الإِبْدَاعُ وَالابْتِكَارُ.. رُؤْيَةٌ نَبَوِيَّةٌ لِبِنَاءِ الأُمَّةِ
الحمدُ للهِ الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسانَ
ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُه
ورسولُه، صلّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.....أما بعد...
أيها المسلمون...
يقول الله تعالى:{ وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم
مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَیۡـࣰٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَـٰرَ
وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ }
[سُورَةُ النَّحۡلِ: ٧٨]
خرجنا إلى الدنيا لا نعلم شيئًا... لكن
الله أودع في كل واحدٍ منا شيئًا يستحق أن يُكتشف.
فماذا لو كان في بيتك اليوم موهبةٌ لم تكتشفها؟!
ماذا لو كان ابنك كثيرَ الأسئلة، لا لأنه
مزعج...
بل لأن في رأسه عقلًا يبحث؟
وماذا لو كان الطفل الذي يفكك الأشياء ويركبها،
عنده موهبةٌ لو وجدت من يرعاها، لغيَّرت مستقبله؟
لكننا أحيانًا نقتلها بكلمة:بلاش لعب عيال!
،فنقتل الموهبة قبل أن تولد.
المشكلة ليست أن أبناءنا بلا مواهب...
بل أن بعض المواهب تموت أمام أعيننا...
لأننا لم نعرف كيف نراها.
حين نقرأ سيرة النبي ﷺ، سنعرف كيف كان يكتشف في أصحابه ما لا يراه
غيره فتعالوا إلى المدينة...
أحزاب المشركين تتجه إليها، والخطر يقترب،
والمسلمون أمام عدوٍّ كبير ، وهنا جاءت فكرة الخندق... فكرةٌ لم تكن من عادات العرب
في القتال، فأخذ النبي ﷺ بها، وحُفر الخندق، وشارك أصحابه في حفره...
وهذا المنهاج النبوي في فتح الباب للخبرات
الدنيوية هو نفسه ما تجلّى في موقفٍ آخر... ولكن هذه المرة بين النخل.
مرَّ رسول الله ﷺ بقومٍ يُلَقِّحون النخل، فقال:«مَا يَصْنَعُ
هَؤُلَاءِ؟» قالوا: يُلَقِّحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح.
فقال ﷺ:«مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا».
فتركوا التلقيح، فجاء الثمر رديئًا، فأُخبر
النبي ﷺ، فقال:
«إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ،
فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا
حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ». رواه مسلم.
وفي روايةٍ أخرى قال ﷺ:«أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ».
انتهى الحديث... وبدأ الدرس!
إذا كان الكلام عن الله، فسمعًا وطاعة.
وإذا كان الأمر في دين الله ووحيه، فلا
نقدم عليه رأيًا ولا تجربة.
أما شؤون الدنيا التي تقوم على الخبرة والتجربة:
لا تعرف الزراعة؟ اسأل الفلاح.
لا تعرف الطب؟ اسأل الطبيب.
لا تعرف الصنعة؟ اسأل صاحب الصنعة.
وهكذا ربّى النبي ﷺ أمةً تعرف متى تتبع، ومتى تسأل، ومتى تتعلم.
فلا تجعل جهلَك سببًا في السخرية من غيرك...
فقد يكون الشيء الذي تجهله أنت، هو الشيء
الذي فتح الله فيه على غيرك.
قال تعالى:{ فَسۡـَٔلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ
إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ }[الأَنبِيَاءِ: ٧]
وكما علَّمنا النبي ﷺ أنَّ لكلِّ أمرٍ أهلَه وخبرتَه، كذلك علَّمنا
أنَّ لكلِّ إنسانٍ طاقته التي وهبه الله إيّاها؛ فلم يكتفِ بذلك، بل أبى أن يجعل الصحابةَ
نسخًا مكررةً تُصبُّ في قالبٍ واحد.
فقال ﷺ : «أرْأَف أمتي بأمتي أبو بكرٍ، وأشدُّهم
في دينِ اللهِ عُمرُ، وأصدقُهم حياءً عثمانُ، وأقضاهم عليٌّ، وأفرضُهم زيدُ بنُ ثابتٍ،
وأقرؤهم أُبَيٌّ، وأعلمُهم بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ، ألا وإنَّ لكلِّ أمةٍ
أمينًا، وأمينُ هذه الأمةِ أبو عُبيدةَ بنُ الجرَّاحِ».
سبحان الله!
أبو
بكر له قوة الرحمة والاحتواء...
وعمر له قوة العدل والهيبة...
ومعاذ له قوة الفقه والعلم...
لم يقل لهم: كونوا جميعًا نسخةً واحدةً
من أبي بكر!
فليس كلُّ الناسِ أبا بكر،
ولا كلُّ الناسِ عمر،
ولا كلُّ الناسِ معاذًا؛
فالناسُ تتفاوتُ في طاقاتهم، وتختلفُ في
خبراتهم، ولكلٍّ منهم بابٌ من أبواب النفع.
بل نوّع الطاقات، لأن الماء في موضعه يسقي
الزرع، وفي غير موضعه يهدم البناء!
فيا عبدَ الله...
أتعرف ما أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان؟
أن يموت... وفي داخله شيءٌ لم يولد!
فكرةٌ قتلها بالخوف... وموهبةٌ دفنها بالكسل...
وقدرةٌ أضاعها وهو يقول: «ماذا سأصنع وحدي؟»
النبي ﷺ قال:
«احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ
بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ». رواه مسلم.
فلا تنتظر أن تتغير الدنيا حتى تبدأ...
ابدأ أنت.
إن أعطاك الله علمًا... فانفع به.
وإن أعطاك حرفةً... فأحسنها.
وإن أعطاك عقلًا... فلا تعش به عاطلًا.
وإن أعطاك موهبةً... فلا تدفنها قبل أن
يراها النور.
فربما لم يعطك الله هذه القدرة لتستمتع
بها وحدك...
بل أعطاك إياها لأن هناك إنسانًا ينتظر
نفعك.
وتذكّر قول الله عزوجل: { وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟
فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ
عَـٰلِمِ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ } [سُورَةُ
التَّوۡبَةِ: ١٠٥]
فلا تكن يومًا ممن عاشوا طويلًا... لكنهم
لم يتركوا وراءهم أثرًا.
عِشْ نافعًا... فإن العمر يمضي، والأثر
هو الذي يبقى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأشهدُ أن لا
إلهَ إلا اللهُ وليُّ الصالحين، وأشهدُ أن سيدنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ
وسلَّم وباركَ عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين.
أما بعد، عبادَ الله...
إذا كان اللهُ قد أعطى كلَّ إنسانٍ بابًا
من أبواب النفع، فليس المهمُّ فقط أن تعرفَ
أن عندك موهبةً أو قدرةً... المهمُّ ماذا ستفعلُ بها؟
فالقدرةُ لا تكبرُ وحدها، والموهبةُ لا
تصيرُ مهارةً بالتمنّي.
العلمُ يفتحُ الطريق،
والتدريبُ يصنعُ المهارة،
والعملُ يُخرجُها إلى الناس.
ولهذا كانت أولُ كلمةٍ نزلت من السماء:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
عبادَ الله...
ومع بداية عامٍ دراسيٍّ جديد، لا تجعلوا
العامَ الجديد مجردَ صفحةٍ جديدةٍ في التقويم، بل اجعلوه صفحةً جديدةً في
حياة الإنسان.
علمٌ جديدٌ يدخلُ عقلك،
ومهارةٌ جديدةٌ تتقنُها،
وخبرةٌ جديدةٌ تضيفُها إلى حياتك،
ثم يتحولُ كلُّ ذلك إلى عملٍ ينفعُ الناس.
قال رسولُ الله ﷺ:«مَن سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل
اللهُ له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.
فيا عبدَ الله...
لا يكفي أن يكون عندك شيءٌ مميز؛ تعلمْ
كيف تصنعُ منه شيئًا نافعًا.
ولا يكفي أن تكون لديك موهبة؛ امنحها من
وقتك حتى تصبح مهارة.
ولا يكفي أن تتعلم؛ اجعل علمك شيئًا يُرى
أثرُه في حياتك.
فالأممُ لا تُبنى بتشابه أبنائها، وإنما
تُبنى حين يتكاملُ ما عندهم من علمٍ ومهارةٍ وقدرة.
ولهذا...
لا تجعلوا هذا العامَ الدراسيَّ عامًا جديدًا
في أعماركم فقط؛ اجعلوه عامًا جديدًا في عطائكم.
اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا
وزدنا علمًا.
وافتح لنا أبوابَ الخير والنفع، وبارك في
أبنائنا وطلابنا ومعلمينا، واجعل العلمَ في حياتنا نورًا، والعملَ الصالحَ أثرًا.
وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيدنا محمد،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
عِبادَ اللهِ... إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ
وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمَُنْكَرِ وَالبَغْيِ،
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ،
وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ
ما تَصْنَعُونَ.