نبي الرحمة صلي الله عليه وسلم
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْطَلَعَ لِلْإِسْلَامِ
فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَعْدَهُ، وَنَظَّمَ فِيهِ لِلْهُدَى عَقْدَهُ؛ حَيْثُ
أَبْرَزَ لِلْوُجُودِ نَبِيَّهُ وَعَبْدَهُ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَمَالَاتِ
مَا لَا يُمْكِنُ لِحَاسِبٍ أَنْ يَعُدَّهُ، وَحَلَّاهُ بِالرِّسَالَةِ فَبَذَلَ فِي
أَدَائِهِمْ جَهْدَهُ، أَضَاءَ الْوُجُودَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، أَحْمَدُهُ
أَنْ جَعَلَ أُمَّتَنَا آخِرَ الْأُمَمِ وَخَيْرَ أُمَّةٍ، وَبَعَثَ فِينَا رَسُولًا
مِنَّا يَتْلُو عَلَيْنَا آيَاتِهِ وَيُزَكِّينَا وَيُعَلِّمُنَا الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ،
أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ الْجَمَّةِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ
لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَكُونُ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهَا خَيْرَ عِصْمَةٍ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لِلْعَالَمِينَ رَحْمَةً، فَدَعَا إِلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ
وَتَوْحِيدِ الْكَلِمَةِ، فَكَشَفَ اللَّهُ بِهِ الْغُمَّةَ، وَمَحَا بِنُورِ سُنَّتِهِ
الظُّلْمَةَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ
صَلَاةً تَكُونُ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا عَلَى
آلِهِ وَصَحْبِهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ ـ عِبَادَ اللَّهِ ـ بِتَقْوَى
اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّ الْعَبْدِ وَسَبَبَ بُعْدِهِ، وَأَمْرُكُمْ بِلُزُومِ
طَاعَتِهِ لِتَنَالُوا عِنْدَهُ قَصْدَهُ، وَاتَّقُوا نَارًا أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ
عَصَاهُ وَأَبْعَدَهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ الْعِصْمَةُ وَالْعُدَّةُ،
فَمَا فَازَ إِلَّا مَنْ أَطَاعَ مَوْلَاهُ وَأَدَّى عَهْدَهُ، وَلَا خَابَ إِلَّا
مَنْ أَضَلَّ نَفْسَهُ وَأَهْمَلَ رُشْدَهُ.
ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى
الْبَرِيَّةِ، وَأَجَلِّ مِنَنِهِ عَلَى الْإِنْسَانِيَّةِ، أَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهَا
نَبِيًّا كَرِيمًا، وَرَسُولًا رَحِيمًا، وَهَادِيًا إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ؛
فَكَانَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَبَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَسِرَاجًا لِلْمُسْتَنِيرِينَ.
قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَاشِفَةً
عَنْ حَقِيقَةِ الرِّسَالَةِ مُحَمَّدِيَّةِ الجَوْهَرِ، وَمُبَيِّنَةً أَنَّ الرَّحْمَةَ
لَمْ تَكُنْ خُلُقًا عَارِضًا فِي شَخْصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا خَصْلَةً تَظْهَرُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهَا
ثُمَّ تَغِيبُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ رُوحَ رِسَالَتِهِ، وَغَايَةَ بِعْثَتِهِ، وَأَثَرًا
مُمْتَدًّا فِي كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ هَدْيٍ وَتَشْرِيعٍ.
وَقَدْ جَاءَتْ رَحْمَتُهُ ﷺ أَوْسَعَ مِنْ أَنْ تَحُدَّهَا دَائِرَةٌ
أَوْ يُقَيِّدَهَا انْتِمَاءٌ؛ فَلَمْ تَكُنْ رَحْمَةً لِفِئَةٍ دُونَ أُخْرَى، وَلَا
لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، بَلْ كَانَتْ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، شَمِلَتِ الْمُؤْمِنَ
وَالْمُخَالِفَ، وَالْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ، وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالصَّدِيقَ
وَالْعَدُوَّ، وَامْتَدَّتْ حَتَّى إِلَى الْحَيَوَانِ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ،
فَكَانَ ﷺ رَحْمَته تَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، يَرِقُّ
لِلضَّعِيفِ، وَيُوَاسِي الْحَزِينَ، وَيَعْطِفُ عَلَى الْمُحْتَاجِ، وَيَصْفَحُ عَمَّنْ
أَسَاءَ، وَيَحْرِصُ عَلَى هِدَايَةِ مَنْ خَالَفَهُ، حَتَّى غَدَتِ الرَّحْمَةُ فِي
سِيرَتِهِ مَنْهَجًا أَصِيلًا لَا مَوْقِفًا اسْتِثْنَائِيًّا.
وَلَمْ تَقِفْ رَحْمَتُهُ ﷺ عِنْدَ حُدُودِ الْمَشَاعِرِ وَالْعَوَاطِفِ،
بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى مَنْهَجِ حَيَاةٍ مُتَكَامِلٍ تَجَلَّى فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ،
وَفِي عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، وَفِي بَيْتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، وَفِي حَالِ
السِّلْمِ وَالْحَرْبِ، وَفِي تَعَامُلِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَمُخَالِفِيهِ، فَكَانَ
يُعَلِّمُ الرَّحْمَةَ قَوْلًا، وَيُجَسِّدُهَا فِعْلًا، وَيَغْرِسُهَا فِي النُّفُوسِ
خُلُقًا وَسُلُوكًا.
فَتَعَالَوْا بِنَا نَنْهَلْ مِنْ مَعِينِ رَحْمَتِهِ،
وَنَتَأَمَّلْ فِي جَمَالِ شَمَائِلِهِ، وَنَتَعَلَّمْ كَيْفَ كَانَ ﷺ رَحِيمًا بِالْجَمِيعِ!
فَمِنْ رَحْمَتِهِ ﷺ؛ رَحْمَتُهُ بِالْأَطْفَالِ وَالضُّعَفَاءِ:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ، عَلَى عُلُوِّ مَكَانَتِهِ وَعَظِيمِ شَأْنِهِ،
قَرِيبًا مِنَ الصِّغَارِ، يَمْلَأُ قُلُوبَهُمْ أُنْسًا وَمَحَبَّةً، وَيُعَامِلُهُمْ
بِعَطْفٍ يَفِيضُ رَحْمَةً وَحَنَانًا، فَكَانَ يَحْمِلُ الْأَطْفَالَ وَيُقَبِّلُهُمْ
وَيُدَاعِبُهُمْ، وَيَخُصُّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِعِنَايَةٍ
ظَاهِرَةٍ، فَيُلَاطِفُهُمَا أَمَامَ أَصْحَابِهِ دُونَ أَنْ يَرَى فِي ذَلِكَ مَا
يُنْقِصُ مِنْ هَيْبَتِهِ أَوْ مَكَانَتِهِ، وَحِينَ اسْتَنْكَرَ الْبَعْضُ تَقْبِيلَهُ
لِلصِّبْيَانِ، بَيَّنَ ﷺ أَنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ الَّتِي تَمْنَحُ
الْقَلْبَ إِنْسَانِيَّتَهُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ
بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ
الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ»
[متفق عليه].
وَكَانَ ﷺ يُرَاعِي أَحْوَالَ الصِّغَارِ حَتَّى
فِي أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ؛ فَكَانَ إِذَا سَمِعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ
خَفَّفَ فِيهَا، مُرَاعَاةً لِمَشَاعِرِ أُمِّهِ وَشَفَقَةً عَلَيْهَا، فَعَنْ أَبِي
قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ،
أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي؛
كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» [متفق عليه].
وَمِنْ جَمِيلِ رَحْمَتِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَلْتَفِتُ إِلَى الْأَطْفَالِ
فِي الطَّرِيقِ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيُلَاطِفُهُمْ، وَيَمْنَحُهُمْ مِنْ وَقْتِهِ
وَاهْتِمَامِهِ مَا يُشْعِرُهُمْ بِقِيمَتِهِمْ وَمَكَانَتِهِمْ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ،
وَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ» [رواه البخاري].
وَمِنْ رَحْمَتِهِ ﷺ؛ رَحْمَتُهُ بِالنِّسَاءِ:
جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِرِسَالَةٍ رَفَعَتْ عَنِ الْمَرْأَةِ
صُوَرًا مِنَ الظُّلْمِ وَالِامْتِهَانِ، وَأَكَّدَتْ كَرَامَتَهَا وَحُقُوقَهَا، وَجَعَلَتِ
الْإِحْسَانَ إِلَيْهَا مِنْ دَلَائِلِ حُسْنِ الْخُلُقِ، فَقَالَ ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»
[متفق عليه]، وَقَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»
[رواه ابن ماجه]. وَكَانَ ﷺ قُدْوَةً فِي حُسْنِ مُعَاشَرَةِ زَوْجَاتِهِ،
رَفِيقًا بِهِنَّ، يَسْتَمِعُ إِلَيْهِنَّ وَيُكْرِمُهُنَّ، كَمَا رَفَعَ مَكَانَةَ
الْأُمِّ وَأَكَّدَ عَظِيمَ حَقِّهَا، فَقَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ أَحَقِّ النَّاسِ
بِحُسْنِ صُحْبَتِهِ: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ
أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» [رواه مسلم].
كَمَا حَفِظَ ﷺ لِلْمَرْأَةِ مَكَانَتَهَا الِاجْتِمَاعِيَّةَ
وَالْإِنْسَانِيَّةَ، فَأَقَرَّ لَهَا حُقُوقَهَا، وَحَثَّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى
الْبَنَاتِ وَرِعَايَتِهِنَّ، وَجَعَلَ الْقِيَامَ عَلَيْهِنَّ بَابًا عَظِيمًا مِنْ
أَبْوَابِ الْأَجْرِ، فَقَالَ ﷺ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا
جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهَكَذَا، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ» [رواه مسلم].
وَمِنْ رَحْمَتِهِ ﷺ؛ رَحْمَتُهُ بِالْحَيَوَانِ:
فَقَدِ امْتَدَّتْ رَحْمَةُ النَّبِيِّ
ﷺ لِتَشْمَلَ كُلَّ كَائِنٍ حَيٍّ يَدُبُّ
عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ، فَجَاءَتْ أَحَادِيثُهُ الشَّرِيفَةُ تَنْهَى عَنْ تَعْذِيبِ
الْحَيَوَانِ وَإِيذَائِهِ أَشَدَّ النَّهْيِ، حَتَّى أَخْبَرَ ﷺ «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ فِي
هِرَّةٍ؛ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ
الْأَرْضِ» [متفق عليه]، فِي حِينِ أَخْبَرَ أَنَّ رَجُلًا سَقَى كَلْبًا أَشْرَفَ
عَلَى الْهَلَاكِ مِنَ الْعَطَشِ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ
عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ
بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا
مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ
فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»
[متفق عليه].
وَمِنْ مَوَاقِفِ رَحْمَتِهِ ﷺ مَعَ الْحَيَوَانِ مَا وَرَدَ أَنَّهُ
ﷺ دَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ
فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ
النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ:
«مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟»، فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ
فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ
الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ
تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» [رواه أبو داود].
وَمِنْ رَحْمَتِهِ ﷺ؛ رَحْمَتُهُ بِالْعُصَاةِ وَالْمُذْنِبِينَ:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفَرِّقُ دَائِمًا بَيْنَ الذَّنْبِ وَصَاحِبِهِ،
فَيَمْقُتُ الْمَعْصِيَةَ وَيَرْحَمُ الْمُذْنِبَ، وَيَسْعَى إِلَى تَقْوِيمِهِ لَا
إِلَى فَضْحِهِ وَتَحْطِيمِهِ، فَكَانَ أُسْلُوبُهُ فِي التَّرْبِيَةِ قَائِمًا عَلَى
السِّتْرِ وَالتَّلَطُّفِ، لَا عَلَى التَّشهِيرِ وَالتَّجْرِيحِ، حَتَّى قَالَ لِأَصْحَابِهِ
حِينَ قَالُوا لِرَجُلٍ ارْتَكَبَ ذَنْبًا: أَخْزَاكَ اللَّهُ! فَقَالَ: «لَا تَقُولُوا
هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» مُؤَسِّسًا بِذَلِكَ مَنْهَجًا نَبَوِيًّا
فِي الْإِصْلَاحِ يَقُومُ عَلَى مُعَالَجَةِ الْخَطَأِ، مَعَ حِفْظِ كَرَامَةِ الْمُخْطِئِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَدِمَ الطُّفَيْلُ
بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ
دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا! قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
فَقُلْتُ: هَلَكَتْ دَوْسٌ! فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ
دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» [رواه البخاري].
أيها المسلمون، إنَّ التحلي بهذا الخلق
النبوي العظيم هو سبيل النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة، فلنكن رحماء بيننا اقتداءً
بنبينا المصطفى ﷺ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَ الْوُجُودَ
بِمَوْلِدِ نَبِيِّهِ وَحُجَّتِهِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا رَحْمَتَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي أَضَاءَ الْكَوْنَ بِنُورِ هِدَايَتِهِ وَسُنَّتِهِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا
وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي أَنَارَ الدُّنْيَا بِبِعْثَتِهِ وَدَعْوَتِهِ، وَأَتَمَّ
عَلَيْنَا النِّعْمَةَ بِمَحَبَّتِهِ وَسِيرَتِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ
تَبِعَ هُدَاهُ وَتَمَسَّكَ بِمِلَّتِهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
كُلَّمَا انْتَشَرَتِ الْمَادِّيَّةُ وَأَضَفْتَ
عَلَى الْحَيَاةِ ظِلَالَهَا زَادَتْ حَاجَةُ الْإِنْسَانِ الْمُعَاصِرِ إِلَى اسْتِعَادَةِ
مَعَالِمِ الرَّحْمَةِ النَّبَوِيَّةِ وَتَطْبِيقِهَا فِي تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ.
فَفِي الْأُسْرَةِ، يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ
يَسْتَلْهِمَ رَحْمَتَهُ ﷺ بِأَنْ يَكُونَ كَمَا كَانَ مَعَ أَهْلِهِ؛
رَفِيقًا فِي الْقَوْلِ، عَادِلًا بَيْنَ أَبْنَائِهِ، صَبُورًا عَلَى تَقْصِيرِ زَوْجِهِ،
مُتَجَاوِزًا عَنْ هَفَوَاتِ أُفْرَادِ بَيْتِهِ، فَقَدْ كَانَ ﷺ فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ، يَخْدُمُ نَفْسَهُ
وَيَرْفُقُ بِمَنْ حَوْلَهُ، حَتَّى قَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ» [رواه
الترمذي]، فَالرَّحْمَةُ تَبْدَأُ بِأَقْرَبِ النَّاسِ قَبْلَ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَى
الْغُرَبَاءِ.
وَفِي مَيْدَانِ الْعَمَلِ، تَتَجَلَّى الرَّحْمَةُ
النَّبَوِيَّةُ فِي إِنْصَافِ الْمُوَظَّفِ وَالْعَامِلِ، وَعَدَمِ تَحْمِيلِهِ فَوْقَ
طَاقَتِهِ، وَمُرَاعَاةِ ظُرُوفِهِ، اقْتِدَاءً بِوَصِيَّتِهِ ﷺ: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ
أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» [رواه ابن ماجه]، فَالرَّحْمَةُ فِي الْعَمَلِ لَيْسَتْ تَرَاخِيًا
أَوْ تَهَاوُنًا، بَلْ عَدْلًا يَحْفَظُ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ الْعَامِلِ وَيَصُونُ
حُقُوقَهُ.
أَمَّا فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْمُخَالِفِ،
سَوَاءٌ كَانَ مُخَالِفًا فِي الرَّأْيِ أَوِ الدِّينِ أَوِ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّ رَحْمَتَهُ
ﷺ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا
يَسْتَدْعِي الْعَدَاءَ، وَأَنَّ الْحِوَارَ الْهَادِئَ أَجْدَى مِنَ الْإِقْصَاءِ
وَالتَّخْوِينِ، فَقَدْ جَالَسَ ﷺ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَأَنْصَفَ
الْمُخَالِفَ قَبْلَ الْمُوَافِقِ، وَعَامَلَ النَّاسَ بِمُقْتَضَى إِنْسَانِيَّتِهِمْ
لَا بِمُقْتَضَى عَقِيدَتِهِمْ فَحَسْبُ.
وَمِنْ أَهْمِ مَا يَنْبَغِي اسْتِلْهَامُهُ
الْيَوْمَ أَنَّ الرَّحْمَةَ كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طَرِيقًا لِلدَّعْوَةِ لَا وَسِيلَةً لِلْإِكْرَاهِ،
فَقَدْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لَا نِقْمَةً، وَدَاعِيًا لَا مُسَيْطِرًا، يُخَاطِبُ
الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ قَائِلًا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
[آل عمران: ١٥٩]، فَكَانَ لِينُ قَلْبِهِ الشَّرِيفِ سَبَبًا فِي اجْتِمَاعِ الْقُلُوبِ
حَوْلَهُ لَا سَبَبًا فِي ضَعْفِ مَوْقِفِهِ، لِيَبْقَى هَذَا الدَّرْسُ شَاهِدًا خَالِدًا
عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْحَقِّ تُبْنَى بِالرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ، لَا
بِالْقَسْوَةِ وَالْإِجْبَارِ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُقَرِّبَ النَّاسَ إِلَى
الْخَيْرِ، فَلْيَبْدَأْ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي قَادَتْ قُلُوبَ الْعَالَمِينَ إِلَى
أَنْوَارِ النُّبُوَّةِ.
الرَّحْمَةُ الْمَهْدَاةُ جَاءَ مُبَشِّرًا
*** وَلِأَفْضَلِ الْأَدْيَانِ قَامَ فَأَنْذَرَا
وَلِأَكْرَمِ الْأَخْلَاقِ جَاءَ مُتَمِّمًا
*** يَدْعُو لِأَحْسَنِهَا وَيَمْحُو الْمُنْكَرَا
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ فِي مَلَكُوتِهِ
*** مَا قَامَ عَبْدٌ فِي الصَّلَاةِ وَكَبَّرَا
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ فِي مَلَكُوتِهِ
*** مَا عَاقَبَ اللَّيْلُ النَّهَارَ وَأَدْبَرَا
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ فِي مَلَكُوتِهِ
*** مَا دَارَتِ الْأَفْلَاكُ أَوْ نَجْمٌ سَرَى
وَعَلَيْهِ مِنْ لَدُنِ الْإِلَهِ تَحِيَّةٌ
*** رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ بِطِيبٍ أَثْمَرَا
عباد الله، إننا اليوم في أشدِّ الحاجة
لاقتفاء أثر النبي الخاتم ﷺ في الرحمة والتسامح، نسأل الله أن يرزقنا
حبَّه والعمل بسنته.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا
مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ
وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذل الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ،
الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ
مِنَ الْخَاسِرِينَ.
عِبَادَ اللَّهِ،{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فَاذْكُرُوا اللَّهَ
الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ
أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وأقم الصلاة. عرض أقل