الإحسان إلى المحتاجين.. بين صدق العبودية وجمال السلوك
الإحسان إلى المحتاجين ومكانتُهُ في القرآن الكريم
والسنة النبوية.
الحكمة الإلهية من التفاوت الإنساني والمسؤولية
التكافلية المستدامة.
مبطلات الإحسان وصور المن والأذى في الواقع المعاصر.
حسن إعطاء الصدقة وضوابط حفظ كرامة المحتاجين.
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على
سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينِ.
فأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ،
وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢].
أَمَّا بَعْدُ: فيا عبادَ اللهِ، خرجَ ثلاثةٌ ممنْ كانَ قبلَنا
يرتادونَ لأهلِهمْ، فأمطرَتْهمُ السماءُ، فلجؤوا إلى غارٍ، فانحدرتْ صخرةٌ منَ
الجبلِ، فسدتْ عليهمُ بابَ الغارِ، فقالوا: لا ينجيكمْ مما أنتمْ فيهِ إلا أنْ
تدعوا اللهَ بصالحِ أعمالِكمْ.
فتوسلَ أحدُهمْ إلى اللهِ ببرِّ والديهِ، وتوسلَ الثاني بعفتِهِ عنِ
الحرامِ، وتوسلَ الثالثُ بأمانتِهِ وإحسانِهِ إلى أجيرٍ استأجرَهُ، فتركَ الأجيرُ
أجرَهُ عندَهُ، فاستثمرَهُ حتى صارَ منهُ مالٌ كثيرٌ، ثم جاءَهُ الأجيرُ بعدَ حينٍ
يطلبُ أجرَهُ، فأعطاهُ ما نمَّاهُ لهُ كلَّهُ، دونَ أنْ ينقصَ منهُ شيئا، وقالَ:
إنْ كنتَ تعلمُ أني فعلتُ ذلكَ ابتغاءَ وجهِ اللهِ، فافرجْ عنا ما نحنُ فيهِ.
فانفرجَتِ الصخرةُ، وخرجَ الثلاثةُ يمشونَ.
عبادَ اللهِ، تأملوا هذا المشهدَ العظيمَ.
ثلاثةٌ انقطعتْ بهمُ الأسبابُ، وأُغلقتْ عليهمُ الصخرةُ، فلمْ يجدوا
بابا إلى النجاةِ إلا بابَ اللهِ، ثم بحثَ كلُّ واحدٍ منهمْ عن عملٍ صالحٍ يرجو
أنْ يكونَ بينَهُ وبينَ اللهِ ذخرا.
وكانَ منْ ذلكَ إحسانٌ إلى أجيرٍ ضعيفٍ.
لمْ يستغلْ حاجتَهُ، ولمْ يأكلْ أجرَهُ، ولمْ يقلْ: لقدْ تركتَ مالَكَ
ومضيتَ، بلْ حفظَ حقَّهُ، ونمَّاهُ لهُ، ثمْ ردَّهُ إليهِ كاملا حينَ عادَ. وهنا
موضعُ الشاهدِ.
الإحسانُ ليسَ كلمةً جميلةً نقولُها، ولا مظهرا اجتماعيا نتزينُ بهِ،
وإنما هو عبادةٌ تظهرُ حقيقتُها حينَ يملكُ الإنسانُ القدرةَ على أنْ يعطيَ، أو
يمنعَ، أو يستغلَّ حاجةَ غيرِهِ، فيختارُ ما يرضي اللهَ.
ومنْ أبهى صورِ الإحسانِ وأعظمِها أثرا في حياةِ الناسِ: سدُّ خلةِ
المحتاجِ، وإغاثةُ الملهوفِ، وجبرُ خاطرِ المنكسرِ، ولكنْ معَ حفظِ كرامتِهِ،
وصيانةِ نفسِهِ، وإشعارِهِ أنَّ حاجتَهُ لمْ تسلبْهُ قدرَهُ، وأنَّ فقرَهُ لمْ
يجعلهُ إنسانا منْ درجةٍ ثانيةٍ.
العنصر الأول: الإحسانُ إلى المحتاجينَ ومكانتُهُ في القرآنِ الكريمِ
والسنةِ النبويةِ
أيها المسلمونَ، جعلَ اللهُ بذلَ المالِ معَ محبتِهِ في النفسِ منْ
دلائلِ البرِّ الصادقِ، فقالَ سبحانهُ: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ
وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ
وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
قالَ الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: «أيْ أخرجَهُ وهوَ محبٌّ لهُ
راغبٌ فيهِ». فتأملوا قولَهُ تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾، فالعطاءُ
الحقيقيُّ ليسَ أنْ تعطيَ ما استغنيتَ عنهُ، وإنما أنْ تجاهدَ شحَّ النفسِ، وتقدمَ
للهِ مما تحبُّ، ثقةً بما عندَهُ، ورغبةً في مرضاتِهِ.
وقالَ سبحانهُ: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ
مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٦١].
ثمَّ يأتي البيانُ النبويُّ ليضعَ خدمةَ المحتاجِ في مكانةٍ عاليةٍ
منَ العبادةِ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ:
«السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ،
وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ».
رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.
فانظروا كيفَ جعلَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ السعيَ على المحتاجِ
عبادةً تنافسُ عباداتٍ عظيمةً؛ لأنَّ العبادةَ ليستْ دائما في محرابِ الإنسانِ،
فقدْ تكونُ في طريقِهِ إلى بيتِ أرملةٍ، أوْ في سعيِهِ لعلاجِ مريضٍ، أوْ في
تفريجِ كربةِ أسرةٍ أنهكَها العجزُ.
العنصر الثاني: الحكمةُ الإلهيةُ منَ التفاوتِ الإنسانيِّ والمسؤوليةُ
التكافليةُ المستدامةُ
عبادَ اللهِ، لمْ يجعلِ اللهُ الناسَ سواءً في المالِ والقوةِ والصحةِ
والقدرةِ، وإنما جعلَ التفاوتَ ميدانا للابتلاءِ والمسؤوليةِ، فقالَ سبحانهُ:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ
بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ
الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. فالغنيُّ ممتحنٌ بما
عندَهُ، والفقيرُ ممتحنٌ بما فقدَهُ، والقادرُ ممتحنٌ بقدرتِهِ، والصحيحُ ممتحنٌ
بصحتِهِ.
وليسَ المالُ وحدَهُ هوَ معيارَ التفاضلِ عندَ اللهِ، وإنما قيمةُ
الإنسانِ فيما يقدمهُ منْ خيرٍ، وفيما يؤديهِ منْ حقٍّ.
ولهذا قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ
كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.
فالمؤمنُ لا يعيشُ وحدَهُ، ولا يرى نجاحَهُ منفصلا عنْ مجتمعهِ، فإذا
أعطاهُ اللهُ قوةً أعانَ بها ضعيفا، وإذا أعطاهُ علما علَّمَ جاهلا، وإذا أعطاهُ
مالا أغاثَ محتاجا.
والتكافلُ في الإسلامِ ليسَ موسما ينتهي بانتهاءِ رمضانَ، ولا حملةً
تنتهي بانتهاءِ الإعلانِ، وإنما هوَ خلقٌ مستمرٌّ ومسؤوليةٌ متجددةٌ.
وقدْ يكونُ أعظمُ الإحسانِ أنْ تسدَّ حاجةَ الإنسانِ اليومَ، ثمَّ
تساعدَهُ على أنْ يستغنيَ عنْ السؤالِ غدا؛ فتعطيهِ طعاما حينَ يجوعُ، وتعينُهُ
على علاجٍ حينَ يمرضُ، وتفتحُ لهُ بابَ عملٍ حينَ يعجزُ عنْ الكسبِ.
العنصر الثالث: مبطلاتُ الإحسانِ وصورُ المنِّ والأذى في الواقعِ
المعاصرِ
أيها المسلمونَ، أخطرُ ما يفسدُ المعروفَ أنْ يتبعَهُ صاحبهُ بالمنِّ
والأذى، قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا
صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
والمنُّ أنْ تذكرَ المحتاجَ بما أعطيتَهُ، والأذى أنْ تؤلمَهُ بكلمةٍ،
أوْ نظرةٍ، أوْ تصرفٍ يشعرُهُ أنَّهُ أدنى منْكَ بسببِ حاجتِهِ.
قالَ الإمامُ ابنُ عاشورٍ رحمهُ اللهُ: «المنُّ على المتصدقِ عليهِ
هوَ تذكيرُهُ بالنعمةِ، والأذى: الإساءةُ والضرُّ القليلُ للمنعمِ عليهِ». فكمْ
منْ صدقةٍ خرجتْ منْ يدٍ، ثمَّ أفسدَها لسانٌ! وكمْ منْ محتاجٍ احتملَ ألمَ
الفقرِ، لكنهُ لمْ يحتملْ أنْ يُهانَ بسببِهِ!
ومنْ أخطرِ صورِ الأذى في زمانِنا: تصويرُ المحتاجينَ أثناءَ استلامِ
المساعداتِ، ونشرُ صورِ المرضى والأيتامِ والفقراءَ؛ حتى تصبحَ حاجةُ الإنسانِ
مادةً للتفاعلِ، وتتحولَ معاناتُهُ إلى إعلانٍ عنْ إحسانِ غيرِهِ.
وهنا نقولُ بوضوحٍ: نحنُ نريدُ أنْ نطعمَ المحتاجَ، لا أنْ نعرضَهُ.
نريدُ أنْ نسترَهُ، لا أنْ نشهرَ بهِ. نريدُ أنْ نجبرَ خاطرَهُ، لا أنْ نجعلَ
ضعفَهُ وسيلةً لشهرتِنا.
وقدْ قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فيمنْ يخفي صدقتَهُ:
«وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ
شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ». رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.
فإخفاءُ الصدقةِ أدعى للإخلاصِ، وأحفظُ لكرامةِ المحتاجِ، وأبعدُ عنْ
تحويلِ المعروفِ إلى مشهدٍ للاستعراضِ.
الخطبةُ الثانيةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الْأَمِينُ، أَمَّا بَعْدُ:
العنصر الرابع: حسنُ إعطاءِ الصدقةِ وضوابطُ حفظِ كرامةِ المحتاجينَ
فيا عبادَ اللهِ، ليسَ المهمُّ فقطَّ أنْ تعطيَ، ولكنْ المهمُّ كيفَ
تعطي. قالَ اللهُ تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ
يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. تأملوا هذا الميزانَ
القرآنيَّ: كلمةٌ طيبةٌ ومسامحةٌ خيرٌ منْ صدقةٍ يتبعُها أذى.
فإذا أعطيتَ محتاجا، فأعطِهِ بوجهٍ طيبٍ، وكلمةٍ كريمةٍ، وقلبٍ لا يرى
نفسَهُ أعلى منهُ.
وتذكرْ أنَّك حينَ تعطيهِ، فإنما تؤدي نعمةَ اللهِ عليكَ، فلا تجعلْ
نعمتهُ عليكَ سببا لإهانتِهِ.
ومنْ أعظمِ الفقهِ في الإحسانِ أنْ تبحثَ عنْ أولئكَ الذينَ لا
يسألونَ الناسَ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ
التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾
[البقرة: ٢٧٣].
فربُّ أسرةٍ ضاقتْ بهِ الدنيا ولا يشتكي، وجارٌ يحتاجُ ولا يسألُ،
وأرملةٌ تخفي حاجتَها حياءً، ومتعففٌ يمنعُهُ حياؤُهُ منْ أنْ يمدَّ يدَهُ لأحدٍ.
فابحثوا عنْ هؤلاءِ، وأوصلوا إليهمُ المعروفَ في سترٍ ولطفٍ، حتى لا
تكونَ الصدقةُ قدْ أعطتْهُ مالا وأخذتْ منهُ كرامتَهُ.
وللهِ درُّ القائلِ:
أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمُ
فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ
ولكنَّ الإحسانَ الذي نريدهُ ليسَ إحسانَ منْ يستعبدُ الناسَ
بمعروفِهِ، وإنما إحسانُ منْ يتواضعُ لهمْ، ويطلبُ الأجرَ منْ ربِّهِ، ويتركُ في
قلبِ المحتاجِ أثرا جميلا لا جرحا قديما.
فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، وطهروا صدقاتِكمْ منَ المنِّ، وألسنتَكمْ
منَ التعييرِ، وأعمالَكمْ منَ الاستعراضِ، واجعلوا إحسانَكمْ سترا لا فضيحةً،
وجبرا لا كسرا، ورحمةً لا استعلاءً.
(الدعاء).