recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة التصوير بغير إذن انتهاك للحرمة واغتيال للبيئة

التَّصْوِيرُ بِغَيْرِ إِذَنِ اِنْتِهَاكٌ لِلْحُرْمَةَ وَاِغْتِيَالُ لِلْبِيئَةَ



هل التقاط الصور ونشرها دون إذن يسهم في خلق بيئة فاسدة؟

ومتي يجوز لك التصويردون إذن؟

وهل يحق لك النشرعلي صفحات التواصل الاجتماعي ؟


الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين وبعد

فياعباد الله :"

يقول الله تعالي:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ"(الحجرات/12).

عباد الله :" حديثنا إليكم اليوم عن :"التَّصْوِيرُ بِغَيْرِ إِذَنِ اِنْتِهَاكٌ لِلْحُرْمَةَ وَاِغْتِيَالُ لِلْبِيئَةَ وسوف نجيب علي عدة أسئلة منها

هل التقاط الصور ونشرها دون إذن يسهم في خلق بيئة فاسدة؟

ومتي يجوز لك التصويردون إذن؟

وهل يحق لك النشرعلي صفحات التواصل الاجتماعي ؟

عباد الله :"

وقبل الإجابة علي هذه الأسئلة لابد لنا من تعريف البيئة  :"

فالبيئةَ في المفهومِ الإسلاميِّ هي المجالُ الذي يعيشُ فيه الإنسانُ ويتفاعلُ معه:

أرضُه التي يطؤها، ومجتمعُه الذي يخالطُه، وفضاؤه الرقميُّ الذي يرتادُه

 فهي ثلاثُ دوائرَ يجمعُها أصلٌ واحد:

وأنّ الإنسانَ مستخلَفٌ مسؤول، وأنّ كلَّ ما تحت يدِه أمانةٌ يُسألُ عنها

 أمام الله يوم العرض الأكبر:"وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ"(الصافات: 24).

 ولذلك يندرج تحت مفهوم المحافظة على البيئة

صيانةُ الطبيعةِ من الإفسادِ والإتلاف.

صيانةُ المجتمعِ من الأذى والانتهاك.

صيانةُ الفضاءِ الرقميِّ من التشهيرِ واستباحةِ الخصوصيةِ والإساءة.

وذلك حتى يأمنَ الإنسانُ في بيته فلا يجد دخانًا يخنقُه ولا نفاياتٍ تُحاصره، وفي مجتمعِه فلا يجدَ لسانًا يَلمزه ولا يدًا تؤذيه، وفي عالمِه الرقميِّ فلا يجدَ عدسةً تترصّدُه ولا صورةً تهتك ستره.

فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة تحقّقت عمارةُ الأرضِ على وجهها الكامل: أرضٌ نضرةٌ نظيفة، ومجتمعٌ رحيمٌ متعاون، وفضاءٌ طاهرٌ آمن،وذلك هو معنى قولِه تعالى:"هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ ‌وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا"(هود: ٦١)؛

 فإنّعمارةَ الأرضِ لا تتمُّ بتشجيرِ الحدائقِ فحسب، ما لم تُعمَر القلوبُ بالرحمة، وتُصَن الأعراضُ بالسّتر، وتُحفَظ الكرامةُ التي من أجلها كُرِّمَ ابنُ آدم

عباد الله :"وتعالوا لنجيب علي ماطرحناه من أسئلة

نجيب أولاً :" هل التقاط الصور ونشرها يسهم في خلق  بيئة فاسدة؟

نعم  التقاط الصورونشرها دون إذن أصحابها يمثل انتهاكاً صارخاً للخصوصية، ويسهم فعلياً في خلق بيئة اجتماعية ورقمية غير صحية (فاسدة) تقوم على عدم الاحترام بل هي اغتيال للبيئة .

هذه الممارسات لا تقتصر خطورتها على الجانب الأخلاقي والاجتماعي فقط، بل تمتد لتشمل ملاحقات قانونية صارمة في معظم التشريعات الحالية.

عباد الله :" إن تصوير الأشخاص ونشر صورهم دون إذنهم ليس مجرد تعدٍّ أخلاقي، بل هو سلوك مدمر للبيئة المجتمعية يترتب عليه عواقب نفسية واجتماعية خطيرة. يسهم هذا التصرف في هدم قيم الثقة والأمان بين أفراد المجتمع، ويتحول في كثير من الأحيان إلى أداة للتشهير والابتزاز.

بل هذا السلوك المشين يحتوي علي مجموعة من كبائر الإثم ويمكن تلخيص التأثيرات المباشرة والخطيرة لهذا السلوك على المجتمع في النقاط التالية:

أولاً:"  الأثر الاجتماعي والنفسي وانعدام الأمان

يشعر الأفراد بالقلق الدائم وعدم الأمن والأمان في الأماكن العامة أو الخاصة خوفاً من توثيق تحركاتهم ونشرها علي منصات التواصل الاجتماعي دون علمهم.

و نشر الصور دون إذن يبدد الثقة بين الأصدقاء، وأفراد العائلة،ويدمر الثقة  بين الزملاء في بيئة العمل ويقوض الأمن في المجتمع يقول صلي الله عليه وسلم:" من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا."(الترمذي).

 عباد الله:" يعد التقاط الصورأو مقاطع الفيديو للناس في الشوارع أو المناسبات دون موافقتهم تعدياً صريحاً على حريتهم الشخصية وحرمة حياتهم الخاصة.

وقد كفل الإسلام للناس حريتهم ما لم يكن هناك تعدي علي الأخرين :" أنت حر مالم تضر"وهذه القاعدة قاعدة "أنت حر ما لم تضر" تنسجم في جوهرها مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظ الكليات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

 وقد نهي القرآن الكريم النهي الصريح عن التعدي: قال تعالى:"وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ"(البقرة: 190).

وهي قاعدة عامة تمنع الإنسان من تجاوز حدوده وإلحاق الأذى بالغير.

والنهي عن الإفساد في الأرض: قال تعالى:"وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا" (الأعراف: 56).

والإفساد يشمل كل فعل يضر بالبيئة أو المجتمع أوالأفراد.

 عباد الله :"التصويربغيرإذن سبب في أذية الناس والتعدي علي حرمتهم

وهو يدخل في الأذى بالطرقات والأماكن العامة:

 واليدُاليومَ التي تُمسكُ بالهاتف،وتضغطُ زرَّالتصوير،وتنقرُ "نشر" يد مؤذية .

 قال  تعالي :"وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا"(الأحزاب: ٥٨).

و المسلم الحق لايؤذي غيره  قال النبي صلي الله عليه وسلم :"المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"( البخاري ومسلم).

فالإسلام يربط صيانة حرية الآخرين وأمنهم بإسلام المرء وحسن خلقه.

عباد الله:" وتصوير الناس أو التسجيل لهم دون علمهم وفضحهم تعدي علي حرمة الخصوصية الإنسانية وعدم صيانته وصيانة المكان "البيت أو المحل أومكتب العمل .. ".

وقد حمى سبحانه البيوتَ أن تُقتحَم فقال تعالي :"یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ ‌بُیُوتًا ‌غَیۡرَ بُیُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَهۡلِهَاۚ"(النور/٢٧) ،

بل حمى ما وراءَ الجدارِ من النظر، قال صلي الله عليه وسلم : "إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ"(متفق عليه)،

وقال صلي الله عليه وسلم :"مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ"( مسلم)،

 فانظر كيف عظّمَ أمرَ نظرةٍ واحدةٍ مسروقة، فكيف بصورةٍ تُلتقَطُ وتَبقى وتُنشَرُ على الملايين

 عباد الله :" ومن خطورة  إعادة نشر هذه المقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي قد توقع صاحبها في مواقف محرجة وتساهم في إيذاء الناس والتشهير بهم بغرض زيادة التفاعل.

وغياب الردع الأخلاقي يدفع البعض لاستغلال هذه الصور للتشهير بالأشخاص، أو تعديلها، أو استخدامها في سياق يضر بسمعتهم.

وكشف ستر الناس وفضحهم و الإسلام حثنا على ستر عيوب الناس وزلاتهم العابرة لا تتبعها وتحويلها إلى وصمة تلاحق الشخص وأهله.

قال تعالى: "وَلَا ‌تَجَسَّسُوا۟ وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ"(الحجرات: ١٢)،

وقال:"وَلَا ‌تَقۡفُ ‌مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰۤئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡءُولا"(الإسراء: ٣٦).

 فجعل البصرَ نفسَه موضعَ مساءلة، وهو أصلٌ بديعٌ في بابِ التصوير؛ إذ العدسةُ امتدادٌ للعين

والإسلام حمَى سيرة وسمعةَ الإنسان كما حمى بدنه وممتلكاته؛ ففي خطبةِ حجةِ الوداع:"إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا"(متفق عليه)؛ فقرنَ العِرضَ بالدمِ والمال، في مشهدٍ مهيبٍ لا يُنسى.

ثم قرّر صلي الله عليه وسلم  قاعدةَ السترِ التي هي روحُ هذا الباب:"مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ"(مسلم).

و"لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْداً فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ"( مسلم)،

وحذّر من ضدِّه أشدَّ تحذير:"يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ"((أبو داود).

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامٌ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَسَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، فَأَسْكَتَ اللَّهُ النَّاسَ عَنْ عُيُوبِهِمْ، فَمَاتُوا وَلَا عُيُوبَ لَهُمْ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامٌ لَا عُيُوبَ لَهُمْ، فَتَكَلَّمُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ لَهُمْ عُيُوبًا، فَلَمْ يَزَالُوا يُعْرَفُونَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتُوا"

عباد الله:" والتصويربدون إذن  تعدي علي البيئة ككل.

فكما أنّ إلقاءَ المخلفاتِ في الطريقِ اعتداءٌ على حقِّ المجتمعِ في بيئةٍ نظيفة، فإنّ اقتحامَ خصوصيةِ الإنسانِ وتصويرَه دون رضاه علي الطريق اعتداءٌ على حقِّه في العيش بأمان وكرامة.

 واعتبر النبي صلي الله عليه وسلم نظافة البيئة العامة شعبة من شعب الإيمان. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلي الله عليه وسلمقال:"الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ"( مسلم) .

ومن ثمّ فالحفاظُ على البيئةِ لا يُفهَمُ في إطارِ الطبيعةِ وحدها، بل يشملُ البيئةَ الإنسانيةَ والاجتماعية التي يعيشُ فيها المرءُ آمنًا محترمًا، لا يخشى عينًا تتربّصُ ولا عدسةً تترصّد.

فليست القضيةُ في الآلةِ ذاتها؛ فالعدسةُ كالسكّين: تُصلِحُ وتُفسِد، وتُوثِّقُ حقًّا وتفضحُ سترًا - إنما المعيارُ في المقصدِ والأثر، لا في القدرةِ والإمكان- فليس كلُّ ما نستطيعُ تصويرَه يحقُّ لنا تصويرُه، وليس كلُّ ما صوّرناه يحقُّ لنا نشرُه

فالأصلُ أنّ الإنسانَ لا يُحوَّلُ إلى مادّةٍ للتصويرِ والعرضِ دون مراعاةِ حقِّه، ولا سيّما إذا كان في موضعٍ خاص، أو حالِ ضعفٍ أو مرضٍ أو فاقة، أو على هيئةٍ توقعُ به الحرجَ والضرر.

عباد الله :" والتصوير بغير إذن سخرية واستهزأ بالأخرين 

يشتدُّ الأمرُ ويتضاعفُ الإثمُ إذا اقترن التصويرُ بالسخريةِ أو التشهيرِ أو الانتقاصِ أو كشفِ العورات، أو باجتزاءِ المقاطعِ من سياقها حتى تدلَّ على غيرِ ما وقع.

 و تصوير الناس بدون إذنهم بغرض السخرية والاستهزاء بهم هو سلوك غير أخلاقي،

قال تعالى:"یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ‌لَا ‌یَسۡخَرۡ قَوۡم مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤء مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ"(الحجرات: ١١)، وفي قولِه :"عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرا مِّنۡهُمۡ

لفتةٌ عظيمة: فإنّ من تسخرُ منه قد يكونُ عند اللهِ أرفعَ منك منزلة، فتكونُ قد أهنتَ من أكرمَه اللهُ.وقال تعالى:"وَیۡل لِّكُلِّ هُمَزَة ‌لُّمَزَةٍ"(الهمزة: ١)،

 قال صلي الله عليه وسلم :"بَحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ"( مسلم)،

 وقال: "كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ"(مسلم).

عباد الله :" التصوير بغيرإذن أخطر من السب والقذف باللسان  وقد نبّه صلي الله عليه وسلم  إلى خطرِ الكلمةِ العابرةِ التي يستخفُّ بها صاحبُها، حيث قال: "إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ"(متفق عليه)،

فإذا كان هذا في كلمةٍ تُقال وتذهبُ مع الريح، فما القولُ في مقطعٍ يُنشَرُ فيبقى محفوظًا مُتداوَلًا، يُعادُ بثُّه بعد سنين، ويلاحقُ صاحبَه في عمله وبيته وبين أهله؟

عباد الله:" التصوير بغير إذن مسؤوليةُ يحاسب عليها أمام الله

قال تعالى مُذكِّرًا بالرقابةِ التي لا تغفل:"مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ ‌رَقِیبٌ عَتِید"(ق: ١٨)،

وقال:"وَإِنَّ عَلَیۡكُمۡ لَحَٰفِظِینَ  ‌كِرَاما كَٰتِبِینَ  یَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ"(الانفطار: ١٠-١٢)،

فإن غابت عنك عينُ الناس، فلن تغيبَ عنك عينُ الله.

وأقول ماتسمعون وأستغفروا الله 

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد

عباد الله :" هل التصوير في الأماكن العامة لإثبات حق مباح  جائز؟

يمكن القول إن التصوير في الأماكن العامة لإثبات حق ليس محظورًا على إطلاقه، وليس مباحًا بلا حدود في الوقت ذاته.

فالعبرة ليست فقط بأن التصوير تم في مكان عام، وإنما بمجموعة من العناصر، أهمها:

طبيعة الواقعة ومدى علانيتها والغرض من التصوير ومدى ضرورة التصوير وعدم الاعتداء على الحياة الخاصة وطريقة الحصول على التسجيل كيفية حفظه وتقديمه وعدم استخدامه في التشهيرأوالابتزازأوالنشرغير المشروع.

والفارق الجوهري هو أن توثيق واقعة لإثبات حق أمام جهة مختصة يختلف عن تصوير الأشخاص بقصد الإهانة أو التشهير أو انتهاك الخصوصية وفي جميع الأحوال، فإن التصرف الأكثر أمانًا هو الحفاظ على التسجيل الأصلي، وعدم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، وتقديمه إلى الشرطة أو النيابة أو المحكمة من خلال الطريق القانوني المناسب..

عباد الله:" التصوير بغير إذن انتهاك للحرمة واغتيال للبيئة ويجوز لك التصوير عند الاعتداء عليك والإبلاغ  لإثبات حقك ولكن لايجوزلك نشر ذلك علي صفحات التواصل إلاإذافاض بك الكيل ولم تحصل علي حقك فهنا يجوز..إذاأمنت العقاب  والضرر..وإلافلا تنشر..

هل فعلي هذا يحقّقُ نفعًا مشروعًا، أم يُوقِعُ ضررًا في حقِّ غيري؟

ولذلك ينبغي أن يكونَ تعاملُ المسلمِ مع المكانِ والإنسانِ والتقنيةِ قائمًا على سؤالٍ واحدٍ يَعرِضُ عليه فعلَه قبل أن يقع: هل فعلي هذا يحقّقُ نفعًا مشروعًا، أم يُوقِعُ ضررًا في حقِّ غيري؟

فإنّ الميزانَ واحدٌ وإن تعدّدت الصور؛ فمن ألقى القمامةَ في الطريق أفسدَ بيئةَ الناسِ الحسّية، ومن لوّثَ الماءَ أضرَّ بحياتهم وأرزاقهم، ومن أتلفَ شجرةً عبثًا أضرَّ بالمصلحةِالعامةِ وبمن يأتي بعده، ومن صوّرَ إنسانًا في وضعٍ خاصٍّ ونشرَ صورتَه بما يُوقِعُ به الحرجَ والأذى فقد أفسدَ جانبًا من البيئةِ الاجتماعيةِ والأخلاقية، وجرحَ كرامةَ نفسٍ كرّمها اللهُ بقوله:"وَلَقَدۡ ‌كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ"(الإسراء: ٧٠)

وكلُّ أولئك داخلون في عمومِ قولِه تعالى:"وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ ‌بَعۡدَ ‌إِصۡلَٰحِهَا لأعراف: ٥٦)؛ 

فالفسادُ في الأرضِ ليس لونًا واحدًا، ولا هو محصورٌ في الدخانِ  والنفاياتِ والاستنزاف، بل يشملُ كلَّ ما يُعكِّرُ صفوَ الحياةِ ويُنقِصُ أمانَ الناسِ في أنفسهم وأعراضهم..

وأقول قولي هذا وأقم الصلاة.

google-playkhamsatmostaqltradent