الإِبْدَاعُ وَالابْتِكَارُ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ
الْعَقْلُ نِعْمَةٌ، وَالتَّفْكِيرُ عِبَادَةٌ
النَّبِيُّ ﷺ
يَحُثُّ عَلَى الابْتِكَارِ وَيَدْعَمُهُ
نماذج من رِعَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَوْهِبَةِ وتوجيهها
بِدَايَةُ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ الْجَدِيدِبِدَايَةُ
الْعَامِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَبْدَعَ
خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَحْسَنَهُ، وَقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَهَدَاهُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَفَتَحَ لِعِبَادِهِ
أَبْوَابَ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، وَأَوْدَعَ فِي عُقُولِهِمْ مِنَ الْمَوَاهِبِ وَالطَّاقَاتِ
مَا بِهِ تُعْمَرُ الأَرْضُ، وَتُبْنَى الْحَضَارَاتُ، وَتَتَحَقَّقُ فِي الْحَيَاةِ
مَقَاصِدُ الْخِلافَةِ وَالإِصْلاحِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ كَمْ تَصْفُو الْحَيَاةُ بِهَا
* الْحَمْدُ لِلَّهِ كَمْ تَعْلُو بِهَا الْهِمَمُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَدِّدْهَا عَلَى ثِقَةٍ
* بِمَنْ لَهُ الْجُودُ وَالإِنْعَامُ وَالْكَرَمِ
نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلالِ
وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لا تُحْصَى،
وَآلائِهِ الَّتِي لا تُسْتَقْصَى، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ
لا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا
بَنُونَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ،
وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ،
فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَكَشَفَ اللَّهُ
بِهِ الْغُمَّةَ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ،
وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فَاحَ الْعَبِيرُ بِذِكْرِ أَحْمَدَ وَانْبَرَى
* نَحْوَ الْقُلُوبِ مُعَظَّمًا وَمُبَشِّرَا
فِي جُمُعَةٍ تَهْمِي فَضَائِلُ ذِكْرِهِ
* صَلُّوا عَلَيْهِ.. فَلَقَدْ أَتَيْتُ مُذَكِّرَا
أَمَّا
بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي
بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهِيَ زَادُ الْمُتَّقِينَ، وَعُدَّةُ الصَّالِحِينَ،
وَهِيَ مِفْتَاحُ كُلِّ تَوْفِيقٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
عِبَادَ اللَّهِ: إنَّ دِينَنَا الْحَنِيفَ لَمْ
يَكُنْ يَوْمًا دِينَ جُمُودٍ أَوْ تَقْلِيدٍ أَعْمَى، بَلْ هُوَ دِينُ الْعَقْلِ وَالنَّظَرِ،
دِينُ التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ، دِينُ الْحَرَكَةِ وَالْبِنَاءِ. وَلَمَّا كَانَ
مَوْضُوعُنَا الْيَوْمَ - بِتَوْجِيهٍ مِنْ وِزَارَةِ الأَوْقَافِ - عَنِ الإِبْدَاعِ
وَالابْتِكَارِ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ، فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَقِفَ وَقْفَةَ
تَأَمُّلٍ وَفَخْرٍ بِهَذَا الْجَانِبِ الْمُشْرِقِ مِنْ سِيرَةِ نَبِيِّنَا ﷺ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ فَقَطْ مُعَلِّمًا
لِلشَّرِيعَةِ، بَلْ كَانَ أَيْضًا مُرَبِّيًا لِلْعُقُولِ، وَصَانِعًا لِلْحَضَارَةِ،
وَرَاعِيًا لِلْمَوَاهِبِ.
أَوَّلًا: الْعَقْلُ نِعْمَةٌ، وَالتَّفْكِيرُ
عِبَادَةٌ
عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي
هَدْيِ نَبِيِّنَا ﷺ يَجِدُ أَنَّهُ أَنْشَأَ جِيلًا يَقْرَأُ
وَيَتَعَلَّمُ وَيُفَكِّرُ وَيَسْأَلُ وَيَجْتَهِدُ، جِيلًا لَمْ يَكْتَفِ بِتَرْدِيدِ
الْمَأْلُوفِ، بَلْ كَانَ يَتَأَمَّلُ وَيَبْحَثُ عَنِ الأَفْضَلِ وَالأَنْفَعِ. وَلَمْ
يَكُنْ هَذَا غَرِيبًا؛ فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ نَفْسُهُ أَقَامَ دَعْوَتَهُ عَلَى
إِعْمَالِ الْعَقْلِ وَالنَّظَرِ وَالتَّدَبُّرِ، وَامْتَلَأَتْ آيَاتُهُ بِأَلْفَاظِ
التَّفَكُّرِ وَالتَّعَقُّلِ وَالتَّدَبُّرِ وَالنَّظَرِ، حَتَّى غَدَا التَّفْكِيرُ
السَّلِيمُ فِي هَذَا الدِّينِ عِبَادَةً يُثَابُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا، لا مُجَرَّدَ
تَرَفٍ ذِهْنِيٍّ.
وَمِنْ هُنَا رَبَّى النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَلَى الْمُنَاقَشَةِ وَالاجْتِهَادِ
وَالسُّؤَالِ، فَمَا كَانَ يُغْلِقُ بَابَ الْحِوَارِ فِي وَجْهِ أَحَدٍ، وَلا يُخْمِدُ
جَذْوَةَ التَّفْكِيرِ فِي نَفْسِ سَائِلٍ، بَلْ كَانَ يَفْتَحُ الْمَجَالَ وَاسِعًا
لِكُلِّ عَقْلٍ يُرِيدُ أَنْ يَفْهَمَ وَيَسْتَوْعِبَ. فَظَهَرَتْ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ
- وَهُوَ عَصْرٌ قَصِيرٌ لَمْ يَتَجَاوَزْ عِشْرِينَ عَامًا - صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ
مِنَ الإِبْدَاعِ: إِبْدَاعٌ فِي التَّعْلِيمِ، وَإِبْدَاعٌ فِي الإِدَارَةِ، وَإِبْدَاعٌ
فِي الدَّعْوَةِ، وَإِبْدَاعٌ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الأُمَّةِ، وَإِبْدَاعٌ فِي حَلِّ
الْمُشْكِلاتِ، وَإِبْدَاعٌ فِي اسْتِثْمَارِ الطَّاقَاتِ الْبَشَرِيَّةِ. وَلَمْ يَكُنْ
ذَلِكَ بَعِيدًا عَنْ رُوحِ الإِسْلامِ الَّتِي جَعَلَتِ الْعِلْمَ مِفْتَاحَ التَّقَدُّمِ،
وَالْعَقْلَ أَدَاةً لِلاجْتِهَادِ، وَالتَّجْرِبَةَ سَبِيلًا إِلَى اكْتِشَافِ الأَنْفَعِ
وَالأَصْلَحِ.
وَيَزْدَادُ الأَمْرُ وُضُوحًا حِينَ نَتَأَمَّلُ
فِي الْقَصَصِ الْقُرْآنِيِّ، فَنَجِدُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدِ
امْتَنَّ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ بِنِعْمَةِ الإِبْدَاعِ وَالابْتِكَارِ،
وَجَعَلَهَا مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِهِ عَلَيْهِمْ. فَهَذَا ذُو الْقَرْنَيْنِ - وَهُوَ
رَجُلٌ صَالِحٌ آتَاهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا - يَقِفُ أَمَامَ قَوْمٍ
ضُعَفَاءَ يَسْتَغِيثُونَ بِهِ مِنْ إِفْسَادِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَلا يَكْتَفِي
بِالتَّعَاطُفِ مَعَهُمْ، بَلْ يَبْتَكِرُ حَلًّا هَنْدَسِيًّا فَرِيدًا لَمْ يَكُنْ
مَعْرُوفًا مِنْ قَبْلُ: رَدْمُ الْفَجْوَةِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ بِالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ
الْمُذَابِ، لِيَصْنَعَ سَدًّا مَنِيعًا يَحْمِيهِمْ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. وَفِي
هَذَا دَرْسٌ عَظِيمٌ: أَنَّ الإِبْدَاعَ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي يُوَظَّفُ لِحِمَايَةِ
الضُّعَفَاءِ وَنَفْعِ النَّاسِ، لا لِمُجَرَّدِ التَّفَاخُرِ أَوِ الاسْتِعْرَاضِ.
وَهَذَا نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ،
يُلْهِمُهُ اللَّهُ صِنَاعَةَ الدُّرُوعِ الْوَاقِيَةِ، وَهِيَ صِنَاعَةٌ لَمْ تَكُنْ
مَعْرُوفَةً مِنْ قَبْلُ بِهَذِهِ الدِّقَّةِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ
مِنْ بَأْسِكُمْ ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ
يُبَيِّنُ دِقَّةَ هَذَا الابْتِكَارِ وَإِتْقَانَهُ بِأُسْلُوبٍ يَسْتَوْقِفُ كُلَّ
صَاحِبِ صَنْعَةٍ:
﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ
سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾ [سبأ: ١٠-١١].
أَيْ: اجْعَلِ الدُّرُوعَ وَاسِعَةً كَافِيَةً،
وَأَحْسِنْ تَقْدِيرَ حَلَقِهَا فَلا تَجْعَلْهَا غَلِيظَةً فَتَثْقُلَ عَلَى لابِسِهَا،
وَلا رَقِيقَةً فَلا تَقِيَهُ. وَهَذَا - يَا عِبَادَ اللَّهِ - تَوْجِيهٌ رَبَّانِيٌّ
عَظِيمٌ إِلَى مَعْنًى دَقِيقٍ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ
الْيَوْمَ: أَنَّ الابْتِكَارَ الْحَقِيقِيَّ لا يَعْنِي الإِسْرَاعَ فِي الإِنْتَاجِ
عَلَى حِسَابِ الْجَوْدَةِ، بَلْ هُوَ ابْتِكَارٌ يَقْتَرِنُ بِالإِتْقَانِ وَالدِّقَّةِ،
فَلا قِيمَةَ لِفِكْرَةٍ جَدِيدَةٍ إنْ لَمْ تُصَنَّعْ بِإِحْكَامٍ وَعِنَايَةٍ.
وَلَمْ تَقِفِ الصُّوَرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ؛
فَهَذَا نَبِيُّ اللَّهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، يُوَاجَهُ بِرُؤْيَا مَلِكِ مِصْرَ
عَنْ سَنَوَاتِ خَصْبٍ تَلِيهَا سَنَوَاتُ قَحْطٍ، فَيَضَعُ - بِفَضْلِ اللَّهِ ثُمَّ
بِحِكْمَتِهِ - خُطَّةً اقْتِصَادِيَّةً مُتَكَامِلَةً غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ: زِرَاعَةٌ
دَائِبَةٌ، وَادِّخَارٌ مُنَظَّمٌ فِي سُنْبُلِهِ، وَتَوْزِيعٌ مَحْسُوبٌ وَقْتَ الشِّدَّةِ،
فَيُنْقِذُ بِهَذَا التَّخْطِيطِ الْحَصِيفِ أُمَّةً بِأَكْمَلِهَا مِنَ الْمَجَاعَةِ.
وَهَذَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِبِنَاءِ سَفِينَةٍ لَمْ
يَعْرِفْهَا قَوْمُهُ مِنْ قَبْلُ، فَيَصْبِرُ عَلَى سُخْرِيَتِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ،
وَيَمْضِي فِي صَنْعَتِهِ الْجَدِيدَةِ حَتَّى تَكُونَ سَبَبَ نَجَاتِهِ وَنَجَاةِ
مَنْ مَعَهُ. وَهَذَا عَرْشُ بَلْقِيسَ يُنْقَلُ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى الشَّامِ فِي
طَرْفَةِ عَيْنٍ، بِفَضْلِ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ
عَلَيْهِ السَّلامُ، فِي إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ - أَيًّا كَانَ مَصْدَرُهُ
وَوَسِيلَتُهُ - هُوَ أَدَاةُ الإِنْجَازِ الْعَظِيمِ.
ثَانِيًا: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحُثُّ عَلَى الابْتِكَارِ وَيَدْعَمُهُ
عِبَادَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ
ﷺ يَكْتَفِي بِتَلْقِينِ أَصْحَابِهِ الْمَعْلُومَاتِ
حِفْظًا دُونَ فَهْمٍ، بَلْ كَانَ يَفْتَحُ لَهُمْ بَابَ الاجْتِهَادِ وَالسُّؤَالِ
وَالْمُبَادَرَةِ، وَيُرَحِّبُ بِكُلِّ فِكْرَةٍ نَافِعَةٍ وَلَوْ جَاءَتْ مِنْ أَصْغَرِ
الصَّحَابَةِ سِنًّا أَوْ أَقَلِّهِمْ حَظًّا فِي الْمَكَانَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ.
وَمِنْ أَرَوْعِ الأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ مَوْقِفُهُ ﷺ يَوْمَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَهِيَ غَزْوَةٌ
عَصِيبَةٌ تَجَمَّعَتْ فِيهَا قَبَائِلُ الْعَرَبِ كُلُّهَا عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ.
فَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَرِجَةِ، تَقَدَّمَ
الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ
رَجُلٌ فَارِسِيُّ الأَصْلِ، اطَّلَعَ عَلَى خِبْرَاتٍ حَرْبِيَّةٍ لَمْ تَعْرِفْهَا
جَزِيرَةُ الْعَرَبِ - بِاقْتِرَاحٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ عِنْدَ الْعَرَبِ: حَفْرُ خَنْدَقٍ
عَمِيقٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ يَمْنَعُ خُيُولَ الأَحْزَابِ مِنَ الْعُبُورِ إِلَيْهَا.
لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ سَهْلًا، فَالْعَرَبُ لَمْ تَعْرِفْ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحُرُوبِ
مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَكُنِ الاقْتِرَاحُ صَادِرًا مِنْ كَبِيرِ الصَّحَابَةِ أَوْ
أَشْرَافِهِمْ، بَلْ مِنْ رَجُلٍ حَدِيثِ الْعَهْدِ بِالإِسْلامِ، غَرِيبِ الأَصْلِ
عَنْ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ
ﷺ إِلا أَنِ اسْتَمَعَ لِلْفِكْرَةِ بِعَقْلٍ
مُنْفَتِحٍ، وَتَبَنَّاهَا فَوْرًا دُونَ تَرَدُّدٍ، بَلْ شَارَكَ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ
فِي الْحَفْرِ يَحْمِلُ التُّرَابَ عَلَى كَتِفِهِ الشَّرِيفَةِ، وَيَرْتَجِزُ مَعَ
أَصْحَابِهِ تَشْجِيعًا وَحَفْزًا لِلْهِمَمِ، حَتَّى قَالَ الصَّحَابَةُ يَرْتَجِزُونَ:
(نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا
* عَلَى الإِسْلامِ مَا بَقِينَا أَبَدَا).
وَفِي هَذَا الْمَوْقِفِ دُرُوسٌ عَظِيمَةٌ:
أَنَّ الْقِيَادَةَ النَّاجِحَةَ لا تَسْتَنْكِفُ عَنِ الأَخْذِ بِفِكْرَةٍ صَائِبَةٍ
وَلَوْ جَاءَتْ مِنْ أَحْدَثِ الأَتْبَاعِ عَهْدًا، وَأَنَّ مِعْيَارَ قَبُولِ الْفِكْرَةِ
هُوَ نَفْعُهَا وَصَوَابُهَا لا مَصْدَرُهَا وَلا قَائِلُهَا.
وَلَمْ يَكُنِ الأَمْرُ مَقْصُورًا عَلَى سَلْمَانَ
وَحْدَهُ؛ فَحِينَ اجْتَهَدَ الصَّحَابَةُ فِي الرَّأْيِ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَمِعُ إِلَى وُجْهَاتِ نَظَرِهِمْ
وَيَأْخُذُ بِالرَّأْيِ الأَصْوَبِ، وَلَوْ خَالَفَ رَأْيَهُ هُوَ ابْتِدَاءً، وَهَذَا
خُلُقٌ قِيَادِيٌّ رَفِيعٌ قَلَّ أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ قَادَةُ الأُمَمِ. فَقَدْ أَشَارَ
الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ
بَدْرٍ بِتَغْيِيرِ مَوْضِعِ نُزُولِ الْجَيْشِ إِلَى مَوْقِعٍ أَنْسَبَ عَسْكَرِيًّا
يَضْمَنُ لِلْمُسْلِمِينَ السَّيْطَرَةَ عَلَى مَصَادِرِ الْمِيَاهِ، وَهُوَ رَأْيٌ
عَسْكَرِيٌّ دَقِيقٌ يَحْتَاجُ إِلَى خِبْرَةٍ وَدِرَايَةٍ بِطَبِيعَةِ الأَرْضِ.
فقال الحباب بن المنذر بن الجموح فيما رواه
ابن إسحاق : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل [أمنزلا] أنزلكه الله ، ليس لنا أن نتقدمه
، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة
، قال : يا رسول الله ، ليس هذا المنزل فانهض بالناس ، حتى نأتي أدنى ماء من القوم
، فننزله ، ثم نغور ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء [ثم نقاتل القوم]
فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لقد أشرت بالرأي» . وذكر
ابن سعد أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرأي ما أشار به الحباب
، فنهض صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس ، حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه
نصف الليل ، ثم أمر بالقلب فغورت ، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملأه ماء ،
ثم قذفوا فيه الآنية
. فَكَانَ هَذَا الرَّأْيُ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ الْعَظِيمِ فِي
غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَهَذَا - يَا عِبَادَ اللَّهِ - دَرْسٌ عَظِيمٌ فِي احْتِرَامِ الْفِكْرِ
الْمُبْدِعِ وَلَوْ صَدَرَ مِنْ غَيْرِ الْقِيَادَةِ، وَفِي أَنَّ الشُّورَى وَالاسْتِمَاعَ
لِلآَرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ هُمَا سَبِيلُ الإِصَابَةِ وَالتَّوْفِيقِ، لا عَلامَةَ
ضَعْفٍ أَوْ تَرَدُّدٍ كَمَا قَدْ يَظُنُّ الْبَعْضُ.
وَقَدْ أَكَّدَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَدِيثٍ جَامِعٍ
يَدْعُو فِيهِ إِلَى الْمُبَادَرَةِ وَالْعَمَلِ وَعَدَمِ تَعْطِيلِ الطَّاقَاتِ:
«مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ
لَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: ٢٣٣٥].
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ دَعْوَةٌ
صَرِيحَةٌ إِلَى الْمُبَادَرَةِ وَالْعَمَلِ وَالابْتِكَارِ فِي اسْتِثْمَارِ الْمَوَارِدِ،
وَتَحْوِيلِ الأَرْضِ الْمُهْمَلَةِ إِلَى أَرْضٍ مُنْتِجَةٍ نَافِعَةٍ، وَهُوَ مَنْهَجٌ
يَتَجَاوَزُ الزِّرَاعَةَ إِلَى كُلِّ مَجَالٍ مِنْ مَجَالاتِ الْحَيَاةِ: فَكُلُّ
فِكْرَةٍ نَافِعَةٍ "مَيِّتَةٍ" مُعَطَّلَةٍ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَتَبَنَّاهَا،
يُحْيِيهَا صَاحِبُهَا بِالْجِدِّ وَالْعَمَلِ، فَتَكُونُ لَهُ أَجْرًا وَفَضْلًا عِنْدَ
اللَّهِ، وَنَفْعًا لِلنَّاسِ فِي دُنْيَاهُمْ. أَفَلا يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ -
يَا عِبَادَ اللَّهِ - أَصْلًا شَرَعِيًّا عَظِيمًا لِكُلِّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَبْتَكِرَ
مَشْرُوعًا نَافِعًا، أَوْ يُطَوِّرَ فِكْرَةً مُعَطَّلَةً، أَوْ يَسْتَثْمِرَ طَاقَةً
مُهْدَرَةً فِي مُجْتَمَعِهِ؟
ثَالِثًا: رِعَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَوْهِبَةِ وَتَوْجِيهُهَا
وَمِنْ أَبْهَى صُوَرِ هَدْيِهِ ﷺ - وَهِيَ صُورَةٌ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُدْرَسَ
فِي كُلِّ مَدْرَسَةٍ وَمُؤَسَّسَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ الْيَوْمَ - أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْتَشِفُ مَوَاهِبَ أَصْحَابِهِ
بِفِرَاسَةٍ نَبَوِيَّةٍ، ثُمَّ يَضَعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي
يُحْسِنُهُ وَيُبْدِعُ فِيهِ، فَلا يُهْدِرُ طَاقَةً، وَلا يُهْمِلُ قُدْرَةً، وَلا
يُجْبِرُ صَاحِبَ مَوْهِبَةٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ.
فَهَذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، غُلامٌ صَغِيرُ السِّنِّ، لَمْ يَتَجَاوَزِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ
حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ. لَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ سُرْعَةَ حِفْظِهِ وَفَطَنَتَهُ وَذَكَاءَهُ،
لَمْ يَتْرُكْ هَذِهِ الْمَوْهِبَةَ تَذْوِي دُونَ اسْتِثْمَارٍ، بَلْ طَلَبَ مِنْهُ
أَنْ يَتَعَلَّمَ لُغَةَ الْيَهُودِ - وَهِيَ لُغَةٌ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ - لِيَكُونَ مُتَرْجِمًا وَكَاتِبًا لِلْوَحْيِ، فَتَعَلَّمَهَا
زَيْدٌ فِي نِصْفِ شَهْرٍ فَقَطْ، بَلْ رُوِيَ أَنَّهُ أَتْقَنَهَا فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ.
ثُمَّ صَارَ مِنْ أَبْرَزِ كُتَّابِ الْوَحْيِ،
بَلْ تَوَلَّى بِتَكْلِيفٍ مِنَ الْخَلِيفَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُهِمَّةَ
جَمْعِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كُلِّهِ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ أُعِيدَ إِلَيْهِ
الأَمْرُ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِنَسْخِ الْمَصَاحِفِ. فَتَخَيَّلُوا
- يَا عِبَادَ اللَّهِ - أَثَرَ هَذَا الاكْتِشَافِ الْمُبَكِّرِ لِمَوْهِبَةٍ فِي
طِفْلٍ صَغِيرٍ، كَيْفَ امْتَدَّ نَفْعُهُ إِلَى الأُمَّةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ؟
وَهَذَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، امْتَلَكَ مَوْهِبَةَ الشِّعْرِ وَبَرَاعَةَ اللِّسَانِ، وَكَانَ الشِّعْرُ
فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِعْلامَ الْعَرَبِ وَوَسِيلَةَ التَّأْثِيرِ فِي الرَّأْيِ
الْعَامِّ، فَلَمْ يُهْمِلِ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الْمَوْهِبَةَ وَلَمْ يَسْتَنْكِرْهَا،
بَلْ وَجَّهَهَا تَوْجِيهًا حَكِيمًا لِخِدْمَةِ الدَّعْوَةِ، فَوَضَعَ لَهُ مِنْبَرًا
خَاصًّا فِي الْمَسْجِدِ يُنْشِدُ مِنْهُ شِعْرَهُ، وَقَالَ لَهُ مُشَجِّعًا وَمُمْتَنًّا:
«اهْجُهُمْ - أَوْ هَاجِهِمْ - وَجِبْرِيلُ مَعَكَ»، أَيْ: أَنَّ مَا تَفْعَلُهُ مِنَ
الرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالشِّعْرِ يُعِينُكَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ نَفْسُهُ.
وَهَكَذَا سَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مَوْهِبَةً فَرْدِيَّةً كَانَ يُمْكِنُ
أَنْ تُصْرَفَ فِي الْمُجُونِ أَوِ الْهِجَاءِ الشَّخْصِيِّ، لِتَصِيرَ سِلاحًا إِعْلامِيًّا
فَعَّالًا فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ وَالدِّفَاعِ عَنِ الدَّعْوَةِ.
«أَنْتَ لَهَا يَا أَبَا بَكْرٍ» [مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ].
وَهَكَذَا كَانَ ﷺ يُثَبِّتُ الثِّقَةَ فِي نُفُوسِ أَصْحَابِهِ،
وَيَمْنَحُهُمُ الْمَسْؤُولِيَّةَ بِحَسَبِ قُدُرَاتِهِمْ وَكَفَاءَاتِهِمْ، فَلا يُوَصَدُ
بَابُ الْفُرْصَةِ أَمَامَ صَاحِبِ الْكَفَاءَةِ بِحُجَّةِ صِغَرِ سِنِّهِ أَوْ حَدَاثَةِ
عَهْدِهِ. وَمِنْ أَرَوْعِ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ - وَهِيَ قِصَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ
مُؤَثِّرَةٌ حَقًّا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ الْغُلامَ الشَّابَّ أُسَامَةَ
بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَكَانَ فِي نَحْوِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ مِنْ
عُمْرِهِ، قَائِدًا لِجَيْشٍ عَظِيمٍ ضَمَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
وَالأَنْصَارِ، وَمِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ هُمْ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا وَأَقْدَمُ إِسْلامًا
وَأَوْسَعُ خِبْرَةً فِي الْحَرْبِ.
فَلَمَّا تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ
لِصِغَرِ سِنِّهِ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ - وَهُوَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ
فِيهِ - مُتَحَامِلًا عَلَى نَفْسِهِ لِيُثَبِّتَ هَذِهِ الإِمَارَةَ، وَخَطَبَ فِي
النَّاسِ خُطْبَةً مُؤَثِّرَةً ذَكَّرَهُمْ فِيهَا بِأَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ
كَانَ أَهْلًا لِلإِمَارَةِ مِنْ قَبْلُ، وَأَنَّ أُسَامَةَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ
إِلَيْهِ، مُقَرِّرًا بِذَلِكَ مَبْدَأً تَرْبَوِيًّا وَإِدَارِيًّا عَظِيمًا: أَنَّ
الْعِبْرَةَ فِي تَوَلِّي الْمَسْؤُولِيَّةِ بِالْكَفَاءَةِ وَالْقُدْرَةِ، لا بِالسِّنِّ
وَلا بِالْمَكَانَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ. فَآمَنَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
بِهَذَا الْمَبْدَأِ، وَمَضَى الْجَيْشُ بِقِيَادَةِ هَذَا الشَّابِّ الْيَافِعِ.
عِبَادَ اللَّهِ، تَأَمَّلُوا مَعِي هَذَا التَّنَوُّعَ
الْعَجِيبَ فِي رِعَايَةِ الْمَوَاهِبِ: كَاتِبٌ صَغِيرٌ يُصْبِحُ جَامِعَ الْقُرْآنِ،
وَشَاعِرٌ يُصْبِحُ لِسَانَ الدَّعْوَةِ، وَشَابٌّ يُصْبِحُ قَائِدَ جَيْشٍ. أَلَيْسَ
فِي هَذَا دَرْسٌ بَلِيغٌ لِكُلِّ مُرَبٍّ وَأَبٍ وَمُعَلِّمٍ وَمَسْؤُولٍ الْيَوْمَ،
أَنْ يَبْحَثَ عَنْ مَوَاهِبِ مَنْ حَوْلَهُ، فَلا يَحْكُمَ عَلَى الْقُدُرَاتِ بِمِقْيَاسِ
السِّنِّ أَوِ الْمَظْهَرِ أَوِ النَّسَبِ، بَلْ بِمِقْيَاسِ الْكَفَاءَةِ الْحَقِيقِيَّةِ
وَالاسْتِعْدَادِ لِلْعَطَاءِ؟
خَاتِمَةٌ
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ أُمَّتَنَا
الْيَوْمَ - وَهِيَ تُوَاجِهُ سِبَاقًا حَضَارِيًّا مَحْمُومًا فِي شَتَّى الْمَجَالاتِ
الْعِلْمِيَّةِ وَالتِّقْنِيَّةِ - فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَى اسْتِعَادَةِ هَذَا
الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ الْعَظِيمِ: أَنْ نُفْسِحَ الْمَجَالَ لأَبْنَائِنَا لِلتَّفْكِيرِ
وَالسُّؤَالِ وَالْمُبَادَرَةِ دُونَ تَخْوِيفٍ أَوْ تَثْبِيطٍ، وَأَنْ نَبْحَثَ عَنِ
الْمَوَاهِبِ بَيْنَ أَيْدِينَا فَنَرْعَاهَا وَنُوَجِّهَهَا الْوِجْهَةَ الصَّحِيحَةَ،
لا أَنْ نُهْمِلَهَا حَتَّى تَذْبُلَ أَوْ تَنْحَرِفَ إِلَى غَيْرِ خَيْرٍ.
فَكُلُّ بَيْتٍ فِيهِ طِفْلٌ مَوْهُوبٌ، وَكُلُّ
مَدْرَسَةٍ فِيهَا عَقْلٌ مُبْدِعٌ، وَكُلُّ مُؤَسَّسَةٍ فِيهَا كَفَاءَةٌ وَاعِدَةٌ،
يَنْتَظِرُ مَنْ يَكْتَشِفُهُ وَيُشَجِّعُهُ وَيَمْنَحُهُ الثِّقَةَ وَالْفُرْصَةَ،
تَمَامًا كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ سَلْمَانَ وَزَيْدٍ وَحَسَّانَ وَأُسَامَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، فَكَانُوا بِفَضْلِ هَذَا التَّوْجِيهِ النَّبَوِيِّ
الْحَكِيمِ أَعْمِدَةً مِنْ أَعْمِدَةِ هَذَا الدِّينِ، وَمَصَابِيحَ هِدَايَةٍ يُسْتَضَاءُ
بِسِيرَتِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ
الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ،
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ
إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلاةُ
وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الأَمِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
أَجْمَعِينَ،
أَمَّا بَعْدُ
بِدَايَةُ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ الْجَدِيدِ
عِبَادَ اللَّهِ، هَا نَحْنُ نَسْتَقْبِلُ
عَامًا دِرَاسِيًّا جَدِيدًا، تَتَجَدَّدُ فِيهِ الآمَالُ، وَتَنْطَلِقُ فِيهِ خُطُوَاتُ
أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا نَحْوَ مَدَارِسِهِمْ وَمَعَاهِدِهِمْ وَجَامِعَاتِهِمْ
بِحَقَائِبَ مَلِيئَةٍ بِالأَحْلامِ، وَهِيَ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِنَسْتَحْضِرَ قِيمَةَ
الْعِلْمِ فِي دِينِنَا الْحَنِيفِ، الَّذِي جَعَلَ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةً وَشَرَفًا،
فَقَدْ كَانَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ
ﷺ أَمْرًا بِالْقِرَاءَةِ وَالتَّعَلُّمِ،
لا أَمْرًا بِالْعِبَادَةِ الْمُجَرَّدَةِ وَلا التَّشْرِيعِ ابْتِدَاءً:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ
الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
* عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: ١-٥].
وَفِي هَذَا دَلالَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى أَنَّ
صَلاحَ الأُمَمِ وَتَقَدُّمَهَا لا يَكُونُ إِلا بِالْعِلْمِ، وَأَنَّ الأُمَّةَ الَّتِي
تُهْمِلُ مَدَارِسَهَا وَتُقَصِّرُ فِي تَعْلِيمِ أَبْنَائِهَا، إنَّمَا تَحْفِرُ قَبْرَهَا
بِيَدِهَا. وَقَدْ رَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ تَرْغِيبًا عَظِيمًا
فَقَالَ: « مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ
طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ: ٢٦٩٩].
فَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ: اغْرِسُوا
فِي قُلُوبِ أَبْنَائِكُمْ حُبَّ الْعِلْمِ وَالْمَدْرَسَةِ مُنْذُ الصَّبَاحِ الأَوَّلِ
مِنْ هَذَا الْعَامِ، وَكُونُوا لَهُمْ عَوْنًا وَسَنَدًا لا مَصْدَرَ ضَغْطٍ وَتَوَتُّرٍ،
وَتَابِعُوا شُؤُونَهُمُ الدِّرَاسِيَّةَ بِحِكْمَةٍ وَرِفْقٍ لا بِشِدَّةٍ وَقَسْوَةٍ؛
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ رَفِيقًا بِالصِّغَارِ، مُحَبِّبًا
إِلَيْهِمْ كُلَّ خَيْرٍ، مُشَجِّعًا لا مُثَبِّطًا. وَاحْرِصُوا أَيْضًا عَلَى تَهْيِئَةِ
بِيئَةٍ مَنْزِلِيَّةٍ تُعِينُ الطَّالِبَ عَلَى التَّرْكِيزِ وَالْمُذَاكَرَةِ.
وَيَا أَيُّهَا الأَبْنَاءُ الطُّلابُ وَالطَّالِبَاتُ:
اجْعَلُوا الْجِدَّ وَالاجْتِهَادَ وَإِخْلاصَ النِّيَّةِ لِلَّهِ مَنْهَجَ حَيَاتِكُمْ
فِي هَذَا الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ، وَتَخَلَّقُوا بِأَدَبِ الْمُتَعَلِّمِينَ وَتَوَاضُعِ
الصَّالِحِينَ فِي كُلِّ أَحْوَالِكُمْ مَعَ مُعَلِّمِيكُمْ وَزُمَلائِكُمْ، فَالْعِلْمُ
النَّافِعُ لا يُنَالُ إِلا بِالصَّبْرِ وَالْمُثَابَرَةِ وَحُسْنِ اسْتِغْلالِ الْوَقْتِ،
فَاحْرِصُوا عَلَى اسْتِثْمَارِ أَوْقَاتِكُمْ فِيمَا يَنْفَعُكُمْ فِي دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَ أَبْنَاءَنَا
وَبَنَاتِنَا فِي عَامِهِمُ الدِّرَاسِيِّ الْجَدِيدِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ
الْعَامِلِينَ النَّافِعِينَ لأَنْفُسِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ وَأُمَّتِهِمْ، وَأَنْ
يَحْفَظَهُمْ مِنْ كُلِّ سُوءٍ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى مَدَارِسِهِمْ وَعَوْدَتِهِمْ
مِنْهَا.
الدُّعَاءُ
اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا
الطُّلابَ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَارْزُقْهُمُ الْفَهْمَ وَالْحِفْظَ وَالتَّوْفِيقَ...اللَّهُمَّ
اجْعَلْ هَذَا الْعَامَ الدِّرَاسِيَّ عَامَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَتَفَوُّقٍ عَلَى أَبْنَائِنَا
جَمِيعًا.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ،
وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.بِدَايَةُ
الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ الْجَدِيدِ عرض أقل
فكرى زيادة
٤٥ د
·