أنزلوا الناس منازلهم
الحمد لله الذي أرسل رسوله شاهدا ومبشرا ونذيرا ، لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وإليه المصير ، سبحانه وتعالى هو القائل في كتابه الحكيم : ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا ، الإسراء ، ٧٠ ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلي يوم الدين ، فاتقوا الله عباد الله ، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، واعلموا أنما هذه الحياة الدنيا هي دار ممر ، وأن الآخرة هي دار مقر ومستقر ، فخذوا عباد الله من ممركم لمقركم ، وتأهبوا لحسابكم وعرضكم علي ربكم ، سبحانك اللهم سبحانك لا نحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت علي نفسك ،
أما بعد :
فإن خطبة الجمعة اليوم في عموم مساجد جمهورية
مصر العربية كما أعلنت وزارة الأوقاف المصرية عن : انزلوا الناس منازلهم ، فإن المسلم
مأمور أن ينزل الناس منازلهم ، وان يعطي لكل ذي قدر قدره ، ولكل ذي حق حقه ، ولن يفعل
المسلم ذلك إلا إذا قدم كامل الإجلال والتعظيم إلي الله عز وجل أولا ، قال الرسول الكريم
صلى الله عليه وسلم : أن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير
الغالي فيه والجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط ، ابو داوود ، ولذلك لابد أولا
من إجلال الله بما يتناسب مع كماله وجلاله وجماله ، معتقدا بكل ما من شأنه ان يتناسب
مع ألوهيته وربوبيته ، مبتعدا به تماما عن مماثلة الحوادث معني وشكلا من تمثيل وتجسيم
وتشبيه ، فقد كان الله ولم يكن شئ معه وكان عرشه علي الماء ، ثم خلق العالم ، ليس كمثله
شئ وهو السميع البصير ، ومن إجلال الله الابتعاد تماما عن التفكير في ذاته ، وانما
التفكير في إبداعاته ومخلوقاته ، فالقدم تدل علي المسير ، والبعرة تدل علي البعير ،
أفلا تدل سماء ذات ابراج ، وأرض ذات فجاج علي اللطيف الخبير ؟! قال تعالي : وما قدروا
الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى
عما يشركون ، ومن الاجلال والتعظيم والتوقير لله تنفيذ أوامره والابتعاد عن نواهيه
، فإنك إن تتق محارم الله تكن أعبد الناس ، فإن الله يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن
ما حرم الله تبارك الله ، ومن التعظيم الواجب لله إلا تسب ما يعبد الآخرون ، فقد زين
الشيطان لهم أعمالهم ، يرونها حقا وصدقا وعدلا ، فإنك إن عبت أو سببت آلهتهم سبوا الله
عدوا بغير علم ، قال تعالي : ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا
بغير علم ، الأنعام /١٠٨
) ...
ثم توقير الرسول الكريم وتعظيمه بما يتناسب
مع صلاة الله عليه من الأزل ولا يزل ، كان نبيا وإن آدم لمنجدل في طينته ، وما يتناسب
مع الآية الكريمة : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ، الأنبياء ، ١٠٧ ، وما يتناسب مع
الآية الكريمة : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين
رؤوف رحيم ، التوبة ، ١٢٨ ، فإن من إجلال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن مبلغ
العلم فيه أنه بشر ، وأنه خير خلق الله كلهم ، ومن إجلال الرسول الكريم : أن يكون الله
ورسوله أحب إليك مما سواهما ، أو كما قال زيد بن الدثنة رضي الله عنه مخاطبا أبي سفيان
بن حرب : والله ما أحب أن أكون في مكاني أنعم ورسول الله تصيبه شوكة تؤذيه ، فيقول
أبو سفيان : والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كما رأيت أصحاب محمد يحبون محمدا ، وهم يفتدون
رسول الله بأرواحهم ، يعتقدون في أن المرء يحشر مع من أحب كما قال سيدي صلي الله عليه
وسلم ، فإذا أعطيت الله حقه من الاجلال ، واعطيت رسوله حقه من التوقير ، فأنزل الناس
منازلهم كالتالي
:
أولا توقير الوالدين ، فقد خاب وخسر من
أدرك والديه في الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة ، فإن من أفضل الأعمال بر
الوالدين ، فقد رفض الرسول الكريم التحاق شاب بالجهاد معه لما علم بوجود والديه ، قال
: ففيهما فجاهد ، وقد جاء بر الوالدين في آيات كثيرة ، كقوله تعالي : ولا تقل لهما
أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما
كما ربياني صغيرا
...
ثانيا توقير كبار السن واحترامهم ، وعلي
رأسهم العلماء ، فإنهم مصابيح الهدي ، وورثة الانبياء ، ما يتركونه من علم نافع صدقة
جارية ، وان من في السموات والأرض ، والحيتان في الماء ، والنملة في جحرها يستغفرون
لمعلمي الناس الخير ، وتوقير كبار السن ، قال الرسول الكريم : ليس منا من لم يوقر كبيرنا
ويرحم صغيرنا ، فما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه ، ومن التوقير
والتعظيم أن يسلم الراكب علي الماشي ، والقليل علي الكثير ، والماشي علي الجالس ، فإذا
ألقيت تحية الإسلام علي من عرفت ومن لم تعرف ، لا يجب أن يري منك المسلم غدرا وحقدا
وحسدا وطعنا وغمزا وسبا وشتما وغيبة ونميمة وكذبا وشهادة زور ، ومن الاحترام والتوقير
ألا تسخر من أخيك المسلم متفاخرا عليه بمال أو صحة أو جاه أو جمال أو سلطان أو حسب
أو نسب ، قال تعالي : ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسي أن يكونوا خيرا
منكم ولا نساء من نساء عسي أن يكن خيرا منهن ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق
بعد الإيمان ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون ، الحجرات /١١ ) ، وقال الرسول الكريم
: حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، وفي الحديث : رب عبد أشعث اغبر مدفوع عند
الأبواب لو أقسم على الله لأبره ، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
ثالثا الاحترام والتوقير لكل من هم إخوة
في الإنسانية وان اختلفت الملل والمعتقدات ، فكلنا لادم وآدم من تراب ، فقد خلق الله
آدم علي صورته ، واسجد له ملائكته ، وعلمه الأسماء كلها ، كما أن الله كرم بني آدم
علي وجه العموم ، وحملهم في البر والبحر ، ورزقهم من الطيبات ، وفضلهم علي كثير ممن
خلق تفضيلا ، قال تعالي : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم
من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين ، الممتحنة/ ٨) ، فالقسط والبر
يشمل التعامل معهم ، والزواج منهم ، وأكل طعامهم ، ومشاركتهم اجتماعيا لا عقائديا في
كل مناسباتهم ، لأننا نتشارك في وطن واحد ، نزود عنه معا ، ونعيش من أجله معا ، ونموت
من أجله معا
....
كما تتضمن الخطبة معان أخري ، وصلي الله
على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ...