recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ.. احْتِرَامُ الرُّمُوزِ للدكتور قابيل حامد

 أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ.. احْتِرَامُ الرُّمُوزِ

 


الأَصْلُ الشَّرْعِيُّ وَالأَثَرُ الاِجْتِمَاعِيُّ 

التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَخْلَاقَ أَسَاسَ بِنَاءِ الْأُمَمِ، وَجَعَلَ مَعْرِفَةَ أَقْدَارِ النَّاسِ سَبِيلًا إِلَى الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ، وَرَفَعَ أَقْدَارَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ، وَأَمَرَنَا بِإِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، وَكَانَ يُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ مِنْ مَوَاقِفِ حَيَاتِهِ، وَقَالَ: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ». صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَىٰ هَدْيِهِ.

أَمَّا بَعْدُ

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَقُومُ عَلَيْهِ بِنَاءُ الْمُجْتَمَعَاتِ وَتَرْقَى بِهِ الْأُمَمُ: خُلُقُ مَعْرِفَةِ أَقْدَارِ النَّاسِ، وَإِنْزَالُ كُلِّ إِنْسَانٍ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ. وَإِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ هَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ لَيْسَ حَدِيثًا عَنْ مَبْدَأٍ نَظَرِيٍّ، بَلْ هُوَ حَدِيثٌ عَنْ أَسَاسٍ مِنْ أَسَاسَاتِ بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، وَعَنْ مَنْهَجٍ رَبَّانِيٍّ لِتَحْقِيقِ الْعَدْلِ وَالتَّمَاسُكِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَعَنْ تَطْبِيقٍ عَمَلِيٍّ فِي بُيُوتِنَا وَمَسَاجِدِنَا وَمَدَارِسِنَا وَمُؤَسَّسَاتِنَا وَشَوَارِعِنَا.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْكِرَامُ،

إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفَ قَدْ رَبَّى أَتْبَاعَهُ عَلَىٰ هَذِهِ الْمَعَانِي السَّامِيَةِ؛ فَرَفَعَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَرَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَحَثَّ عَلَىٰ تَوْقِيرِ الْكَبِيرِ، وَحَفِظَ لِأَهْلِ السَّابِقَةِ فَضْلَهُمْ، وَأَكَّدَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ مَصُونَةٌ، وَأَنَّ التَّفَاضُلَ بَيْنَ النَّاسِ لَا يُبِيحُ ظُلْمَ أَحَدٍ أَوِ احْتِقَارَهُ، وَمِنْ هُنَا تَتَكَامَلُ فِي هَذَا الْخُلُقِ قِيمَتَانِ عَظِيمَتَانِ: الْأُولَىٰ: إِعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَالثَّانِيَةُ: حِفْظُ كَرَامَةِ الْجَمِيعِ؛ فَلَا يَكُونُ التَّوْقِيرُ غُلُوًّا، وَلَا يَكُونُ الِاخْتِلَافُ إِسَاءَةً، وَلَا تَكُونُ الْمُسَاوَاةُ ذَرِيعَةً إِلَىٰ إِلْغَاءِ الْفَوَارِقِ الْمَشْرُوعَةِ بَيْنَ النَّاسِ.

 

الْفَصْلُ الأَوَّلُ: الأَصْلُ الشَّرْعِيُّ وَالْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَالاِصْطِلَاحِيُّ

أَوَّلًا: نَصُّ الْحَدِيثِ

عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

ثَانِيًا: الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ

«أَنْزِلُوا»: فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْإِنْزَالِ، وَهُوَ الْإِحْلَالُ وَالْإِقْرَارُ. «النَّاسَ»: جَمْعُ إِنْسَانٍ، وَهُوَ الْجِنْسُ الْبَشَرِيُّ. «مَنَازِلَهُمْ»: جَمْعُ مَنْزِلَةٍ، وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ وَالْمَقَامُ. قَالَ الْمَلَّا عَلِيٌّ الْقَارِي: «أَنْزِلُوا النَّاسَ: أَمْرٌ مِنَ الْإِنْزَالِ، وَقَوْلُهُ (مَنَازِلَهُمْ) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: مَقَامَاتِهِمُ الْمُعَيَّنَةَ الْمَعْلُومَةَ».

ثَالِثًا: الْمَعْنَى الاِصْطِلَاحِيُّ

قَالَ الْعَزِيزِيُّ: «الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَىٰ مُرَاعَاةِ مَقَادِيرِ النَّاسِ وَمَرَاتِبِهِمْ وَمَنَاصِبِهِمْ وَتَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْمَجَالِسِ وَفِي الْقِيَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ». وَالْمَقْصُودُ: مُعَامَلَةُ كُلِّ أَحَدٍ بِمَا يُلَائِمُ مَنْصِبَهُ فِي الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالشَّرَفِ.

وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ: «أَنْزِلُوا النَّاسَ أَيِ احْفَظُوا حُرْمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَىٰ قَدْرِهِ، وَعَامِلُوهُ بِمَا يُلَائِمُ حَالَهُ فِي عُمْرٍ وَدِينٍ وَعِلْمٍ وَشَرَفٍ، فَلَا تُسَوُّوا بَيْنَ الْخَادِمِ وَالْمَخْدُومِ وَالرَّئِيسِ وَالْمَرْؤُوسِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ عَدَاوَةً وَحِقْدًا فِي النُّفُوسِ».

رَابِعًا: أَصْلُ الْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ

قَالَ ابْنُ السَّعْدِيِّ: «يَا لَهُ مِنْ حَدِيثٍ حَكِيمٍ! فِيهِ الْحَثُّ لِأُمَّتِهِ عَلَىٰ مُرَاعَاةِ الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ وَضْعُ الْأَشْيَاءِ مَوَاضِعَهَا وَتَنْزِيلُهَا مَنَازِلَهَا». فَالْحَدِيثُ يَرْجِعُ إِلَىٰ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ:

الأول: الحكمة، وهي: وضع الأشياء في مواضعها وتنزيلها منازلها.

الثاني: العدل، وهو: إعطاء كل ذي حق حقه.

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].

الْفَصْلُ الثَّانِي: أَقْسَامُ النَّاسِ فِي إِنْزَالِ الْمَنَازِلِ

قَالَ الْعُلَمَاءُ: النَّاسُ قِسْمَانِ:

الْقِسْمُ الأَوَّلُ: مَنْ لَهُ حَقٌّ خَاصٌّ

كَالْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْحَابِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُحْسِنِينَ بِحَسَبِ إِحْسَانِهِمُ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، فَهَذَا الْقِسْمُ تَنْزِيلُهُمْ مَنَازِلَهُمْ يَكُونُ بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ شَرْعًا وَعُرْفًا مِنَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْإِحْسَانِ وَالتَّوْقِيرِ وَالْوَفَاءِ وَالْمُوَاسَاةِ، وَجَمِيعِ مَا لَهُمْ مِنَ الْحُقُوقِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ لَيْسَ لَهُ مَزِيَّةُ اخْتِصَاصٍ بِحَقٍّ خَاصٍّ

وَإِنَّمَا لَهُمْ حَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الْإِنْسَانِيَّةِ، فَهَؤُلَاءِ حَقُّهُمُ الْمُشْتَرَكُ فِي إِنْزَالِهِمْ مَنْزِلَتَهُمْ: أَنْ تُمْنَعَ عَنْهُمُ الْأَذَىٰ وَالضَّرَرُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَأَنْ تُحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ مِنَ الْخَيْرِ وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لَهَا.

وَمِنْ ذَلِكَ: مُعَاشَرَةُ الْخَلْقِ بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ

قَالَ ابْنُ السَّعْدِيِّ: «فَالْكَبِيرُ لَهُ التَّوْقِيرُ وَالاحْتِرَامُ، وَالصَّغِيرُ يُعَامَلُ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّقَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لِحَالِهِ، وَالنَّظِيرُ يُعَامَلُ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُعَامَلَ بِهِ. وَلِلْأُمِّ حَقٌّ خَاصٌّ بِهَا، وَلِلزَّوْجَةِ حَقٌّ آخَرُ، وَيُعَامَلُ مَنْ يُدِلُّ عَلَيْهِ وَيَثِقُ بِهِ وَيَتَوَسَّعُ مَعَهُ مَا لَا يُعَامَلُ بِهِ مَنْ لَا يَثِقُ بِهِ. وَيَتَكَلَّمُ مَعَ الْمُلُوكِ وَأَرْبَابِ الرِّئَاسَةِ بِالْكَلَامِ اللَّيِّنِ الْمُنَاسِبِ لِمَرَاتِبِهِمْ».

 

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: الضَّوَابِطُ الْمُهِمَّةُ فِي إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ

الضَّابِطُ الأَوَّلُ: الْحِكْمَةُ وَالْعَدْلُ أَسَاسُ التَّقْدِيرِ

فَإِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ مُوجِبُ الْحِكْمَةِ وَمُوجِبُ الْعَدْلِ، فَلَا يُسَوَّى الْجَاهِلُ بِالْعَالِمِ، وَلَا الْفَاجِرُ بِالتَّقِيِّ الصَّالِحِ. قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وَقَالَ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠].

الضَّابِطُ الثَّانِي: الدِّينُ وَالتَّقْوَىٰ هُمَا الْمِيزَانُ الأَعْلَىٰ

قَالَ الْعُلَمَاءُ: «إِنَّ مَكَانَةَ الْمُتَّقِي تُقْتَضِي رَفْعَ مَنْزِلَتِهِ، وَأَنَّ مَنْزِلَتَهُ هِيَ أَرْفَعُ الْمَنَازِلِ». وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ: «وَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ السَّابِقِ يَدُلُّ عَلَىٰ تَقْدِيمِ مَكَانَةِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ، فَلَوِ اجْتَمَعَ ذُو مَكَانَةٍ دِينِيَّةٍ مَعَ صَاحِبِ مَكَانَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، فَمُقْتَضَى الْحَالِ وَالشَّرْعِ يَقْتَضِي رَفْعَ مَكَانَةِ صَاحِبِ الدِّينِ عَلَىٰ غَيْرِهِ».

الضَّابِطُ الثَّالِثُ: لَا غُلُوَّ وَلَا تَقْصِيرَ

فَاحْتِرَامُ الرُّمُوزِ لَا يَعْنِي تَقْدِيسَهُمْ، فَالتَّقْدِيسُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيرٌ وَإِجْلَالٌ بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا مُبَالَغَةٍ. وَقَدْ نَهَىٰ النَّبِيُّ عَنِ الْغُلُوِّ فِي الْمَدْحِ حَيْثُ قَالَ: «احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

الضَّابِطُ الرَّابِعُ: حِفْظُ كَرَامَةِ الْجَمِيعِ

فَلَا يَكُونُ التَّوْقِيرُ غُلُوًّا، وَلَا يَكُونُ الِاخْتِلَافُ إِسَاءَةً، وَلَا تَكُونُ الْمُسَاوَاةُ ذَرِيعَةً إِلَىٰ إِلْغَاءِ الْفَوَارِقِ الْمَشْرُوعَةِ بَيْنَ النَّاسِ.

 

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: قِصَصٌ وَمَوَاقِفُ نَبَوِيَّةٌ وَتَارِيخِيَّةٌ فِي إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ

القصة الأولى: عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَالسَّائِلُ وَصَاحِبُ الْهَيْئَةِ

رُوِيَ أَنَّ سَائِلًا مَرَّ بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، ثُمَّ مَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ حَسَنَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ وَأَطْعَمَتْهُ حَتَّىٰ شَبِعَ. فَلَمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهَا ذَلِكَ، احْتَجَّتْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ : «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ».

قَالَ ابْنُ السَّعْدِيِّ: «يَعْنِي أَنَّ هَذَا لَهُ مَنْزِلَتُهُ وَهَذَا لَهُ مَنْزِلَتُهُ». فَهَذَا فِقْهُ عَائِشَةَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْحَاجَاتِ وَالْمَقَامَاتِ؛ فَالْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ يُعْطَىٰ مَا يَسُدُّ حَاجَتَهُ، وَصَاحِبُ الْهَيْئَةِ وَالْمَنْصِبِ يُكْرَمُ وَيُجْلَسُ وَيُطْعَمُ مِمَّا يُنَاسِبُهُ.

القصة الثانية: النَّبِيُّ وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ

قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَرَجْتُ حَتَّىٰ أَقْدَمَ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنِ الرَّجُلُ؟» فَقُلْتُ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فَانْطَلَقَ بِي إِلَىٰ بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَامِدٌ بِي إِلَيْهِ إِذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ كَبِيرَةٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَتِهَا. قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ! قَالَ: ثُمَّ مَضَىٰ بِي رَسُولُ اللَّهِ حَتَّىٰ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ تَنَاوَلَ وِسَادَةً فَقَذَفَهَا إِلَيَّ فَقَالَ: «اجْلِسْ عَلَىٰ هَذِهِ». قَالَ: قُلْتُ: بَلْ أَنْتَ فَاجْلِسْ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «بَلْ أَنْتَ». فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ بِالْأَرْضِ.

وَأَثَرُ ذَلِكَ فِي الْمُجْتَمَعِ: أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَأَى فِي النَّبِيِّ مَثَلًا حَيًّا لِإِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ؛ فَقَدْ أَنْزَلَ الْمَرْأَةَ الضَّعِيفَةَ مَنْزِلَتَهَا فَوَقَفَ لَهَا، وَأَنْزَلَ عَدِيًّا - وَهُوَ سَيِّدُ قَوْمِهِ - مَنْزِلَتَهُ فَأَجْلَسَهُ عَلَىٰ الْوِسَادَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي إِسْلَامِهِ، ثُمَّ صَارَ مِنْ أَعْظَمِ الدُّعَاةِ إِلَىٰ اللَّهِ.

القصة الثالثة: النَّبِيُّ وَأَبُو قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ

عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ وَاطْمَأَنَّ وَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ، أَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ يَقُودُهُ شَيْخًا أَعْمَىٰ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: «أَلَا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّىٰ نَأْتِيَهُ؟» وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «لَوْ أَقْرَرْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ لَأَتَيْنَاهُ».

وَأَثَرُ ذَلِكَ فِي الْمُجْتَمَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ رَسَمَ لِأُمَّتِهِ مَنْهَجًا فِي تَوْقِيرِ كِبَارِ السِّنِّ، وَأَنَّ الْكَبِيرَ لَهُ مَكَانَتُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَىٰ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا؟! فَتَرَبَّى الْمُسْلِمُونَ عَلَىٰ تَوْقِيرِ الْكِبَارِ، وَحِفْظِ هَيْبَتِهِمْ.

القصة الرابعة: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَخَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ

رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَمَرَّ بِعَجُوزٍ فَاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَهَا، وَدَنَا مِنْهَا، وَأَصْغَىٰ إِلَيْهَا رَأْسَهُ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَىٰ مَنْكِبَيْهَا حَتَّىٰ قَضَتْ حَاجَتَهَا وَانْصَرَفَتْ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَبَسْتَ رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ عَلَىٰ هَذِهِ الْعَجُوزِ! قَالَ: «تَدْرُونَ مَنْ هَذِهِ؟ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، فَوَاللَّهِ لَوْ قَامَتْ هَكَذَا إِلَىٰ اللَّيْلِ لَبَقِيتُ مَعَهَا إِلَّا أَنْ تَحْضُرَ صَلَاةٌ، فَأُصَلِّيَ ثُمَّ أَرْجِعَ إِلَيْهَا».

وَأَثَرُ ذَلِكَ فِي الْمُجْتَمَعِ: أَنَّ النَّاسَ لَمَّا رَأَوْا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقِفُ لِامْرَأَةٍ عَجُوزٍ فَقِيرَةٍ، وَيُنْزِلُهَا مَنْزِلَتَهَا لِأَنَّ اللَّهَ سَمِعَ قَوْلَهَا، عَلِمُوا أَنَّ الْعَدْلَ لَيْسَ حِزْبًا وَلَا وَاسِطَةً، بَلْ هُوَ إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، فَاطْمَأَنَّ الضَّعِيفُ أَنَّ حَقَّهُ مَحْفُوظٌ، وَاسْتَقَامَ الْقَوِيُّ عَلَىٰ الْعَدْلِ، وَتَحَقَّقَ الْأَمْنُ الاِجْتِمَاعِيُّ.

القصة الخامسة: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ

عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: صَلَّىٰ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَىٰ جَنَازَةٍ، ثُمَّ قُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَةٌ لِيَرْكَبَهَا، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَأَخَذَ بِرِكَابِهَا. فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: «خَلِّ عَنْهُ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ» . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «هَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ» .

وَأَثَرُ ذَلِكَ فِي الْمُجْتَمَعِ: أَنَّ النَّاسَ لَمَّا رَأَوْا ابْنَ عَبَّاسٍ - وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَمِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ - يُوَقِّرُ زَيْدًا وَيَخْدِمُهُ، عَلِمُوا أَنَّ الْعِلْمَ وَالْفَضْلَ لَهُ مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ، فَسَادَ الِاحْتِرَامُ بَيْنَ النَّاسِ، وَتَنَافَسُوا فِي الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ.

القصة السادسة: النَّبِيُّ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ

لَمَّا جَاءَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِيَحْكُمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ النَّبِيُّ لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا إِلَىٰ سَيِّدِكُمْ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). فَأَنْزَلَ النَّبِيُّ سَعْدًا مَنْزِلَتَهُ؛ فَهُوَ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَنْزَلَهُ النَّبِيُّ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ.

القصة السابعة: الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَالسَّيِّدَةُ نَفِيسَةَ

لَمَّا وَفَدَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِلَىٰ مِصْرَ عَامَ ١٩٨ هـ، كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا فَعَلَهُ أَنْ تَوَثَّقَتْ صِلَتُهُ بِآلِ الْبَيْتِ، فَكَانَ يَزُورُ السَّيِّدَةَ نَفِيسَةَ وَيَلْتَمِسُ دُعَاءَهَا، وَكَانَ يُصَلِّي بِهَا صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ فِي مَسْجِدِهَا. وَقَدْ بَلَغَ مِنْ تَوْقِيرِهِ لَهَا أَنَّهُ فِي مَرَضِهِ الْأَخِيرِ أَوْصَىٰ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مُرَّتْ جَنَازَتُهُ بِدَارِهَا، فَصَلَّتْ عَلَيْهِ تَنْفِيذًا لِوَصِيَّتِهِ.

وَأَثَرُ ذَلِكَ فِي الْمُجْتَمَعِ: أَنَّ النَّاسَ لَمَّا رَأَوْا الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ - وَهُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ - يُوَقِّرُ السَّيِّدَةَ نَفِيسَةَ وَيَلْتَمِسُ دُعَاءَهَا، عَلِمُوا أَنَّ الْعِلْمَ وَالْفَضْلَ لَهُ مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ، فَتَرَبَّى الْمُجْتَمَعُ عَلَىٰ تَوْقِيرِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ.

 

الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَثَرُ إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ

أَوَّلًا: تَحْقِيقُ الْعَدْلِ الاِجْتِمَاعِيِّ

إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ يُحَقِّقُ الْعَدْلَ الاِجْتِمَاعِيَّ؛ فَيُعْطَىٰ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلَا يُبْخَسُ صَاحِبُ فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَلَا يُهْدَرُ حَقُّ كَبِيرٍ لِكِبَرِ سِنِّهِ، وَلَا يُنْتَقَصُ مِنْ قَدْرِ عَالِمٍ لِعِلْمِهِ.

ثَانِيًا: حِفْظُ هَيْبَةِ أَهْلِ الْفَضْلِ

فَاحْتِرَامُ الرُّمُوزِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ دَلَائِلِ الْوَفَاءِ وَالْعَدْلِ وَحُسْنِ الْأَدَبِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَىٰ رُقِيِّ الْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ وَاسْتِقَامَةِ مَنْظُومَةِ الْقِيَمِ فِيهِ.

ثَالِثًا: صِيَانَةُ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ

وَقَدْ رَبَّى الْإِسْلَامُ أَتْبَاعَهُ عَلَىٰ هَذِهِ الْمَعَانِي؛ فَرَفَعَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَرَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَحَثَّ عَلَىٰ تَوْقِيرِ الْكَبِيرِ، وَحَفِظَ لِأَهْلِ السَّابِقَةِ فَضْلَهُمْ، وَأَكَّدَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ مَصُونَةٌ، وَأَنَّ التَّفَاضُلَ بَيْنَ النَّاسِ لَا يُبِيحُ ظُلْمَ أَحَدٍ أَوِ احْتِقَارَهُ.

رَابِعًا: بِنَاءُ الثِّقَةِ وَالتَّمَاسُكِ الاِجْتِمَاعِيِّ

وَمِنْ أَعْظَمِ آثَارِ هَذَا الْخُلُقِ: أَنَّهُ يَبْنِي الثِّقَةَ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، وَيُعَزِّزُ التَّمَاسُكَ الاِجْتِمَاعِيَّ، وَيَمْنَعُ الْعَدَاوَةَ وَالْحِقْدَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ: «فَإِنَّهُ يُورِثُ عَدَاوَةً وَحِقْدًا فِي النُّفُوسِ».

خَامِسًا: الْأَمْنُ الاِجْتِمَاعِيُّ أَسَاسُ الِاسْتِقْرَارِ

إِنَّ الْأَمْنَ الاِجْتِمَاعِيَّ هُوَ أَسَاسُ اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ، وَهُوَ الَّذِي يَجْعَلُ النَّاسَ يَعِيشُونَ فِي طُمَأْنِينَةٍ وَسَلَامٍ، وَهُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُمْ يُبْدِعُونَ وَيَعْمَلُونَ وَيَبْنُونَ. وَلَا يَتَحَقَّقُ الْأَمْنُ الاِجْتِمَاعِيُّ إِلَّا إِذَا أُنْزِلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ.

سَادِسًا: تَشْجِيعُ الْإِبْدَاعِ وَالتَّفَوُّقِ

فَإِنَّ النَّاسَ لَمَّا يَرَوْنَ أَنَّ الْمُتَفَوِّقَ يُكْرَمُ، وَالْمُبْدِعَ يُقَدَّرُ، يَتَنَافَسُونَ فِي الْخَيْرِ وَالْإِنْجَازِ، فَيَتَقَدَّمُ الْمُجْتَمَعُ.

سَابِعًا: تَحْقِيقُ السَّعَادَةِ وَالرِّضَا

فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ وَالرِّضَا عِنْدَمَا يَجِدُ مَنْ يُنْزِلُهُ مَنْزِلَتَهُ، وَيُعْطِيهِ حَقَّهُ، وَيُقَدِّرُ جُهُودَهُ.

 

الْفَصْلُ السَّادِسُ: التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ

أَوَّلًا: فِي الْأُسْرَةِ

تَقْدِيرُ الْأَبِ وَالْأُمِّ: قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. فَالْأَبُ وَالْأُمُّ لَهُمَا مَنْزِلَتُهُمَا الْعَلِيَّةُ.

تَقْدِيرُ الْأَوْلَادِ وَمُرَاعَاةُ مَرَاحِلِهِمْ: فَالطِّفْلُ يُعَامَلُ بِالرَّحْمَةِ، وَالشَّابُّ يُعَامَلُ بِالْحِوَارِ، وَالْبَالِغُ يُعَامَلُ بِالِاحْتِرَامِ. قَالَ النَّبِيُّ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

تَقْدِيرُ الْجُهُودِ دَاخِلَ الْأُسْرَةِ: فَمَنْ يَعْمَلُ لَهُ فَضْلُهُ، وَمَنْ يُنْفِقُ لَهُ مَنْزِلَتُهُ، وَمَنْ يُعَلِّمُ لَهُ قَدْرُهُ.

ثَانِيًا: فِي الْمَسْجِدِ

تَقْدِيرُ الْإِمَامِ: فَالْإِمَامُ لَهُ مَنْزِلَتُهُ، وَيَجِبُ احْتِرَامُهُ وَعَدَمُ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ.

تَقْدِيرُ الْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ: قَالَ النَّبِيُّ : «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

تَقْدِيرُ كِبَارِ السِّنِّ: يُقَدَّمُ الْكَبِيرُ فِي الصُّفُوفِ الْأُولَىٰ، وَيُعْطَىٰ مَكَانَهُ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ.

ثَالِثًا: فِي الْمَدْرَسَةِ وَالْجَامِعَةِ

تَقْدِيرُ الْمُعَلِّمِ: قَالَ النَّبِيُّ : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ فِي الْبَحْرِ يُصَلُّونَ عَلَىٰ مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

تَقْدِيرُ الطُّلَّابِ الْمُتَفَوِّقِينَ: يُكَرَّمُ الْمُتَفَوِّقُ، وَيُشَجَّعُ، وَيُجْعَلُ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ.

مُرَاعَاةُ الْفُرُوقِ الْفَرْدِيَّةِ: فَيُعْطَى كُلُّ ذِي مَوْهِبَةٍ مَا يُنَاسِبُهَا.

رَابِعًا: فِي الْعَمَلِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ

تَقْدِيرُ الْكَفَاءَاتِ: فَيُعْطَى كُلُّ ذِي كَفَاءَةٍ مَا يُنَاسِبُ كَفَاءَتَهُ.

تَقْدِيرُ الْجُهُودِ وَالْإِنْجَازَاتِ: فَمَنْ أَنْجَزَ لَهُ إِنْجَازُهُ، وَمَنْ تَفَوَّقَ لَهُ تَفَوُّقُهُ.

الْمُحَاسَبَةُ الْعَادِلَةُ: فَمَنْ قَصَّرَ يُحَاسَبُ، وَمَنْ أَخْطَأَ يُنْصَحُ، وَمَنْ أَصَابَ يُشْكَرُ.

خَامِسًا: فِي الشَّارِعِ وَالْأَسْوَاقِ

احْتِرَامُ كِبَارِ السِّنِّ: فَيُقَدَّمُ الْكَبِيرُ، وَيُعْطَىٰ مَكَانَهُ، وَيُسَاعَدُ.

احْتِرَامُ أَصْحَابِ الْحَاجَاتِ: فَالْمَرِيضُ يُسَاعَدُ، وَالضَّعِيفُ يُعَانُ، وَالْحَامِلُ تُقَدَّمُ.

احْتِرَامُ الْعَامِلِينَ: فَالْعَامِلُ لَهُ مَنْزِلَتُهُ؛ يُشْكَرُ عَلَىٰ جُهْدِهِ، وَيُقَدَّرُ تَعَبُهُ.

سَادِسًا: فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الْاِجْتِمَاعِيِّ

عَدَمُ التَّنَقُّصِ مِنَ النَّاسِ: قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١].

احْتِرَامُ الْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ: فَيَجِبُ تَوْقِيرُهُمْ، وَلَا يُنْشَرُ عَنْهُمْ مَا يُنْقِصُ مِنْ أَقْدَارِهِمْ.

نَشْرُ الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ: فَيُشِيعُ الْمُسْلِمُ الْمَحَبَّةَ وَالْأُلْفَةَ.

 

 الْفَصْلُ السَّابِعُ: احْتِرَامُ الرُّمُوزِ الْوَطَنِيَّةِ فِي ضَوْءِ الشَّرِيعَةِ

أَوَّلًا: تَحْيَةُ الْعَلَمِ وَالنَّشِيدُ الْوَطَنِيُّ

أَكَّدَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ احْتِرَامَ الْعَلَمِ الْوَطَنِيِّ وَالْوُقُوفَ لَهُ أَثْنَاءَ تَحِيَّتِهِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ لَا حَرَجَ فِيهِ، وَهُوَ مِنَ الْوَسَائِلِ الْمُشْرُوعَةِ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ حُبِّ الْأَوْطَانِ وَالِانْتِمَاءِ إِلَيْهَا. قَالَ الشَّيْخُ عَطِيَّةُ صَقْرٌ: «تَحِيَّةُ الْعَلَمِ بِالنَّشِيدِ أَوِ الْإِشَارَةِ بِالْيَدِ فِي وَضْعٍ مُعَيَّنٍ إِشْعَارٌ بِالْوَلَاءِ لِلْوَطَنِ وَالِالْتِفَافِ حَوْلَ قِيَادَتِهِ وَالْحِرْصِ عَلَىٰ حِمَايَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي مَفْهُومِ الْعِبَادَةِ لَهُ».

ثَانِيًا: الدَّلِيلُ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ

وَالنَّبِيُّ عَاشَ فِي مَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَامًا لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا لِلْأَصْنَامِ مَعَ أَنَّهَا رُمُوزٌ لِلْكُفْرِ، وَاكْتَفَىٰ بِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِي عِبَادَتِهَا. وَقَدِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ الرَّايَاتِ وَالْأَلْوِيَةَ وَالْأَعْلَامَ.

 

خَاتِمَةُ الْخُطْبَةِ الأُولَىٰ

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْكِرَامُ،

إِنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ خُلُقٍ اجْتِمَاعِيٍّ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ شَرْعِيٌّ يَقُومُ عَلَىٰ الْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَبِهِ تَسْتَقِيمُ الْمُجْتَمَعَاتُ وَتَرْتَقِي الْأُمَمُ.

لَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ أَنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ:

· يَبْنِي الثِّقَةَ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ.

· يَحْفَظُ هَيْبَةَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ.

· يُحَقِّقُ الْعَدْلَ الاِجْتِمَاعِيَّ.

· يَبْنِي الْمُجْتَمَعَ الْمُتَكَامِلَ.

· يَنْشُرُ الْعِلْمَ وَيُقَدِّرُ الْعُلَمَاءَ.

· يُحَقِّقُ الْأَمْنَ الاِجْتِمَاعِيَّ.

· يَبْنِي الْأُسْرَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ.

· يُبْنِي الْقُدْوَةَ وَالْمِثَالِيَّةَ.

· يُقَدِّرُ الْمَسْؤُولِيَّاتِ وَالْمَنَاصِبَ.

· يُحَقِّقُ الْوَحْدَةَ الْوَطَنِيَّةَ.

· يُقَدِّرُ الْجُهُودَ وَالْإِنْجَازَاتِ.

· يُحَقِّقُ السَّعَادَةَ وَالرِّضَا.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

 

﴿الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ وَالثَّمَرَاتُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَنَا بِإِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، وَجَعَلَ ذَلِكَ سَبِيلًا إِلَى اسْتِقَامَةِ الْمُجْتَمَعِ وَتَمَاسُكِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي كَانَ يُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ مِنْ مَوَاقِفِ حَيَاتِهِ، وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَىٰ هَدْيِهِ.

 

أَمَّا بَعْدُ

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ تَحَدَّثْنَا فِي الْخُطْبَةِ الأُولَىٰ عَنْ أَصْلِ هَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ، وَأَثَرِهِ فِي بِنَاءِ الثِّقَةِ وَالْعَدْلِ وَالْأَمْنِ وَالْوَحْدَةِ. وَفِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ نَتَحَدَّثُ عَنْ التَّطْبِيقِ الْعَمَلِيِّ لِهَذَا الْخُلُقِ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ، وَكَيْفَ نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي بُيُوتِنَا وَمَسَاجِدِنَا وَمَدَارِسِنَا وَمُؤَسَّسَاتِنَا وَشَوَارِعِنَا.

 

الْمَبْحَثُ الأَوَّلُ: إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي الْأُسْرَةِ

أَوَّلًا: الْأُسْرَةُ مَدْرَسَةُ الْأَخْلَاقِ

إِنَّ الْأُسْرَةَ هِيَ الْمَدْرَسَةُ الْأُولَىٰ الَّتِي يَتَعَلَّمُ فِيهَا الْإِنْسَانُ خُلُقَ إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ. فَإِذَا نَشَأَ الْوَلَدُ فِي أُسْرَةٍ يُنْزِلُ فِيهَا الْأَبُ كُلَّ فَرْدٍ مَنْزِلَتَهُ، تَعَلَّمَ هَذَا الْخُلُقَ، وَصَارَ سَجِيَّةً لَهُ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا.

ثَانِيًا: كَيْفَ نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْأُسْرَةِ؟

أَوَّلًا: تَقْدِيرُ الْأَبِ وَالْأُمِّ:

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. فَالْأَبُ وَالْأُمُّ لَهُمَا مَنْزِلَتُهُمَا الْعَلِيَّةُ، وَيَجِبُ عَلَىٰ الْأَوْلَادِ أَنْ يُنْزِلُوهُمَا مَنَازِلَهُمَا، فَلَا يُرْفَعُ عَلَيْهِمَا صَوْتٌ، وَلَا يُقَالُ لَهُمَا أُفٍّ، وَلَا يُقْبَلُ تَقْدِيمُ رَأْيِ أَحَدٍ عَلَىٰ رَأْيِهِمَا.

ثَانِيًا: تَقْدِيرُ الْأَوْلَادِ وَمُرَاعَاةُ مَرَاحِلِهِمْ:

إِنَّ الْأَوْلَادَ لَهُمْ مَنْزِلَتُهُمْ أَيْضًا؛ فَالطِّفْلُ يُعَامَلُ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّقَّةِ، وَالشَّابُّ يُعَامَلُ بِالْحِوَارِ وَالْمُشَاوَرَةِ، وَالْبَالِغُ يُعَامَلُ بِالِاحْتِرَامِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ. قَالَ النَّبِيُّ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

ثَالِثًا: تَقْدِيرُ الْجُهُودِ دَاخِلَ الْأُسْرَةِ:

فَمَنْ يَعْمَلُ لِلْأُسْرَةِ لَهُ فَضْلُهُ، وَمَنْ يُنْفِقُ لَهُ مَنْزِلَتُهُ، وَمَنْ يُعَلِّمُ وَيُرَبِّي لَهُ قَدْرُهُ. وَهَذَا يُشْعِرُ كُلَّ فَرْدٍ فِي الْأُسْرَةِ بِأَنَّهُ مَقْدَرٌ مَحْفُوظٌ، فَتَزْدَادُ الْأُسْرَةُ تَمَاسُكًا وَسَعَادَةً.

 

الْمَبْحَثُ الثَّانِي: إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ

أَوَّلًا: الْمَسْجِدُ بَيْتُ اللَّهِ وَمَنْبَرُ الْعِلْمِ

إِنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ بَيْتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ مَكَانُ التَّعَبُّدِ وَالْعِلْمِ وَالِاجْتِمَاعِ. وَفِيهِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ عَلَىٰ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهِمْ وَأَقْدَارِهِمْ، وَيَجِبُ أَنْ يُنْزَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَنْزِلَتَهُ.

ثَانِيًا: كَيْفَ نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ؟

أَوَّلًا: تَقْدِيرُ الْإِمَامِ:

فَالْإِمَامُ لَهُ مَنْزِلَتُهُ، وَيَجِبُ عَلَىٰ الْمُصَلِّينَ احْتِرَامُهُ، وَعَدَمُ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ، وَمُسَاعَدَتُهُ عَلَىٰ أَدَاءِ مُهِمَّتِهِ، وَالنَّصِيحَةُ لَهُ بِالرِّفْقِ وَالْحِكْمَةِ.

ثَانِيًا: تَقْدِيرُ الْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ:

فَالْعَالِمُ وَالدَّاعِيَةُ لَهُمَا مَنْزِلَتُهُمَا؛ يُجْلَسُ إِلَيْهِمَا، وَيُسْتَمَعُ لَهُمَا، وَيُقَدَّرُ جُهْدُهُمَا. قَالَ النَّبِيُّ : «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

ثَالِثًا: تَقْدِيرُ كِبَارِ السِّنِّ:

فَالْمَسْجِدُ مَكَانُ تَوْقِيرِ الْكِبَارِ؛ يُقَدَّمُ الْكَبِيرُ فِي الصُّفُوفِ الْأُولَىٰ، وَيُعْطَىٰ مَكَانَهُ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، وَلَا يُتَخَطَّىٰ رَقَبَةُ شَيْخٍ كَبِيرٍ.

رَابِعًا: تَقْدِيرُ الْجِيرَانِ وَالْمُصَلِّينَ:

فَإِنَّ لِلْجَارِ حَقًّا، وَلِلْمُصَلِّي حَقًّا؛ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ، وَيُسْأَلُ عَنْ حَالِهِ، وَيُعَاوَنُ عَلَىٰ قَضَاءِ حَاجَتِهِ.

 

الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي الْمَدْرَسَةِ وَالْجَامِعَةِ

أَوَّلًا: الْمَدْرَسَةُ مَكَانُ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ

إِنَّ الْمَدْرَسَةَ وَالْجَامِعَةَ هُمَا مَكَانُ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ، وَفِيهِمَا يَتَعَلَّمُ الطَّالِبُ خُلُقَ إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ.

ثَانِيًا: كَيْفَ نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْمَدْرَسَةِ؟

أَوَّلًا: تَقْدِيرُ الْمُعَلِّمِ:

فَالْمُعَلِّمُ لَهُ مَنْزِلَتُهُ الْعَلِيَّةُ؛ قَالَ النَّبِيُّ : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ فِي الْبَحْرِ يُصَلُّونَ عَلَىٰ مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). فَيَجِبُ عَلَىٰ الطَّالِبِ احْتِرَامُ مُعَلِّمِهِ، وَالتَّأَدُّبُ مَعَهُ، وَالِاسْتِمَاعُ لَهُ، وَالدُّعَاءُ لَهُ.

ثَانِيًا: تَقْدِيرُ الطُّلَّابِ الْمُتَفَوِّقِينَ:

فَالطَّالِبُ الْمُتَفَوِّقُ لَهُ مَنْزِلَتُهُ؛ يُكَرَّمُ، وَيُشَجَّعُ، وَيُقَدَّرُ جُهْدُهُ، وَيُجْعَلُ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ.

ثَالِثًا: مُرَاعَاةُ الْفُرُوقِ الْفَرْدِيَّةِ:

فَالطُّلَّابُ يَتَفَاوَتُونَ فِي قُدْرَاتِهِمْ وَمَوَاهِبِهِمْ، وَعَلَىٰ الْمُعَلِّمِ أَنْ يُنْزِلَ كُلَّ طَالِبٍ مَنْزِلَتَهُ، فَيُعْطِي كُلَّ ذِي مَوْهِبَةٍ مَا يُنَاسِبُهَا، وَيُرَاعِيَ الْفُرُوقَ الْفَرْدِيَّةَ بَيْنَهُمْ.

 

الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي الْعَمَلِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ

أَوَّلًا: الْعَمَلُ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ

إِنَّ الْعَمَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ، وَعَلَىٰ الْمُدِيرِ وَالْمَسْؤُولِ أَنْ يُنْزِلَ كُلَّ عَامِلٍ مَنْزِلَتَهُ.

ثَانِيًا: كَيْفَ نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْعَمَلِ؟

أَوَّلًا: تَقْدِيرُ الْكَفَاءَاتِ:

فَيُعْطَى كُلُّ ذِي كَفَاءَةٍ مَا يُنَاسِبُ كَفَاءَتَهُ، فَلَا يُسَوَّى بَيْنَ الْخَبِيرِ وَغَيْرِ الْخَبِيرِ، وَلَا بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَالْمُتَكَاسِلِ.

ثَانِيًا: تَقْدِيرُ الْجُهُودِ وَالْإِنْجَازَاتِ:

فَمَنْ أَنْجَزَ لَهُ إِنْجَازُهُ، وَمَنْ تَفَوَّقَ لَهُ تَفَوُّقُهُ، وَمَنْ أَخْلَصَ لَهُ إِخْلَاصُهُ.

ثَالِثًا: الْمُحَاسَبَةُ الْعَادِلَةُ:

فَمَنْ قَصَّرَ يُحَاسَبُ، وَمَنْ أَخْطَأَ يُنْصَحُ، وَمَنْ أَصَابَ يُشْكَرُ. وَهَذَا يُحَقِّقُ الْعَدْلَ وَيُشْجِعُ عَلَىٰ الْعَمَلِ.

 

الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ: إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي الشَّارِعِ وَالْأَسْوَاقِ

أَوَّلًا: الشَّارِعُ مَكَانُ اللِّقَاءِ وَالتَّعَامُلِ

إِنَّ الشَّارِعَ وَالْأَسْوَاقَ هِيَ مَكَانُ اللِّقَاءِ وَالتَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِيهَا يُظْهِرُ الْمُسْلِمُ خُلُقَهُ وَأَدَبَهُ.

ثَانِيًا: كَيْفَ نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي الشَّارِعِ؟

أَوَّلًا: احْتِرَامُ كِبَارِ السِّنِّ:

فَيُقَدَّمُ الْكَبِيرُ فِي الْمَوَاصَلَاتِ، وَيُعْطَىٰ مَكَانَهُ، وَيُسَاعَدُ عَلَىٰ قَضَاءِ حَاجَتِهِ.

ثَانِيًا: احْتِرَامُ أَصْحَابِ الْحَاجَاتِ:

فَالْمَرِيضُ يُسَاعَدُ، وَالضَّعِيفُ يُعَانُ، وَالْحَامِلُ تُقَدَّمُ، وَذُو الْحَاجَةِ يُعْطَىٰ حَقَّهُ.

ثَالِثًا: احْتِرَامُ الْعَامِلِينَ:

فَالْعَامِلُ فِي الشَّارِعِ لَهُ مَنْزِلَتُهُ؛ يُشْكَرُ عَلَىٰ جُهْدِهِ، وَيُقَدَّرُ تَعَبُهُ، وَلَا يُحْتَقَرُ لِأَنَّهُ عَامِلٌ.

 

الْمَبْحَثُ السَّادِسُ: إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الْاِجْتِمَاعِيِّ

أَوَّلًا: وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ

إِنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الْاِجْتِمَاعِيَّ سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ؛ فَإِنْ أُحْسِنَ اسْتِعْمَالُهَا فَهِيَ نِعْمَةٌ، وَإِنْ أُسِيءَ اسْتِعْمَالُهَا فَهِيَ نِقْمَةٌ. وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَجِبُ مُرَاعَاتُهُ فِيهَا: إِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ.

ثَانِيًا: كَيْفَ نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ؟

أَوَّلًا: عَدَمُ التَّنَقُّصِ مِنَ النَّاسِ:

فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ قَدْرِ إِنْسَانٍ، وَلَا أَنْ يُحْتَقَرَ، وَلَا أَنْ يُسَخَّرَ مِنْهُ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١].

ثَانِيًا: احْتِرَامُ الْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ:

فَيَجِبُ عَلَىٰ الْمُسْلِمِ أَنْ يُوَقِّرَ الْعُلَمَاءَ وَالْكُبَرَاءَ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَلَا يَنْشُرَ عَنْهُمْ مَا يُنْقِصُ مِنْ أَقْدَارِهِمْ.

ثَالِثًا: نَشْرُ الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ:

فَيَجِبُ عَلَىٰ الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْشُرَ الْخَيْرَ وَالْمَعْرُوفَ، وَيُذَكِّرَ النَّاسَ بِأَقْدَارِهِمْ، وَيُشِيعَ الْمَحَبَّةَ وَالْأُلْفَةَ.

 

الْمَبْحَثُ السَّابِعُ: ثَمَرَاتُ إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي الْمُجْتَمَعِ الْمُعَاصِرِ

أَوَّلًا: تَحْقِيقُ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ

فَإِنْزَالُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ يُحَقِّقُ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ بَيْنَ النَّاسِ، فَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلَا يُبْخَسُ صَاحِبُ فَضْلٍ فَضْلَهُ.

ثَانِيًا: بِنَاءُ الثِّقَةِ بَيْنَ النَّاسِ

فَإِنَّ النَّاسَ لَمَّا يَرَوْنَ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يُنْزَلُ مَنْزِلَتَهُ، يَثِقُونَ فِي بَعْضِهِمْ، وَيَتَعَاوَنُونَ، وَيَتَمَاسَكُونَ.

ثَالِثًا: تَشْجِيعُ الْإِبْدَاعِ وَالتَّفَوُّقِ

فَإِنَّ النَّاسَ لَمَّا يَرَوْنَ أَنَّ الْمُتَفَوِّقَ يُكْرَمُ، وَالْمُبْدِعَ يُقَدَّرُ، يَتَنَافَسُونَ فِي الْخَيْرِ وَالْإِنْجَازِ، فَيَتَقَدَّمُ الْمُجْتَمَعُ.

رَابِعًا: حِفْظُ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ

فَإِنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ يَحْفَظُ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ، وَيَجْعَلُهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ مَحْفُوظُ الْحَقِّ، مَصُونُ الْقَدْرِ.

خَامِسًا: تَحْقِيقُ السَّعَادَةِ وَالرِّضَا

فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ وَالرِّضَا عِنْدَمَا يَجِدُ مَنْ يُنْزِلُهُ مَنْزِلَتَهُ، وَيُعْطِيهِ حَقَّهُ، وَيُقَدِّرُ جُهُودَهُ.

 

خَاتِمَةُ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْكِرَامُ،

إِنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ خُلُقٍ اجْتِمَاعِيٍّ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ شَرْعِيٌّ يَقُومُ عَلَىٰ الْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَبِهِ تَسْتَقِيمُ الْمُجْتَمَعَاتُ وَتَرْتقى به الأمم

 

google-playkhamsatmostaqltradent