وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ
الحمد لله الذي كرّم الإنسان وفضّله، ووهبه
العقل والسمع والبصر، وسخّر له ما في السماوات والأرض، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله
وصحبه أجمعين.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا
أن من أعظم نعم الله على الإنسان أن كرّمه ورفعه، فقال سبحانه:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ
كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
أيها المسلمون، إن هذه الآية العظيمة تؤكد
أن كرامة الإنسان نعمة من الله ومسؤولية يجب أن نحافظ عليها، وأن الإسلام جاء ليصون
الإنسان في نفسه ودينه وعقله وماله وعرضه.
العنصر الأول: تكريم الله للإنسان
لقد كرّم الله بني آدم بالعقل الذي يميز
به الإنسان بين الحق والباطل، وبالقدرة على التعلم والعمل والإعمار، وسخّر له كثيرًا
مما في الكون.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
ومن مظاهر هذا التكريم أن الله تعالى أمر
الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم، قال سبحانه:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: 72].
فليعرف الإنسان قدر نفسه، وليشكر ربه على
نعمة الخلق والهداية والعقل.
العنصر الثاني: حفظ الإسلام لكرامة الإنسان
أيها الأحبة، لم يجعل الإسلام كرامة الإنسان
مرتبطة بماله أو منصبه أو لونه أو نسبه، وإنما جعل التفاضل الحقيقي بالتقوى والعمل
الصالح.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ
مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
فلا يجوز لمسلم أن يحتقر أخاه، ولا أن يسخر
منه، ولا أن يعيّره بفقره أو شكله أو أصله أو مهنته.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ
قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11].
العنصر الثالث: حفظ النفس من أعظم صور التكريم
لقد حرّم الإسلام الاعتداء على النفس، وجعل
حفظها من المقاصد العظيمة للشريعة.
قال سبحانه:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
وقال تعالى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي
إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
ومن هنا وجب علينا أن نحافظ على أنفسنا
وأنفس الآخرين، وأن نبتعد عن كل ما يؤدي إلى الأذى والعدوان.
العنصر الرابع: صيانة العرض والخصوصية
ومن تكريم الإسلام للإنسان أن صان عرضه
وخصوصيته، ونهى عن التجسس وتتبع العورات.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12].
فليس من حق أحد أن يتدخل في خصوصيات الناس،
أو يفتش هواتفهم، أو ينشر أسرارهم، أو يتتبع عوراتهم.
ومن أعظم الأخلاق أن يستر المسلم أخاه،
ويحفظ سره، ويحترم خصوصيته.
العنصر الخامس: كرامة الإنسان مسؤولية
عباد الله، إن تكريم الإنسان ليس مجرد شعار
نقوله، بل هو مسؤولية وسلوك.
فليحترم الزوج زوجته، ولتحترم الزوجة زوجها،
وليحسن الوالدان تربية أبنائهما، وليحترم الأبناء آباءهم، وليحسن الجار إلى جاره، وليحترم
صاحب العمل العامل، وليؤدِّ العامل عمله بأمانة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
فكم من إنسان أُهين بكلمة، وكم من قلب انكسر
بسبب سخرية، وكم من أسرة تألمت بسبب نشر سر أو انتهاك خصوصية.
العنصر السادس: كيف نحافظ على كرامة الإنسان؟
أيها المسلمون، نستطيع أن نحافظ على كرامة
الإنسان من خلال أمور كثيرة، منها:
احترام الآخرين وعدم السخرية منهم.
حفظ الأسرار والخصوصيات.
الابتعاد عن الغيبة والنميمة.
عدم ظلم الناس أو الاعتداء على حقوقهم.
إكرام الوالدين وكبار السن.
الرحمة بالفقراء والمحتاجين.
تربية الأبناء على الاحترام وحسن الخلق.
استخدام وسائل التواصل فيما ينفع، وعدم
نشر ما يسيء إلى الناس.
الخاتمة
عباد الله، لقد كرّم الله الإنسان، فلا
ينبغي للإنسان أن يهين نفسه بالمعصية، ولا أن يهين غيره بالظلم والسخرية والاعتداء.
فلنحفظ كرامة بعضنا بعضًا، ولنكن دعاة رحمة
وأخلاق، ولنجعل بيوتنا ومجتمعاتنا أماكن للأمان والاحترام والمودة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني
وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم،
فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله، إن احترام الإنسان وحفظ كرامته
يبدأ من الكلمة الطيبة، ومن حسن المعاملة، ومن الرحمة والستر والعفو.
فاجعلوا بيوتكم عامرة بالرحمة، وألسنتكم
عامرة بالذكر والكلمة الطيبة، وتعاملوا مع الناس بما تحبون أن يعاملوكم به.
اللهم احفظ كرامتنا، وأصلح أخلاقنا، وطهر
قلوبنا، وأصلح أبناءنا وبناتنا.
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر،
ووفقنا للعدل والإحسان.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين
والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم احفظ مصر وأهلها، وسائر بلاد المسلمين،
وأدم علينا الأمن والأمان
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى
آله وصحبه أجمعين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان
وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه
يزدكم، وأقيموا الصلاة.
الشيخ حاتم الزعيرى عرض أقل
·