كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ
طعم موتك هيكون إيه؟
ليه ربنا قال ذائقة الموت ولم يقل ستموت؟
ليه ربنا قال ذائقة الموت ولم يقل تري الموت ؟
من أخرمن يموت ؟ ذبح الموت نفسه وموته
وردت عبارة :"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ»
في القرآن الكريم ثلاث مرات في ثلاث سور مختلفة، وكل موضع يختتم بعبارة توجيهية فريدة.
مواضع الورود في القرآن
قال تعالى:" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا
تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ
الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ"( آل عمران /185).
وقال تعالى:"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً"(الأنبياء (الآية 35)
وقال تعالى:"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ"(العنكبوت/57).
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ: كل حي سيذوق مرارة الموت لا محالة، ولا خلود لبشر في هذه الدنيا.
عمرك سألت نفسك: ليه ربنا مقالش :"كل نفس
ستموت" وقال:"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ"؟.. هو الموت ده
أكل ولا شرب عشان ندوقه؟!"
جملة بنسمعها كتير وبنقرأها في القرآن، بس قليل أوي اللي بيقف عند الكلمة دي: (ذَائِقَةُ).ويسأل نفسه ويقول
ليه ربنا سبحانه وتعالى اختار فعل
"التذوق" بدل ما يقولنا ببساطة إننا "هنموت" أو "سنفنى"؟
ليه مقلش مثلا كل نفس ستموت وخلاص ؟
القرآن مفيهوش حرف محطوط صدفة.. والتعبير
ده بالذات وراه إعجاز نفسي وعقائدي يرجّف القلوب لو ركزنا فيه!
تعالوا نفكك الآية دي براحة، ونفهم السر العظيم اللي ورا كلمة "ذائقة":
لما بتدوق أكل، الطعم مابيختفيش في ثانية،
لأ ده بينتشر في حواسك، وبتفضل حاسس بيه. و ربنا عز وجل استخدم (التذوق) عشان يوضحلنا
إن الموت مش مجرد "فيشة بتتشال" أو انطفاء مفاجئ زي ما إحنا متخيلين!
الموت "عملية" ليها مراحل، و
الروح بتتسحب فيها بالراحة، والإنسان "بيعيش" تفاصيل اللحظة دي بكل جوارحه
مرحلة كشف الغطاء: حواسك بتبقى في أقصى
درجات قوتها، والميت بيبدأ يشوف الملائكة وعالم الغيب اللي كنا بنغفل عنه:"فَكَشَفْنَا
عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ".
مرحلة السحب من تحت لفوق: الروح مابتخرجش
مرة واحدة، دي بتبدأ تتسحب من صوابع الرجلين، وتطلع لفوق حتة حتة لحد ما توصل للحنجرة
(الغرغرة)، ودي لحظة العجز التام:"كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ
ۜ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ".
مرحلة الخروج: اللحظة اللي الروح بتسيب فيها الجسد، والعين بتفضل بصالها وهي طالعة للسما، زي ما النبي صلي الله عليه وسلم قال:"إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ".
طيب ليه ربنا مقالش (كل نفس سترى الموت)
أو (ستسمع به)و اختار كلمة ذائقة ؟
عشان لو شفت مشهد مرعب.. هتقدر تغمض عينك.
ولو سمعت صوت مزعج.. تقدر تسد ودانك.
ولو لمست حاجة بتلسع.. تقدر تسحب إيدك بسرعة.
لكن "التذوق"؟ لو حاجة دخلت بوقك
ولمست لسانك، مستحيل تهرب من طعمها! التجربة بقت "جواك"، دخلت في كيانك.
الرسالة هنا مرعبة: الموت مش حوار هتشوفه من بعيد، الموت هيدخل جوه خلاياك، هتدوقه غصب عنك، ومفيش أي سكة للهروب من طعمه.
بما إن الموت "بيتداق"، يبقى
أكيد ليه طعم. وزي ما الأكل ليه أطعام مختلفة، طعم الموت بيختلف تماماً على حسب رصيدك
مع ربنا.
وده اللي النبي صلي الله عليه وسلم وضحه لنا في حديث البراء بن عازب بدقة
رهيبة:
طعم الموت للمؤمن: خروج الروح بيكون زي
شربة ماية ساقعة على عطش.. النبي صلي الله عليه وسلم قال: "فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ
الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ". (بتخرج بسلاسة ونعومة زي نقطة الماية ما بتنزل من
القربة).. طعم كله سكينة، وراحة، وبشارة بالجنة.
طعم الموت للفاجر أو الغافل: النبي صلي الله عليه وسلم قال عن طلوع روحه: "فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا
يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ". (تخيل سيخ حديد مليان شوك، دخل
في صوف مبلول وبعدين شديته جامد! بيقطع ويمزع كل حاجة في طريقه).. ده طعم الألم، والندم،
والحسرة.
حتى الأنبياء والصالحين بيدوقوا "سكرات
الموت"، النبي صلي الله عليه وسلم في لحظاته الأخيرة كان بيمسح وشه بالماية
ويقول:"لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ".
بس السكرات دي للمؤمن بتبقى رفعة في درجاته،
وآخر شوية ألم بينقوا صحيفته قبل ما يقابل ربنا صافي ونقي.
الخلاصة:
كلمة :"ذَائِقَةُ" بتلخصلك الحكاية كلها:
الموت كاس داير على كل البشر، محدش هيفلت
منه، هياخد وقته جواك، وهتحس بكل تفاصيله.
كلنا هنشرب من الكاس ده، بس فيه اللي هيدوقه
بطعم الرضا والجنة والسكينة، وفيه اللي هيدوقه بطعم الخوف والندم.
اقف مع نفسك لحظة واسألها بصدق:
بأعمالي دلوقتي وصلاتي وعلاقتي بربنا..
يا ترى إيه هو "الطعم" اللي أنا بجهزه لنفسي للحظة دي ويا ترا هدوق طعم ايه
؟
من آخر من يموت على وجه الأرض؟
فآخر من يموت هو ملك الموت، ففي الدر المنثور للسيوطي: وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أنس رفعه في قوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ.... قال: فكان ممن استثنى الله جبريل، وميكائيل، وملك الموت، فيقول الله -وهو أعلم-: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول بقي وجهك الكريم، وعبدك جبريل، وميكائيل، وملك الموت، فيقول: توف نفس ميكائيل، ثم يقول -وهو أعلم- يا ملك الموت من بقي؟ فيقول بقي وجهك الكريم، وعبدك جبريل، وملك الموت، فيقول: توف نفس جبريل، ثم يقول -وهو أعلم-: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: بقي وجهك الباقي الكريم، وعبدك ملك الموت وهو ميت. فيقول: مت. ثم ينادي أنا بدأت الخلق، وأنا أعيده فأين الجبارون المتكبرون؟ فلا يجيبه أحد، ثم ينادي لمن الملك اليوم، فلا يجيبه أحد، فيقول هو لله الواحد القهار: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ.
وأخرج ابن المنذر عن جابر: فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ... قال: استثنى موسى عليه السلام لأنه كان صعق قبل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه: إلا ما شاء الله.. قال: هم حملة العرش. انتهى.
وفي تفسير ابن كثير: هذه النفخة هي الثانية وهي نفخة الصعق وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السموات والأرض إلا من شاء الله كما جاء مصرحاً به مفسراً في حديث الصور المشهور ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت وينفرد الحي القيوم الذي كان أولاً وهو الباقي آخراً بالديمومة والبقاء.. ويقول (لمن الملك اليوم) ثلاث مرات ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: لله الواحد القهار. انتهى.
جَاءَ فِي صَحيحَةِ يعقوبَ الأحمرَ، قَالَ: (دَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ ع نُعَزِّيه بِإِسْمَاعِيلَ فَتَرَحَّمَ عَلَيْه ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ نَعَى إِلَى نَبِيِّه (صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ) نَفْسَه فَقَالَ: * ( إِنَّكَ مَيِّتتٌ وإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) * وقَالَ: * ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) *، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ فَقَالَ: إِنَّه يَمُوتُ أَهْلُ الأَرْضِ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ ثُمَّ يَمُوتُ أَهْلُ السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا مَلَكُ الْمَوْتِ وحَمَلَةُ الْعَررْشِ وجَبْرَئِيلُ ومِيكَائِيلُ (عليهِمُ السَّلام) قَالَ: فَيَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ع حَتَّى يَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُقَالُ لَه: مَنْ بَقِيَ وهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَلَكُ الْمَوْتِ وحَمَلَةُ الْعَرْشِ وجَبْرَئِيلُ ومِيكَائِيلُ (عليهِمُ السَّلام) فَيُقالُ لَه: قُلْ لِجَبْرَئِيلَ ومِيكَائِيلَ فَلْيَمُوتَا فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا رَبِّ رَسُولَيْكَ وأَمِينَيْكَ فَيَقُولُ: إِنِّي قَدْ قَضَيْتُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ فِيهَا الرُّوحُ الْمَوْتَ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُقالُ لَه: مَنْ بَقِيَ وهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَلَكُ الْمَوْتِ وحَمَلَةُ الْعَرْشِ فَيَقُولُ: قُلْ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ فَلْيَمُوتُوا قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ كَئِيباً حَزِيناً لَا يَرْفَعُ طَرْفَه فَيُقالُ: مَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَلَكُ الْمَوْتِ. فَيُقَالُ لَه: مُتْ يَا مَلَكَ الْممَوْتِ فَيَمُوتُ ثُمَّ يَأْخُذُ الأَرْضَ بِيَمِينِه والسَّمَاوَاتِ بِيَمِينِه ويَقُولُ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يَدْعُونَ مَعِي شَرِيكاً؟ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يَجْعَلُونَ مَعِي إِلَهاً آخَرَ ؟ ) . إنتهى [ الكَافِي 3: 256، مِرآةُ العُقولِ 14 : 254 ].
وفِي مَرويَّاتِ أهلِ السُّنَّةِ: رَوى أحمدُ فِي مُسندِهِ والطَّبرانيُّ والحَاكِمُ وغَيرُهُ عَن لقيطٍ بنِ عَامرٍ فِي حديثٍ طَويلٍ أنَّ رَسولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ) قالَ: (تَلبِثُونَ مَا لبثتُمْ ثُمَّ يُتوفَّى نَبيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَلبثُونَ مَا لَبثتُمْ ثُمَّ تُبعَثُ الصَّائِحَةُ لَعَمرُ إلهِكَ مَا تَدَعُ عَلى ظَهرهَا مِنْ شيءٍ إلَّا مَاتَ والمَلائكةُ الَّذينَ معَ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ وأصبحَ رَبُّكَ عزَّ وجلَّ يَطيفُ فِي الأرضِ وخَلتْ عليهِ البِلادُ). إنتهى.
قَالَ الهَيثميُّ فِي "مَجمعِ الزَّوائِدِ" : (رَواهُ عبدُ اللهِ والطَّبرانيِّ بنحوهِ وأحدُ طريقيْ عبدِ اللهِ إسنادُهَا مُتّصلٌ ورِجَالُهَا ثِقاتٌ والإسنادُ الآخرُ وإسنادُ الطَّبرانيِّ مُرسلٌ عَنْ عَاصمٍ بنِ لقيطٍ إنَّ لقيطَاً). [مَجمعُ الزَّوائدِ 10 : 340].
أمَّا حديثُ الصُّورِ فَهوَ مَا رُويَ عنْ أبِي هُريرَةَ: (ثُمَّ يَجيءُ مَلَكُ المَوتِ إلى الجَبَّارِ، فيَقُولُ: يَا ربِّ، قَدْ مَاتَ حَملةُ العرشِ، فيَقُولُ اللهُ وهوَ أعلمُ: مَنْ بَقيَ؟، فَيقولُ: بقيتَ أنتَ يا رَبِّ، الحيُّ الَّذي لا تَمُوتُ، وبَقيَ جِبريلُ وميكائيلُ ، وبقيتُ أنَا، فيقولُ اللهُ: فليَمُتْ جبريلُ وميكائيلُ، فيموتانِ، ويُنطِقُ اللهُ العرشَ فيقولُ: يا ربِّ، تُميتُ جبريلَ وميكائيلَ؟ فيقولُ اللهُ لهُ: اسكُتْ، فإنِّي كتبتُ الموتَ على مَنْ تحتَ عَرشِي، ثُمَّ يَجيءُ ملَكُ المَوتِ إلَى الجَبَّارِ فَيقولُ: يا رَبِّ، ماتَ جبريلُ وميكائيلُ، فيقُولُ اللهُ وهوَ أعلمُ: فمَنْ بَقيَ؟ فيقولُ: بقيتَ أنتَ الحيُّ الَّذِي لَا تَموتُ، وبقيتُ أنَا، فيقولُ اللهُ: أنتَ خَلقٌ مِنْ خلقِي، خَلقتُكَ لِما قَدْ تَرى ، مُتْ ... ثُمَّ قَالَ: أنَا الجَبَّارُ، ثُمَّ يُنادِي: لِمنِ المُلكُ اليَومَ؟ ثُمَّ يَردُّ عَلى نَفسِهِ: للهِ الواحِدِ القَهَّارِ، يَقولُ ذَلكَ ثُمَّ يُنادِي: ألَا مَنْ كَانَ لِي شَريكَاً فليَأتِ، فَلا يأتِيهِ أحدٌ ، قَالَ ذَلكَ ثَلاثَاً). إنتهى.
وقالَ الحافظُ عمادُ الدِّينِ إبنُ كثيرٍ فِي حديثِ الصُّورِ: جمعَهُ إسماعيلُ بنُ رافعٍ مِنْ عِدَّةِ آثارٍ وأصلُهُ عندَهُ عَنْ أبِي هُريرَةَ فسَاقَهُ كُلَّهُ مَساقاً واحداً.
وقَد صَحَّحَ الحديثَ مِنْ طَريقِ إسماعيلَ بنِ رافعٍ القاضِي أبو بَكرٍ بنِ العربيّ فِي "سِراجِهِ" وتَبعَهُ القُرطبيُّ فِي "التَّذكرةِ" وقولُ عبدِ الحقِّ فِي تضعيفِهِ أولَى ، وضَعَّفَهُ قبلَهُ البَيهقيُّ). إنتهى. [فَتحُ البَاري 11: 318 ].
موت جبريل علية السلام:
يقول الجبار جل جلاله: يا ملك الموت من بقي؟ وهو أعلم، فيقول ملك الموت: سيدي ومولاي أنت أعلم: بقي إسرافيل وبقي ميكائيل وبقي جبريل وبقي عبدك الضعيف ملك الموت خاضع ذليل قد ذهلت نفسه لعظيم ما عاين من الأهوال. فيقول له الجبار تبارك وتعالى: انطلق إلى جبريل فاقبض روحه، فينطلق إلى جبريل فيجده ساجدا راكعا فيقول له: ما أغفلك عما يراد بك! يا مسكين! قد مات بنو آدم وأهل الدنيا والأرض والطير والسباع والهوام وسكان السموات وحملة العرش والكرسي والسرادقات وسكان سدرة المنتهى، وقد أمرني المولى بقبض روحك!
فعند ذلك يبكي جبريل عليه السلام ويقول متضرعا إلى الله عز وجل: يا الله ! هوِّن عليَّ سكرات الموت.
(يا الله هذا ملك كريم يتضرع ويطلب من الله بتهوين سكرات الموت، وهو لم يعص الله قط، فما بالنا نحن البشر ونحن ساهون لا نذكر الموت إلا قليلا)
فيضمه ضمة فيخر جبريل منها صريعا، فيقول الجبار جل جلاله: من بقي يا ملك الموت؟_ وهو أعلم _ فيقول: مولاي وسيدي بقي ميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت.
موت ميكائيل عليه السلام. (الملك المكلف بالماء والقطر)
فيقول الله عز وجل انطلق إلى ميكائيل فاقبض روحه. فينطلق إلى ميكائيل فيجده ينتظر المطر ليكيله على السحاب. فيقول له: ما أغفلك يا مسكين عما يراد بك! ما بقي لبني آدم رزق ولا للأنعام ولا للوحوش ولا للهوام، قد مات أهل السموات والأرضين وأهل الحجب والسرادقات وحملة العرش والكرسي وسرادقات المجد والكروبيون والصافون والمسبحون، وقد أمرني ربي بقبض روحك.
فعند ذلك يبكي ميكائيل ويتضرع إلى الله ويسأله أن يهون عليه سكرات الموت، فيحضنه ملك الموت ويضمه ضمة يقبض روحه ، فيخر صريعا ميتا لا روح فيه.
فيقول الجبار جل جلاله: من بقي - وهو أعلم - ياملك الموت؟
فيقول: مولاي وسيدي أنت أعلم، بقي إسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت.
موت إسرافيل عليه السلام. (الملك الموكل بنفخ الصور)
فيقول الجبار تبارك وتعالى: انطلق إلى إسرافيل فاقبض روحه. فينطلق كما أمره الجبار إلى إسرافيل (واسرافيل ملك عظيم)، فيقول له ما أغفلك يا مسكين عما يراد بك! قد ماتت الخلائق كلها وما بقي أحد، وقد أمرني الله بقبض روحك، فيقول إسرافيل: سبحان من قهر العباد بالموت، سبحان من تفرد بالبقاء، ثم يقول: مولاي! هوِّن عليَّ مرارة الموت. فيضمه ملك الموت ضمه يقبض فيها روحه، فيخر صريعا، فلو كان أهل السموات والأرض في السموات والأرض لماتوا كلهم من شدة وقعته.
موت ملك الموت عليه السلام . (الموكل بقبض الأرواح)
فيسأل الله ملك الموت: من بقي يا ملك الموت؟ - وهو أعلم - فيقول: مولاي وسيدي أنت أعلم بمن بقي، بقي عبدك الضعيف ملك الموت. فيقول الجبار عز وجل: وعزتي وجلالي لأذيقنك ما أذقت عبادي، انطلق بين الجنة والنار ومت. فينطلق بين الجنة والنار فيصيح صيحة لولا أن الله تبارك وتعالى أمات الخلائق لماتوا عن آخرهم من شدة صيحته فيموت.
ثم يطلع الله تبارك وتعالى إلى الدنيا فيقول: يا دنيا! أين أنهارك! أين أشجارك! وأين عمارك! أين الملوك وأبنا الملوك! وأين الجبابرة وأبناء الجبابرة! أين الذين أكلوا رزقي وتقلبوا في نعمتي وعبدوا غيري!
لمن الملك اليوم؟فلا يجيبه أحد.فيرد الله عز وجل فيقول:الملك لله الواحد القهار.
ذبح الموت نفسه وموته
عن أ[س سعيد الخدري ثال ؤسول الله صلي الله عليه وسلم :"يُؤتى بالمَوتِ كَهَيئةِ كَبشٍ أملَحَ، فيُنادي مُنادٍ: يا أهلَ الجَنَّةِ، فيَشرَئِبُّونَ ويَنظُرونَ، فيَقولُ: هل تَعرِفونَ هذا؟ فيَقولونَ: نَعَم، هذا المَوتُ، وكُلُّهم قد رَآه، ثُمَّ يُنادي: يا أهلَ النَّارِ، فيَشرَئِبُّونَ ويَنظُرونَ، فيَقولُ: هل تَعرِفونَ هذا؟ فيَقولونَ: نَعَم، هذا المَوتُ، وكُلُّهم قد رَآه، فيُذبَحُ، ثُمَّ يقولُ: يا أهلَ الجَنَّةِ، خُلودٌ فلا مَوتَ، ويا أهلَ النَّارِ، خُلودٌ فلا مَوتَ. ثُمَّ قَرَأ: {وأَنْذِرْهُمْ يَومَ الحَسرةِ إِذْ قُضيَ الأمرُ وَهُمْ في غَفلةٍ}، وهؤلاء في غَفلةٍ أهلُ الدُّنيا {وَهُمْ لَا يُؤمِنُونَ} [مريم: 39"( البخاري ومسلم باختلاف يسير).
وفي هذا الحَديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه يؤتَى بالموتِ، وهو مخلوقٌ من مخلوقاتِ ربِّ العِزَّة، ويدُلُّ عليه قَولُه تعالى:"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ"(الملك: 2) ،
وذلك الموتُ يُصَوَّرُ يومَ القيامةِ، «كهيئةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ»، أي: فيه بَياضٌ وسَوادٌ، لكنَّ سَوَادَه أقلُّ، والكبْشُ: فَحْلُ الضَّأْنِ، وعند الترمذيِّ:"فيوقَفُ على السُّورِ الذي بين الجنَّةِ والنَّارِ"، "فيُنادِي مُنادٍ"
أي: يقولُ الملَكُ الموكَّلُ بالنِّداءِ:"يا أَهلَ الجنَّة، فيَشْرَئبُّون"، أي: يَمُدُّون أعناقَهم ورِقابَهم ويَرفَعون رُؤوسَهم ويَنظُرون،"فيَقول لهم: هل تَعرفونَ هذا؟ فيقولون: نعمْ، هذا الموتُ، وكلُّهم قد رآه" أي: عَرَفَه بما يُلْقِيه اللهُ في قُلوبِهم أنَّه الموتُ، "ثمَّ يُنادِي المنادِي: يا أهلَ النَّار، فيَشْرَئِبُّون ويَنظُرون، فيقول: هلْ تَعرِفون هذا؟ فيقولون: نعمْ، هذا الموتُ، وكلُّهم قد رآهُ، فيُذبَح"،
وذلك زيادةٌ في نَعِيم المؤمنين، فلا يُفكِّروا أنَّ النَّعيم سيَنتَهي، ونِكايةٌ في عذابِ الكافرين فلا يُفكِّروا أنَّ العذابَ سينتهي. "ثمَّ يَقول الْمُنادي: يا أهلَ الجنَّة خلودٌ" أبَدَ الآبدِين، «فلا مَوتَ، ويا أهلَ النَّارِ خُلودٌ" أبدَ الآبدين، فلا موتَ ،
وكما هو مُقَرَّرٌ في عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ
وما ثبت في النُّصوصِ أنَّ الخلودَ في الجنَّةِ يختَصُّ بكُلِّ من آمَنَ باللهِ عزَّ
وجَلَّ، سواءٌ كان من أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو من الأُمَمِ السَّابقةِ،
ويختصُّ بالخلودِ في النَّارِ بكُلِّ من أشرك باللهِ عزَّ وجَلَّ وكَفَر به.
ثمَّ قرَأ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
"وَأَنْذِرْهُمْ} أي: أنذِرْ -يا محمَّدُ- جَميعَ النَّاسِ {يَوْمَ الْحَسْرَةِ}، يعني:
يومَ القيامةِ يتحَسَّرُ المسيءُ ويندَمُ إذ لم يُحسِنْ، والمقصِّرُ إذ لم يزدَدْ من
الخيرِ، ومن موجِباتِ تلك الحَسرةِ ما جاء في هذا الحديثِ، وهو خلودُ الكُفَّارِ في
النَّارِ. {إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} بأنْ فُصِل بين أهلِ الجنَّة والنَّار، ودخَل كلٌّ
إلى ما صار إليه مُخلَّدًا فيه، {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} في الدُّنيا؛ إذِ الآخِرةُ ليسَتْ
دارَ غَفْلةٍ، {وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] ؛ نفَى عنهم الإيمانَ على سَبيلِ
الدَّوامِ مع الاستمرارِ في الأزمنةِ الماضِية والآتِيةِ على سَبيلِ التَّأكيدِ والمبالَغةِ.
وفي الحَديثِ: خُلودُ أهلِ النَّارِ مِن
الكافِرِينَ فيها لا إلى أَمدٍ ولا غايةٍ، بلا موتٍ ولا حياةٍ نافعةٍ ولا راحةٍ، وأنَّهم
لا يَخرُجون مِنها، وأنَّ النارَ لا تَفْنَى، ولا تَزولُ، ولا تَبقَى خاليةً، وأنَّها
إنَّما تُخلَى فقط مِن عُصاةِ أهلِ التَّوحيدِ.
وفيه: التحذيرُ مِن يومِ القيامةِ وما يقع
فيه.
اللهم ارزقنا حسن الخاتمة، واجعل الموت
راحة لينا من كل شر، واجعل خير أيامنا يوم ما نلقاك