recent
أخبار عاجلة

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الإِبْدَاعُ وَالابْتِكَارُ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ ، لِلدُّكْتُورِ مُحَمَّدٍ حَرْزٍ،

 الإِبْدَاعُ وَالابْتِكَارُ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ 


الحَمْدُ لِلَّهِ الْخَالِقِ الْعَلِيمِ، الْمُدَبِّرِ الْحَكِيمِ، خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَدَبَّرَهُ، وَبَرَأَ كُلَّ مَوْجُودٍ وَسَيَّرَهُ، وَأَبْدَعَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ وَصَوَّرَهُ، الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَأَرشَدَهُ بِالوَحْيِ الحَكِيمِ، وَزَوَّدَهُ عَقْلاً وَفِكْرًا يَهْدِيهِ إِلَى الطَّرِيقِ القَوِيمِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شَرَعَ مِنَ الدِّينِ مَا يَدْعُو إِلَى استِقْلالِ الفِكْرِ وَإِعْمَالِ العَقْلِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، نَهَى عَنِ التَّبَعِيَّةِ العَمْيَاءِ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الجَزَاءِ.

يا آلَ بَيتِ رَسولِ اللَهِ حُبَّكُمُ ***فَرضٌ مِنَ اللهِ في القُرآنِ أَنزَلَهُ

يَكفيكُمُ مِن عَظيمِ الفَخرِ أَنَّكُمُ ***مَن لَم يُصَلِّ عَلَيكُم لا صَلاةَ لَهُ

أَمَّا بَعْدُ ….. فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الْأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢) عِبَادَ اللَّهِ: (الإِبْدَاعُ وَالابْتِكَارُ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ) عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.

 عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

 أَوَّلًا: دِينُنَا دِينُ الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، عِبَادَ اللَّهِ.

  ثَانِيًا: نَمَاذِجُ مِنَ الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، عِبَادَ اللَّهِ.

  ثَالِثًا وَأَخِيرًا: عَامٌ دِرَاسِيٌّ جَدِيدٌ عَلَى الْأَبْوَابِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: «الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ»، خَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا فَسَدَتْ فِيهِ الْعُقُولُ، وَانْحَرَفَتْ بِسَبَبِ بُعْدِهَا عَنْ مَنْهَجِ رَبِّهَا وَسُنَّةِ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.وَخَاصَّةً، وَشَبَابُنَا اغْتَرَّ بِالشَّرْقِ وَالْغَرْبِ فِي ابْتِكَارَاتِهِ وَإِبْدَاعَاتِهِ، وَوُصُولِهِ إِلَى الْفَضَاءِ، وَنَسِيَ هَؤُلَاءِ الشَّبَابُ، أَوْ تَجَاهَلُوا، أَنَّ الْإِسْلَامَ أَوَّلُ مَنْ شَرَعَ أَبْوَابَ الْإِبْدَاعِ، وَدَعَا إِلَى تَطْوِيرِ الْحَيَاةِ، وَأَمَرَ بِتَسْخِيرِ الْعَقْلِ لِمَا فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَخَاصَّةً، وَإِنَّ أُمَّتَنَا الْيَوْمَ بِحَاجَةٍ إِلَى عُقُولٍ مُبْدِعَةٍ، وَأَيْدٍ عَامِلَةٍ، وَشَبَابٍ قَادِرٍ عَلَى صِنَاعَةِ الْمُسْتَقْبَلِ، لَا عَلَى انْتِظَارِ مَا يَصْنَعُهُ الْآخَرُونَ.فَلْنَأْخُذْ مِنْ سِيرَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُوحَ الْمُبَادَرَةِ، وَحُسْنَ التَّخْطِيطِ، وَالشُّورَى، وَالِاسْتِفَادَةَ مِنَ الْخِبْرَاتِ، وَلْنَجْعَلِ الْإِبْدَاعَ وَسِيلَةً لِخِدْمَةِ الدِّينِ وَالْوَطَنِ وَالْإِنْسَانِ. وَخَاصَّةً، وَإِنَّ الْإِبْدَاعَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ اخْتِرَاعِ شَيْءٍ جَدِيدٍ، بَلْ هُوَ أَنْ يَسْتَخْدِمَ الْإِنْسَانُ عِلْمَهُ وَعَقْلَهُ فِيمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَيُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى ، لِذَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُرَبِّيَ أَبْنَاءَنَا عَلَى الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ وَالتَّفْكِيرِ، وَالْبَحْثِ، وَالتَّجْرِبَةِ، وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ، وَأَنْ نَفْتَحَ لَهُمْ أَبْوَابَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.

لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ****مِنْ هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلَا

إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ****أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُولَا

 أَوَّلًا: دِينُنَا دِينُ الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، عِبَادَ اللَّهِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: الْعَقْلُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنَّةٌ كَبِيرَةٌ، أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا، وَمَنَّ بِهَا عَلَيْنَا، وَفَضَّلَنَا وَمَيَّزَنَا عَلَى سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإِسْرَاءِ: 70]. وَقَالَ تَعَالَى:﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النَّحْلِ: 78].وَجَعَلَ الْإِنْسَانَ سَيِّدًا فِي هَذَا الْكَوْنِ بِعَقْلِهِ وَفِكْرِهِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: 13]. فَإِذَا تَمَّ الْعَقْلُ تَمَّ مَعَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَإِذَا ذَهَبَ الْعَقْلُ ذَهَبَ مَعَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ فَهُوَ عُنْوَانُ الرَّشَادِ، وَعِمَادُ السَّعَادَةِ. قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: «خَلَقَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ مِنْ عَقْلٍ بِلَا شَهْوَةٍ، وَخَلَقَ الْبَهَائِمَ مِنْ شَهْوَةٍ بِلَا عَقْلٍ، وَخَلَقَ ابْنَ آدَمَ مِنْ كِلَيْهِمَا، فَمَنْ غَلَبَ عَقْلُهُ شَهْوَتَهُ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَقْلَهُ فَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْبَهَائِمِ». قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ الْأَعْرَافِ: 179)هَؤُلَاءِ كَالْأَنْعَامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ! لِمَاذَا؟﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، لِمَاذَا؟ لَهُمْ أَعْيُنٌ، لَكِنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ بِهَا إِلَّا إِلَى الْحَرَامِ، وَلَهُمْ آذَانٌ، لَكِنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا إِلَّا الْحَرَامَ، وَلَهُمْ قُلُوبٌ، لَكِنَّهَا امْتَلَأَتْ بِالْحِقْدِ وَالْبَغْضَاءِ وَالْحَسَدِ وَالْكَرَاهِيَةِ. وَلَهُمْ عُقُولٌ، لَكِنَّهَا لَا تَفْقَهُ شَيْئًا، وَلَا تَعْرِفُ شَيْئًا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَدِينُنَا دَعَانَا إِلَى اسْتِثْمَارِ الْعُقُولِ فِي الْفِكْرِ وَالْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، ، فالتَّفكُّرُ فِي مَخْلُوقَاتِ اللهِ يَفْتَحُ أَبْوَابًا مَغْلَقَةً مِنْ نُورِ البَصِيرَةِ فِي الْعُلُومِ وَالأَفْهَامِ، وَتَحْرِيرِ الإِنْسَانِ مِنَ الْغَفْلَةِ وَالْجَهْلِ وَالْعُصْيَانِ، لذَا أَثْنَى اللهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى الْمُتَفَكِّرِينَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)) ( آلِ عِمْرَانَ: 190) ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ((ق: 37. قَالَ المُفَسِّرُونَ: “لِمَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ”. فَإِذَا طافَ عَقْلُكَ فِي الْكَائِنَاتِ، وَامْتَدَّ نَظَرُكَ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْمَجَرَّاتِ، وَالنُّجُومِ السَّائِرَاتِ، رَأَيْتَ عَلَى صَفَحَاتِهَا قُدْرَةَ اللَّهِ الْبَاهِرَةَ، وَامْتَلَأَ قَلْبُكَ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَانْطَلَقَ لِسَانُكَ بِالتَّنْزِيهِ، وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّسْبِيحِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَخَضَعَتْ مَشَاعِرُكَ وَجَوَارِحُكَ لِسُلْطَانِ الْخَالِقِ الْعَظِيمِ وَالْمُبْدِعِ الْحَكِيمِ، فَلَا خَالِقَ غَيْرَهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ إِذْ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 191]. وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَأَتْقَنَهُ وَأَبْدَعَهُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[البقرة: 117] و[الأنعام: 101]. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النَّمْلِ: 88]. فَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا صَنَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ بِإِتْقَانٍ وَإِبْدَاعٍ؛ فَلَوْ نَظَرْتَ إِلَى السَّمَاءِ وَارْتِفَاعِهَا إِتْقَانٌ، وَإِبْدَاعٌ مَا بَعْدَهُ إِبْدَاعٌ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ)[الملك: 3-4]، بَلِ انْظُرْ إِلَى الْأَرْضِ وَاتِّسَاعِهَا إِتْقَانٌ وَإِبْدَاعٌ مَا بَعْدَهُ إِبْدَاعٌ ، بَلْ لَوْ نَظَرْتَ إِلَى النُّجُومِ وَمَدَارَاتِهَا إِتْقَانٌ وَابْتِكَارٌ مَا بَعْدَهُ ابْتِكَارٌ، انْظُرْ إِلَى الْبِحَارِ وَأَمْوَاجِهَا إِتْقَانٌ وَإِبْدَاعٌ مَا بَعْدَهُ إِبْدَاعٌ ، بَلْ لَوْ نَظَرْتَ إِلَى الْجِبَالِ وَارْتِفَاعِهَا فَإِتْقَانٌ مَا بَعْدَهُ إِتْقَانٌ، وَإِبْدَاعٌ مَا بَعْدَهُ إِبْدَاعٌ! اللَّهُ أَكْبَرُ. بَلْ لَوْ نَظَرْتَ إِلَى نَفْسِكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ، لَرَأَيْتَ عَجَبًا عُجَابًا؛ خَلَقَكَ فَأَحْسَنَ خَلْقَكَ، وَصَوَّرَكَ فَأَحْسَنَ تَصْوِيرَكَ، وَأَبْدَعَ فِي خَلْقِكَ إِبْدَاعًا مَا بَعْدَهُ إِبْدَاعٌ، وَأَتْقَنَ فِي تَصْوِيرِكَ صُنْعًا مَا بَعْدَهُ إِتْقَانٌ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 6]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 14]. وَالْمُصَوِّرُ هُوَ مَنْ أَحْسَنَ وَأَبْدَعَ، وَأَخْرَجَ الشَّكْلَ النِّهَائِيَّ فِي كَامِلِ هَيْئَتِهِ وَبَهَائِهِ، وَأَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ؛ فَإِبْدَاعٌ مَا بَعْدَهُ إِبْدَاعٌ، وَابْتِكَارٌ مَا بَعْدَهُ ابْتِكَارٌ، وَإِتْقَانٌ مَا بَعْدَهُ إِتْقَانٌ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غَافِرٍ: 64]. فَالْإِتْقَانُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَالْإِبْدَاعُ فِي كُلِّ صُنْعٍ، وَالْحِكْمَةُ فِي كُلِّ خَلْقٍ، مِنْ آيَاتِ عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ قَالَ جَلَّ وَعَلَا:(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)[فصلت: 53].

وَالإِبْدَاعُ وَالابْتِكَارُ –لَيْسَا تَرَفًا وَلَا خِيَارًا، بَلْ هُمَا وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ وَضَرُورَةٌ وَاقِعِيَّةٌ، وَوَاجِبٌ وَطَنِيٌّ، وَعَمَلٌ إِنْسَانِيٌّ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ، وَمَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ»؛ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَالْإِبْدَاعُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا مَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَمَحْمُودٌ عَقْلًا. يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»؛ [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ]. فَبِالإِبْدَاعِ وَالابْتِكَارِ تَزْدَهِرُ الْحَيَاةُ، وَتُعَمَّرُ الأَرْضُ، وَتُبْنَى الْحَضَارَاتُ. 

وَأَوَّلُ مَنْ أَبْدَعَ وَابْتَكَرَ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَهَذَا هُوَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَبْتَكِرُ وَيُبْدِعُ فِي صُنْعِ السَّفِينَةِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ۝ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هُود: 38-39]. وَهَذَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَّمَهُ اللهُ صِنَاعَةَ الدُّرُوعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: 80]. وَهَذَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، سَخَّرَ اللهُ لَهُ مَا لَمْ يُسَخِّرْ لِغَيْرِهِ، فَسَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ، وَأَسَالَ لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ، وَعَلَّمَهُ صِنَاعَةَ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ. وَهَذَا ذُو الْقَرْنَيْنِ، أَبْدَعَ وَابْتَكَرَ فِي طَرِيقَةِ تَسْخِيرِ الْمَعَادِنِ وَاسْتِخْدَامِهَا، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى لِسَانِهِ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الْكَهْفِ: 96].فَالإِبْدَاعُ وَالابْتِكَارُ لَيْسَا أَمْرًا دَخِيلًا عَلَى حَيَاةِ الْمُسْلِمِ، بَلْ هُمَا مِنْ أَسْبَابِ عِمَارَةِ الأَرْضِ، وَتَحْقِيقِ النَّفْعِ لِلنَّاسِ، وَاسْتِخْدَامِ مَا وَهَبَنَا اللهُ مِنْ عُقُولٍ وَقُدُرَاتٍ فِي مَا يَرْضَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَيْفَ لَا؟ وَالْإِسْلَامُ دِينُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَالْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، وَدِينُ الْبِنَاءِ وَالْإِعْمَارِ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ بَعِيدًا عَنْ رُوحِ الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، بَلْ كَانَ يُشَجِّعُ عَلَى التَّفْكِيرِ، وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، وَالِاسْتِفَادَةِ مِنَ الْخِبْرَاتِ وَالتَّجَارِبِ،. فالْإِبْدَاعُ وَالِابْتِكَارُ لَا يَعْنِيَانِ مُخَالَفَةَ الدِّينِ، وَلَا تَرْكَ الْأُصُولِ وَالثَّوَابِتِ، بَلْ يَعْنِيَانِ أَنْ نُحْسِنَ اسْتِخْدَامَ مَا وَهَبَنَا اللَّهُ مِنْ عُقُولٍ وَمَوَاهِبَ وَطَاقَاتٍ، لِنَبْنِيَ وَنُصْلِحَ، وَنَخْدُمَ دِينَنَا وَدُنْيَانَا، وَنَنْفَعَ أُمَّتَنَا وَمُجْتَمَعَنَا.

لِلَّهِ فِي الْآفَاقِ آيَاتٌ لَعَلَّ *** أَقَلَّهَا هُوَ مَا إِلَيْهِ هَدَاكَا

وَلَعَلَّ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ آيَاتِهِ *** عَجَبٌ عُجَابٌ لَوْ تَرَى عَيْنَاكَا

وَالْكَوْنُ مَشْحُونٌ بِأَسْرَارٍ إِذَا *** حَاوَلْتَ تَفْسِيرًا لَهَا أَعْيَاكَا

  ثَانِيًا: نَمَاذِجُ مِنَ الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، عِبَادَ اللَّهِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: نَبِيُّنَا أَنْشَأَ جِيلًا يَقْرَأُ، وَيَتَعَلَّمُ، وَيُفَكِّرُ، وَيَسْأَلُ، وَيَجْتَهِدُ، وَيُبَادِرُ، وَيَبْحَثُ عَنِ الْوَسَائِلِ الَّتِي تُحَقِّقُ الْمَقَاصِدَ وَتَحْفَظُ الْمَصَالِحَ؛ لِذَا ظَهَرَتْ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنَ الْإِبْدَاعِ فِي التَّعْلِيمِ، وَالْإِدَارَةِ، وَالدَّعْوَةِ، وَالدِّفَاعِ، وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ، وَاسْتِثْمَارِ الطَّاقَاتِ ،وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعِيدًا عَنْ رُوحِ الْإِسْلَامِ، الَّتِي جَعَلَتِ الْعِلْمَ مِفْتَاحَ التَّقَدُّمِ، وَالْعَقْلَ أَدَاةً لِلِاجْتِهَادِ، وَالتَّجْرِبَةَ سَبِيلًا إِلَى اكْتِشَافِ الْأَنْفَعِ وَالْأَصْلَحِ. وَكَيْفَ لَا؟ وَلَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، فَقَالَ : «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]. فَانْظُرُوا، عِبَادَ اللَّهِ، إِلَى هَذَا الْمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ الْعَظِيمِ؛ فَالنَّبِيُّ لَمْ يُرَبِّ أَصْحَابَهُ عَلَى الْجُمُودِ، وَلَمْ يُعَوِّدْهُمْ عَلَى انْتِظَارِ الْحُلُولِ جَاهِزَةً، بَلْ رَبَّاهُمْ عَلَى الْعِلْمِ، وَالْفَهْمِ، وَالِاجْتِهَادِ، وَحُسْنِ النَّظَرِ فِي الْأُمُورِ وَكَيْفَ لَا؟ وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَرِيصًا عَلَى تَنْمِيَةِ مَلَكَةِ التَّفْكِيرِ وَالْإِبْدَاعِ لَدَى أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.                            فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: «لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا».


 وَكَيْفَ لَا؟ وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَهُ، وَيَسْتَمِعُ إِلَى آرَائِهِمْ، وَيَأْخُذُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 159) فَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، أَشَارَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى النَّبِيِّ بِمَوْقِعٍ آخَرَ لِنُزُولِ الْجَيْشِ، حِينَ سَأَلَ النَّبِيَّ : «أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟». فَقَالَ : «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ». فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْحُبَابُ بِالْمَكَانِ الَّذِي رَآهُ أَصْلَحَ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ بِرَأْيِهِ، وَنَقَلَ الْجَيْشَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشَارَ بِهِ الْحُبَابُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمَا حَدَثَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، حِينَ أَشَارَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَعْرُوفَةً عِنْدَ الْفُرْسِ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ بِهَذِهِ الْفِكْرَةِ، وَشَارَكَ أَصْحَابَهُ فِي تَنْفِيذِهَا، فَكَانَتْ هَذِهِ الْفِكْرَةُ سَبَبًا مُهِمًّا فِي حِمَايَةِ الْمَدِينَةِ وَإِفْشَالِ خُطَّةِ الْأَحْزَابِ. 

فَهَذِهِ صُورَةٌ رَائِعَةٌ مِنْ صُوَرِ الْإِبْدَاعِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْ خِبْرَاتِ الْآخَرِينَ، فَالْمُسْلِمُ الْمُبْدِعُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي الْأَخْذِ بِالْفِكْرَةِ النَّافِعَةِ، وَلَا يَرُدُّ الْحَقَّ لِكَوْنِهِ جَاءَهُ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ يَبْحَثُ عَنِ الْأَنْفَعِ وَالْأَصْلَحِ وَيَسْعَى إِلَى تَحْقِيقِهِ.


وَكَيْفَ لَا؟ وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ: أنه صلى الله عليه وسلم كَانَ  يَسْتَخْرِجُ الْمَوَاهِبَ، وَيَقُومُ بِرِعَايَتِهَا وَتَحْفِيزِ أَصْحَابِهَا، فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟». قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:« يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قُلْتُ:( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ:« وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ». 

وعَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ».، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ. 

فَقَدْ تَخَرَّجَ مِنْ تَحْتِ يَدَيْهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جِيلٌ مِنَ الْعَبَاقِرَةِ الْمُبْدِعِينَ الْمُبْتَكِرِينَ؛ فَهَا هُوَ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارُ يَبْتَكِرُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْبَرًا مِنْ خَشَبٍ؛ لِيَتَمَكَّنَ النَّاسُ مِنْ رُؤْيَتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ يَخْطُبُ. 

وَهَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَتَعَلَّمُ السُّرْيَانِيَّةَ وَيُتْقِنُهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.

 وَهَا هُوَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُدِيرُ حِيلَةً مُتْقَنَةً، وَمَكِيدَةً مُحْكَمَةً، يُوقِعُ بِهَا الْفُرْقَةَ وَالرِّيْبَةَ بَيْنَ الْأَحْزَابِ الَّذِينَ أَتَوْا لِاسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ خَانُوا وَغَدَرُوا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ. 

وَهَا هُوَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُبْدِعُ فِي التَّخْطِيطِ الْعَسْكَرِيِّ الْحَرْبِيِّ، فَيُقَسِّمُ الْجَيْشَ قَلْبًا وَمَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ الْمَيْمَنَةَ مَيْسَرَةً، وَالْمَيْسَرَةَ مَيْمَنَةً؛ لِيُوهِمَ الْعَدُوَّ بِقُدُومِ الْمَدَدِ. 

فَهَؤُلَاءِ هُمْ تَلَامِيذُ الْمَدْرَسَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ جِيلٌ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ جِيلٍ يَحْفَظُ وَيَرْوِي، بَلْ كَانَ جِيلًا يُفَكِّرُ وَيُبَادِرُ وَيَبْتَكِرُ وَيُحْسِنُ اسْتِثْمَارَ مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ عِلْمٍ وَعَقْلٍ وَقُدْرَةٍ، فَصَنَعُوا بِذَلِكَ حَضَارَةً وَأَقَامُوا دَوْلَةً وَنَفَعُوا الْبَشَرِيَّةَ. 

فَكَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ الْمُبْدِعِينَ، فَبَنَى مُجْتَمَعًا جَدِيدًا عَلَى أَسَاسِ الشُّورَى وَالْعَدْلِ، وَابْتَكَرَ أَسَالِيبَ دَعَوِيَّةً وَإِدَارِيَّةً لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهَا أَحَدٌ. فَأَيُّ أَجْرٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي تَطْوِيرِ فِكْرَةٍ، أَوْ تَسْهِيلِ حَيَاةٍ، أَوْ تَعْلِيمِ عِلْمٍ، أَوْ تَقْدِيمِ حَلٍّ لِمُشْكِلَةٍ؟ انْظُرُوا إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَيْفَ جَعَلَ مِنْ أَسْرَى بَدْرٍ مُعَلِّمِينَ، يُعَلِّمُونَ الْمُسْلِمِينَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ، لِيَبْدَأَ أَوَّلُ مَشْرُوعٍ تَعْلِيمِيٍّ فِي الْإِسْلَامِ.وَانْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْفَ نَظَّمَ السُّوقَ، وَرَتَّبَ الْجُيُوشَ، وَأَرْسَلَ الْبُعُوثَ، كُلُّ ذَلِكَ بِرُوحِ الْمُبْدِعِ، وَنَفْسِ الْمُجَدِّدِ، وَعَقْلِ الْمُفَكِّرِ. فَالْإِتْقَانُ، وَالِاجْتِهَادُ، وَتَجْوِيدُ الْعَمَلِ، وَإِحْسَانُ الْإِنْتَاجِ، كُلُّهَا صِفَاتٌ حَضَارِيَّةٌ إِسْلَامِيَّةٌ، تَمْتَدُّ إِلَى جَمِيعِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ؛ كَالطِّبِّ، وَالْهَنْدَسَةِ، وَالصِّنَاعَةِ، وَالْعُلُومِ الْحَدِيثَةِ.

 وَخَابَ قَوْمٌ وَخَسِرُوا حِينَ ظَنُّوا أَنَّ الْإِبْدَاعَ وَالِابْتِكَارَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمُخَالَفَةِ شَرِيعَةِ اللَّهِ وَتَحَدِّيِهَا! خَابَ قَوْمٌ وَخَسِرُوا حِينَ ظَنُّوا أَنَّ الْإِبْدَاعَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَقْضِ بِنَاءِ الْإِسْلَامِ وَابْتِغَاءِ عُيُوبِهِ، وَمَا لَهُ مِنْ عُيُوبٍ!خَابَ قَوْمٌ وَخَسِرُوا حِينَ «أَبْدَعُوا» فِيمَا يُغْضِبُ اللَّهَ مِنْ «فُنُونِ» الرَّقْصِ وَالْغِنَاءِ وَالْخَلَاعَةِ على مواقع التواصل! خَابَ قَوْمٌ وَخَسِرُوا حِينَ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْإِبْدَاعَ وَالِابْتِكَارَ هُمَا الِانْفِلَاتُ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَأَنَّ الْإِبْدَاعَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِذَلِكَ! كَلَّا، عِبَادَ اللَّهِ! فَالْإِبْدَاعُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ فِي مُخَالَفَةِ شَرْعِ اللَّهِ، وَلَا فِي هَدْمِ الْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ، بَلْ هُوَ فِي تَسْخِيرِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالطَّاقَاتِ فِي كُلِّ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَيُعَمِّرُ الْأَرْضَ، وَيُرْضِي اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا. أُمَّتُنَا – أَيُّهَا السَّادةُ – لَا يَنْقُصُهَا الْمَالُ وَلَا الْعُقُولُ، لَكِنَّهَا بِحَاجَةٍ إِلَى رُوحِ الْمُبَادَرَةِ، إِلَى احْتِرَامِ الْمَوْهِبَةِ، إِلَى إِشَاعَةِ ثَقَافَةِ الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ.

 وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مَمْلُوءَةٌ بِأَحَادِيثَ تَحُثُّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، وَعَلَى التَّفْكِيرِ وَالتَّطْوِيرِ؛ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»؛ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ؟ أَيْنَ نحن مِنِ احْتِضَانِ الْمُبْدِعِينَ؟ أَيْنَ مَدَارِسُنَا مِنْ تَبَنِّي الْمَوَاهِبِ؟ أَيْنَ إِعْلَامُنَا مِنْ تَشْجِيعِ الْعُقُولِ؟ إِنَّ أُمَّتَنَا الَّتِي أَخْرَجَتِ ابْنَ الْهَيْثَمِ فِي الْبَصَرِيَّاتِ، وَالْخَوَارِزْمِيَّ فِي الْجَبْرِ، وَابْنَ النَّفِيسِ فِي الطِّبِّ، قَادِرَةٌ أَنْ تَعُودَ، بِشَرْطِ أَنْ تُؤْمِنَ أَنَّ الْإِبْدَاعَ لَيْسَ خِيَانَةً لِلْمَاضِي، بَلْ امْتِدَادٌ لَهُ، وَأَنْ تُوقِنَ أَنَّ مَا لَا يَتَطَوَّرُ يَمُوتُ، وَأَنَّ الْجُمُودَ عَدُوُّ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: 105]. وَلِلَّهِ دَرُّ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ قَالَ:

أَخِي لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ****سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَانِ

ذَكَاءٌ، وَحِرْصٌ، وَاجْتِهَادٌ، وَبُلْغَةٌ****وَصُحْبَةُ أُسْتَاذٍ، وَطُولُ زَمَانِ

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمْدُ للهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِاسْمِ اللهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، أَمَّا بَعْدُ:

  ثَالِثًا وَأَخِيرًا: عَامٌ دِرَاسِيٌّ جَدِيدٌ عَلَى الْأَبْوَابِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: لَا إِبْدَاعَ بِلَا عِلْمٍ، وَلَا ابْتِكَارَ بِلَا تَعَلُّمٍ، وَلَا تَقَدُّمَ بِلَا عُقُولٍ تَتَزَوَّدُ بِالْمَعْرِفَةِ؛ فَالْوَحْيُ قَدْ بَدَأَ بِكَلِمَةٍ عَظِيمَةٍ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [الْعَلَقِ: 1]. وَأَكَّدَ الْقُرْآنُ أَهَمِّيَّةَ الْعِلْمِ وَمَكَانَةَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [الْمُجَادِلَةِ: 11]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: 9]. وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ التَّعْلِيمَ مَشْرُوعًا مُسْتَمِرًّا، فَقَالَ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. فَالْعِلْمُ هُوَ أَسَاسُ الْإِبْدَاعِ، وَالْمَعْرِفَةُ هِيَ الطَّرِيقُ إِلَى الِابْتِكَارِ، وَبِالْعِلْمِ تَرْتَقِي الْأُمَمُ وَتَبْنِي الْحَضَارَاتِ. وَهَذَا يَجْعَلُ الْإِقْبَالَ عَلَى التَّعَلُّمِ عِبَادَةً وَقِيمَةً حَضَارِيَّةً فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ؛ فَكُلَّمَا اتَّسَعَ عِلْمُ الْإِنْسَانِ، اتَّسَعَ أُفُقُهُ، وَقَوِيَ تَفْكِيرُهُ، وَازْدَادَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى الْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، وَخِدْمَةِ دِينِهِ وَأُمَّتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ.

نَحْنُ عَلَى أَعْتَابِ عَامٍ دِرَاسِيٍّ جَدِيدٍ، وَتَدُورُ الْأَيَّامُ دَوْرَتَهَا، وَتَعُودُ الْحَيَاةُ إِلَى طَبِيعَتِهَا، وَيَنْطَلِقُ قِطَارُ التَّعْلِيمِ، وَتَنْطَلِقُ مَعَهُ حَيَاةٌ جَدِيدَةٌ، مِلْؤُهَا التَّفَاؤُلُ وَالْأَمَلُ، وَإِنَّهُ لَأَمْرٌ يَسْتَحِقُّ التَّفَكُّرَ وَالتَّأَمُّلَ، وَكَيْفَ لَا؟ وَقَدْ قَالَ : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.  

وَالْوَاجِبُ عَلَى الْآبَاءِ أَنْ يَغْرِسُوا الْهِمَمَ فِي أَوْلَادِهِمْ، وَأَنْ يَحْرِصُوا عَلَى تَعْلِيمِهِمْ وَتَرْبِيَتِهِمْ تَرْبِيَةً صَحِيحَةً، وَأَنْ يَصْبِرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَعْبُرُوا بِهِمْ إِلَى بَرِّ الْأَمَانِ. فَالْأَوْلَادُ أَمَانَةٌ، وَتَرْبِيَتُهُمْ أَمَانَةٌ، وَتَعْلِيمُهُمْ أَمَانَةٌ، سَتُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَإِذَا حَافَظْتَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ صُنْتَ الْأَمَانَةَ، وَإِذَا أَهْمَلْتَهُمْ فَقَدْ خُنْتَ الْأَمَانَةَ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ

فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».

 فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ فِي أَوْلَادِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَعْلِيمَهُمْ وَتَرْبِيَتَهُمْ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَسْؤُولِيَّةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، بَلْ هِيَ أَمَانَةٌ وَعِبَادَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ سَتَقِفُونَ عَنْهَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى. فَابْذُلُوا لِأَوْلَادِكُمْ وَقْتَكُمْ وَجُهْدَكُمْ، وَشَجِّعُوهُمْ عَلَى الْعِلْمِ وَالْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، وَافْتَحُوا لَهُمْ أَبْوَابَ الْأَمَلِ، فَرُبَّ عَقْلٍ صَغِيرٍ تَرْعَاهُ الْيَوْمَ يَكُونُ غَدًا سَبَبًا فِي نَهْضَةِ أُمَّةٍ وَبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ. شَجِّعُوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى التَّفْكِيرِ وَالْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، وَاحْتَرِمُوا مَوَاهِبَهُمْ، وَادْعَمُوا مَشَارِيعَهُمُ الصَّغِيرَةَ؛ فَقَدْ كَانَتْ أُمَّةُ الْإِسْلَامِ يَوْمًا تَقُودُ الْعَالَمَ بِعُقُولِ أَبْنَائِهَا، لَا بِعُقُولِ غَيْرِهَا، وَيَكْفِينَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ زَرَعَ الْإِبْدَاعَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأُمِّيَّةِ هُوَ رَسُولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. امْنَحُوا ابْنَكَ دَقَائِقَ مِنْ وَقْتِكَ لِلِاسْتِمَاعِ إِلَى أَفْكَارِهِ، فَقَدْ تَكُونُ لَدَيْهِ فِكْرَةُ مَشْرُوعٍ أَوِ اخْتِرَاعٍ بَسِيطٍ؛ فَلَا تَسْتَهْزِئْ بِهَا، وَلَا تُحَبِّطْهُ، بَلْ شَجِّعْهُ وَوَجِّهْهُ وَسَاعِدْهُ عَلَى تَطْوِيرِهَا. فَرُبَّ فِكْرَةٍ صَغِيرَةٍ تَسْتَهِينُ بِهَا الْيَوْمَ، تَكُونُ غَدًا سَبَبًا فِي اخْتِرَاعٍ نَافِعٍ، أَوْ مَشْرُعِ ناجح.

شَجِّعُوا أَوْلَادَكُمْ عَلَى الْعِلْمِ وَتَحْصِيلِهِ، وَقُولُوا لَهُمْ:

مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّهُمُ****عَلَى الْهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ

وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ***وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ

فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعِشْ حَيًّا بِهِ أَبَدًا****النَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ

حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.    

 

google-playkhamsatmostaqltradent