recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الأساليب التعليمية والتربوية في المدرسة النبوية للشيخ محمد عبد التواب سويدان

  الأساليب التعليمية والتربوية في المدرسة النبوية 

                                      

      


الحمد لله العليم الحكيم، وأشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، أنقذنا بالإسلام من كل كرْبٍ وضيق وهدانا بالنبي محمد إلى أعظم طريق، صلِّ اللهم على هذا النبي التقي النقي، صلاةً تليق بجودك العظيم، وبمقامه الكريم فقد فضَّلته على سائر النبيين، فاللهم ارض عنَّا بالصلاة عليه، واجعلنا من خير الواصلين إليه.  وبعد: معاشرَالمسلمين، فلقد بعث الله عز وجل نبيه محمد مبشرًا ونذيرًا، ومعلمًا وميسرًا، ومربيًا ومزكيًا، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ [الأحزاب ]، وقال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [الجمعة ]، وعن جابر رضي الله عنه أن النبي قال: ((إن الله لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلمًا وميسرًا))؛ رواه مسلم.

بعثه الله تعالى في أمة سيطر عليها الجهل والضلالة،واستولت عليها البدع والخرافة، فصنع بإذن الله منها أمةً حاملةً لرسالة العلم والتعليم. ولقد قضى ما عليه، وبلَّغ ما عُهد إليه، نَعَمْ عباد الله، لقد أفنى رسول الله عُمُرَه كُلَّه في سبيل تبليغ رسالة ربه، وعلَّم أمته كلَّ شيءٍ حتى إن بعض المشركين قال لسلمانَ الفارسي: "إنا نرى صاحبكم يعلمكم كُلَّ شيءٍ حتى الخِراءَة"، قال سلمان: "نعم، لقد نهانا أنْ نستقبلَ القبلةَ بغائطٍ أو بولٍ، أو أن نستنجيَ برجيعِ دابةٍ أو عَظْمٍ".

=أيها المسلمون.* ولقد نوَّع النبي الكريم في أساليب العرض، واستحدث طرقًا للتعليم ، فكان يعلِّم الناس في جميع أحواله، في مسجدِه، وفي حِلِّه وتَرْحاله، وفي بيته، يُحدِّث أصحابه وهو جالس أحيانًا، وهو واقف أحيانًا، وهو متَّكئ أخرى؛ وما مات حتى علَّم الناسَ كُلَّ شيءٍ، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: "لقد تركنا محمد وما يحرِّك طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكر لنا عنه عِلمًا"؛ رواه أحمدُ في مسندهِ، ويقول العباس: "والله ما مات رسول الله حتى ترك السبيل نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلال، وحرَّم الحرام، ونكح وطلَّق، وحارب وسالم"؛ رواه الدارمي، وقال بأبي هو وأمي ((تركتكم على بيضاءَ نقيةٍ، ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالكٌ))؛ أخرجه أحمد، وصححه الألباني.

=وكان يقدم الأهم فالأهم، ويعلم شيئاً فشيئاً، ليكون أقرب للفهم، وأثبت للحفظ، إذ أن إلقاء كل العلوم على المتعلم دفعة واحدة تسبب خسارة العلم كله.* فعن جندب بن عبد الله قال: كنا مع النبي ونحن فتيان حزاورة - أي: قاربنا البلوغ- فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً " [ابن ماجه].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب "[البخاري].

 وكان يستغل المواقف والأحداث ويربطها بالتعليم.*

إنَّ المواقف والأحداث تستثير مشاعر جياشة في النفس، فحين يستثمر هذا الموقفُ يقع التعليم موقعه المناسب ويبقى الحدث وما صاحبه من توجيه وتعليم صورة منقوشة تستعصي على النسيان. وهذا ما كان يستخدمه رسولنا الكريم المعلم الأول في تعليمه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قدم على رسول الله سبي، فإذا إمرأة من السبي تبتغي(أي تبحث عن ولدها)، إذا وجدت صبياً في السبى أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله «لله أرحم بعباده من هذه بولدها»(مسلم ).

 وكان شديد المراعاة للفروق الفردية بين المتعلمين من المخاطبين والسائلين، فكان يخاطب كل واحدٍ على قدر فهمه وبما يلائم منزلته وكان يحافظ على قلوب المبتدئين، فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين.* وكان يجيب على كل سائل من سؤاله بما يفهمه ويناسب حاله. ومن الشواهد على مراعاته للفروق الفردية في تعليمه ما رواه الإمام أحمد في مسنده: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «كنا عند النبي فجاء شاب فقال: يا رسول الله أُقبّل وأنا صائم؟ قال: لا، فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال نعم، فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله إني قد علمت لما نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه».

ومن الشواهد أيضًا على مراعاة النبي للفروق الفردية في تعليمه لصحابته وصاياه المختلفة لأناس طلبوا منه الوصية فأوصى كل واحد بغير ما أوصى به الآخر، ووجه ذلك يرجع إلى اختلاف أحوال الذين سألوا الوصية. فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قلت يا سول الله، أوصني، قال: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رجلا قال للنبي أوصني بشيء ولا كثر علي لعلي أعيه أي أحفظه واعقله قال: لا تغضب. فردد ذلك مرارًا، كل ذلك يقول: لا تغضب».

وروي البخاري عن أبي هريرة أيضاً «أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا أبدا ولا أنقص منه».

فلما ولي قال النبي من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.

وروى الترمذي عن عبد الله بن بسر: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني بشيء أتشبث به قال: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله».

وروى مسلم عن سفيان ابن عبد الله الثقفي قال: «قلت يا رسول قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال، قل: آمنت بالله ثم استقم».

وروى الترمذي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» وأحاديث أُخر من هذا الباب جاءت فيها وصايا النبي الجامعة المختلفة مراعاة لاختلاف أحوال السائلين وحاجاتهم. واختلاف أجوبة النبي لاختلاف أحوال السائلين وظروفهم وقدراتهم باب واسع له أمثلة كثيرة في كتب السنة المطهرة وما ذكرناه غيض من فيض.

 وتارةً كان يجيب السائل بأكثر مما سأل، إذا رأى أن به حاجة إلى معرفة الزائد عن سؤاله، وهذا من كمال رأفته- صلى الله عليه وسلم- ومن عظيم رعايته بالمتعلمين.* ومن الشواهد الدالة على ذلك الأسلوب: ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «سأل رجل- من بني مدلج- النبي فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فأجاب ذلك المدلجي البحار عن حكم التوضؤ بمائه، ثم أشفق على ذلك البحار أن يشتبه عليه حكم ميتة البحر وهي شيء يقع له أثناء إبحاره، فبين له أن ميتة البحر حلال أكلها والانتفاع بها فقال له زيادة على سؤاله: «الحل ميتته» فهذه الزيادة في الجواب مهمة لأنها بينت طهارة ماء البحر وان مات فيه ما مات وبينت حلّ تلك الميتة أيضًا. ومعرفة ذلك ضرورية للبحار لأنه قد يحتاج إلى أكل تلك الميتة في بعض الأحيان اختبارا أو اضطرارا فيأكل منها ويدخر ولا حرج عليه. وهذا الصنيع منه من الباب الخير في أسلوب التعليم واستيفاء ما يحتاج إليه المتعلم.

ومن ذلك أيضًا ما رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا- وهي حاجة، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» فأجابها النبي بأكثر مما سألت عنه فقد سألت عن حج الصبي: «فقال له حج»، وزادها: «ولك أجر» إذ هي المتولية لأمره، فأفادها بثبوت الأجر لها وذلك باعث قوي على حسن فعلها والاقتداء بها ممن يأتي بعدها من الأمهات والآباء في تحمل المشقات الشديدة باصطحاب الأولاد الصغار للحج إلى بيت الله المعظم ليُغرس في قلوبهم ومشاهد أنظارهم هذا المشهد العظيم وينطبع في نفوسهم هذا الركن الخامس الجسيم ولما في مشهد الصغار حول البيت من تحريك للقلوب والأرواح والدموع. كما يمكن استعمال هذا الأسلوب أيضًا في زيادة المعارف لدى الطلاب لبيان حرصه عليهم ألا يفوتهم ما ينفعهم ويكمّل لهم معرفتهم فيما اقتصروا على السؤال عنه.

 وكان من أبرز أساليبه في التعليم الحوار والمساءلة لإثارة انتباه السامعين وتشويق نفوسهم إلى الجواب، وحضهم على إعمال الفكر للجواب، ليكون جواب النبي إذا لم يستطيعوا الجواب- أقرب إلى الفهم وأوقع في النفس.* ومن الشواهد على ذلك، وهي كثيرة منها :

ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله : أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء قالوا: لا يا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا».

 وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، عن النبي قال : ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ، ويرفع به الدرجات ؟ ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط )(مسلم) .

وأحيانا يسألهم النبي عما يعلم أنهم لا عِلْم لهم به ، ويقصد إثارة انتباههم للموضوع ، ولفت أنظارهم إليه ، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله قال : ( أتدرون من المفلس؟ ، قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيُعْطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه ، ثم طرح في النار )(مسلم).

وأحيانا يسأل فيُحْسِن أحَدُ الصحابة الإجابة ، فيثني عليه ويمدحه ، تشجيعا له وتحفيزا لغيره ، كما فعل مع أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ حين سأله : ( يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ ، قال : قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : يا أبا المنذر ، أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم ؟ ، قال : قلت : { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ }(البقرة : من الآية 255) ، قال : فضرب في صدري وقال : لِيَهْنِكَ العلم ( هنيئا )أبا المنذر )(مسلم) فهذا الاستحسان والتشجيع من المعلم يبعث المتعلم على الشعور بالارتياح والثقة بالنفس ، ويدعوه هو وغيره إلى طلب وحفظ المزيد من العلم وتحصيله .

 وكان في كثير من الأحيان يستعين على توضيح المعاني التي يريد بيانها بضرب الأمثال، فللمثل أثر بالغ في إيصال المعنى إلى العقل والقلب،* ذلك أنه يقدم الأمر المعنوي في صورة حِسية فيربطه بالواقع ويقربه إلى الذهن، فضلا عن أن للمثل بمختلف صوره بلاغة تأخذ بمجامع القلوب وتستهوي العقول، ولذلك استكثر القرآن الكريم من ضرب الأمثال ، وذكر حكمة ذلك في آيات كثيرة ، فقال الله تعالى : { وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ }(العنكبوت:43) ..

وعلى هذا المنهج الكريم سار النبي فاستكثر من ضرب الأمثال ، حتى قال عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ : " عقلت عن رسول الله ألف مَثَل " ..

وقد أُلِفت كتب متعددة في الأمثال في الحديث النبوي .. وفي كتب الصحاح والسنن والمسانيد من تلك الأحاديث جملة وافرة فمن ذلك: ما رواه البخاري ومسلم « عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ».

وقال أيضا: «إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالحُ والجليسُ السوء، كحامِلِ المسك ونافخِ الكِيْرِ؛ فحاملُ المسك إِما أن يُحْذِيَكَ، وإِما أن تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه ريحا طيِّبة، ونافخُ الكير: إِما أن يَحرقَ ثِيَابَكَ، وإِما أن تجد منه ريحا خبيثَة» (البخاري)

 وفي هذا التشبيه النبوي الكريم أبلغ ترغيب في الخير وأزجر تحذير من الشر، بأقرب أسلوب يدركه المخاطَبون، وفيه إرشاد إلى الرغبة في صحبة الصلحاء والعلماء ومجالستهم فإنها تنفع في الدنيا والآخرة، وفيه أيضًا تحذير من صحبة الأشرار والفساق. ومن الأمثلة أيضًا، عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا»

فأيُّ معلمٍ كان.. بل أيُّ إنسانٍ.. أيُّ إيمانٍ.. وأيُّ عزمٍ.. وأيُّ مضاء

أيُّ خلقٍ.. وأيُّ أسلوبٍ.. وأيُّ عطاء وهل يظن ظانٌ أنه يوجد أو سيوجد على وجه الأرض من هو أسمى وأعلى وأشرف من الرسول صلى الله عليه وسلم معلِّما ومربِّياً؟ أسأل الله عز وجل أن يمنَّ علينا باتباع سنته وأن يجمعنا به في مستقر رحمته؛ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

*الخطبة الثانية:*

الحمد لله وكفي وصلاة وسلاما علي عباده الذين اصطفى وبعد : فمن مقومات التمكين في الأرض العلم ، والشيء الوحيد الذي أمر الله تعالى رسوله أن يطلب منه الزيادة هو العلم ، قال الله تعالى : { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً }(طـه) ومن ثم استمر النبي في العهد المكي والمدني يربي أصحابه ويعلمهم ، ويحثهم على مكارم الأخلاق ، ويوضح لهم دقائق الشريعة وأحكامها بأساليب علمية تربوية ومن هذه الوسائل :

 أنه كان يقايس لأصحابه الأحكام ويعللها لهم إذا اشتبهت عليهم مسالكها وغمض عليهم حكمها، فيتضح لهم ما اشتبه أمره، وخفي فهمه، ويكون لهم من تلك المقايسة معرفة بمسالك الشريعة ومقاصدها وفقه بمراميها البعيدة.* ومن شواهد هذا الأسلوب: ما رواه البخاري عن ابن عباس: «أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم، فقال: اقضوا حق الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء».

ومن ذلك أيضا ما رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: «أن ناسا من أصحاب النبي، قالوا له، يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور- يعني أهل الغنى بالثواب-، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم؟! قال: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكرٍ صدقة وفي بضع أحدكم صدقة- أي في معاشرة الرجل زوجته صدقة-. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ».

فقايس لهم مقايسة عقلية بين الأمرين حتى اتضح لهم الحكم وفهموا ما لم يكن يدر في خلدهم، وهو أن مثل هذا الاستمتاع المشروع يكون به للمرء أجر وثواب، لما يترتب عليه من الآثار الحسنة ومن هذا يدرك المعلم ما لهذا الأسلوب من أهمية فهو يساعد على الإقناع والاستمالة الوجدانية للائتمار بما يأمر به المعلم أو للتوضيح أثناء شرح فكرة ما حيث يحول الأستاذ الأمور المعنوية إلى حسية كما فعل- ، إضافة إلى تعليم الطلاب المقايسة بين الأمور المتشابهة وأخذ الحكم نفسه بين الشبيهين لما في الصورتين من تشابه وهذا فيه تفعيل للعقل وقدرة على استيعاب أوسع وأشمل.

 وتارة كان يجمع في تعليمه بين البيان بالعبارة والإشارة باليدين الكريمتين توضيحًا للحرام وتنبيهًا على أهمية ما يذكره للسامعين أو يعلمهم إياه،* وإليك طائفة من الأحاديث في ذلك: فقد روى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك بين أصابعه. وروى البخاري أيضًا عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: «قال رسول الله أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه: السبابة والوسطى، وفرّج بينهما شيئًا» وعن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال : ( إن نبي الله أخذ حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجلعه في شماله ، ثم قال : إن هذين حرام على ذكور أمتي )(أبو داود) ، فجمع النبي بين القول وبين رفع الذهب والحرير وإظهارهما ، حتى يجمع لها السماع والمشاهدة ، فيكون ذلك أوضح وأعون على الحفظ .

أيها الأحبة الكرام : هذه بعض وسائل نبوية في تعليمه ـ للأمة دينها ، وما يستقيم به أمرها في الدنيا والآخرة ، وقد ترك لنا رسول الله ثروة هائلة ومنهجا عظيما من وسائل التربية والتعليم ، التي تعين على سهولة الحفظ وحسن التعلم وسمو التربية ، ولنا في رسول الله أسوة وقدوة حسنة كما قال الله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }(الأحزاب) اسال الله العلي الأعلي ان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اقول قولي هذا     

google-playkhamsatmostaqltradent