recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الإبداع والابتكار في العهد النبوي عبدالله الشال

 الإبداع والابتكار في العهد النبوي



الحمد لله الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وإليه المصير ، سبحانه وتعالى هو القائل في كتابه الحكيم : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، آل عمران ، ١٩٠ ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، اللهم أسألك بنور أنوار اللهم ، وسر أسرار اللهم ، وحق وحقيقة اللهم ، اسألك بكمال وجلال وجمال اللهم ، أن تصلي وتسلم وتبارك علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، فاتقوا الله عباد الله ، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، واعلموا أنما هذه الحياة الدنيا هي دار ممر ، وأن الآخرة هي دار مقر ومستقر ، فخذوا عباد الله من ممركم لمقركم ، وتأهبوا لحسابكم وعرضكم علي ربكم ، سبحانك اللهم سبحانك لا نحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت علي نفسك ، أما بعد ،

فإن خطبة الجمعة اليوم في عموم مساجد جمهورية مصر العربية كما أعلنت وزارة الأوقاف المصرية عن : الإبداع والابتكار في العهد النبوي ، فالابداع هو إنشاء فكري أو مادي علي غير مثال سابق ، وهو أمر محمود إذا كان يوافق الشرع ، أو مذموم إذا كان يعارض الشرع مثل قوله تعالي : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ، الحديد ، ٢٧ ، امتدحها الرحمن إذا كانت بنية رضوان الله لولا أنهم لم يرعوها حق رعايتها ، فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ، وكثير منهم فاسقون ، يؤكد ذلك علي أن  استحداث طرق الخير أمر محمود بنية التقرب إلى الله ، فالخير في سيدنا محمد وأمته إلي يوم الدين ، أما الابتكار فهو : تحويل الأفكار الجديدة الي واقع عملي ملموس على الأرض ...

والاسلام يوجه النظر إلي ملكوت السموات والأرض ، وامعان الفكر والنظر والتدبير ، لأن ذلك من شأنه أن يقوي الإيمان بالله تبارك وتعالي ، كما أن من شأنه أن يجعل المسلم مبدعا مبتكرا يستطيع أن يواجه مشكلاته الدنيوية بأساليب يغلب عليها الإبداع ، ويبتكر من الطرق العملية ما يتغلب به علي ما يصادفه من مشكلات طارئة ، وليس الإبداع والابتكار مرتبطا بالعالم المعاصر الذي كثرت فيه الاختراعات سواء أكانت خيرا أو شرا ، نافعة أو ضارة ، إيجابية او سلبية ، لكن الإسلام من بداية العهد النبوي كان يدعو إلى الإبداع والابتكار ، وحل أية مشكلات إنسانية وسياسية واقتصادية واجتماعية سواء أكانت دنيوية أو دينية بأساليب مبتكرة علي النحو التالي :

أولا الجوانب الإنسانية : فإن بناء الإنسان المسلم من الجانب الإنساني أولا كان ضروريا في مسيرة الحضارة المادية حفاظا علي التقدم ، وصيانة لأي تغيير أو تطوير ، كما كان الرسول حريصا علي نقل الفكر الديني أو الإنساني بطرق غير تقليدية ، أو ما يعرف الآن بطرائق التدريس ، وهي طرق مبدعة مبتكرة ، فيقول مثلا : أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقي ذلك من درنه شيئا ؟! فإذا به يقصد الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ، وكأن المستمع يشاهد النهر بنفسه ، كما يستخدم أسلوبا مميزا لما يسأل جبريل عليه السلام والنبي يجيب ، فيقول جبريل في كل مرة : صدقت ، فعجب الصحابة يسأله ويصدقه ، ثم يقول الرسول :  وهذا جبريل جاءكم يعلمك دينكم ، ثم يسألهم عن أفضل أعمالهم ، وأزكاها عند مليكهم ، واثقلها في موازينهم ، وأرفعها في درجاتهم ، وأفضل من لقاء العدو يضربون أعناقكم وتضربون أعناقهم ، وخير من إنفاق الذهب والفضة ، ثم بعد أن اشتاقوا أن يعرفوا ما هو هذا العمل ؟ يقول الرسول الكريم : ذكر الله ، ولما سألهم من المفلس ؟!  وكلهم يعرفون من هو المفلس ، فيأتي الرسول بتعريف جديد غاب عن أفهامهم ...

ثانيا الجوانب السياسية ، فلقد لجأ الرسول صلي الله عليه وسلم تجنبا لصدام مع أهله وعشيرته وقومه بالدعوة سرا أولا ، وفي مكان محدد يتقابلون فيه غير متوقع بالمرة  ، ثم كانت الهجرة حلا غير تقليدي لتجنب الصدام حتي زاد اتباعه وانتشر أمره ، وربما من المفيد أن نذكر أن حقن الدماء يتطلب أساليب جديدة مبدعة ومبتكرة ، يؤكد ذلك هدنة الحديبية ، كانت وقفا مؤقتا الصراع وليست صلحا دائما ، غلب عليها الإبداع السياسي الراقي تجنبا لحرب مع قريش ، رضي الرسول بأن تعترف به قريش كحاكم سياسي ، وهم منكرون نبوته ، كان الرسول مبدعا في استخدام فن الممكن في المفاوضات وصولا لما هو افضل مستقبلا ، وربما من المفيد أيضا أن الرسول تنفيذا لأوامر ربه تبارك وتعالي كان يستشير أصحابه في مرحلة صناعة القرار ، محتفظا لنفسه بسلطة اتخاذ القرار ، وهو معني الشوري في العصر الحديث تمر بمرحلتين : صناعة القرار يشارك فيها الشعب ، واتخاذ القرار منوط بها الحاكم وحده ، متحملا المسئولية أمام ربه من دون الناس جميعا ، كما أنه جدير بالذكر والرسول قادم الي المدينة تضم طوائف متعددة أن يقوم بإصدار ميثاق أو دستور المدينة ، يعلي في الوثيقة شأن المواطنة بحقوقها وواجباتها وان لم يكن المواطن  منتميا إلي الإسلام فله ما المسلمين وعليه ما علي المسلمين ، فالمواطنة التي لجأ إليها الرسول عند دخول المدينة ، تعد الآن حلا لمشكلات تستعصي علي الحل في العالم المعاصر ، تتمثل في ضرورة أن يكون الوطن أولا ثم الدين ثانيا ...

ثالثا الجوانب العسكرية :  كان الرسول في العهد النبوي مبدعا وهو يتخذ القرار في الموضع المناسب لمعركة بدر الكبري ، اقرب الي المدينة ، وبئر بدر يسقون منها وأنعامهم ، واختيار موضع غزة أحد ، من ورائهم جبل أحد يحبهم ويحبونه يحمي ظهورهم بواسطة مجموعة من الرماة المهرة ،  كادوا يحققون انتصارا ساحقا لولا مخالفة أمر الرسول ،

وفي غزوة الخندق أو الأحزاب لجأ الرسول إلي طريقة لم تكن معروفة أبدا في الجزيرة العربية لكنها معروفة في فارس أو ايران ، لا مانع شرعا أن تأخذ ما هو نافع من اعدائك وفقا لمبدأ انتم أعلم بشئون دنياكم فيما لم ينزل به وحي ، فنزل الرسول الكريم علي كلام سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق حول المدينة فتحقق النصر علي الكفار دون قتال ...

رابعا الجوانب الاقتصادية : لما تعرض الرسول لحصار اقتصادي في شعب أبي طالب ، يلجأ المحاصرون الي طرق غير تقليدية حفاظا على حياتهم ، فأكلوا العشب حتي فك الله كربهم ، وواصل الرسول الدعوة إلي ربه ، والمقاطعة الاقتصادية وسيلة تستخدم الآن للضغط على الدول المستقلة الحرة لإضعافها اقتصاديا ، ومن ثم عسكريا وسياسيا ، وضع الإسلام أساليب غير تقليدية لمواجهة التحديات والمجتمعات باستنفار المجتمع من أجل عمل جماعي ، يترتب عليه انتاج ضخم يتم ادخار معظمه لسنوات الشدة ، كما جاء في الآية الكريمة من سورة يوسف :  تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه  في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ، يوسف ، ٤٧ ، كما حث الرسول الكريم علي اتقان العمل ، وان سيدنا داود عليه السلام  كان يأكل من عمل يده ...

خامسا الجوانب الاجتماعية : كان أروع ما أبدع فيه الرسول الجمع بين حضارات مختلفة في قالب واحد ، أو الجمع بين أصحابه من قريش يغلب عليهم الطابع التجاري ، وهو طابع متحضر لكثرة ترحالهم  الي بلدان مختلفة ، وبين مجتمع المدينة وهو مجتمع زراعي ، كان لا سبيلا للجمع بينهما سوي بعمل مبدع وهو الاخاء بين المهاجرين والأنصار ...

ان الابداع والابتكار في العهد النبوي كان مستمدا من الكتاب المجيد الذي دعا المسلم الي التدبر في ملكوت السماوات والأرض ، قال تعالي : أفلا ينظرون إلي الإبل كيف خلقت ، وإلي السماء كيف رفعت ، وإلي الجبال كيف نصبت ، وإلي الأرض كيف سطحت ، الغاشية ، ١٧ - ٢٠ ،فإن  توجيه المسلم إلي التدبر والتفكر وأعمال العقل ، والوصول أي الابداع والابتكار الذي لا يتعارض مع الدين هو أمر يدعو إليه الله ورسوله ويؤدي الي عمارة الأرض ،  قال تعالي : هو  أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ، هود ، ٦١ ، والاستعمار هنا يحتاج الي كل وسيلة غير تقليدية أو وسائل إبداعية 


google-playkhamsatmostaqltradent