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ: «لَا تَخُونُوا، وَلَا تَغُلُّوا،
وَلَا تُدْبِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا طِفْلًا صَغِيرًا، وَلَا شَيْخًا
كَبِيرًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا تُخَرِّبَنَّ
عَامِرًا، وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَلَا تُغْرِقَنَّ
نَخْلًا وَلَا تُحْرِقَنَّهُ».
فَأَيْنَ نَحْنُ عِبَادَ اللهِ.. مِنْ هَذِهِ
الْمَبَادِئِ الْعَظِيمَةِ؟! إِنَّ الْمُسْلِمَ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بَلْسَمًا
حَيْثُمَا حَلَّ؛ لَا يَرْمِي الْقُمَامَةَ فِي غَيْرِ أَمَاكِنِهَا، وَلَا يُهْدِرُ
الْمَاءَ فِي غَسِيلِ مَرْكَبَاتِهِ أَوْ طُرُقَاتِهِ، وَلَا يَقْطَعُ شَجَرَةً أُوتِيَتْ
خَضَارًا، وَلَا يُؤْذِي طَيْرًا أَوْ حَيَوَانًا فِي طَرِيقِهِ!
انْظُرُوا إِلَى هَذَا التَّحْذِيرِ النَّبَوِيِّ
الصَّارِمِ عَنْ تَلْوِيثِ الْمِيَاهِ، يَقُولُ ﷺ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ
الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
يَا لَهَا مِنْ حِكْمَةٍ بَالِغَةٍ! تَحْمِي الصِّحَّةَ، وَتَصُونُ الْمَوَارِدَ، وَتُنَقِّي
الْبِيئَةَ.
تَأَمَّلُوا قَوْلَ الشَّاعِرِ الْبَلِيغِ:
مَا هَذِهِ الْأَرْضُ الَّتِي مِنْ حَوْلِنَا
... إِلَّا وِعَاءٌ صَانَهُ الرَّحْمَنُ فَإِذَا الْإِنْسَانُ جَارَ بِجَهْلِهِ
... حَلَّ الْبَلَاءُ وَأُفْسِدَ الْمِيزَانُ فَارْحَمْ حَيَاتَكَ وَاحْمِ بِيئَتَكَ
الَّتِي ... فِيهَا حَيَاتُكَ، أَيُّهَا الْإِنْسَانُ!
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ: إِذَا
كَانَ الْمَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ عَدَّ الْإِعْتِدَاءَ عَلَى الْبِيئَةِ
وَالْجَوْرَ عَلَيْهَا وَتَلْوِيثَهَا إِفْسَادًا فِي الْأَرْضِ، وَعَابَ عَلَى مَنْ
فَعَلَ ذَلِك فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَائِلًا: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ
لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[البقرة: ٢٠٥]، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَدْمِيرَ الْبِيئَةِ إِهْلَاكٌ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ
-وَهُوَ شَامِلٌ لِنَسْلِ كُلِّ دَابَّةٍ-؛ وَخُصُومَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
إِذَا كَانَتْ مَعَ فَرْدٍ وَاحِدٍ فَهِيَ شَدِيدَةٌ كَبِيرَةٌ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ
خُصُومَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أُمَّةٍ كَامِلَةٍ جَارَ عَلَى حَقِّهَا وَحَرَمَهَا
مِنْ بِيئَةٍ سَوِيَّةٍ نَظِيفَةٍ؟!
أَلَمْ يَعْلَمْ بِقَوْلِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى
ﷺ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ
حَبَسَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ
الْأَرْضِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَقَالَ ﷺ أَيْضًا: «غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ،
مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قَالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ،
فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ،
فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
فَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ حِمَايَةَ
الْبِيئَةِ الْيَوْمَ لَمْ تَعُدْ خِيَارًا ثَانَوِيًّا أَوْ تَرْفًا فِكْرِيًّا، بَلْ
هِيَ «قَضِيَّةُ وُجُودٍ، وَشَرْطُ بَقَاءٍ، وَعَهْدُ إِيمَانٍ»! فَاتَّقُوا اللهَ
فِي أَرْضِكُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ فِي هَوَائِكُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ فِي مِيَاهِكُمْ!
كُونُوا صُنَّاعَ خَضَارٍ، لَا دُعَاةَ
بَوَارٍ.
اغْرِسُوا الْأَشْجَارَ، وَاطْرُدُوا الْأَذَى
عَنِ الدَّارِ.
حَافِظُوا عَلَى نَظَافَةِ الشَّوَاطِئِ
وَالْمُنْتَزَهَاتِ؛ فَهِيَ مِلْكٌ لِلْأَجْيَالِ، وَشَاهِدَةٌ عَلَى حُسْنِ الْخِلَالِ.
تَأَمَّلُوا قَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا،
وَاجْعَلُوهُ دُسْتُورًا فِي حَيَاتِكُمْ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[البقرة: ١٩٥].
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ
الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ
الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلهِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ،
الْعَالِمِ بِخَفَايَا الصُّدُورِ وَسَرَائِرِ الْإِنْسَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، حَرَّمَ الظُّلْمَ وَالْعُدْوَانَ، وَصَانَ الْكَرَامَةَ وَالْأَبْدَانَ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمِينُ
الْأُمَّةِ، وَكَاشِفُ الْغُمَّةِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى
آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاحْذَرُوا
يَوْمًا يُكْشَفُ فِيهِ الْمَسْتُورُ، وَتُحَصَّلُ فِيهِ مَا فِي الصُّدُورِ!
إِنَّ أَعْرَاضَ الْمُسْلِمِينَ وَخُصُوصِيَّاتِهِمْ
حِمًى مَظْلُومٌ، وَحَرَمٌ مَعْصُومٌ! وَإِنَّنَا نَعِيشُ الْيَوْمَ فِي زَمَنٍ تَحَوَّلَتْ
فِيهِ الْهَوَاتِفُ الذَّكِيَّةُ فِي أَيْدِي الْبَعْضِ إِلَى «خَنَاجِرَ مَسْمُومَةٍ
تَنْتَهِكُ الْأَعْرَاضَ، وَتَهْتِكُ الْأَسْتَارَ»!
إِنَّ تَصْوِيرَ الْأَفْرَادِ بِدُونِ إِذْنِهِمْ
أَوْ عِلْمِهِمْ، ثُمَّ إِشَاعَةَ صُوَرِهِمْ وَمَقَاطِعِهِمْ عَبْرَ أَرْوِقَةِ مَوَاقِعِ
التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، هُوَ «جَرِيمَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ، وَعُدْوَانٌ صَرِيحٌ،
وَتَجَسُّسٌ مُحَرَّمٌ» يُسْخِطُ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ!
تَرَاهُمْ يَلْتَقِطُونَ الصُّوَرَ لِلْمَرِيضِ
فِي نَزَعَاتِهِ، وَلِلْمُصَابِ فِي دَمَائِهِ، وَلِلْفَقِيرِ فِي انْكِسَارِهِ، وَلِلْغَافِلِ
فِي هَفَوَاتِهِ، بَلْ حَتَّى لِلْمَرْأَةِ فِي حَشَمَتِهَا أَوْ غَفْلَتِهَا! ثُمَّ
يَنْشُرُونَ ذَلِكَ بِلَا حَيَاءٍ، بَحْثًا عَنْ «إِعْجَابٍ» رَخِيصٍ، أَوْ «مُشَاهَدَاتٍ»
آثِمَةٍ!
أَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْ زَجْرِ الْقُرْآنِ
الْكَرِيمِ عَنِ التَّجَسُّسِ وَاقْتِحَامِ خُصُوصِيَّةِ الْآخَرِينَ؟! قَالَ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى
تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧].
وَإِذَا كَانَتِ الْبُيُوتُ لَهَا حُرْمَةٌ،
فَإِنَّ صُورَةَ الْإِنْسَانِ وَمَلَامِحَهُ وَحَيَاتَهُ الْخَاصَّةَ هِيَ «بَيْتُهُ
الْمَعْنَوِيُّ» الَّذِي لَا يَجُوزُ اقْتِحَامُهُ بِلَا اسْتِئْذَانٍ!
وَاسْمَعُوا لِهَذَا التَّحْذِيرِ النَّبَوِيِّ
الَّذِي يُزَلْزِلُ الْأَرْكَانَ، فَقَدْ قَالَ ﷺ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ
إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. فَإِذَا
كَانَ إِهْدَارُ عَيْنِ الْمُنْتَهِكِ حَلَالًا بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ، فَكَيْفَ بِمَنْ
يُسَجِّلُ الصُّورَةَ وَالصَّوْتَ وَيَنْشُرُهُمَا لِلْمَلَايِينِ عَلَى الشَّبَكَاتِ؟!
وَقَالَ ﷺ مُحَذِّرًا مَنْ يَتَتَبَّعُونَ خُصُوصِيَّاتِ
النَّاسِ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ،
لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ
يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ
يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].
فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ!
ارْفَعُوا جَوَّالَاتِكُمْ عَنْ خُصُوصِيَّاتِ عِبَادِ اللهِ، وَلَا تَجْعَلُوا أَنْفُسَكُمْ
جُسُورًا لِنَشْرِ الْفَضَائِحِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ
اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».